«مبادرة مستقبل الاستثمار»: السعودية تجمع العالم لرسم اقتصاد الغد

مستثمرون عالميون ومحليون لـ«الشرق الأوسط»: نتطلع لخريطة طريق تواجه التحديات

صورة أرشيفية للنسخة السادسة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» العام الماضي
صورة أرشيفية للنسخة السادسة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» العام الماضي
TT

«مبادرة مستقبل الاستثمار»: السعودية تجمع العالم لرسم اقتصاد الغد

صورة أرشيفية للنسخة السادسة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» العام الماضي
صورة أرشيفية للنسخة السادسة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» العام الماضي

في ظل تركيز أنظار العالم على الرياض، حيث تنطلق أعمال فعاليات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» يوم الثلاثاء، شدد مستثمرون عالميون ومحليون على أهمية استغلال الفرص التي سيوفرها المؤتمر في عالم الاقتصاد الجديد، وتكنولوجيا مزيج الطاقة والأمونيا والهيدروجين الأخضر، للدفع بالتحالفات الدولية المعززة للتوجه السعودي في قيادة دفة الاقتصاد العالمي، وتطوير استراتيجيات عبور التحديات واستكشاف فرص المستقبل.

وفي هذا الإطار، توقع المستثمر الأميركي في مجال الطاقة الخضراء الهيدروجين والكربون الصفري، الرئيس التنفيذي لشركة «سكاي تورز» إريك فانغ، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تركز المبادرة على تأثير الاستثمار على الإنسانية، كبرنامج تفاعلي مصمم لمساعدة المستثمرين على إعادة ضبط المسارات لشركاتهم وللاقتصاد العالمي، مع تطوير استراتيجيات جديدة لفهم أكبر تحديات وفرص العصر الجديد.

وتطلع فانغ إلى اكتشاف أسواق جديدة وتوسيع حدود النمو الاقتصادي مع الالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، مؤكداً ضرورة أن تستند التنمية الخضراء، بما في ذلك البنية التحتية والصناعة والتصنيع وسلسلة التوريد والموارد المعدنية الطبيعية إلى الحوكمة القوية لتأثيرها الإيجابي على البشرية.

توصيات تنسجم مع بناء المستقبل

حسب فانغ، فإن توصيات المؤتمر لمواجهة تحديات الاقتصاد والاستثمار والتجارة يجب أن تنطوي على رؤية تتمثل في إضافة قيمة عبر إنشاء مكان لعرض طرق الحد من تلوث الكربون قبل أن يتسرب إلى الغلاف الجوي، من خلال إعادة هندسة التلوث من عمليات التصنيع والنقل وتوليد الطاقة والبناء.

وأضاف: «يجب أن نعمل ما في وسعنا لتحقيق الهدف المتفق عليه عالمياً المتمثل في حياد الكربون بحلول عام 2060 والنهج الاستباقي لإزالته. ولذا، نحن نؤكد بقوة أن تطوير السوق الجديدة يجب أن يكون له إطار حكومي قوي لقيادة عملية التطوير، بغضّ النظر عن الصناعات».

وتابع فانغ: «بالتعاون مع شريكنا المستثمر من الصين، اللجنة المهنية لاستثمار الطاقة (إيبك) التابعة لجمعية الاستثمار الصينية، التي بدأت حركة (صفر كربون) في الصين في يناير (كانون الثاني) 2020. أصدرنا دليلاً على مستوى الصناعة والكثير من توصيات معيار الكربون الصفري داخل الصين، والتي وافقت عليها الحكومة المركزية. وهي المبادرة ذاتها التي نتحدث عنها مع المملكة والتي تشكل مدخلنا الأوّلي الذي يهدف إلى وضع التحول الأخضر في مقدمة استثماراتنا وتطوير سلسلة التوريد وأجيال الطاقة الخضراء».

الهيدروجين الأخضر والذكاء الاصطناعي

يقول فانغ: «لا توجد خاصية فيزيائية أو منتج استحوذ على خيال الإنسان فيما يتعلق بإمكانات عصر الطاقة الجديد مثل الهيدروجين، الذي يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه بديل مناسب لنواتج التقطير البترولية في قيادة العالم.

وتساءل فانغ: «كيف يمكن أن يكون إنتاج الهيدروجين عملية اقتصادية دائرية أخرى ذات قيمة مضافة للمملكة؟ الأمر يبدأ بالميثان، الذي يتم إنتاجه بكميات كبيرة جداً حول العالم من الكثير من المصادر المختلفة، بما في ذلك استكشاف وتطوير صناعة النفط في السعودية.

وحسب فانغ، يعد الهيدروجين سلعة مفيدة للغاية، ولكنه يتطلب الكثير من المعالجة الخاصة بسبب قابليته للاشتعال. ويمكن اعتبار الأمونيا، التي تتكون من ذرتين من الهيدروجين وثلاث ذرات من النيتروجين، حاملة هيدروجين غير قابلة للاشتعال. كما يمكن تكسير الأمونيا إلى هيدروجين عند نقطة الاحتراق.

وتابع: «الأمونيا مادة خام صناعية ولكنّ التكنولوجيا الجديدة ستسمح لها بأن تكون (الوسيلة) لنقل الهيدروجين وتحويله إلى وقود أخضر في عصر الطاقة الجديد. وستكون السعودية في طليعة عصر الطاقة الجديد هذا مع معالجة الحاجة إلى السياسات لتحقيق الحياد الكربوني في وقت وجيز. وحالياً، يسعى زعماء العالم إلى تحقيق نمو بمعدل 29 ضعفاً في احتجاز الكربون بحلول عام 2030، ومن الممكن أن تكون مبادرة السعودية مبادرةً عالمية قادرة على تحويل الكربون من عامل خارجي اقتصادي إلى سلعة مشتركة.

كما أعلن عن تعاون «سكاي تورز للاستثمار» مع شركائها المحليين في المنطقة الاقتصادية الخاصة مثل مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، لبناء مجمع لصناعة الهيدروجين لإدارة جميع الأنواع المختلفة من تقنيات الهيدروجين والأمونيا وعمليات التصنيع، والتأكد من وجود منطقة حديثة لاستيعاب تطور التكنولوجيا، مع الانسجام مع الاتجاه العالمي والسعودي لتعزيز الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

وفي ضوء هذا الواقع الجديد، يرى فانغ أن التوترات الجيوقتصادية والجيوسياسية تزيد من تعقيد التركيز العالمي، مشيراً إلى أن المملكة لديها فرصة لقيادة التوازن في تحسين تعبئة رأس المال ومتابعة الفرص المكتشفة مع التزاماتها تجاه مستقبل البشرية عبر اعتماد الذكاء الاصطناعي وتطوير الروبوتات من خلال برامج البحث والتطوير.

بوصلة الاتجاه العالمي للاقتصاد من السعودية

من جهته، أكد رجل الأعمال السعودي، رئيس شركة «التميز السعودية القابضة»، المستثمر في مجال الطاقة الخضراء والكربون الصفري، عبد الله بن زيد المليحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن المؤتمر في نسخته السابعة، يعد فرصة عالمية توجه بوصلة الاقتصاد العالمي من السعودية في مستقبل الإنجاز والتطوير السعودي في مجالات مختلفة ومجال الطاقة الخضراء والتكنولوجيا والكربون، متوقعاً أن يجذب المؤتمر استثمارات سعودية - أميركية - صينية.

وقال المليحي، وهو الشريك السعودي في شركة «سكاي تورز للاستثمار»، الوليد الشرعي للتحالف السعودي - الأميركي - الصيني للطاقة الخضراء، إن التطور المتسارع للسعودية، أصبح مقياساً للحضارة العالمية ونموذجاً لخطط التطوير والإنجاز. فتجمُّع قادة الاستثمار العالمي في الرياض يعد رسالة مفادها «المستقبل ينطلق من المملكة»، حيث سيتناول المؤتمر القضايا المحورية التي تؤرق العالم بما في ذلك تغير المناخ، ودور الحكومات، والإمكانات التحويلية للتكنولوجيا والتعليم والرعاية الصحية.

وأشار المليحي إلى أن التحالف الأميركي - السعودي - الصيني يستفيد من خلاصة تجربته في المؤتمر لإطلاق أول مشاريعه المقررة بداية عام 2024. مبيناً أن المؤتمر سيسرّع وتيرة المشاريع الكبرى في مجال الكربون كمعيار للاستثمار المستقبلي المبنيّ على الاعتبارات البيئية والاجتماعية والحوكمة، ومن خلال العمل مع البرنامج، متوقعاً أن تستفيد شركة «سكاي تورز للاستثمار» من استثمارات المؤتمر، بوصفها شريكاً في مجال سياسات وممارسات الاستثمار الأخضر.

وأضاف: «من خلال هذه الشراكة، يمكننا أن نجعل معاييرنا الخالية من الكربون تعمل على تطوير توصيات معايير الصناعة المستقبلية في المملكة عبر العمل جنباً إلى جنب مع مبادرة الاستثمار، حيث يعد هذا البرنامج منصة مثيرة للغاية، إذ يمكن أن يتكامل هدف الاستثمار الصفري للكربون بشكل متناغم مع أهداف قسم الصناعات السمكية الحالية والمستقبلية».

وحسب المليحي، فإن النسخة السابعة من المؤتمر الذي ينطلق من الرياض، تأتي في وقت ينصبّ التركيز العالمي حالياً على موضوع مهم للغاية مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتعليم والرعاية الصحية الاستدامة، حيث إن هدف تحول الطاقة يتطلب مضاعفة الاستثمار في البنية التحتية للطاقة النظيفة ثلاث مرات بحلول نهاية العقد الحالي.

وشدد المليحي على استثمار فرص تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي لا يعمل على تغيير نسيج الإنسانية فحسب، بل يعمل أيضاً على إثارة موجة من الابتكارات والاعتبارات القانونية والمسائل التي تتراوح بين إدارة المخاطر والأمن القومي، حيث تعمل «سكاي تاورز للاستثمار» على دمج تطوير الذكاء الاصطناعي في مزيج دخولها الصناعي إلى المملكة.



اليوان مقابل الدولار... هل يغير توتر «هرمز» قواعد اللعبة النقدية؟

ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليوان مقابل الدولار... هل يغير توتر «هرمز» قواعد اللعبة النقدية؟

ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة غاز البترول المسال راسية في مضيق هرمز (رويترز)

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية حول مضيق هرمز، برزت محاولات إيران لربط عبور شحنات الطاقة بالدفع بعملات غير الدولار خطوةً تكتيكية تهدف إلى الضغط على مراكز القوى الدولية. وعلى الرغم من أن هذا التوجه لا يمثل حتى الآن «حرب عملات» معلنة، فإنه يسلط الضوء على تزايد المساعي الدولية لتقليل الاعتماد على العملة الأميركية في أسواق الطاقة.

يأتي ذلك في وقت يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بتحالف دولي لتأمين مضيق هرمز، مشككاً في استعداد إيران للتفاوض، في حين يبدو باب الدبلوماسية حتى الآن مغلقاً، مع بداية اليوم السابع عشر من الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران.

وبينما نفى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أي تحركات حول طلب التفاوض أو وقف إطلاق النار، حذر ترمب من أن حلف شمال ‌الأطلسي (ناتو) يواجه مستقبلاً «سيئاً ‌للغاية» إذا ‌تقاعس ⁠حلفاء الولايات المتحدة ⁠في مد يد العون بشأن فتح مضيق هرمز، على الرغم من استمرار تل أبيب في ضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية حتى كتابة هذه السطور.

إزاحة الدولار

يرى رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن التحولات في أسواق الطاقة تعكس توجهاً عالمياً أوسع نحو «تنوع العملات» في المعاملات الدولية. وفي تعليقه لـ«الشرق الأوسط» على المقترح الإيراني، يشير بن صقر إلى أن هذا التحرك يعبر عن رغبة متزايدة في استكشاف بدائل نقدية في ظل المتغيرات الجيوسياسية؛ ما يسرع من وتيرة النقاش العالمي حول استقرار العملات المستخدمة في تجارة الطاقة.

ويؤكد بن صقر أن هذا التوجه يندرج ضمن مسار «إعادة هيكلة» تدريجية لنظام المعاملات العالمي، خاصة مع زيادة اعتماد القوى الاقتصادية الكبرى، مثل الصين وروسيا، على عملاتها الوطنية في اتفاقياتها التجارية الثنائية.

ويرى أن انخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال العقد الأخير - من 65.3 في المائة في 2016 إلى 59.3 في المائة في 2024 - يشير إلى تحول تدريجي، ويعكس توجه الدول نحو إدارة المخاطر الجيوسياسية والبحث عن خيارات اقتصادية أكثر مرونة، وهو ما يُعدّ تطوراً طبيعياً في هيكل النظام المالي العالمي المتجه نحو التعددية النقدية.

وفي قراءته لدور الصين وروسيا في ذلك، يرى بن صقر أن كلا البلدين يروج لعملته، حيث تعمل الصين على ذلك، من خلال مبادرة الحزام والطريق، بينما تعمل روسيا على ذلك، من خلال اتفاقيات التجارة الثنائية.

مضخة نفط في حقل نفط مهجور في سارجينتيس دي لا لورا بالقرب من بورغوس شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

تأثير رمزي

على الجانب الآخر، يرى مدير مركز «فيجن» الدولي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور سعيد سلّام، أن تأثير المطالبة الإيرانية محدود «عملياً» على المدى القريب، لكنه يحمل ثقلاً «رمزياً» استراتيجياً طويل الأمد.

وقال سلّام، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن التأثير على أسواق الطاقة يزيد التقلبات وعدم اليقين، مع تعقيد الصفقات بسبب نقص سيولة اليوان، إضافة إلى ارتفاع التأمين البحري، وتكاليف النقل بنسبة 20 - 30 في المائة عبر طرق بديلة.

وأوضح أن هذه الخطوة تزيد من حالة عدم اليقين والتقلبات في الأسواق؛ فبدلاً من الاستقرار، قد تنشأ سوق نفط منقسمة، حيث تُدفع كميات محدودة باليوان للصين عبر هرمز، في حين تُعاد توجيه الكميات المتبقية عبر طرق بديلة باهظة التكلفة؛ ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز والأسمدة والمواد الغذائية، وهو ما قد يهدد بدفع الاقتصاديات الآسيوية والأوروبية نحو الركود.

استراتيجية الصين

ويوضح سلّام أن بكين، رغم طموحها لتعزيز اليوان، تتبنى استراتيجية «الموازنة الدقيقة»؛ فهي تقبل صفقات محدودة لتأمين وارداتها النفطية، لكنها ترفض أي تصعيد يهدد استقرار المضيق الذي تعبر منه 40 في المائة من وارداتها.

في المقابل، توظف موسكو المقترح الإيراني «رمزياً» ضمن إطار «بريكس» لإحراج واشنطن وتمويل أجندتها الدفاعية، رغم أن استقرار أسواق الطاقة يظل مصلحة روسية عليا لضمان عوائدها التصديرية.

تاجر عملات يمر أمام شاشة إلكترونية تعرض أسعار خام برنت وخام دبي في غرفة تداول العملات الأجنبية ببنك هانا (أ.ف.ب)

ارتدادات الأزمة

ويرى سلّام أن هذه الضغوط الإيرانية – بين المتوسطة والقوية – تتجاوز حدود المنطقة لتطول مراكز القوى العالمية. أميركياً، يؤدي الربط باليوان إلى إذكاء التضخم ورفع تكاليف الطاقة؛ ما يضع الاقتصاد الأميركي أمام «خطر الركود» في توقيت سياسي حساس، ويُضعف فاعلية سلاسل العقوبات.

أما دولياً، فإن «صدمة الأسعار» الناتجة من اضطراب الإمدادات تهدد الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، كأوروبا واليابان، وتخلق واقعاً نقديّاً منقسماً يزيد من تكاليف التجارة العالمية؛ ما يعزز في المحصلة شعوراً عاماً بتآكل الهيمنة النقدية الأميركية.

ويخلص سلّام إلى أن المطالبة الإيرانية تسرّع رمزياً من وتيرة التحول عن الدولار (De-dollarization)، وتخلق صدمات سعرية واضحة في الأسواق العالمية، إلا أن تأثيرها الفعلي يظل مقيداً بعوائق دبلوماسية وعملية جمّة. ويشدد على أن «جوهر الأزمة» يظل في الإغلاق الفعلي للمضيق وليس في شرط العملة بحد ذاته. ومع ذلك، يظل الدولار يحتفظ بهيمنته الراسخة على تجارة الطاقة العالمية، رغم أن هذا المشهد يبقى رهناً بالتطورات العسكرية والدبلوماسية المتسارعة التي قد تغير موازين القوى في الأيام المقبلة.


التكنولوجيا ترفع العقود الآجلة الأميركية وقرار «الفيدرالي» في الانتظار

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

التكنولوجيا ترفع العقود الآجلة الأميركية وقرار «الفيدرالي» في الانتظار

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، الاثنين، مع تصدر أسهم «ميتا» قائمة الرابحين، بعد تقرير أفاد بأن الشركة العملاقة تستعد لتسريح واسع النطاق للعمال في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم أن ارتفاع أسعار النفط الخام نتيجة الصراع المحتدم في الشرق الأوسط قلّص شهية المستثمرين للمخاطرة.

وارتفعت أسهم «ميتا» بنسبة 2.6 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، بعد أن ذكرت «رويترز» أن الشركة تخطط لتقليص قوتها العاملة بنسبة 20 في المائة أو أكثر لتعويض الاستثمارات المكلفة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والاستعداد لتعزيز الكفاءة التي سيحققها العمال المدعومون بالذكاء الاصطناعي. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إعلانات مماثلة من شركات كبرى مثل «أمازون» و«بلوك» في وقت سابق من العام.

ومن المتوقع أن يظل الذكاء الاصطناعي محور الاهتمام هذا الأسبوع، مع انعقاد المؤتمر السنوي للمطورين لشركة «إنفيديا» العملاقة في مجال الرقائق الإلكترونية، وإعلان نتائج شركة «مايكرون». كما أصدرت شركة «فوكسكون» التايوانية العملاقة للإلكترونيات توقعات قوية لإيراداتها الفصلية.

وقال مات بريتزمان، كبير محللي الأسهم في «هارغريفز لانسداون» والذي يمتلك أسهماً في شركات الرقائق: «إذا استطاع جينسن إثبات أن لدى (إنفيديا) القدرة على قيادة السوق ليس فقط في بناء الذكاء الاصطناعي، بل في تشغيله في الاستخدام اليومي، فقد يكون هذا الحدث لحظة حاسمة لبناء الثقة بأن (إنفيديا) ستظل الاسم الأبرز في المرحلة المقبلة من سباق الذكاء الاصطناعي».

وارتفعت أسهم «إنفيديا» بنسبة 1.1 في المائة، بينما زادت أسهم «مايكرون» بنسبة 4.4 في المائة بعد رفع شركة الوساطة «آر بي سي» السعر المستهدف. كما ارتفعت أسهم «تسلا» بنسبة 1 في المائة بعد إعلان الرئيس التنفيذي إيلون ماسك أن مشروع «تيرافاب» لتصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي سينطلق خلال سبعة أيام.

لكن المستثمرين ظلوا حذرين مع استقرار أسعار النفط الخام عند 100 دولار للبرميل، وسط استمرار إغلاق معظم الشحنات عبر مضيق هرمز الحيوي، مع فشل دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتشكيل تحالف لتأمين مرور آمن.

ومن المرجح أن يكون تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة محور التركيز الرئيسي لاجتماعات البنوك المركزية عالمياً هذا الأسبوع؛ إذ سيضطر «الاحتياطي الفيدرالي» أيضاً إلى مراعاة تكاليف الرسوم الجمركية وضعف سوق العمل. ومن المتوقع أن تبقى أسعار الفائدة دون تغيير في نهاية اجتماع المجلس الذي يستمر يومين يوم الأربعاء، مع تأجيل المتداولين توقعاتهم بخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل إلى ما بعد أكتوبر (تشرين الأول)، وفق بيانات جمعتها مجموعة بورصة لندن.

وفي تمام الساعة 7:12 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 228 نقطة، أو 0.49 في المائة، وارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 46.5 نقطة، أو 0.70 في المائة، بينما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 199.5 نقطة، أو 0.82 في المائة.

أداء الأسهم الأميركية أفضل من نظيراتها العالمية

شهدت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت» تقلبات حادة منذ بداية الحرب، حيث حاول المتداولون تقييم تداعياتها على الاقتصاد. وعلى الرغم من تراجعها خلال الأسبوعين الماضيين، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل من نظيراتها العالمية، مدعوماً بانتعاش أسهم شركات التكنولوجيا التي تراجعت سابقاً، إضافةً إلى كون الولايات المتحدة مُصدّراً صافياً للنفط.

وانخفض مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو للخيارات بمقدار 1.67 نقطة ليصل إلى 25.52 يوم الاثنين، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «راسل 2000» الحساس لأسعار الفائدة بنسبة 0.8 في المائة. ومن المقرر صدور بيانات الإنتاج الصناعي لشهر فبراير (شباط) ومؤشر التصنيع الصادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لاحقاً، الاثنين.

وفي سياق متصل، كان من المقرر أن يختتم كبار المسؤولين الاقتصاديين الأميركيين والصينيين محادثاتهم في باريس، حيث أشارت مصادر مطلعة إلى وجود مجالات اتفاق محتملة في الزراعة والمعادن الحيوية والتجارة المدارة، والتي يمكن أن يناقشها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في بكين.

كما يراقب المستثمرون تحركات أسواق العملات، مع استقرار الين الياباني قرب 160 يناً للدولار، وهو أدنى مستوى له منذ آخر تدخل للبنك المركزي. وارتفعت أسهم شركات الطاقة مثل «أوكسيدنتال» و«كونوكو فيليبس» بشكل طفيف، بينما حافظت أسهم شركات السفر مثل «دلتا» و«نرويجين كروز» على استقرارها. وزادت أسهم العملات الرقمية، بما في ذلك «ستراتيغ»، بنسبة 4.2 في المائة مع ارتفاع سعر البتكوين بأكثر من 2.7 في المائة.

كما حققت سلسلة متاجر التجزئة المخفضة «دولار تري» مكاسب بنسبة 1 في المائة في تداولات متقلبة، بعد إعلان نتائجها الفصلية وتوقعاتها المستقبلية.


بنك التسويات الدولية يدعو المصارف المركزية لتجاهل «صدمة الطاقة المؤقتة»

برج المقر الرئيسي لبنك التسويات الدولية في بازل (رويترز)
برج المقر الرئيسي لبنك التسويات الدولية في بازل (رويترز)
TT

بنك التسويات الدولية يدعو المصارف المركزية لتجاهل «صدمة الطاقة المؤقتة»

برج المقر الرئيسي لبنك التسويات الدولية في بازل (رويترز)
برج المقر الرئيسي لبنك التسويات الدولية في بازل (رويترز)

حثّ بنك التسويات الدولية، الهيئة الاستشارية للبنوك المركزية حول العالم، صانعي السياسات على عدم المبالغة في رد الفعل تجاه الارتفاع الحاد بأسعار الطاقة العالمية الناتج عن الأزمة الإيرانية، واصفاً إياه بأنه مثال نموذجي على الحالات التي يمكن فيها «تجاهل الصدمة»، ولا سيما إذا ثبت أنها مؤقَّتة.

وقد أثار الارتفاع الكبير في أسعار النفط بنسبة 40 في المائة هذا الشهر، والقفزة التي قاربت 60 في المائة في أسعار الغاز بالجملة، مقارنات مع عام 2022، عندما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا وإعادة فتح الاقتصادات بعد جائحة «كوفيد-19» إلى ارتفاع معدلات التضخم بشكل حاد، ما دفع البنوك المركزية الكبرى، بما في ذلك «الاحتياطي الفيدرالي الأميركي» و«البنك المركزي الأوروبي»، إلى رفع أسعار الفائدة لمستويات قياسية منذ عقود، لكنها تعرضت لانتقادات بسبب بطء رد فعلها، بعد أن أخطأت في تقدير أن التأثير سيكون مؤقتاً، وفق «رويترز».

وفي هذه المرة، سارعت الأسواق المالية إلى إعادة تقييم توقعاتها، متوقعة ألا تكرر البنوك المركزية الخطأ نفسه، رغم أن بنك التسويات الدولية استخدم تقريره الأخير لتأكيد أهمية توخي الحذر.

وقال هيون سونغ شين، كبير المستشارين الاقتصاديين بمجموعة البنوك المركزية: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالأخص إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها التغاضي عن الأمر، وعدم اللجوء إلى التدخل عبر السياسة النقدية».

تأتي هذه التصريحات مع بداية أسبوع حاسم للأسواق، حيث يعقد كل من مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان اجتماعاتهم الأولى منذ اندلاع أزمة الشرق الأوسط في 28 فبراير (شباط) الماضي. وأضاف شين أن التحول السريع في تسعير أسعار الفائدة بالأسواق المالية ربما يكون «مؤشراً على الوضع الراهن»، نظراً لذكريات عام 2022 التي لا تزال حاضرة بقوة. وقد خفّضت الأسواق، بالفعل، عدد تخفيضات أسعار الفائدة المتوقَّعة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إلى النصف، لتصبح تخفيضاً واحداً فقط، في حين تتوقع، الآن، رفعاً من البنك المركزي الأوروبي، بحلول يوليو (تموز) المقبل، مع احتمال بنسبة 85 في المائة لرفع ثانٍ قبل نهاية العام.

وأوضح شين أن «الرد يبدو نوعاً من التفاعل التلقائي»، مشيراً إلى أن مؤشرات التضخم الرئيسية لم تتحرك بعدُ بالقدر نفسه، مما يجعل الصورة الاقتصادية «مُربكة للغاية» في الوقت الراهن.

ويشير تقرير بنك التسويات الدولية، الذي يُنشر أربع مرات سنوياً، إلى عدة دراسات، منها دراسة حول كيفية تعديل البنوك المركزية أساليب تواصلها مع الأسواق والجمهور بعد الأزمات العالمية الأخيرة. وأظهرت الدراسة أن عدداً أكبر من البنوك بات يستخدم السيناريوهات لتوضيح تداعيات المخاطر، إلى جانب الأدوات التقليدية مثل المخططات البيانية ومناقشات المخاطر النوعية. كما حاول عدد منها التخلي عنما يُعرف بالتوجيهات المستقبلية بشأن اتجاه أسعار الفائدة، والاعتماد بدلاً من ذلك على نشر توقعاتها الخاصة ضِمن سياقات سيناريوهات بديلة.

وتطرقت رؤية بنك التسويات الدولية إلى المخاطر الحالية بالأسواق، بما في ذلك موجات تقلبات شهدها العام، مثل عمليات البيع الحادة لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي وبعض المشكلات في سوق الائتمان الخاصة. وقال فرنك سميتس، نائب رئيس قسم الشؤون النقدية والاقتصادية بالبنك: «علينا مراقبة الوضع، لكننا لا نتوقع أي اضطرابات كبيرة في الوقت الراهن».