مقاهي بغداد الثقافية.. ولدت فيها أولى التجارب الشعرية

بعضها ما زال شاخصًا حتى اليوم

هناك عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها ولعل أهمها اليوم مقهى الشابندر في شارع المتنبي
هناك عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها ولعل أهمها اليوم مقهى الشابندر في شارع المتنبي
TT

مقاهي بغداد الثقافية.. ولدت فيها أولى التجارب الشعرية

هناك عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها ولعل أهمها اليوم مقهى الشابندر في شارع المتنبي
هناك عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها ولعل أهمها اليوم مقهى الشابندر في شارع المتنبي

خصوصية المقاهي البغدادية متفردة ولا تشبه غيرها من ناحية مكانتها ونكهتها وشخوصها وحتى نوع قهوتها ومشاريبها وأغنياتها التي تختارها لزوارها، وهي تمثل جانبًا مهما من ذاكرة المدينة، فمنذ عشرينات القرن المنصرم، وبالتحديد مع افتتاح أهم شارع في العاصمة بغداد، شارع الرشيد، تحولت المقاهي المنتشرة على جانبيه إلى منتديات ثقافية شكلت مناخًا أدبيًا وثقافيًا وفنيًا جذبت الأدباء والكتاب والمسرحيين والتشكيليين من كل أنحاء البلاد، ومرت المقاهي بفترات من الانحسار والنهوض بحسب تعاقب الأحوال فيها واضطرابها أو استقرارها، لكنها اليوم، تشهد عودة محسوبة وهادئة لمقاهٍ جديدة، كسبت معها الشباب خصوصًا بعد أن أفل نجم الكثير من المقاهي القديمة لأسباب عدة وتهديم بعضها الآخر وتحوله لمخازن تجارية.
ومن أهم المقاهي البغدادية القديمة التي حفرت لها مكانًا في الذاكرة، هي مقاهي البلدية، وعارف آغا، والزهاوي، وحسن عجمي، والبرلمان، والشابندر، والبرازيلية، فيها ولدت أولى التجارب الفنية والشعرية وشهدت تكوين الجماعات التشكيلية واحتدام الجدل الثقافي لأجل إنضاج مشروع وطني ما أو فكرة ثقافية من شخصيات بغدادية عرفت بالريادة في المشهد الثقافي العراقي والعربي.
يقول الناقد والفنان قاسم العزاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن المقاهي البغدادية: «بعد فترة ازدهار كبرى في نتاج ونهج المقاهي الثقافية في بغداد في مطلع تأسيسها إلا أنها شهدت حالة تراجع وضمور في فترة السبعينات، وتواصل ذلك التراجع في عقدي الثمانينات والتسعينات بعد أن دخل المخبرون إليها لرصد حركة الناس وكلامهم وكتابة التقارير الأمنية للنظام الحاكم ضد من يعتقدون أنه يثير الرأي العام ضدهم».
وأضاف: «هناك عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها، ولعل أهمها اليوم مقهى الشابندر في شارع المتنبي ومقهى رضا علوان في الكرادة باعتبارها تتوسط منطقة مزدحمة بالسكان وتحوي أهم مقرات الصحف والفضائيات المحلية، وكذلك قربها من مقر الاتحاد العام للأدباء والفنانين، وعادة ما تعقد فيها ندوات فنية وأدبية وروادها من النساء والرجال معًا وهناك منتدى أشبه بالمقهى يدعى منتدى بيتنا الثقافي في الأندلس التابع للحزب الشيوعي وتقام فيه حلقات نقاشية وأدبية وثقافية ومعارض فنية».
ولفت العزاوي إلى أن دور المقاهي اليوم هو التواصل مع الآخرين، خصوصا المثقفين، وتبادل الأخبار وقضايا معظمها سياسية أو التحشيد للمظاهرات الشعبية أو مناقشة مسائل ثقافية تخص عرض نتاجهم الفكري والأدبي، وعقد الاتفاقيات الأدبية وتداول أخبار الفن والأدب وهي أيضا ملتقى للزوار من الخارج، كنقطة دلالة معروفة.
وبشأن اختلاف دور المقاهي عن دورها بالأمس، قال: «الغاية هي نفسها التي وجدت من أجلها المقهى وهو التواصل الثقافي والمعرفي، لكنها تطورت بحسب تطورات العمران وما تقدمه من أطعمة ومشروبات وغيرها، كما أنها صارت تستقبل النساء أيضا في وقت كان وجودهن بالأمس محدودًا أو معدومًا تقريبًا».
وعن ذكرياته في المقاهي البغدادية، قال: «كنت أزور مقهى البرازيلي في شارع الرشيد والبرلمان في الحيدرخانة وكان زوارها من الرموز الثقافية المعروفة مثل موسى كريدي وحسين مردان وآخرين، مقهى البرلمان كان نقطة استقطاب لكل الفنانين، لشهرته الواسعة، واستمرت حتى نهاية الثمانينات قبل أن تتحول إلى مطعم فيما التجأ الأدباء إلى مقهى حسن العجمي في الحيدرخانة قرب كعك السيد الشهير الذي تأسس في 1906 وجبار أبو الشربت وعلى امتداد الشارع نفسه مقهى الزهاوي والآن هو من الأماكن والمقاهي التراثية لكن زواره انحسروا بسبب صعوبة الوصول. ومقهى أم كلثوم لا يزال يفتح أبوابه حتى الآن وهو يحتضن عشاق أم كلثوم في شارع الرشيد مقابل سوق هرج، ولا زلت أتذكر المعارك الأدبية التي كانت تدور بين الأدباء في المقاهي مثل معارك مدني صالح والدكتور المطلبي».
وعن ذكرياته في مقهى حسن عجمي يقول الناقد حسين مردان: «يعد مقهى حسن عجمي من أكثر المقاهي شهرة وعراقة، فقد حافظ على حضوره واستمراره عقودًا طويلة، وارتبط اسمه بشارع الرشيد الشهير، وتردد عليه معظم الأدباء والمثقفين، ومن الرواد الذين ارتبط المقهى بهم الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي كان يجلس فيه قبيل إلقائه قصائده الوطنية المحرضة إبّان انتفاضة عام 1948، فكانت الجماهير المأخوذة بسحر قصائده وبلاغتها وتأثيرها، تنطلق من جامع الحيدرخانة لتطوف في شارع الرشيد غاضبة منددة بالمعاهدة الجائرة التي وقعتها الحكومة مع بريطانيا. وفي مقال نشره الناقد «صالح هويدي» في جريدة المدى، يقول: «في الأربعينات والخمسينات توافد على هذا المقهى إلى جانب الجواهري، كل من كمال الجبوري، والسياب، والبياتي، وعبد الأمير الحصيري، وسواهم من وجوه الفكر والأدب والإبداع، يتداولون الرأي ويعقدون حوارات في مختلف شؤون الفكر والثقافة. ولم يتوقف هذا المقهى عن استقطاب الأجيال الأدبية التالية كجيل الستينات والسبعينات والثمانينات، تلك الأجيال التي شهدت حراكًا ثقافيًا أوسع، وتطويرًا لآفاق التجربة الإبداعية وتوليدًا للاتجاهات والرؤى والمفاهيم الجديدة.
لم يكن مقهى حسن عجمي (يقع في باب المعظم مقابل وزارة الدفاع ببغداد) محطة عابرة في حياة الأدباء العراقيين، بل كان منتدى موّارًا ومسرحًا حقيقيًا لذلك الحوار الفاعل والخصب بين المبدعين، فهو المحطة قبل الأخيرة التي وجدوا فيها ملاذهم، قبل أن يهجروه منذ بضع سنوات ويتخذوا من مقهى الشابندر في شارع المتنبي مقرًا لهم.
وبسبب عدم رغبة الأدباء بالمكوث طويلاً في مقهى واحد، إذ كان يصيبهم الملل من كثرة تكرار الوجوه نفسها، أو بسبب توسع دائرة المجموعة وحدوث استقطابات جديدة، يعمد البعض للانتقال إلى مقهى آخر ومجموعة جديدة، ففي نهاية الأربعينات انتقل الشاعر حسين مردان إلى مجموعة مقهى البلدية التي كانت تضم رشيد ياسين، وبلند الحيدري، وزهير أحمد القيسي، وكان شعراء وأدباء الكليات يهرعون إليهم بمجرد الانتهاء من دروسهم، ومن هؤلاء الطلاب، بدر شاكر السياب، وعبد الرزاق عبد الواحد، وأكرم الوتري. فقد كانت تلك المقاهي جامعات حقيقية للأدب والشعر، كما يذكر حسين مردان. ويقول أيضًا: «كنا نعيش في جو من الصداقة الصميمة. فعلبة الدخان التي كان يملكها أحدنا تطرح على الطاولة لتكون مشاعًا للجميع، وكان أكثرنا مالاً هو الذي يدفع ثمن أكواب الشاي، كذلك كنا نشترك في نظم القصائد وكتابة المقالات النقدية..والحقيقة أن المقهى كان يعتبر البيت الدائم لعدد كبير من الشعراء والأدباء العراقيين، ومن أشهر الخصومات التي كانت تحدث في مقهى البلدية كانت بين الشاعرين السياب وعبد الوهاب البياتي، فقد كان الصراع في حقيقته يدور حول الزعامة الشعرية».
الجدير بالذكر أنه وخلال وجودهم في هذا المقهى في بداية عام 1948 صدر ديوان بدر شاكر السياب «أزهار ذابلة» وديوان عبد الوهاب البياتي «ملائكة الشيطان» وفي السنة نفسها طبع بلند الحيدري مجموعته «خفقة الطين» وأصدرت نازك الملائكة كذلك ديوانها «شظايا ورماد».
يقول حسين مردان: «هكذا بدأت حياة المقاهي الكئيبة ترصع سماء الشعر القديمة بنجوم ذات بريق جديد، وقد قوبلت هذه المجموعات الشعرية بشيء من الحماسة من قبل القراء الشباب ومن المثقفين بصورة خاصة.
تقول المصادر التراثية على لسان الآثاري عادل العرداوي: «شكل مقهى البرازيلية العهد الذهبي في الحياة الأدبية والفنية في العراق، إذ أصبح لكل أديب شخصيته الخاصة، وظهرت وجوه أخرى جديدة كالشاعر رشدي العامل، والقاص نزار عباس، ومحمد روزنامجي، والصحافي الكبير عبد المجيد الونداوي. وهناك وخلف الواجهة الزجاجية العريضة وحول منضدة صنعت من أعواد الخيزران كان يجلس الفرسان الأربعة، حسين مردان، وعبد الوهاب البياتي، وكاظم جواد، وعبد الملك نوري، الذين أصبحوا نقطة الارتكاز لكل أطراف الحركة الأدبية في العراق، ومع أنهم كانوا مختلفين من ناحية اتجاهاتهم الأدبية، فإنهم شكلوا وحدة متراصة ضد كل بوادر الشعوذة ومحاولات الارتداد، كما يذكر حسين مردان، وفي تلك الفترة انضم إلى هذه المجموعة كل من سعدي يوسف، ومحمود الخطيب، وماجد العامل، وكان يحضر لـ(البرازيلية) أحيانا بعض المفكرين المعروفين كالدكتور فيصل السامر، والأستاذ إبراهيم كبة، والدكتور علي الوردي، وغيرهم، وفي مقهى البرازيلية بالذات نشأت التيارات والأفكار التجديدية في الشعر والأدب»..
يذكر أن هذا المقهى كان مسرحًا لبدء مسار الحركة التشكيلية ونهضتها في العراق على أيدي الفنانين الكبيرين جواد سليم، وفائق حسن. ومن أشهر رواد هذا المقهى بلند الحيدري، وفؤاد التكرلي، ونهاد التكرلي، وغائب طعمة فرمان، وفيه أيضًا ولدت فكرة تأسيس اتحاد الأدباء العراقيين عام 1952، ولكن الحكومة التي كانت تتعقب خطوات كل شاعر وأديب، شعرت بخطورة مثل هذا التجمع الأدبي، فأوعزت لعدد من مرتزقة الأدب بتقديم طلب مشابه، وقد أجيز الطلب فعلاً، وفي سنة 1952 ألقي القبض على حسين مردان من قبل البوليس السري، بعد صور ديوانه المثير للجدل، «قصائد عارية» وبعد توقيف طويل في معتقل أبو غريب قدم إلى المجلس العرفي العسكري وحكم عليه بالسجن لمدة سنة، ولما عاد مردان إلى «البرازيلية»، كان يقول: «الفرسان الثلاثة كعهدي بهم يجلسون خلف الواجهة الزجاجية ويتحدثون عن الحلم المشترك نفسه، وكانوا قد فصلوا من وظائفهم فصاروا يفكرون بالهرب بصورة جدية.
مقهى البرلمان، وهو مقهى شعبي قديم يقع قبالة جامع الحيدرخانة، له مكانة معروفة لدى عامة الناس في بغداد، يقول إبراهيم الوائلي في ذكرياته عنه: «كان مزدحمًا بالمرتادين، كانت الصحف توزع على الراغبين في قراءتها، ثم إعادتها مقابل أجر لا يتجاوز عشرة فلوس، وكان يرتاد المقهى الصحافي عبد القادر البراك، والشاعر بلند الحيدري الذي يسلّم ويجلس وهو يمزج الضحكة الخفيفة بالانفعال والتذمر من فراغ الجيب، ولكنه لا ينسى الحديث في الشعر واللغة، وكثيرًا ما يدخل الشاب النحيل بدر شاكر السياب وهو يتهادى في مشيته ويتأبط كتابًا فيجلس ويشارك في الحديث.
وفي مقعد قريب يجلس الشاعر حسين مردان والسيجارة لا تفارق شفتيه وأحاديثه في الشعر والنقد. والشيخ علي البازي شاعر المؤرخين جاء من الكوفة. «نحن في سنة 1959م» والحديث للوائلي: «وهذا بدر شاكر السياب يخرج من المقهى وكنت قادمًا إليه فيسلّم وقد امتص المرض دمه وزاده شحوبًا على شحوب، قلت: إلى أين بدر؟ فقال: لست أدري، ولعله كان يعاني أزمة تصطرع في أعماقه فلا يدري إلى أية جهة يصير».
وقد شهد وقتها حركة دائبة من الأدباء الذين توافدوا عليه، وخصوصًا من محافظات القطر، فكانوا يتبادلون قصائدهم، ومناقشة هموم الجيل والظواهر الثقافية والحراك الخصب آنذاك.
وثمة أمران تميز بهما هذا المقهى، أولهما: اتخاذه تقليدًا أسبوعيًا لالتئام الأدباء والفنانين فيه في عطلة الجمعة من كل أسبوع، ولإسهام جيل السبعينات فيه وحضور صوته الذي بدأ بمنازعة أدباء الستينات وتجلي مناظراتهم فيه. لكن هذا المقهى ما لبث أن استقطب أجيالاً أدبية أخرى دخلته وكان لها هامش اجتهاد إبداعي كجيل الثمانينات والتسعينات.
في نهاية الستينات، ظهر مقهى سمي بمقهى «المعقدين» في بداية شارع السعدون (وسط بغداد) ليس بعيدًا عن شارع الرشيد، كان يضم مجموعة من الأدباء المتمردين على السائد في المشهد الثقافي، المتطلعين إلى الاتجاهات الحديثة في الأدب العالمي، كالمسرح الفقير، والمسرح الأسود، والتغريب، فضلاً عما شهدته مناقشاتهم في العبث، والوجود، والعدم، والالتزام، جعلت منهم جيلاً خارجًا على الذائقة التقليدية لعموم الأدباء، كما يذكر صالح هويدي، وهو ما كان وراء سلوكهم الانطوائي وتحفظهم إزاء المجموعات الأدبية الأخرى وإطلاق تسمية المعقدين عليهم، ولعل من أبرز أدباء هذه المجموعة الشاعر عبد الرحمن طهمازي، وشريف الربيعي، وأنور الغساني، وقتيبة عبد الله، والرسام إبراهيم زاير. يقال إن تسمية المعقدين نسبة إلى العلامة الملائمة على الصراع الأدبي المفتوح وبناء الشخصية التي تقترح الحداثة، لا كإنتاج نصي، بل كمناخ للحياة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.