هل يؤدي تبدّل القيادات إلى «تغيير الولاءات» في ليبيا؟

مراقبون ربطوها بتعدد الفرقاء الذين يمكن الانتقال بسهولة ما بين معسكراتهم

المشير خليفة حفتر مع قادة قواته في بنغازي (الجيش الوطني)
المشير خليفة حفتر مع قادة قواته في بنغازي (الجيش الوطني)
TT

هل يؤدي تبدّل القيادات إلى «تغيير الولاءات» في ليبيا؟

المشير خليفة حفتر مع قادة قواته في بنغازي (الجيش الوطني)
المشير خليفة حفتر مع قادة قواته في بنغازي (الجيش الوطني)

لا يزال الغموض يشوب كثيراً من الأحداث والاشتباكات، التي شهدتها مدينة بنغازي الليبية (شرق) منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، إثر عودة وزير الدفاع الأسبق المهدي البرغثي إلى المدينة، بعد انشقاقه عن «الجيش الوطني»، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، ليتولى حقيبة الدفاع في حكومة «الوفاق الوطني» السابقة، برئاسة فائز السراج في العاصمة طرابلس.

عودة البرغثي إلى بنغازي مسقط رأسه، وما أعقبتها من اشتباكات بين مسلحين مرافقين له وقوات تابعة لـ«الجيش الوطني»، التي سارعت إلى اعتقاله بعد اتهامه بمساندة «خلايا إرهابية»، سلطت الضوء مجدداً على قضية «تغيير الولاءات» في ليبيا. وقد أشار أحد المصادر المقربة من عائلة البرغثي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تأزم قضية الوزير الأسبق يعود «لتوتر العلاقة بدرجة كبيرة بين البرغثي وحفتر، ما أعاق حلّها بالرغم من نجاح وساطات زعامات قبلية اضطلعت بدور بارز بقضايا المصالحة الوطنية في معالجة حالات مشابهة خلال السنوات الماضية».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة في طرابلس (الوحدة)

وخلال العقد الماضي، وتحديداً خلال فترات الفوضى الأمنية والصراعات المسلحة، تكررت إشارات المراقبين لعملية «تبدل الولاءات»، من بينها تخلي ميليشيا (الكانيات) التي سيطرت على مدينة ترهونة (غرب) عن تحالفها مع حكومة «الوفاق الوطني» بطرابلس عام 2019، وانتقالها للتحالف مع «الجيش الوطني» الذي كان يخوض حرباً على العاصمة حينذاك.

ولم يقتصر الأمر على البرغثي، أو ميليشيات «الكانيات»، فهناك أيضاً عدة شخصيات سياسية ومجموعات مسلحة عدلت اختياراتها وفقاً لتبدّل السلطة، لكن عضو «المؤتمر الوطني» السابق، عبد المنعم اليسير، رفض وصف وضعية البرغثي بأنها «تغيير للولاء». ورأى اليسير، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المهدي ملاحق بجرائم خطيرة تستدعي تقديمه للمحاكمة العسكرية، كدعمه الهجوم الذي نفذته تنظيمات إرهابية على قاعدة براك الشاطئ، التابعة للجيش الوطني جنوب البلاد عام 2017، الذي أسفر عن مقتل قرابة 140 عسكرياً».

أسامة حماد رئيس حكومة الاستقرار الموازية (الاستقرار)

وقال اليسير إن «القضية لا تتوقف عند ترك البرغثي لقيادته بالجيش، الذي كان يخوض آنذاك معركة وجود مع بعض التنظيمات المتطرفة بالمدن الشرقية، بل تتركز في تداعيات انشقاقه»، مضيفاً: «كان من الممكن أن يشجع ما أقدمت عليه رتب عسكرية صغيرة على تكرار الأمر طمعاً في الترقي، فضلاً عن أن انتسابه للعواقير، وهي من القبائل الوازنة بالمنطقة الشرقية، كان كفيلاً بخلق فتنة بين الجيش وحاضنته الشعبية».

وبعد نحو أسبوع من الاشتباكات التي أعقبت اعتقال البرغثي، التي تزامن معها قطع الاتصالات بالمدينة، خرج المدعي العام العسكري، التابع للقيادة العامة للجيش الوطني، فرج الصوصاع، ليعلن أن البرغثي «تعرض لإصابات بليغة خلال مواجهات مع قوات أمنية، رفض تسليم نفسه إليها».

وبعيداً عن تفاصيل قضية البرغثي وتطوراتها، أرجع عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، بروز قضية «تغيير الولاءات» في الوقت الراهن لتعدد الفرقاء والقوى بالساحة، الذين يمكن الانتقال ما بين معسكراتهم، مقارنة بما كان الحال عليه خلال عهد معمر القذافي (الرئيس الراحل)، حيث لم يكن هناك سوى معسكر القائد الأوحد، فضلاً عن استمرار رفض الأغلبية بالمجتمع لثقافة القبول بالآخر المخالف له بالرأي.

إلا أن بن شرادة قال لـ«الشرق الأوسط» إن «عقاب أصحاب قرار الانشقاق حالياً لا يتسم بذات الشدة، كما كان عليه الوضع خلال عهد القذافي، بل بات يتأرجح بين الشدة واللين، وفقاً لخريطة المصالح المتشابكة التي تربط علاقات الأطراف حالياً». مشيراً إلى «قيام بعض عناصر بالتشكيلات المسلحة بالانفصال عن قياداتها الرئيسية والانتقال لمعسكر آخر، أو تأسيس تشكيل مسلح خاص بها، ورغم أن مثل هذه الخطوات تزعج قيادات التشكيلات الكبيرة، فإن الأخيرة تتفادى أحياناً الدخول في معارك طويلة الأمد مع التشكيلات المنشقة عنها، نظراً لإمكانية تشاركهما مستقبلاً بمصلحة ما، كتقاسم النفوذ على منطقة هامة بمدينة ما».

المهدي البرغثي وزير الدفاع في حكومة «الوفاق» الليبية السابقة (أرشيفية من وسائل إعلام ليبية)

وفي منتصف شهر أغسطس (آب) الماضي، شهدت العاصمة طرابلس مواجهات عنيفة بين قوات «الردع»، برئاسة عبد الرؤوف كاره، و«اللواء 444 قتال» بقيادة محمود حمزة، أسفرت عن سقوط كثير من القتلى والجرحى، وأرجع البعض هذا الاقتتال إلى توتر علاقة الرجلين، خاصة أن حمزة بدأ مسيرته العسكرية كقيادي بـ«قوات الردع»، قبل أن ينفصل عنها لاحقاً، ويؤسس كياناً مستقلاً يحظى بنفوذ واسع داخل العاصمة والمنطقة الغربية.

واعتبر رئيس «حزب تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، أن «عدم تجذر دور الأحزاب والنقابات المهنية زاد من شعور البعض بحرية التنقل بين معسكر لآخر، ليحقق من خلاله ما يصبو إليه من طموحات، وقد ظهر ذلك بوضوح بعد ثورة فبراير (شباط) مع محاولات فرقاء الأزمة استقطاب أكبر قدر من المناصرين لصالحهم، في رحلة سعيهم للتموضع، والتحول إلى جبهة فاعلة لا يمكن استبعادها من مفاوضات حل الأزمة».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ذهب بلها إلى أن رد الفعل على تغيير الولاءات «لا يكون قاسياً باستثناء حالات الانشقاق العسكري، وتحديداً إذا أقدم الطرف المنشق على ممارسة عمل عنيف».

وأوضح أن «هناك وزراء ومسؤولين كباراً سبق أن عملوا مع نظام القذافي ومع حكومات (فبراير) أيضاً، وهناك حزبيون وتنفيذيون تبدلت مواقفهم في الفترة الأخيرة، من الاصطفاف والتنسيق مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، إلى الاصطفاف مع الحكومة المنافسة لها المكلفة من البرلمان، ولم يتعرض هؤلاء سوى لبعض الانتقادات أو الإقالة من الوظيفة».

ومؤخراً أوقفت الحكومة المكلفة من البرلمان، برئاسة أسامة حماد، عدداً من عمداء البلديات وأحالتهم للتحقيق في المخالفات المنسوبة لهم، المتمثلة وفقاً للبيان الحكومي في «استمرار التعامل والتواصل مع حكومة الوحدة الوطنية».

وفي هذا السياق، لفت رئيس «حزب تكنوقراط ليبيا» إلى أن «الانشقاق العسكري تكون عقوبته أشد، ويخضع الحكم على المنشقين في الأغلب للمزاج السياسي والعرفي بين القبائل، نظراً لغياب المؤسسات الأمنية والعسكرية الموحدة، وتضاعف فرض أحكام القانون»، مبرزاً أن «عقيدة الردع جاهزة ليكون المعاقب عبرة لغيره، وليبيا مجتمع قبلي وثأري، وبالتالي تسارع قبيلة المُعاقب في المطالبة بالثأر له، وتتوالى ردود الفعل العنيفة».


مقالات ذات صلة

السلطات الأميركية تعتقل أحد المتهمين بالهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي

شمال افريقيا وزيرة العدل الأميركية بام بوندي (أ.ب)

السلطات الأميركية تعتقل أحد المتهمين بالهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي

أعلنت وزيرة العدل الأميركية، بام بوندي، الجمعة، القبض على زبير البكوش، أحد المشاركين الرئيسيين في الهجوم الدامي الذي استهدف المجمع الأميركي في بنغازي.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا آلاف الليبيين في وداع سيف القذافي بمدينة بني وليد (صفحات تابعة لسيف القذافي)

مقربون من سيف القذافي يحسمون الجدل بشأن وفاته: رأينا جثمانه

حسم مقربون من الراحل سيف الإسلام القذافي الجدل بشأن وفاته، مؤكدين أنهم شاهدوا جثمانه بأنفسهم، وتأكدوا من موته.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير العدل الأميركية بام بوندي رفقة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، وجانين بيرو، المدعية العامة لمنطقة كولومبيا (أ.ب)

السلطات الأميركية تقبض على مشارك رئيسي في هجوم بنغازي

أعلنت وزير العدل الأميركية بام بوندي أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ألقى القبض على مشارك رئيسي في هجوم بنغازي الذي استهدف القنصلية الأميركية عام 2012.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا جموع من المشيّعين يطوّقون سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان سيف القذافي في مطار بني وليد (صفحات مؤيدة لسيف) p-circle 00:57

ليبيا تطوي صفحة سيف القذافي... وأنصاره يجددون «العهد»

وسط هتاف «نحن جيل بناه معمر... ولاّ يعادينا يدمّر»، جرت مراسم تشييع سيف القذافي إلى مثواه الأخير في مدينة بني وليد، وسط مشاركة وفود وأعداد كبيرة من المواطنين.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا 
قبيلة البراعصة في مدينة البيضاء شرق ليبيا تقيم عزاءً لسيف القذافي (قناة الجماهيرية)

جنازة نجل القذافي في بني وليد اليوم

وسط أجواء مشحونة بالحزن والغضب، نُقل جثمان سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، إلى المستشفى العام بمدينة بني وليد العام (الشمال الغربي) أمس.

جمال جوهر (القاهرة)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
TT

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

وقالت الوزارة في بيان، إن استهداف قوافل الإغاثة يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي ويقوض جهود إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

وجددت الخارجية السودانية دعمها الكامل بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية لتأمين وصول المساعدات لمستحقيها دون عوائق.

وكانت شبكة أطباء السودان قد أفادت في وقت سابق بمقتل شخص وإصابة ثلاثة في قصف لقوات الدعم السريع على قافلة إغاثة لبرنامج الأغذية العالمي بشمال كردفان.


ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)

شيّعت جماهيرُ ليبية غفيرة، جثمانَ سيف الإسلام القذافي الذي ووري الثَّرى في مدينة بني وليد، أمس (الجمعة)، لتُطوى بذلك صفحةٌ من تاريخ ليبيا، كانت حافلةً بالجدل والصخب السياسي.

وجرى نقل الجثمان من مستشفى بني وليد، محمولاً على عربة إسعاف إلى ساحة مطار المدينة، حيث نُصبت هناك خيمة بيضاء كبيرة أقيمت فيها صلاة الجنازة عقب صلاة الجمعة. وصاحَبَ خروج الجثمان من المستشفى هتافاتٌ مدوّية ردّدها آلاف المشاركين الذين «جدّدوا العهد» لنجل العقيد الراحل معمر القذافي. كما خطب بعض رموز النظام السابق، أمام الحشود المشارِكة، مطالبين بالكشف عن قتلة سيف القذافي ومحاسبتهم.

وحصرت مديرية أمن بني وليد المشاركة في دفن سيف القذافي بجوار شقيقه خميس، وجدّه لأبيه إحميد بومنيار، على أشخاص محدودين، وعزت ذلك إلى «دواعٍ تنظيمية وضمان سَير المراسم وفق ما جرى الاتفاق عليه».


رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
TT

رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)

قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، اليوم الجمعة، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة، لكن يجب ألا تكون الهدنة «فرصة لتمكين العدو مجدداً»، في إشارة إلى «قوات الدعم السريع».

وأضاف البرهان، في تصريحات أدلى بها، خلال زيارة لولاية الجزيرة، ونقلها بيان مجلس السيادة، أنه يرحب «بأي شخص يضع السلاح وينحاز لطريق السلام». وأكد أن «من يحرّض ضد البلد والجيش ستجري محاسبته».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال، أمس الخميس، إن بلاده تسعى سعياً حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان، وإنها توشك على تحقيق ذلك.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بعد صراع على السلطة خلال فترة انتقالية كان من المفترض أن تُفضي إلى إجراء انتخابات للتحول إلى حكم مدني.