تحول طرح سؤال «الدخول الثقافي» في المغرب، بداية كل خريف، إلى ما يشبه العادة التي يساير بها المتتبعون للشأن الثقافي المغربي مختلف تجليات «الدخول»، سواء تعلق الأمر بـ«الدخول الثقافي» أو «المدرسي» و«الرياضي» و«السياسي» و«الاجتماعي»، أو غيرها: عادة تفرض سؤالاً، ربما، تبدو الإجابة عنه معروفة، مسبقًا، لدى السائل والمجيب، على حد سواء، إلى درجة أن تنسحب على سؤال السنة الحالية إجابات السنوات السابقة.
«كل شيء في المغرب ينطلق إلا الثقافة»، هكذا تلخص فئة عريضة من المثقفين المغاربة الوضع الثقافي في البلد، كلما طرح سؤال «الدخول الثقافي»، قبل أن تتحول إجاباتهم إلى محاكمة لوضع ثقافي يبدو معطوبًا، من وجهة نظرهم، حيث يتفقون على أن هذا الوضع يبقى من دون المأمول، خاصة عند مقارنته بما يقع في أوروبا، حيث «للدخول الثقافي طقوس معروفة وعلامات تدل عليه»، غير أنهم يتفاوتون في طريقة تشريحهم للواقع وسبل تجاوزه نحو الأفضل، بحيث تجد بينهم من يرى أن الدخول الثقافي يبقى «مفهومًا فضفاضًا»، لا يمكن الحديث عنه، في غياب معطيات مهمة، تتجلى في «عدم إيلاء أغلب دور النشر المغربية الكتاب الثقافي بعضًا من العناية التي توليها للكتاب المدرسي»، مثلاً، و«عدم اهتمامها بالإنتاج الأدبي على غرار ما يحدث في أوروبا»؛ كما تجد بينهم من يرى أن مفهوم الدخول الثقافي، في المغرب، يظل «مفهومًا عبثيًا»، تتناسل بصدده الأسئلة، ومن ذلك سؤال: «هل يتوفر المغرب على استراتيجيات واضحة وترتيبات ممنهجة للفعل الثقافي حتى نميز بين الدخول والخروج الثقافيين؟»؛ وهناك من يرى أنه «لا وجود لدخول ثقافي في المغرب»، وأن «الثقافة في المغرب لم تعرف، في أي يوم أو عام، دخولاً ولا خروجًا»، وأنه «لا يمكن المراهنة كثيرًا على موسم افتراضي يفتح ويغلق، أو لا يفتح ولا يغلق»، بحيث «يتوجب أخذ مسألة الدخول الثقافي في المغرب على سبيل المجاز ليس إلا»، بمعنى أنه «موسم يتحقق في الخطاب الإعلامي وكلام الصحافيين من دون أن يسنده واقع الحال»؛ فيما تلخص آراء أخرى لواقع الحال، عبر التشديد على أنه «ليس هنالك من موسم ثقافي ولا هم يفرحون».
لا يخرج الشاعر عبد الرحيم الخصار، في تقييمه الشخصي لما يتشعب عن سؤال «الدخول الثقافي» من أسئلة حارقة تحاكم الوضع الثقافي، حيث يعيد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، طرح السؤال باحثًا عن الجواب من وجهة نظر خاصة، إذ يقول: «هل لدينا دخول ثقافي؟ إن الجواب عن هذا السؤال يقتضي جوابًا آخر عن سؤال يوجد في الضفة المقابلة: «هل تحقق لدينا خروج ثقافي؟» بمعنى هل كان الموسم السابق حافلاً بالأحداث والتظاهرات المتنوعة والإصدارات الكثيرة والمفيدة في مختلف المجالات؟ هل عشنا خروجًا ثقافيًا لنتحدث عن دخول ثقافي؟ إذا كان الجواب عن سؤال الخروج بالنفي، فإن الجواب عن سؤال الدخول سيكون من المجازفة إيراده بالإثبات».
يرى كاتب ديوان «أنظر وأكتفي بالنظر» أن «الدخول الثقافي أصبح اليوم مصطلحًا علميًا تضبطه أرقام وإحصائيات قادرة لوحدها على توضيح مكانة الثقافة داخل مجتمع ما، وتجيب عنه أسئلة من قبيل: ما عدد الكتب التي ستطبعها دور النشر خلال شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)؟ ما هي العناوين الجديدة التي ستقترحها؟ كم عدد الكتاب الذين سيصدرون أعمالهم الأولى؟ ما هو الرقم المالي لسوق النشر خلال الدخول الثقافي؟ ما الجديد لدى وزارات الثقافة واتحادات الكتاب والرابطات والهيئات وبيوت الشعر وجمعيات المسرح والتشكيل والموسيقى وبقية المؤسسات الناشطة في المجال ورعاة الجوائز والبرامج والمنح والورشات؟».
ينتهي شاعر «نيران صديقة» و«بيت بعيد» إلى أن «كل هذه الأسئلة يؤطرها سؤال كبير في الدول الحداثية والديمقراطية المتقدمة: ما هو تصور الدولة للمسألة الثقافية وما طرق أجرأة هذا التصور خلال الموسم الجديد؟ ولأن تصور الدول العربية بحكوماتها وهيئاتها الرسمية هو تصور مبني على الحذر وتقزيم الشأن الثقافي، فإن الدخول الثقافي في هاته البلدان سيكون في الغالب دخولاً محني الظهر من باب ضيق».
من جهته، يرى الشاعر والروائي نور الدين بازين أن «الحديث عن (الدخول الثقافي) متشعب وذو شجون، على اعتبار أنه يتميز بدور أساسي وضروري في تقييم مرحلة ثقافية سابقة تضمن استمرارية الدورة الثقافية»، مشددًا على أن «الحديث عن الدخول الثقافي يشترط الوقوف على حراك ثقافي تحقق، فعلاً».
يتحدث كاتب رواية «صباح الحزن.. يا وطني» وديوان «على باب معالي الكلام» عن «عطب ثقافي أصاب مثقفي البلد»، مشددًا على أن «ما يقع اليوم، في المغرب، في المجال الثقافي، خصوصًا، هو خيانة بكل تجلياتها، خيانة للوطن والإنسان، فلا المثقفون والمهتمون بالشأن الثقافي حافظوا على وعي ثقافي يحفظ لهم ماء وجههم أمام الساسة، يحفظون به استمرار الحراك الثقافي طيلة العام، ولا مسؤولو الثقافة وساستها وصحافيوها أعطوا للثقافة مكانتها اللائقة بها. فالدخول الثقافي ليس عنوانًا لإصدار ألبوم غنائي لفنان ما أو غلاف كتاب جديد في الصفحة الأخيرة من الجريدة. الثقافة حياة تعاش يوميًا».
من جهته، يرى الباحث الأكاديمي إدريس لكريني أن أي حديث عن دخول ثقافي حقيقي في المغرب، على غرار الدخول الجامعي أو السياسي «يحمل قدرًا كبيرًا من المبالغة والمغالاة»، من جهة أن «هذا الدخول يظل رهينًا باستراتيجية ثقافية، تروم إعطاء المثقف دوره الحقيقي داخل المجتمع، وتخليق الفضاء الثقافي، ليستأثر بدوره المحوري على مستوى التنشئة الاجتماعية، وترجمة هواجس المواطن»، وهذا لن يتأتى. يضيف لكريني، إلا من خلال «دمقرطة مختلف المؤسسات المحسوبة على هذا القطاع؛ باتجاه الانفتاح الحقيقي على كل المثقفين والمبدعين وإنتاجاتهم»؛ كما يتوقف، أيضًا، يضيف كاتب «إدارة الأزمات في عالم متغير: المفهوم والمقومات والوسائل والتحديات»، على «القضاء على ظاهرة الأمية المستشرية في جزء كبير من جسد المجتمع المغربي»؛ و«إقرار برامج سنوية منتظمة ترتبط بترجمة الكتب ورصد الإمكانيات الضرورية لضمان عدد معقول من الإصدارات الجديدة».
يرى لكريني أن «تحولات الحراك العربي أفرزت، في المغرب، مستجدات مهمة بالنسبة لدعم الثقافة والفن والرياضة، وغيرها. لكن، المدخل القانوني، المرتبط بما بعد 2011، لن يكون هو الأساس والفيصل، إذا لم نكن أمام رغبة من الفاعلين اتجاه تغيير أوضاعهم وتجاوز حالة الشتات التي تميز الحقل الثقافي»، مشددًا على أن «هذه المستجدات، التي تبقى مهمة وداعمة للفعل الثقافي، تحتاج إلى نخب لتنزيلها على نحو سليم».
وعن المقارنات التي توضع بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، فيما يخص «الدخول الثقافي»، قال لكريني: «حين نتحدث عن أوروبا، لا نكون بصدد دخول ثقافي مناسباتي، بل بصدد استراتيجية ثقافية، يعطيها السياسي والثقافي والإعلامي والتشريعي دينامية، وينخرط فيها المثقف على مستوى التفعيل، فيما نكون على مستوى بلدان الضفة الجنوبية من المتوسط أمام مشهد تكاد تغيب فيه استراتيجية واضحة المعالم بصدد الشأن الثقافي، ويعرف الكثير من الإشكالات والاختلالات».
بعيدًا عن عادة طرح سؤال «الدخول الثقافي»، الذي يبدو مناسباتيًا، وأشبه بالشجرة التي تخفي غابة من الأسئلة الحارقة التي تهم الشأن الثقافي، يواصل المثقفون المغاربة رفع أصواتهم، لإثارة الانتباه إلى «خطر تراجع دور المثقف» و«تقلص مجال الفعل الثقافي»، بعد «ضمور الحقل الثقافي» و«تهميش المثقف وتراجع تأثيره وإشعاعه وفعاليته»، و«انسحاب المثقفين من القيادة الفكرية للبلاد، ولجوء بعضهم إلى توظيف فعالياتهم في مجالات لا تستفيد منها البلاد بالضرورة»؛ بحيث يثير كاتب وشاعر من قيمة عبد اللطيف اللعبي، مثلاً، الانتباه إلى أن «الثقافة ليست ترفًا»، قبل أن يتحسر على واقع الممارسة الثقافية في المغرب، حيث يقول: «في بلادنا اكتب وانشر على حسابك، لا أحد سيقرأ لك. المؤسسات لا تساعد على الفعل الثقافي وصوت المثقف والمبدع غير مسموع، كما أن الثقافة لم يعترف لها بوظيفة المنفعة العامة»؛ يحدث هذا في وقت تتزايد فيه الحاجة، بحسب كاتب «قاع الخابية» «وشاعر يمر»، إلى المثقف، لأخذ وجهة نظره، بصدد مختلف القضايا التي تهم الشأن العام، خاصة وأن «الواقع الذي يتم فيه الدفع بالرياضيين والسياسيين إلى الواجهة، يبقى أشبه بصنع طاولة برجلين.. لن تقوم لها قائمة، أبدًا».
مثقفون مغاربة: كل شيء ينطلق في المغرب إلا الثقافة
سؤال «الدخول الثقافي» يطرح كل خريف فيما يشبه العادة
عبد الرحيم الخصار و عبد اللطيف بازين و إدريس لكريني
مثقفون مغاربة: كل شيء ينطلق في المغرب إلا الثقافة
عبد الرحيم الخصار و عبد اللطيف بازين و إدريس لكريني
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

