إسرائيل تخطط لأن تكون الحرب على غزة «أطول الحروب»

بايدن وافق على الاستمرار في مساندتها شرط إدخال المساعدات للمدنيين

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يلتقي بجنود بالقرب من حدود إسرائيل مع قطاع غزة الخميس (رويترز)
وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يلتقي بجنود بالقرب من حدود إسرائيل مع قطاع غزة الخميس (رويترز)
TT

إسرائيل تخطط لأن تكون الحرب على غزة «أطول الحروب»

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يلتقي بجنود بالقرب من حدود إسرائيل مع قطاع غزة الخميس (رويترز)
وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يلتقي بجنود بالقرب من حدود إسرائيل مع قطاع غزة الخميس (رويترز)

على عكس الحروب السابقة، قررت القيادات العسكرية في تل أبيب أن تكون الحرب على غزة أطول الحروب الإسرائيلية. وقد وافقت قياداتها السياسية، التي تضم 3 رؤساء أركان سابقين للجيش، على الخطة.

وهي تتضمن، حسب تسريبات وتلميحات من الجنرالات، اجتياحاً جزئياً وتدريجياً للقطاع، برياً وبحرياً، مترافقاً مع قصف جوي كثيف وترحيل من المناطق الشمالية، التي نزح عنها حتى الآن 600 ألف فلسطيني، وبقي نصف مليون.

«لا أريد أن أعرف التفاصيل. أقصد أنه لا حاجة للدخول في تفاصيل عسكرية دقيقة»، قال الرئيس الأميركي، جو بايدن، لطاقم إدارة الحرب الإسرائيلية، برئاسة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، عندما حاولوا أن يشرحوا له لماذا قرروا تغيير القاعدة الحربية التاريخية والخروج إلى حرب طويلة الأمد.

الرئيس بايدن خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت في تل أبيب الأربعاء (أ.ب)

هم، من جهتهم، قصدوا التوضيح بأنهم من أجل تحقيق الهدف المقرر والمتفَق عليه مع واشنطن؛ تصفية القدرات العسكرية والقدرة على الحكم، لحركة (حماس)، يحتاجون إلى التقدُّم بخطوات مدروسة ومحسوبة، ويحتاجون إلى وقت والمال وإلى الدعم السياسي؛ فهم يدركون أنه، عندما تبدأ مئات الدبابات الإسرائيلية بتجاوز الحدود، ستنفجر حملة سياسية وشعبية ضد إسرائيل في الخارج. وعندما تمر الأيام على الحرب وتتفاقم الأوضاع الاقتصادية للعمال والمصالح التجارية والصناعية، سيبدأ الصراخ في الشوارع الإسرائيلية.

الرئيس بايدن كان حذراً؛ فالقانون الأميركي يحتم عليه إعطاء تقرير للكونغرس، فيما لو وافق على خطة حربية تساندها الولايات المتحدة. لذلك، لم يرد أن يعرف التفاصيل ويترك الأمر لمسؤولين أقل التزاماً، مثل وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، أو وزير الدفاع، لويد أوستين. لكنه اهتم بوضع بعض القيود عليها، مثل عدم إعادة احتلال قطاع غزة، والحرص على عدم خرق قوانين الحرب، والامتناع عن المساس بالمدنيين «قدر الإمكان»، ثم فتح الخزينة الأميركية بسخاء، مالياً وعسكرياً وسياسياً. وقال: «سنلبي كل ما تحتاجون إليه وتطلبونه».

جنود إسرائيليون يجلسون بجوار جرافة عسكرية ثقيلة في منطقة قريبة من قطاع غزة (رويترز)

حول قطاع غزة، حيث يحتشد نحو ربع مليون جندي، بعتادهم ودباباتهم ومدافعهم وآلياتهم المسيَّرة والمأهولة، تتصاعد مشاعر الملل والتساؤلات والتحسُّب، لدرجة الشك. وقادة الجيش يشغلونهم بتدريبات ضرورية وغير ضرورية. ويقولون إن الطقس الخريفي الحالي هو وقت مثالي للحرب. وبعد حين، عندما يبدأ هطول المطر، ستصبح أرض قطاع غزة وحلة؛ فيصبح الاجتياح أصعب وأعقد.

لكن القيادة تحاول الإقناع بأن التريث والحذر جزء مهم وحيوي من المعركة. وتدير حملة إعلامية بأن المعركة ستطول أكثر من أي حرب سبقتها. وإذا كانت حرب 1967 انتهت بستة أيام، وحرب لبنان الثانية 2006 انتهت بعد 34 يوماً، والعمليات الحربية في غزة استغرقت ما بين 3 أيام (عملية بزوغ الفجر سنة 2022)، و51 يوماً («الجرف الصامد» سنة 2014)، فإن الحرب الحالية مخطَّط لها أن تستمر لشهور.

وإذا لم يكن هناك ما يوقف الحرب، فإن النموذج الذي يتخذه الجيش اليوم سيكون شبيهاً بالعملية الحربية التي شنتها حكومة أرييل شارون على الضفة الغربية، وعُرفت باسم «حارس الأسوار»، واستغرقت أكثر من سنتين، إذ بدأت في شهر مارس (آذار) من سنة 2002، واستمرت حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2004. وانتهت بمحاصرة الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، داخل مقره في رام الله.

ولكيلا تتكرر مشاهد التذمر والاعتراض في الشارع الإسرائيلي، يوضح الجيش من الآن أنها ستكون حرباً طويلة، ينبغي التحلي بالصبر خلالها «وترك الجيش يقوم بعمله بلا إزعاج».

ولأن حرباً كهذه ستكون محفوفة بالمخاطر؛ إذ إنها ستتخذ شكل «معارك من بيت إلى بيت»، وقد تتسبب في مقتل عدد من الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس»، ووقوع مزيد من الأسرى، وستسبب في مقتل عدد كبير من الجنود، و«(حماس) تهدد فيها بأنها ستجعل من أرض غزة مقبرة للغزاة»، وقد صار الجيش في هذا الشهر يأخذ تصريحات «حماس» بجدية أكثر مما فعل قبل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، فإن على الجمهور الإسرائيلي أن يتحمل خسائر متوقعة. ولهذا يتحدثون عنها في إسرائيل كحرب وجودية مع عدو يشبه «داعش»، وحتى النازية. وليس صدفة أن الرئيس بايدن أيضاً ردَّد هذه الكلمات.

فلسطينية تحمل طفلها في مخيم تديره الأمم المتحدة بخان يونس جنوب غزة حيث يحتمي فلسطينيون فروا من الغارات الإسرائيلية (رويترز)

ولأن الخسائر بين المدنيين الفلسطينيين ستكون قاسية جداً، وقد شاهدنا نماذج منها في الأسبوعين الماضيين؛ بإبادة عائلات بأكملها وقصف مدارس ومقرات حتى للأمم المتحدة ومستشفيات وبيوت سكن لأناس أبرياء، فإنه المتوقَّع أن تنفجر مظاهرات ضخمة في دول العالم. ولذلك يحتاجون إلى دعم سياسي يمنع أو يخفف من إدانة إسرائيل أو المطالبة بفرض عقوبات عليها في المؤسسات الدولية واتساع ظاهرة مقاطعتها واستهداف سفاراتها وقنصلياتها ومقرات المؤسسات اليهودية.

في كل هذه الأمور، توجد تساؤلات ولا يوجد يقين. الرئيس بايدن تعهد بالمساعدة وتزويد إسرائيل بكل ما يلزم من مال وعتاد ودعم عسكري وسياسي. ولكنه تقدم بنصائح يفهمونها في تل أبيب على أنها «مطالب لا ترد وشروط ينبغي عدم خرقها»، من ذلك، الاهتمام بالحفاظ على القانون الدولي في الحروب، وتجنّب المساس بالمدنيين. وقال لهم إن «حماس» داعشية ونازية لكنها لا تمثل الشعب الفلسطيني برمَّته الذي ينشد الحرية والعدل. وشدد على ضرورة «الالتفات إلى اليوم التالي للحرب».

ولكن هناك أموراً لا يستطيع الرئيس الأميركي توفيرها، تتعلق بطبيعة القتال وتقديم الثمن بالأرواح، والأضرار الاستراتيجية وما تسببه حرب كهذه على الأجيال القادمة من الفلسطينيين والإسرائيليين، كما أنها لا تعطي جواباً عن السؤال الأكبر: «لقد وقعت عدة حروب بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ سنة 1948؛ فماذا تحقق فيها؟ هل انتهت القضية الفلسطينية؟ هل انتهى أو حتى خف الصراع؟».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يصدر تحذيراً لإخلاء بعض المباني في بلدة لبنانية

شؤون إقليمية تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت سفوح التلال قرب قرية الكطراني جنوب لبنان 11 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يصدر تحذيراً لإخلاء بعض المباني في بلدة لبنانية

أصدر ​متحدث عسكري إسرائيلي تحذيراً لسكان بعض المباني في قرية سحمر اللبنانية، اليوم الخميس، ‌قبل ‌ضربات ‌ما ⁠وصفها ​بأنها ‌بنية تحتية تابعة لجماعة «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً يؤدي إلى بلدة القنيطرة السورية (أرشيفية- أ.ب)

مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة: لن نتنازل عن أي جزء من أراضينا

قال مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، اليوم (الاثنين) إن سوريا لن تتنازل عن أي جزء من أراضيها.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم الكاتبة الفلسطينية الأسترالية رندة عبد الفتاح (صورة من حسابها الشخصي على «إكس») play-circle

انسحابات واستقالات من مهرجان أسترالي بعد استبعاد كاتبة فلسطينية

شهد مهرجان أديلايد الرائد في أستراليا سلسلة من الانسحابات والاستقالات بعد إلغاء دعوة كاتبة فلسطينية أسترالية بررته إدارته بـ«حساسيات ثقافية».

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية فلسطينية تطهو الطعام بين حطام منزلها في غزة (رويترز)

تركيا تتوقع انتقالاً قريباً إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة

توقعت تركيا أن يتم الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، خلال الأيام القليلة القادمة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي مظاهرات في مدن ولاية هيرشبيلي رفضاً للاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» (وكالة الأنباء الصومالية)

«التعاون الإسلامي» لبلورة موقف موحد دعماً لسيادة الصومال

تعقد منظمة «التعاون الإسلامي» اجتماعاً وزارياً استثنائياً لمجلس وزراء الخارجية، يستهدف بلورة موقف إسلامي موحد إزاء التطورات الأخيرة التي تشهدها جمهورية الصومال.

«الشرق الأوسط» (جدة)

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
TT

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)

سحب مؤتمر ميونيخ للأمن الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية الحملة الأمنية التي شنّتها حكومة طهران على ‌الاحتجاجات الشعبية، التي اندلعت في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وجاء في ​بيان، ‌أُرسل بالبريد الإلكتروني، اليوم (الجمعة): «منذ عدة أسابيع، جرى توجيه الدعوات لممثلين حكوميين من إيران». وأضاف: «في ضوء الأحداث الراهنة، لن يُبقي مؤتمر ميونيخ للأمن ⁠على هذه الدعوات».

ويعدّ مؤتمر ميونيخ من بين أهم ​المنتديات الأمنية في العالم. ويُعقد اجتماع هذا ‌العام لخبراء الأمن ‍وصانعي ‍السياسات في الفترة من 13 ‍إلى 15 فبراير (شباط).

وقال المنظمون إنهم يهدفون إلى دعوة المشاركين الذين يمكنهم تقديم ​رؤى سياسية مهمة، لكنهم دائماً ما يأخذون في الاعتبار ⁠المستجدات السياسية قبل وضع اللمسات الأخيرة على قائمة المدعوين.

وقالت وزارة الخارجية الألمانية إن برلين تعارض دعوة مسؤولين إيرانيين نظراً للأحداث في إيران، حيث أشارت تقارير إلى مقتل آلاف الأشخاص في حملة قمع الاحتجاجات ‌المناهضة لنظام الحكم.


تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
TT

تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

أسفرت موجة الاحتجاجات التي هزّت إيران في الأسابيع الأخيرة عن مقتل الآلاف، وفقاً لمراقبين ومنظمات حقوقية، إلا أن هناك تبايناً في تقدير عدد القتلى الذي تشير بعض التقديرات إلى أنه قد يصل إلى 20 ألفاً.

تؤكد جميع الجهات العاملة على حصر عدد القتلى أن حجب السلطات الإيرانية خدمة الإنترنت على نحو شامل عقَّد مهمتها؛ ما يعني أن بعض الأرقام المنشورة حالياً لا تمثل سوى الحد الأدنى من الحالات المؤكدة.

فيما يلي تفصيل لحصائل القتلى المختلفة، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية»:

منظمات حقوقية معنية بإيران

أكدت منظمة «إيران لحقوق الإنسان» ومقرها النرويج، مقتل 3428 متظاهراً على يد قوات الأمن.

وتستند هذه الحصيلة إلى الحالات التي تحققت منها المنظمة بنفسها أو عبر مصدرين مستقلين. كما تشمل بيانات وردت من مصادر داخل وزارة الصحة للفترة من 8 إلى 12 يناير (كانون الثاني)، وفقاً لتقرير حديث صادر عن المنظمة.

وأشارت المنظمة إلى أن عدد القتلى قد يكون أعلى بكثير، مستشهدة بتقديرات تراوح بين 5000 و20 ألف قتيل، إلا أن انقطاع الإنترنت الذي فُرض في 8 يناير جعل التحقق من المعلومات مهمة صعبة جداً.

وفي 15 يناير، أعلنت منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا) أنه تم التأكد من 2677 حالة وفاة، وأنها تحقق في 1693 حالة أخرى. وأضافت أن 2677 شخصاً آخرين أصيبوا بجروح خطيرة.

وسائل إعلام خارج إيران

قالت قناة «إيران الدولية»، وهي قناة معارضة ناطقة بالفارسية مقرها خارج البلاد، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى، إن ما لا يقل عن 12000 شخص قُتلوا خلال الاحتجاجات، وأن معظم القتلى سقطوا في 8 و9 يناير.

وأضافت القناة: «بعد التحقق من المعلومات الواردة من مصادر موثوقة، بما في ذلك المجلس الأعلى للأمن القومي ومكتب الرئاسة، تشير التقديرات الأولية لمؤسسات الأمن في الجمهورية الإسلامية إلى مقتل ما لا يقل عن 12000 شخص».

وذكرت شبكة «سي بي إس» الإخبارية هذا الأسبوع أن «مصدرين، أحدهما من داخل إيران»، أبلغا الشبكة الإخبارية الأميركية «بأن ما لا يقل عن 12 ألف شخص قُتلوا، وربما يصل العدد إلى 20 ألفاً».

مسؤولون إيرانيون

صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقناة «فوكس نيوز» بأن عدد القتلى «بالمئات»، نافياً الأرقام التي نشرتها منظمات في الخارج ووصفها بأنها «مبالَغ فيها» وتندرج ضمن «حملة تضليل» تهدف إلى دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتنفيذ تهديده بضرب إيران في حال مقتل متظاهرين.

وأفادت السلطات الإيرانية بمقتل عشرات من عناصر قوات الأمن، لكن لم يُعلن عن حصيلة إجمالية حديثة. وتحولت جنازات عناصر قوات الأمن مسيرات حاشدة داخل الجمهورية الإسلامية.

منظمات دولية

أعرب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك هذا الأسبوع عن «صدمته» إزاء العنف ضد المتظاهرين، قائلاً إن «التقارير تشير إلى مقتل المئات».

وتحدثت منظمة العفو الدولية عن وقوع «مجزرة»، مشيرة إلى أن عدد القتلى، وفقاً لتقرير صدر في 14 يناير، بلغ ألفي قتيل «باعتراف رسمي»، إلا أن منظمات حقوقية أخرى قدّرت العدد بأكثر من ذلك بكثير.

وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إنه «يُعتقد أن آلاف المتظاهرين والمارة قد قُتلوا... القيود الصارمة التي فرضتها الحكومة على الاتصالات أخفت الحجم الحقيقي للفظائع».

في جنيف، صرّح متحدث باسم الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن المنظمة على اتصال بالكثير من المنظمات، بما فيها منظمة «إيران لحقوق الإنسان» بشأن حصيلة القتلى، وأنها «تتلقى تقارير تشير إلى ارتفاع عدد القتلى، وهو أعلى بكثير من عدد قتلى الاحتجاجات السابقة؛ ما يدل على مستويات محتملة من العنف لم نشهدها من قبل».


كيف تقرأ باريس الأزمة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة؟

مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)
مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)
TT

كيف تقرأ باريس الأزمة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة؟

مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)
مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)

رغم تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خططه لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، ترى باريس أن جميع السيناريوهات لا تزال مفتوحة، بما في ذلك احتمال أن يعمد ترمب إلى تغيير موقفه مجدداً.

وتقارن القراءة الفرنسية بين إحجام ترمب الحالي من جهة، وما حصل مع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما من جهة ثانية، عندما تراجع عام 2013 عن توجيه ضربات عسكرية للنظام السوري عقب استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية.

وتتوقف المقاربة الفرنسية عند مجموعة أسباب تفسر تراجع ترمب، الذي تصفه بأنه «مؤقت». في مقدم هذه الأسباب الضغوط الخليجية، ومطالبة بعض العواصم بإعطاء إيران «فرصة ثانية» لتغيير مسارها.

وتضيف باريس أن التخوف من تداعيات أي تدخل عسكري أميركي، سواء على المستوى الإقليمي أو داخل إيران، شكل عاملاً حاسماً، لا سيما ما قد يفضي إليه ذلك من فوضى داخلية أو نزاعات واسعة، وربما حتى حرب أهلية.

تضاف إلى ما سبق أسباب داخلية؛ أولها أن ضربة عسكرية سريعة على غرار ما قامت به القوات الأميركية في فنزويلا مؤخراً لن تفلح في إسقاط النظام، وبالتالي كان سيترتب على ترمب الدخول في مواجهة قد تكون طويلة الأمد، وهو ما لا يريده بأي شكل. وبحسب باريس، فإن ترمب لا يحب الحروب الطويلة والمكلفة.

وترهن باريس مستقبل الوضع في إيران بالقرار الذي سيرسو عليه موقف سيد البيت الأبيض. وبما أن هذا العامل حاسم، فإن المقاربة الفرنسية تضع سيناريوهين رئيسيين لمسار المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول يقوم على أن يثبت ترمب عند موقفه الراهن، وأن يحصل في المقابل على «ثمن» من السلطات الإيرانية، سواء في ملف القمع أو المحاكمات القضائية، أو في الملفات التقليدية المرتبطة بالبرنامج النووي والصاروخي والسياسة الإقليمية.

غير أن باريس تنقل عن تقديرات ترى أن الوعود التي قد تكون طهران قدمتها ليست سوى محاولة لكسب الوقت وإخماد الحركة الاحتجاجية، التي تلاحظ فرنسا أنها تراجعت بشكل كبير تحت ضغط القبضة الأمنية.

أما السيناريو الثاني فيقوم على تراجع ترمب عن الإحجام الحالي؛ إذ إنه معروف بتبدل مواقفه وخططه، وقد يقدم على إصدار أمر بمهاجمة إيران، خصوصاً مع شروعه في تعزيز القدرات الهجومية لقواته في المنطقة.

وفي حال حصول ذلك، ترى باريس أن الأهداف الأميركية ستكون متنوعة، وتتراوح بين ضرب المراكز الأمنية، وعلى رأسها «الحرس الثوري»، والمؤسسات القضائية، وصولاً إلى شن هجمات سيبرانية، بما يشمل استهداف المنشآت النووية والصاروخية، لاستكمال تدمير ما لم يُدمَّر خلال هجمات يونيو (حزيران) الماضي.

كذلك ترى باريس أن الإدارة الأميركية قد تسعى، في سيناريو متقدم، إلى استهداف القيادة السياسية الإيرانية مباشرة، بهدف «قطع رأس النظام». وهنا يبرز السؤال الأساسي حول طبيعة الرد الإيراني المحتمل. وتتوقف باريس عند هذا السؤال تحديداً: هل سيكون الرد الإيراني «مخففاً» كما حصل في صيف العام الماضي، أم أن طهران ستذهب هذه المرة في اتجاه مختلف وأكثر تصعيداً؟

عودة الحركة الجمعة إلى أسواق طهران بعد أن نجحت السلطات في قمع الاحتجاجات (رويترز)

سواء حصلت الضربة الأميركية أم لم تحصل، ترى باريس أن النظام الإيراني سيخرج من هذا الاختبار، الذي تصفه بالأخطر منذ قيام الجمهورية الإسلامية، ضعيفاً في الداخل، ومعزولاً في الخارج. ورغم نجاحه في الحفاظ على وحدته وقمع الاحتجاجات، تتوقع باريس أن يدفعه ذلك إلى مزيد من التشدد، لكنها لا ترى، في الظروف الراهنة، سقوطاً وشيكاً للنظام أو وجود بديل واضح له.

في المقابل، لا تستبعد فرنسا أن تدرك السلطات الإيرانية ضرورة تغيير نهجها الداخلي والانفتاح على الخارج، عبر العودة إلى طاولة المفاوضات مع الأميركيين والأوروبيين والتجاوب مع مطالبهم المطروحة منذ سنوات. وتقارن باريس هذا السيناريو بما حصل في فنزويلا، حيث «طار رأس النظام»، في إشارة إلى الرئيس نيكولاس مادورو، من دون أن يسقط النظام نفسه، بل قبل بتغيير في السياسات المعتمدة.

أما السيناريو الثالث فعنوانه تغيير النظام، وهو، وفق القراءة الفرنسية، الأقل احتمالاً وغير المطروح حالياً، سواء عبر الحراك الداخلي أو بفعل الضربات الأميركية المباشرة. وتميل باريس إلى اعتبار أن هذا السيناريو قد يفضي إلى حرب أهلية، وربما إلى تشظي إيران، نظراً إلى أن المعارضة غير منظمة في أطر واضحة، ولا تملك قيادات تحظى بدعم كافٍ.

رجال أمن عراقيون يحرسون الجمعة السفارة الإيرانية في بغداد (د.ب.أ)

وتشير باريس إلى أن ذلك يشمل أيضاً رضا بهلوي، نجل الشاه، الذي ترى أنه لعب دوراً غير متوقع في الحراك الأخير، لكنه لا يمثل، في نظرها، بديلاً متماسكاً أو جامعاً. وفي جميع الأحوال، تفضل باريس أن يأتي التغيير من داخل إيران، معتبرة أن التجارب التاريخية أظهرت أن التغيير المفروض من الخارج لم ينجح أبداً، والأمثلة على ذلك كثيرة.

وبناءً عليه، ترى فرنسا أن علامات الاستفهام تبقى كبيرة حول صورة «اليوم التالي» في إيران، الذي لا يعرف أحد حتى الآن الشكل الذي قد يستقر عليه.

وتخلص القراءة الفرنسية إلى أن الوصف الأدق للنظام الإيراني اليوم هو أنه بالغ الهشاشة، وأنه لم يعد يملك ترف الاستمرار في نهجه الحالي، رغم نجاحه في إجهاض الحراك الأخير بالقمع.

وبحسب باريس، فإن الخيارين المطروحين أمام النظام؛ إما تغيير عميق وجوهري، وإما أن يصبح، في مرحلة لاحقة، عرضة للسقوط، ولو بعد حين.

وتقارن فرنسا وضع إيران الراهن بحالة الاتحاد السوفياتي بعد انسحاب قواته من أفغانستان مطلع عام 1989، قبل انهياره الكامل في نهاية عام 1991. وترى أن استمرار السلطات الإيرانية على النهج الحالي غير ممكن وغير قابل للحياة؛ لأنها وصلت إلى طريق مسدود، ما يجعل إطلاق مبادرات داخلية ضرورة لا خياراً.

وفي هذا السياق، تلفت باريس إلى السرعة التي تحولت خلالها الاحتجاجات من مطالب اقتصادية واجتماعية إلى مطالب سياسية صريحة، بلغت حد الدعوة إلى إسقاط المرشد الأعلى علي خامنئي. أما محاور السياسة الفرنسية حيال الأزمة الإيرانية، فتقوم على أربعة عناصر: أولها دعم الحريات والحقوق الأساسية للإيرانيين، والضغط لوقف القمع.

وثانيها التمسك بضرورة أن يأتي التغيير من الداخل، مع الإعراب عن القلق من أي تدخلات خارجية قد تهدد استقرار المنطقة.

أما المحور الثالث فيتمثل في حماية المصالح الفرنسية والدفاع عنها، فيما يتمحور الرابع حول التشديد على التضامن مع دول المنطقة الصديقة لفرنسا، ولا سيما تلك المرتبطة معها باتفاقيات دفاعية.

ولا تريد باريس أن تكون بعيدة عن التطورات الجارية في الخليج، وهي مصرة على أن تكون جزءاً فاعلاً منها، دفاعاً عن مصالحها، واستباقاً لاحتمال العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران. ولهذا الغرض، تنشط الدبلوماسية الفرنسية على مختلف المستويات، سواء فيما يتعلق بالملفات النووية والباليستية وسياسة طهران الإقليمية، أو التطورات الداخلية المتسارعة داخل إيران.