خالد جناحي لـ«الشرق الأوسط» : النساء للقيادة والرجال للحكم

يدشن كتابه «من الحكم إلى القيادة... في العالم العربي» بمركز الشيخ إبراهيم آل خليفة

خالد جناحي مع كتابه
خالد جناحي مع كتابه
TT

خالد جناحي لـ«الشرق الأوسط» : النساء للقيادة والرجال للحكم

خالد جناحي مع كتابه
خالد جناحي مع كتابه

«عندما كانت جدتي في الرابعة من عمرها، طلّق والدها والدتها دون أن يخبرها بطلاقهما. ثمّ ترك زوجته في العراق وأخذ ابنته (جدتي) معه على متن مركب شراعي إلى البحرين، جنوباً عبر الخليج. حيث كانت مراكب صيد اللؤلؤ تنتقل من ميناء البصرة إلى المنامة، أواخر القرن التاسع عشر... ولم يكن من الممكن تحمّل تكلفة ركوب السفينة البخارية؛ ولذلك ربما استغرقت رحلة جدتي الأولى أياماً عدة. ومرّ أكثر من 30 عاماً قبل أن ترى جدتي والدتها مرة أخرى». قاست الجدّة العناء، لكنها «تغلبت على سوء المعاملة وعلّمتنا التسامح». «جدتي كانت قصة صمود وتصميم عظيمين. كانت نصف عراقية ونصف بحرينية، أعتقد أن قوة والدتي جاءت من جدتي، التي تحملت المعاملة القاسية بهدوء منذ سن مبكرة».

يتوّقف الخبير المصرفي ورجل الأعمال البحريني خالد جناحي عند قصة جدته ووالدته ليستلهم منهما - كما من نساء أخريات - فكرته أن النساء يصنعن القيادة، بينما يصنع الرجال الحكم والإدارة.

مساء (الثلاثاء) دشّن جناحي كتابه «من الحكم إلى القيادة... في العالم العربي» في مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، بحضور الشيخة ميّ بنت محمد بن إبراهيم آل خليفة، وعدد كبير من الوزراء السابقين ورجال الأعمال والشخصيات الاجتماعية والاقتصادية في البحرين.

يتكوّن الكتاب، الذي صدر باللغة الإنجليزية، من ثلاثة أقسام، و13 فصلاً، ويقع في 420 صفحة، يقدّم في القسم جانباً من مذكراته، يعرض فيها تجربته المتراكمة حول القيادة، من مرحلة تكوينه كطالب وعمله في إنجلترا، والمناصب التي شغلها، ويفسّر من خلالها الدروس التي شهدها في مراحل قيادة الأعمال، يبلغ جناحي 62 عاماً، قضى أغلبها خارج العالم العربي، متنقلاً بين العواصم الغربية خبيراً مصرفياً ورئيساً تنفيذياً لعدد من الشركات والبنوك، كما تنقّل في معظم أرجاء العالم العربي، حيث تولى قيادة عدد من الشركات الاقتصادية، وهو يتمتع بخبرة تزيد على 30 عاماً في مجال الخدمات المصرفية والمالية.

خالد جناحي أيضاً هو رئيس Vision3 والشريك المؤسس والوصي لمؤسسة منتدى «مريم»، وشغل منصب نائب رئيس مجلس الأعمال العربي للمنتدى الاقتصادي العالمي (2003-2007)، إلى جانب منصب الرئيس المشارك لمجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط حتى عام 2011. وكان الرئيس التنفيذي لمجموعة «دار المال الإسلامي»، ورئيس مجلس إدارة مجموعة «سوليدرتي» القابضة ورئيس مجلس إدارة «نسيج».

وفي القسم الثاني يعرض جانباً من الأفكار التي تعبّر عن آرائه في التقدم والتنمية والقيادة وصناعة التغيير، وهو يطرح إطاراً لهذه الأفكار يقوم على التطور المتواصل والنزاهة الكاملة وتمكين المرأة ومنح الشباب الفرصة.

يقول: «النزاهة لا تقبل القسمة على عدد، يمكنك أن تكون نزيهاً من دون شروط أو ألا تكون». يضيف: علينا أن نعزز النزاهة كقيمة عليا في العالم العربي، لكي نتمكن أن نحقق شروط التقدم الصحيح من دون مجاملات أو لوي ذراع الحقيقة. وهو يقول لـ«الشرق الأوسط»: أقول ما أؤمن به، وأقدّم «الحقيقة العارية»، لا أسعى لإرضاء أحد، لكنني أيضاً لا أهدف للإثارة والإزعاج.

تمّ تخصيص القسم الثالث، لواحدة من أهم الهوايات التي شغف بها جناحي، وهي السينما، فكراً وصناعة، حيث يستعرض 100 فيلم على رأس قائمة أفضل الأفلام التي شهدتها صناعة السينما في العالم. رؤيته للسينما تنبعث من رغبته في فتح نوافذ للتعبير، ومشاركة الصورة في رسم مفاهيم تتعلق بالحرية والإبداع.

يقول جناحي في كتابه: «هذا الكتاب مخصص لجميع الشباب والشابات حتى يتمكنوا من بناء أحلام المستقبل. أتمنى أن يستخدموا حريتهم في اختيار الحياة التي يريدونها لأنفسهم وللجيل القادم. أتمنى أن يصبحوا القادة الذين يحتاج إليهم العالم بشدة في كل مكان». في مكان آخر من الكتاب يقول: أريد أن أرى تغييراً في الشرق الأوسط يجلب الابتكار والتفكير النقدي والقوة لكل فرد، بالطريقة التي لا يمكن إلا للقادة أن يلهموها لمواطنيهم.

لكن، لماذا اختار خالد جناحي اللغة الإنجليزية؟، يقول لنا: «الإنجليزية هي اللغة التي يمكنني استعمالها عبر مختلف الوسائط الإلكترونية، حيث كتبته مستعيناً بالتكنولوجيا، ولا يوجد شيء في الكتاب لا أودّ، أو أخشى نقله للقارئ العربي. أردتُ مخاطبة جميع الشباب في العالم وليس الشباب العربي فقط، ولكني أيضاً أتجه لإصدار نسخة مترجمة من الكتاب». لكنه يشير إلى أن النسخة العربية ستحمل أفكار نص يعبّر عن أفكار الكتاب، وليس ترجمة حرفية له. ولذلك؛ فمن المؤمل أن يتغير العنوان أيضاً.

التطور وليس الثورة

في منتدى اقتصادي عالمي أقيم في العقبة بالأردن، قال الملك عبد الله الثاني بن الحسين، مخاطباً القادة السياسيين والاقتصاديين: «إننا في العالم العربي نتطلع نحو التطوّر وليس الثورة».

ويقول جناحي، إنه توقف عند هذه العبارة؛ لكونه «مراقباً يقظاً يطرح الأسئلة» «أريد أن أشارك وجهة نظري حول الأهمية الكبرى للتفكير النقدي والحوار والمحادثة والنقاش لإحداث تغيير في نهاية المطاف يمكّن الناس من حرية الاختيار لأنفسهم وتحديد قيمتهم في المجتمع. عندما أنظر إلى الوراء على مدار العشرين عاماً الماضية في العالم العربي، أرى أننا لم نشهد أي تطور حقيقي باستثناءات قليلة جداً».

يتوقف جناحي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عند نماذج النجاح في العالم العربي: «السعودية تصنع قصة نجاح مبهرة، عبر تمكين المرأة وتطوير التعليم بعد إضافة الفلسفة والتفكير النقدي للمناهج... وعبر مبادرات متعددة. لو أعطينا المرأة فرصة العمل والمشاركة منذ أربعينات القرن الماضي لتغير حال العالم العربي. مثلما تنص خطة التنمية البشرية التي أقرّتها الأمم المتحدة، ولرأينا الكثيرات من النساء يتبوأن مناصب قيادية في العالم العربي»؛ لذلك يقول في كتابه: «النساء قادة والرجال حكام».

بعيداً وسالماً

يتوقف جناحي أيضاً عند نصيحة أسداها جدّه القادم من الساحل الفارسي للخليج، بلغته العربية المخلوطة بلهجة «الهولة»، قائلاً: «كنْ بعيداً... وأنتَ دائماً سالم»، وهي ترجمة للمثل الخليجي المعروف: «اذهب بعيداً... وارجع سالماً». يضيف: «لقد تردد صدى هذه الكلمات في حياتي وكانت بمثابة تحذير ودليل وعزاء لي في أوقات مختلفة. وكان جديّ يرددها لي بالعامية الفارسية عندما كنت صغيراً».

يضيف: لقد أثرت هذه الكلمة في حياتي، لقد اشتركتُ في الكثير من الأعمال القيادية والاقتصادية في بلدي وفي دول الخليج، ولكني كنتُ أضع مسافة بين ما أقوم به وبين مركز القرار. فالكثير من الذين التصقوا بصناع القرار فقدوا باختيارهم حرية الاختيار وحرية الحركة، فلم يتمكنوا أن يضيفوا شيئاً لعناصر التقدم والتطور التي يدعون لها.

يستشهد جناحي بكلمة وجهها له الأمين العام السابق للجامعة العربية، عمرو موسى: «من مميزاتك أنك قليلُ الأصدقاء»، يضيف هذه ميزة تجعلني غير متأثر بالمحيط. ثمة نصيحة أخرى من أحد أصحاب القرار: «اجعل بينك وبين الآخرين نهراً مليئاً بالماء... يمكنهم أن يشاهدوك، ولكنهم غير قادرين على مسك».

مع أميركيين تحت الغزو

بالعودة إلى أصول جدته العراقية، فقد مكّنته من إتقان اللهجة العراقية، حيث ساعدته عشية الثاني من أغسطس (آب) 1990 على تجنّب الوقوع في الأسر حين اجتاحت القوات العراقية الكويت.

يقول لـ«الشرق الأوسط»: وقتها كنتُ برفقة ثلاثة من رجال الأعمال الأميركيين في الكويت، جاءوا ممثلين لشركاتهم الكبيرة للاستحواذ على شركات اقتصادية في الكويت، استيقظتُ على إيقاع الجنود العراقيين، لكني حدثتهم باللهجة العراقية فأعفوني من الاعتقال، طالبين مني مغادرة الفندق.

القصة يسردها في الفصل العاشر من الكتاب، ويضيف: نقلت رجال الأعمال الأميركيين إلى شقة صديق لبناني، وظللنا 14 يوماً تحت الخوف، خاصة بعد أن رفضت سفارة بلادهم انتقالهم معي إلى الأراضي السعودية، ويكفي أن أشير إلى أننا خضنا مفاوضات ومساومات مطولة لشراء «الأنسولين» لأحد هؤلاء الذين يعانون مرض السكري، حتى حصلنا عليه بألف دولار.

بعدها تمكن جناحي من مغادرة الكويت بعد أن أمّنت له البحرين رحلة برية إلى السعودية، بالتنسيق مع السلطات العراقية، يقول: وجدت في الحافلة شخصيات كويتية، بينهم محافظ البنك المركزي، لكنني علمتُ أن السفارة منحتهم هويات بحرينية لكي يسهل انتقالهم دون أن تعترضهم القوات العراقية.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً