نقاش ساخن في «منتدى أصيلة» حول تقهقر القارة العجوز وضعف تأثيرها في أزمات العالم

في سياق تحذيرات سياسيين ومفكرين أوروبيين من خطر خروجها من التاريخ

جانب من المشاركين في الندوة (الشرق الأوسط)
جانب من المشاركين في الندوة (الشرق الأوسط)
TT

نقاش ساخن في «منتدى أصيلة» حول تقهقر القارة العجوز وضعف تأثيرها في أزمات العالم

جانب من المشاركين في الندوة (الشرق الأوسط)
جانب من المشاركين في الندوة (الشرق الأوسط)

قال خبراء وسياسيون ودبلوماسيون ضمنهم وزراء خارجية سابقون، إن أوروبا التي وضعت مسارات التحديث الكبرى التي غيرت وجه البشرية، من إصلاح ديني وديناميكية تنوير وثورة صناعية ونظم ديمقراطية ليبرالية، وسيطرت بالكامل على بقية العالم في مراحل طويلة من التاريخ، وحملت إليها نموذجها السياسي والاقتصادي والفكري، تعيش اليوم على وقع تراجع وتقهقر، انعكس في ضعف حضورها وتأثيرها في الأزمات العالمية الراهنة.

جاء ذلك في ندوة «منتدى أصيلة الـ44» حول موضوع «أوروبا: بين نوازع القوة والخروج من التاريخ»، التي انطلقت مساء السبت، وعرفت نقاشات ساخنة.

وهدفت الندوة، وهي الثالثة، إلى معالجة التحديات وطرح الإشكالات المتعلقة بحاضر ومستقبل أوروبا، انطلاقاً من ثلاثة محاور، تهم ثغرات ومصاعب وتحديات مشروع الاندماج الأوروبي، وعناصر القوة ومكامن الضعف في الاتحاد الأوروبي والنظام الدولي، واتجاهات وآفاق مستقبل البناء الأوروبي. فيما عددت أرضيتها ظواهر التراجع والتقهقر، مشيرة إلى عودة الحروب إلى قلب أوروبا، وعدم نجاح دولها في بناء منظومة أمنية ناجعة، كما أنها لم تستطع بلورة مقاربة ناجعة في العلاقة بروسيا، وتراجع منزلة القارة العجوز في الاقتصاد العالمي وفي حركية الإنتاج التقني والصناعي، إلى حد الحديث المتزايد في كبريات الدول الأوربية، عن نهاية العصر الصناعي الأوروبي، وتراجع سياسات الاندماج الإقليمي، والفشل في بناء سياسة اقتصادية ومالية متناسقة بين دول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن إخفاق مشروع الدفاع المشترك، مع ما شكله خروج المملكة المتحدة، من سابقة خطيرة على المنظومة القارية، وتراجع الدور الاستراتيجي الأوروبي في العالم، مع بروز قوى دولية صاعدة.

الوزير محمد بن عيسى (الشرق الأوسط)

وتحدث محمد بن عيسى، الأمين العام لـ«مؤسسة منتدى أصيلة»، ووزير خارجية المغرب الأسبق، في كلمة افتتاحية، عن تحذيرات كبار القادة والسياسيين والمفكرين الأوروبيين، في السنوات الأخيرة، من انحدار بلدان الاتحاد الأوروبي إلى خطر الخروج من التاريخ، مشيراً إلى أن هذه الدول هي التي قادت النهضة التي عرفها العالم منذ القرن السادس عشر.

وقال منسق الندوة، الدكتور تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس في الرباط وعضو أكاديمية المملكة المغربية، إن «علاقاتنا بأوروبا قوية إلى أبعد الحدود»، وإن هذا النوع من «الترابط القائم بين الطرفين يجعل من كل ما يقع في بلداننا ذا أثر واضح في الفضاء الأوروبي، كما أن ما تعرفه أوروبا من تحولات له انعكاسات كبرى علينا».

وفي مقابل تاريخ أوروبا وحضورها القوي وهيمنتها العالمية منذ قرون، أشار الحسيني إلى أنها تعيش ظروفاً حرجة في مسارها السياسي والاستراتيجي والاقتصادي.

مشاركون في النقاش «الأوروبي» (الشرق الأوسط)

وقال نبيل يعقوب الحمر، مستشار ملك البحرين لشؤون الإعلام، إن نوازع القوة والانحدار والخروج من التاريخ في أوروبا وغيرها «موضوع شائك ومعقد يتعلق بتحوّل الدول والشعوب والتأثيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤثر في هذا السياق».

ورأى، أنه «لا يوجد حالياً أي دليل على أن أوروبا تخرج من التاريخ أو تنحدر بشكل ما»، مشدداً على أنها «لا تزال تلعب دوراً مهماً في الشؤون العالمية وتحتفظ بتاريخ غني وتراث ثقافي واقتصادي قوي»، مع حديثه، في المقابل، عن «بعض التحديات والمشكلات التي تؤثر على بعض الدول الأوروبية بشكل أكبر من غيرها»، من دون أن يعني ذلك أنها تدخل في مرحلة الانحدار التاريخي.

ولاحظ الحمر، أن هذه التحديات «جاءت ضمن الدور الذي لعبته سياسياً واقتصادياً وعسكرياً طيلة القرون الماضية، من الهيمنة على مناطق كثيرة في العالم ومسؤولياتها في هذا الجانب».

ومن بين هذه التحديات التي تواجهها أوروبا اليوم، يضيف الحمر، «هناك الأزمات المالية التي تعرضت لها بعض الدول الأوروبية خلال العقد الماضي، ومسألة الهجرة واللاجئين، إضافة إلى التحديات السياسية الداخلية وما تعانيه بعض الدول من توترات سياسية داخلية وانقسامات اجتماعية وثقافية قد تؤثر على القدرة على اتخاذ قرارات موحدة، والتعاون الفعال بين الدول الأعضاء». كما تحدث عن تحديات الأمن، والتهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة والتحديات الأمنية الأخرى، التي قد تعزز المخاوف بشأن استقرار أوروبا وتؤدي إلى التأثير السلبي عليها.

وتطرق الحمر إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ورأى أنها أثرت سلباً على مبدأ الحريات في أوروبا، وأيضاً على المستوى العالمي. ورأى، أن أوروبا لطالما كانت منطقة مهمة على الصعيد العالمي، إذ شهدت تاريخاً طويلاً من الصراعات والتغيرات السياسية والاقتصادية. وقال، إنها تطورت بشكل كبير وشهدت تكوين الدول الوطنية، كما تأسست الاتحادات الأوروبية وبدأ العمل على تعزيز التكامل السياسي والاقتصادي بين الدول الأعضاء، بشكل أدى إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي الذي يهدف إلى تعزيز السلام والازدهار في المنطقة، كما تشكلت تكتلات قوية تنافست مع أوروبا وغيرها من القوى الدولية.

من الندوة (الشرق الأوسط)

من جهته، استعرض فينيسنزو إنزو أمندولا، الوزير الإيطالي السابق للشؤون الأوروبية، المسار الذي مرت به أوروبا، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، على درب توحيد جهود البناء، وتحقيق التضامن والحفاظ على السلم، مستعرضاً طرق التعاطي مع الديمقراطية، وصولاً إلى ما يكتنف تعاطيها مع العولمة من تحديات.

وتطرق الدبلوماسي المغربي، حسن أبو أيوب، الوزير المغربي السابق للسياحة والتجارة الخارجية والزراعة، إلى الصدمات التي واجهتها أوروبا في السنوات الأخيرة، قبل أن يستعرض جملة ملاحظات بخصوص حاضر ومستقبل أوروبا في علاقة بعدد من عناصر التدهور والتقهقر، ليتحدث في هذا الصدد، عن تصاعد الخطاب الشعبوي، والإشكال الديمغرافي بفعل التدهور المستمر لهرم الأعمار، وتداعيات التغيرات المناخية، مشيراً إلى أن 20 في المائة من جنوب القارة مهدد بالجفاف.

وتحدث أبو أيوب، عن الذعر المرتبط بالنمو الاقتصادي، بفعل توالي الصدمات، وتراجع وتأثر مستوى الابتكار والبحث العلمي، مقارنة بالصين مثلاً، إضافة إلى عدد من التداعيات المرتبطة بعدد من التحولات المفصلية في التاريخ المعاصر لأوروبا، خصوصاً طريقة تدبيرها لعلاقتها بروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

من جهته، استعرض ناصيف حتي، وزير الخارجية والمغتربين اللبناني الأسبق، تسع ملاحظات، رأى أنها تفسر وضعية أوروبا، منطلقاً في ذلك من الأزمة الاقتصادية التي شهدتها، وتداعياتها حتى الآن على الصعيد الاقتصادي والمالي والمصرفي، بشكل أثَّر على عملية البناء الأوروبي. كما تحدث عن جدلية الأفضلية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وإن كانت للتوسع أم الاندماج، مشيراً في هذا الصدد، إلى اختلاف واضح فيما يخص عملية إدماج عدد من الدول داخل الاتحاد الأوروبي.

ندوة أصيلة (الشرق الأوسط)

كما تطرق حتي إلى العولمة المتسارعة، عالمياً وأوروبياً، وما أدت إليه من تشتت وانشطار ضمن الدول وبينها، متحدثاً عن مقاومة وردود فعل تقوم على انغلاق بناء على كل ما هو وطني أو إثني أو ديني، وغيرها، بشكل أدى إلى عودة الجدل حول مسألة تعدد الهويات داخل الفضاء الأوروبي.

وأشار، إلى تداعيات الهجرة غير القانونية، التي دفعت اليمين المتطرف إلى شيطنة الآخر، وفجَّرت خلافات أوروبية حول من يتحمل عبء النازحين والمهاجرين.

وتطرق حتي في خامس ملاحظاته، إلى بحث أوروبا عن نموذج للتعاون الاقتصادي، مشدداً على أنها لم تستطع أن تتحول من قوة في الجغرافيا الاقتصادية إلى قوة في الجغرافيا السياسية. ورأى، أن الأزمة الأوكرانية جاءت حرباً حاملة وعاكسة للأزمات المتعددة والمختلفة التي تعيش أوروبا على وقعها، مشدداً على أن هذه الحرب، أعادت أوروبا لأن تصبح من جديد، مركز الثقل في الصراع الدولي، وذلك كما كان عليه الحال خلال الحرب العالمية الثانية، بحيث أسقطت عملية السياسة الخارجية المستقلة لتلتحق بالحلف الأطلسي، كنوع من «الأطلسة» أو «الأمركة» الزائدة.

سابعاً، تحدث حتي، عن مشاكل الثنائي الفرنسي - الألماني، بشكل أثَّر على دور القاطرة في أوروبا. وتحدث ثامناً عن حوض المتوسط، والطريقة التي تدبر بها أوروبا علاقاتها مع دول شرق وجنوب الضفة المتوسطية، متحدثاً في هذا السياق، عن تجربته الشخصية في علاقته مع المسؤولين الأوربيين، بعد تحول جزء من سياسة أوروبا إلى إقامة جدار بدل الدخول في شراكة مثمرة للجانبين، وكيف خاطبهم ذات لقاء بالقول: «عليكم أن تصدروا جزءاً من الحلول إلى الضفة الأخرى حتى لا تستوردوا مجمل المشاكل عندكم».

وخلص حتي، في آخر ملاحظاته، إلى أن أوروبا اليوم محاصرة في الداخل وفي المحيط المباشر في كثير من القضايا والمشاكل، الشيء الذي يفرض عليها «أن تخرج من سياسة تربيع الدوائر».

الوزير اللبناني السابق يتحدث في الندوة (الشرق الأوسط)

بدوره، تحدث خميس الجهيناوي، وزير خارجية تونس الأسبق، عن العقود الستة الأخيرة من عمر أوروبا، والتحديات التي واجهتها هذه الأخيرة، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي جاء كترياق للأزمات التي عاشتها أوروبا في السابق، ووضع من بين أهدافه جعل الحرب صعبة الحصول على أراضيها. ورأى، أنه بقدر التحقق اللافت للتطور الاقتصادي، كان هناك إشكال فيما يخص الشق السياسي والأمني، كما أن الحرب عادت مجدداً إلى قلب القارة العجوز، وذلك ضداً على كل ما أسس الاتحاد الأوروبي من أجله.

وتطرق الجهيناوي إلى السياسة الخارجية الأوروبية، وقال، إن المصالح الوطنية للأعضاء صارت تسبق المصالح المشتركة للاتحاد. كما استعرض التحديات التي تواجه أوروبا، متحدثاً في هذا الصدد عن تحدي الحفاظ على نموذج القيم، مشيراً إلى أن مبادئ، من قبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والقانون الدولي والليبرالية، أضحت مهددة. كما تطرق إلى عنصر ضعف آخر يتمثل في اليمين المتطرف والميل المتزايد إلى سياسة الانغلاق الهوياتي ورفض الهجرة.

وأشار الجهيناوي إلى تحدٍ آخر يواجه أوروبا، يتمثل في صعوبة تحديد أسس السياسة الخارجية، مشدداً على أن هذه السياسة هي سياسة مشتركة، لكنها ليست موحدة.


مقالات ذات صلة

بلجيكا تجدد دعمها «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية»

شمال افريقيا رئيس مجلس الشيوخ البلجيكي فنسنت بلونديل (من حسابه بوسائل التواصل الاجتماعي)

بلجيكا تجدد دعمها «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية»

جدد رئيس مجلس الشيوخ بمملكة بلجيكا، فنسنت بلونديل، مساء الجمعة، في إسطنبول، التأكيد على دعم بلاده الواضح والثابت لمبادرة «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية».

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شمال افريقيا الوزير ناصر بوريطة مستقبلاً الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال زيارتها للرباط (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يؤكد دعمه «مخطط الحكم الذاتي» تحت السيادة المغربية

الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية تؤكد أن الاتحاد الأوروبي يدعم مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عالمية أشرف حكيمي (رويترز)

أشرف حكيمي قبل مواجهة ليفربول: تهم الاغتصاب باطلة

تحدث النجم المغربي الدولي أشرف حكيمي، ظهير أيمن فريق باريس سان جيرمان الفرنسي لكرة القدم، بشكل علني عن تأجيل محاكمته بتهمة الاغتصاب، مؤكداً براءته في تلك القضية

«الشرق الأوسط» (باريس )
شمال افريقيا وزير خارجية مالي عبد الله ديوب (رويترز)

مالي تعلن تأييدها خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء

قال وزير خارجية مالي عبد الله ديوب، اليوم الجمعة، إن بلاده «تؤيد خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية».

«الشرق الأوسط» (باماكو)
رياضة عالمية باتريس موتسيبي (أ.ف.ب)

موتسيبي: «كأس أفريقيا 2025» الأنجح في التاريخ

أثنى باتريس موتسيبي، رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» على بطولة كأس الأمم 2025 التي نظّمها المغرب.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)

من المتوقع أن تشهد الساحة التشريعية المصرية زخماً حول ملفات الأسرة في الأسابيع المقبلة، بعدما وافقت الحكومة، الأربعاء، على مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين، تمهيداً لإحالته إلى مجلس النواب، في وقت تقدم نائب بمشروع قانون جديد يُجرّم «زواج القاصرات»، أحاله رئيس البرلمان إلى «لجنة نوعية» لمناقشته.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجه بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين، وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان، وفق بيان للحكومة، أكد أنه «ستتم إحالة مشروعات القوانين الثلاثة تباعاً، بصفة أسبوعية، للبرلمان، بما يسهم في تلبية تطلعات المواطنين، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار الأسري والمجتمعي، ويحفظ حقوق جميع الأطراف».

وسيكون صندوق دعم الأسرة ضمانة لحصول الزوجة على نفقاتها ونفقات الأبناء بعد الطلاق، إذ تُسدد الدولة المستحقات، ثم تقوم بملاحقة الأزواج المتخلفين عنها، حتى تضمن عدم تحميل الأبناء نتيجة النزاعات بين الوالدين، وفق وسائل إعلام محلية.

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر في مصر، وشرعت أحزاب موالية للحكومة في فتح هذا الملف بالفعل، وإجراء حوار مجتمعي حوله.

الأحوال الشخصية للمسيحيين

وبخصوص قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، الذي افتتحت به الحكومة هذا الملف، فتعود المطالبات بتشريعه منذ عقود، إذ تحكم المسيحيين منذ 80 عاماً لائحة لا تلبي احتياجاتهم التشريعية، ما تسبب في تكدس قضايا الطلاق بينهم في المحاكم بنحو 270 ألف قضية، وفق رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، المستشار نجيب جبرائيل، الذي وصف الخطوة الحكومية الأخيرة بـ«القوية والجريئة».

وأشار جبرائيل، الذي اطَّلع على مشروع القانون، إلى أنه سيُحدث انفراجة كبيرة بين من ينتظرون التشريع الجديد، إذ أتاح للمسيحيين الطلاق للهجر بعد 3 سنوات لمن ليس لديهم أطفال، و5 سنوات لمن لديهم أطفال، وهو ما لم يكن موجوداً من قبل.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن المشروع الجديد استحدث أيضاً مادة تُمكن من الطلاق في حال «استحكام النفور والضرر الجسيم»، كأن يتم تغيير الملة أو في حالة تعرُّض الزوجة للضرر من زوجها كالضرب.

ويتميز مشروع القانون الجديد، وفق وزير العدل المصري المستشار محمود الشريف، بأنه جمع شتات جميع القواعد والأحكام التي تنظم شؤون الأسرة المسيحية في أداة تشريعية واحدة بمرتبة قانون، بعدما كانت مُبعثرة في ست أدوات تشريعية لا ترقى أي منها لتلك المرتبة.

وسبق إعداد مشروع القانون الجديد حوار مجتمعي، وجاء نابعاً من توافق تام بين جميع الطوائف المسيحية في مصر على كل ما تضمنه من أحكام، وفق بيان الحكومة.

وأشادت البرلمانية مها عبد الناصر بالاهتمام الحكومي بقضايا الأسرة، متمنية أن يحظى الأمر باهتمام مماثل من السلطة التشريعية، يُمكّن من صدور قوانين عدة خاصة بالأسرة، من شأنها أن تنعكس إيجابياً على حال المجتمع كله، واستطردت: «إحالة مشروع قانون لا يعني حتمية صدوره، فخلال الدورات التشريعية السابقة حُفظت مشاريع قوانين شبيهة في الأدراج».

وتابعت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل زخم الحديث عن قوانين الأحوال الشخصية الحالي، أتوقع أن تشهد تعاملاً مختلفاً ويتم إنجازها حتى تخرج للنور»، وأعربت عن أملها في أن تأتي هذه القوانين متوازنة.

مشروع قانون ينظم الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر (المركز الإعلامي للكنيسة الأرثوذكسية)

ويرى المحامي الحقوقي سامح سمير أن القوانين التي تتعلق بالمرأة عموماً تشهد حراكاً مستمراً منذ سنوات، لافتاً إلى أن استكمال ذلك بقوانين الأحوال الشخصية فعل محمود، خصوصاً مع المطالبة به لسنوات.

وينص الدستور المصري في المادة الثالثة على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية.

وقال سمير لـ«الشرق الأوسط» إنه قرأ اعتراضات لأصدقاء ونشطاء مسيحيين على بعض ما جاء في مشروع القانون، مطالبين بقانون مدني بعيد عن الكنيسة، مضيفاً: «حتى لو لم يخرج مُرضياً لجميع الأطراف، فهو توجُّه تأخر كثيراً».

زواج القاصرات

في غضون ذلك، تقدم النائب أحمد البرلسي بمشروع قانون لمجلس النواب، الأربعاء، خاص بتغليظ عقوبة زواج القاصرات، ويستهدف سد ثغرات القانون الحالي، بتجريم كل أشكال تزويج الأطفال، سواء تم بعقود رسمية أو عرفية، مع توسيع نطاق المسؤولية الجنائية لتشمل كل من شارك في إتمام الزواج أو ساعد عليه، بمن في ذلك أولياء الأمور والموثّقون.

ويحدد القانون المصري سن الزواج عند 18 عاماً، ويعاقب بالحبس مدة قد تصل إلى عامين لمن أدلى ببيانات غير صحيحة أمام المأذون أو زوَّر في البيانات لتوثيق عقد الزواج.

وعادة ما يجري تزويج الفتيات عرفياً في القرى المصرية دون السن القانونية، ثم يتم توثيق العقود رسمياً بعد بلوغ السن.

وعرّف القانون الزواج بأنه «كل عقد أو وثيقة تفيد الارتباط بين ذكر وأنثى، سواء تم بمعرفة مأذون شرعي أو محامٍ أو موثّق»، وعدّ كل من شارك في إجراءات زواج قاصر أو تحرير وثيقة رسمية أو عرفية تثبته، بما يشمل أولياء الأمور أو من لهم سلطة على القاصر، مرتكباً لجريمة زواج طفل.

وفيما يتعلق بالعقوبات، نص المشروع على الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة تتراوح بين 20 ألف و100 ألف جنيه (الدولار نحو 52 جنيهاً تقريباً)، أو إحدى العقوبتين، لكل من يشارك في تزويج طفل، مع تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة حال استخدام الإكراه أو التهديد أو تقديم مقابل مادي لإتمام الزواج.


الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
TT

الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

افتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الخميس، 9 مشروعات صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بإجمالي استثمارات نحو 182.5 مليون دولار، عملاً على تشجيع الصناعات المحلية مع توفير بيئة محفزة للاستثمار، وذلك رداً على انتقادات وجهت لها سابقاً بشأن توقف مصانع عن العمل وعدم التركيز على الإنتاج المحلي.

وقال مدبولي إن «حكومته تكثف جهودها لتشجيع الصناعة المحلية، وتوطين مختلف الصناعات الحيوية والإنتاجية بالشراكة مع القطاع الخاص»، وأشار إلى أنها «تسعى بكل الجهود الممكنة لزيادة الاستثمارات المحلية وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية والعربية لضخها في قطاع الصناعة».

وأضاف أن «حكومته اتخذت إجراءات لتوفير بيئة محفزة لجذب المستثمرين المحليين والأجانب، وإقامة مصانع جديدة في مختلف المناطق الصناعية بالدولة»، لافتاً إلى أن «حكومته تعمل على احتواء الضغوط التي تواجهها الصناعات بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، في ظل التحديات التي تشهدها السوق العالمية».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن انتقادات وجهت لحكومته أخيراً على منصات التواصل الاجتماعي بسبب «توقف مصانع عن العمل والإنتاج»، وقال في مؤتمر صحافي على هامش جولته في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إن ما يجري تداوله «لا أساس له من الصحة»، مشيراً إلى أن «المصانع تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية دون توقف».

وكثيراً ما توجَّه انتقادات للحكومة تستحثها على ضرورة التركيز على الصناعة والزراعة بدلاً من الاهتمام بالطرق، وذلك لدعم الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة من الخارج.

وتتخذ الحكومة إجراءات عدة لاحتواء تأثيرات الحرب الإيرانية الاقتصادية، وأعلنت عن قرارات استثنائية، تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، كما أعلنت عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، من بينها إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي داخل أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

وشدد مدبولي، الخميس، على أن «أسعار الوقود والطاقة لن تعود سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب على إيران»، مضيفاً أنه «حال انتهاء الصراع خلال الفترة الحالية، فهذا لا يعني تراجعاً في أسعار النفط والغاز، ذلك لأن الأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية للطاقة في دول الخليج وإيران ستحتاج إلى وقت قبل عودة الأسواق إلى الاستقرار الكامل».

ويرى رئيس الوزراء المصري أن الطاقة ستحتاج إلى فترة زمنية حتى تستعيد توازنها الطبيعي، مؤكداً أن بلاده لديها سيناريوهات للتعامل مع تداعيات التصعيد العسكري بالمنطقة.

وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن هناك مؤشرات تعكس تحسن مستوى التصنيع المحلي في مصر، وقال إن الحكومة مهتمة بتوطين عدد من الصناعات بما يقلل من أعباء الاستيراد من الخارج بالعملة الصعبة، مع توفير منتجات منافسة تساهم في خفض الأسعار.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «دعم الصناعة المحلية يحقق مكاسب عدة من بينها توفير فرص عمل وزيادة معدلات التشغيل، مع فتح أسواق تصديرية للخارج».

رئيس الوزراء المصري مصطفلا مدبولي أكد أن حكومته تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي (مجلس الوزراء)

وزادت نسبة الصادرات بالنسبة إلى الناتج المحلي في مصر بنسبة 11.8 في المائة في العام الماضي، وفق وزير الاستثمار المصري محمد فريد الذي قال في كلمته بمجلس النواب، الأربعاء، إن معدل نمو القطاع الصناعي وصل إلى 14 في المائة في عام 2025.

ويرى بدرة أن «التحديات الإقليمية تُصعب من أي فرص جذب للاستثمارات الداخلية والخارجية في هذا التوقيت»، وأشار إلى أن هناك ضغوطاً اقتصادية على منظومة الإنتاج لدى غالبية الدول حالياً.

وأضاف: «الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن إهمال التصنيع المحلي سوف تستمر في ظل الأعباء الاقتصادية العالمية القائمة».

من جهته، قال مدبولي، الخميس، إن حكومته «تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتعزز تنافسية الصادرات المصرية في الأسواق العالمية»، مشيراً إلى «التركيز على تعميق القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني».


بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
TT

بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)

أثار «التوقيت الصيفي» في مصر، ويبدأ عند منتصف ليل الخميس، تساؤلات بشأن مواعيد «غلق المحال» التجارية التي تم إقرارها سابقاً ضمن إجراءات استثنائية اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية.

ويكون تطبيق «التوقيت الصيفي» بتقديم الساعة 60 دقيقة. وعن موقف مواعيد غلق المحال مع التوقيت الجديد، قال رئيس الوزراء، الخميس، إن «لجنة إدارة الأزمات ستعقد اجتماعاً قريباً لتحديد القرار».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وشهدت الأسابيع الماضية مطالبات برلمانية بإلغاء «التوقيت الصيفي»، وانتقد وكيل «لجنة القوى العاملة» بمجلس النواب إيهاب منصور تطبيقه وجدواه، وتقدم بسؤال برلماني للحكومة، الخميس، مطالباً بالكشف عن البيانات الرسمية حول حجم توفير استهلاك الطاقة عند تطبيق «التوقيت الصيفي».

في حين طالب الإعلامي المصري أحمد موسى بإعادة النظر في مواعيد غلق المحال التجارية خلال فصل الصيف، ودعا خلال برنامجه التلفزيوني، مساء الأربعاء، إلى تمديد مواعيد إغلاق المحال من 11 مساء إلى الواحدة صباحاً مع بدء التوقيت الصيفي، بما يتناسب مع طبيعة الموسم السياحي والحركة التجارية.

مدى توفير الطاقة

الخبير الاقتصادي المصري أحمد حنفي يرى أن «التوقيت الصيفي» يساهم في توفير استهلاك الطاقة بنسبة صغيرة ليس لها تأثير. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه مع بدء التوقيت الصيفي وتقاطعه مع إجراءات الترشيد الحكومية يجب تعديل مواعيد غلق المحال حتى 12 مساءً؛ لأن التوقيت الجديد «يخصم ساعة يومياً من فترة عمل هذه المحال، ولا يتناسب مع طبيعة الأنشطة المختلفة والحركة التجارية خلال الصيف».

محال تجارية تنتظر القرار الحكومي الجديد بشأن المواعيد بعد تطبيق «التوقيت الصيفي» (وزارة التموين)

وخلال كلمته أمام مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، تحدث مدبولي عن خطة «التقشف الحكومي» لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «ترشيد الطاقة خلال الفترة الماضية خيار، لكن كان ضرورة فرضتها علينا معطيات الأزمة».

وأضاف: «خطة ترشيد الاستهلاك لا تزال تحت التقييم لدراسة حجم الوفر الذي حققته، وإن كانت المؤشرات الأولية لها تشير إلى تحقيق وفر خلال الأسبوع الأول بلغ 18 ألف ميغاوات / ساعة، وتحقيق وفر في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب، ووفر في يوم العمل عن بُعد بلغ 4700 ميغاوات / ساعة، و980 ألف متر مكعب وفراً في الوقود».

وأضاف أن «انتهاء أزمة الحرب - حتى وإن تحقق من الناحية الشكلية - لا يعني بالضرورة زوال آثارها، التي من المرجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الجاري».

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

ويرجح حنفي «استمرار الحكومة في تطبيق إجراءات الترشيد، وتمديد قرار الإغلاق المبكر للمحال لفترة أخرى كونه نوعاً من التحوط الاقتصادي».

وتثير خطة «التقشف الحكومي» والإغلاق المبكر جدلاً واسعاً في مصر منذ بدء تطبيقها.

وقال الخبير الاقتصادي المصري وائل النحاس لـ«الشرق الأوسط» إن تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة الطاقة «تتطلب استمرار خطة التقشف والترشيد، لأن القادم أصعب»، وفق رأيه، مؤكداً أن «الأزمة تستدعي إجراءات أكثر حدة؛ لأن العالم مقبل على أزمة طاقة كبيرة، وتأثر في سلاسل الإمدادات خاصة للمواد الغذائية».

ويرى النحاس أنه «لا يوجد معنى الآن للحديث عن تأثر المحال بالإغلاق المبكر ساعة أو ساعتين، بسبب تصاعد تداعيات الأزمة»، لكنه أشار إلى أن «الحكومة المصرية ملتزمة بخطة الترشيد والحد من نفقاتها غير الضرورية».