كيف صوّر الفنانون السعوديون الطاقة في أعمالهم؟

تناولهم لموضوعاتها جاء مختلفاً عن تناول فناني الدول الأخرى

«حلوى النفط» لمها الملوح
«حلوى النفط» لمها الملوح
TT
20

كيف صوّر الفنانون السعوديون الطاقة في أعمالهم؟

«حلوى النفط» لمها الملوح
«حلوى النفط» لمها الملوح

عند تناول مصطلح الطاقة بمعناه الواسع، يمكننا القول إن الفن أو المنتجات الفنية هي أحد أشكال الطاقة الإبداعية للإنسان، لكن مفهوم الطاقة في الاقتصاد والصناعة يختلف عنه في الفن بطبيعة الحال؛ فالطاقة هي المصدر الذي يعتمد عليه الإنسان المعاصر لتأمين احتياجاته الرئيسية وزيادة رفاهيته، وتوفُّرُها يُسهم في تأمين احتياجات الإنسان من تدفئة، وغذاء، وتنقل، ووقود، وكهرباء، وغيرها؛ لذلك تعتمد عليها الحكومات والمجتمعات بوصفها وسيلة للنمو والتطور.

(محمد والنفط) مجموعة إذا نسيتك فلا تنساني – منال الضويان
(محمد والنفط) مجموعة إذا نسيتك فلا تنساني – منال الضويان

هذا الارتباط الوثيق والاعتماد على الطاقة لدى الإنسان المعاصر، وما يمكن أن تُحدثه من تأثير عليه على المستويات كافة، وما يرتبط بتوفيرها من تكاليف أو تأثيرات اجتماعية وبيئية، يجعل الطاقة من أهم الموضوعات التي تتم دراستها وتحليلها وتداولها عالمياً، في الأخبار السياسية والاقتصادية والبيئية على حدٍّ سواء. كما يتم التعبير عنها أحياناً من خلال أشكال الفنون المختلفة، ومن ذلك الفنون البصرية والتشكيلية.

ولعل تناول الفنان لموضوعات الطاقة يختلف بشكل كلي عن تناول المحلل الاقتصادي والسياسي لها، فالفنان بحساسيته واختلاف نظرته لطبيعة الأشياء يميل للجوانب الإنسانية والثقافية المرتبطة بالطاقة، فكيف عبّر الفنان التشكيلي عن الطاقة؟

ضد النسيان

ولأن المملكة العربية السعودية إحدى الدول الرئيسية الكبرى في إنتاج وتوفير الطاقة عالمياً، فقد كان من الطبيعي والمتوقع أن يعبر الفنانون التشكيليون عن هذا الموضوع فنياً، وأن تبرُز تأثيراته الثقافية والاجتماعية في أعمالهم. ومن بين هؤلاء نذكر الفنانة منال الضويان، التي تناولت في أحد أعمالها الفنية مجموعة من النساء والرجال العاملين في قطاع البترول في المملكة، وتحديداً شركة «أرامكو السعودية»، وذلك لتوثيق جيل كامل من العاملين في هذا القطاع القادمين من خلفيات بيئية مختلفة، من مدن وقرى المملكة، وجمعهم مكان واحد انطلقوا منه للمستقبل.

«تطور الإنسان» لأحمد ماطر
«تطور الإنسان» لأحمد ماطر

وقد عنونت الضويان هذه المجموعة باسم «إذا نسيتك فلا تنساني»، وتمثل توثيقاً للذاكرة الجماعية لذلك الجيل العامل في البترول، والذي كان منه والدها، فتاريخ الشركة العالمية قد يكون معروفاً وموثقاً، إلا أن تاريخ هؤلاء العاملين في الشركة قد يكون مغيباً، وهو ما حرصت الفنانة على توثيقه، وإظهار الجانب الإنساني والحميم فيه.

ذاكرة البترول في المجتمع السعودي

ومن الفنانين السعوديين الذين أشاروا إلى الطاقة (البترول) تحديداً، بوصفها جزءاً مهماً في تاريخ المجتمع السعودي، الفنان أحمد ماطر، الذي تتبّع تاريخ المجتمع المحلي منذ بدء الدولة السعودية الثالثة عام 1932، مروراً بالستينات والسبعينات الميلادية، التي تمثل سنوات الطفرة البترولية وما أحدثته من تغيير، وانتقال في شكل الحياة والعمران والمباني الخرسانية، وذلك من خلال شرائح من الصور الفوتوغرافية الأرشيفية التي عثر عليها الفنان، وأعاد تركيب صور أخرى عليها، لصنع كولاج فوتوغرافي جديد؛ ليُخرج هذه الصور من طابعها الأرشيفي والتوثيقي، ويضيف تساؤلات جديدة عليها حول العلاقة بين هذه العناصر والمعاني التي تحتملها، في صور فنية كان البترول حاضراً فيها داخل ذاكرة المجتمع المحلي، وأساساً في تغيره.

«حلوى النفط»

ومن الفنانات التشكيليات اللاتي عبّرن عن موضوعات الطاقة الفنانة مها الملوح، حيث تناولت في عملها الفني «حلوى النفط» الدور الذي أحدثه البترول في التغيرات الحضارية في المملكة، واستخدمت في ذلك براميل الزيت الملونة، التي كانت تشكل أحد المشاهد البصرية في المملكة العربية السعودية، في الحاضرة والبادية، في سبعينات القرن العشرين.

هذه البراميل الملونة التي أعادت الفنانة تشكيلها لتكون أشبه بتغليفات الحلوى الملونة، قد تحمل دلالات مختلفة، منها تشبيه النفط بالحلوى وما يرتبط بها من رفاهية وبهجة، فكان التعبير من خلال أحد المدركات الشكلية التي كانت سائدة في المجتمع في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، مع إعادة تشكيله وتقديمه في سياق جديد ومختلف، لإتاحة تأمل هذه العناصر بشكل مختلف، وإدراك ما يرتبط بها من مفاهيم، إضافة لما تبعثه هذه العناصر من تعلق وحنين، وتذكير بحقبة زمنية ماضية.

ويلاحظ في هذه النماذج الفنية المتنوعة للفنانين السعوديين، تركيزها على النفط بشكل مباشر بدلاً من أشكال الطاقة الأخرى، إضافة إلى جانب الحنين إلى الماضي، وما يرتبط بذلك من مشاعر حميمة، من خلال العودة للوراء وتأمل الماضي والصور والعناصر الأولى التي وجدت لها مستقراً في الذاكرة الجماعية.

«لتظل بارداً»

إلا أن التعبير عن الطاقة كشكل نهائي يحصل عليه الإنسان ويرتبط به، بشكل مباشر، لا نجده سوى في أعمال قليلة، منها تجربة مميزة للفنانة مها الملوح بعنوان «لتظل بارداً»؛ حيث يركز هذا العمل على استهلاك الكهرباء في بيئة صحراوية جافة، وما يترتب على ذلك من مشكلات بيئية تتطلب حلاً. وقد أنشأت الفنانة العمل من خلال إعادة تدوير لأجهزة المكيفات الصحراوية التي سبق استخدامها في موسم الحج، كما يمكن مشاهدتها في البيوت القديمة، وأعادت تركيب هذه الأجهزة على هيئة مكعب الألغاز «روبيك»، في مقاربة بين الموضوعين، فالكهرباء ومشكلاتها تتطلب حلاً كمكعب الألغاز الشهير.

وفي هذه التجربة للفنانة مها الملوح، وتجاربها الأخرى، يُلاحظ إعادة تدويرها لخامات وأدوات مستهلكة، ترتبط بالبيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة، وبعضها يرتبط بحقب زمنية ماضية، وكأنها تؤرخ التغيرات المجتمعية من خلال الأدوات المستخدمة في كل حقبة زمنية. هذه الأدوات التي تتغير وتأخذ أشكالاً جديدة، وبعضها لم نعد نراها حالياً، هي إشارة للتغيرات السريعة جداً في المجتمع. وبذلك تنفتح هذه الأعمال الفنية على عدة تأويلات وتفسيرات، فيمكن إحالتها لدور الطاقة في المجتمع وتأثيرها الكبير عليه، كما يمكن أن تُعد هذه الأعمال رصداً للتغيرات الثقافية والاجتماعية السريعة والكبيرة في البيئة المحلية السعودية. وكذلك تشير هذه الأعمال الفنية إلى النزعة الاستهلاكية التي سادت المجتمع، وتوجّهه نحو استبدال الجديد بالقديم.

«تطور الإنسان»

من الأعمال الفنية الأخرى المميزة التي تناولت موضوع الطاقة في المملكة، ومارس فيها الفنان دوره الاجتماعي، ودوره بوصفه طبيباً يشخص حالة مرضية، عمل فني أنتجه الفنان الطبيب أحمد ماطر بعنوان «تطور الإنسان» عام 2010. في هذا العمل استخدم ماطر الأشعة السينية لتصوير مضخة بنزين تتحول إلى إنسان يوجه السلاح على رأسه، والعكس، في عملية انتحار مستمرة، فكان العمل يشكل هاجساً لتلك المرحلة، من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المحتملة للاعتماد الكلي على البترول.

هذا الهاجس تراجع كثيراً إلى حد الانتفاء الآن، بعد رؤية المملكة 2030، وهي رؤية لمستقبل المملكة، واستثمار مكامن قوتها وموقعها الاستراتيجي المتميز، وقوتها الاستثمارية، وعمقها العربيّ والإسلاميّ، لتنويع اقتصادها بدلاً من الاعتماد الكلي على البترول.

التعبير عن الطاقة كشكل نهائي يحصل عليه الإنسان ويرتبط به، بشكل مباشر، لا نجده سوى في أعمال قليلة.

اختلاف الفنان السعودي

قد يكون تناول الفنان السعودي لمواضيع الطاقة مختلفاً عن تناول فناني الدول الأخرى لهذا الموضوع، فالمملكة بوصفها دولة منتجة للطاقة عالمياً، ومن كبار منتجي البترول، جعلت من الطاقة والبترول رمزاً للغنى والرفاهية والحياة الرغيدة، وفي الوقت نفسه رمزاً للتغيير، وهو ما تمت ملاحظته من خلال الأعمال الفنية التي تم استعراضها، فتناول الطاقة جاء غالباً من ناحية تاريخية، يدفعها الحنين للماضي إلى التعبير عن مرحلة مهمة وبارزة، وتمثل نقلة في المجتمع السعودي، وهي مرحلة الطفرة، فكان تناول الطاقة فنياً في أعمال حديثة ومعاصرة، لكنها في الوقت نفسه تعبّر عن مرحلة سابقة تتمثل في السبعينات الميلادية.

إن أهمية الطاقة وعلاقتها بالفن لا تقتصر فقط على تعبير الفنان عنها كونها مؤثراً بشكل مباشر على حياته، فالطاقة أدّت لتغير أشكال الفن، وظهور أنواع جديدة، فالفنون البصرية والتشكيلية المعاصرة لا تعتمد فقط على التشكيل من خلال اللوحة المسطحة، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال النماذج السابقة، لكن التعبير عن الطاقة وتناولها بوصفها موضوعاً فنياً، يقدم انطباعاً عن تأثيرها الفكري والفلسفي على الإنسان، وحساسيته الفنية تجاهها، وعلاقته بها.

* كاتبة وناقدة سعودية


مقالات ذات صلة

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

كتب تشارلي إنجلش

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

يبدو اسم كتاب صحافي «الغارديان» البريطانية تشارلي إنجلش الأحدث «نادي الكتاب في وكالة المخابرات المركزية» أقرب لعنوان رواية جاسوسيّة منه لكتاب تاريخ

ندى حطيط
ثقافة وفنون العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة

كان الصينيون القدامى يتركون عظام جنودهم الذين سقطوا في الحرب، عند أسس بوابات المدينة ومبانيها الرئيسية.

حيدر المحسن
ثقافة وفنون الذاكرة مرتع للكتابة

الذاكرة مرتع للكتابة

فاز كتاب «يغتسل النثر في نهره» بجائزة «أبو القاسم الشابي» في تونس في دورتها الثلاثين 2024، الديوان الشعري الصادر عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع (الأردن).

رشيد أزروال

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي
TT
20

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان، بحيث يصعب أن نعثر في العصر العباسي الأول على نسخ عذرية مماثلة لمجنون ليلى، وجميل بثينة، وكثيّر عزة. إلا أن ما تقدم لا يعني بالضرورة الغياب التام لحالات التتيم العاطفي وتجارب العشق الصادقة في ذلك العصر. ذلك أن الإشباع الجسدي لا يوقف وجيب القلوب، والحصول على المتعة لا يروي عطش الروح، ولا يوفر للشخص المعني ما يحتاج إليه من الحب والعاطفة الصادقة. وهي الفرضية التي تجد ضالتها المثلى في حالة العباس بن الأحنف، الذي لم تحل حياته المترفة ووسامته الظاهرة، وظرفه المحبب، دون وقوعه في حب «فوز»، المرأة التي شغلته عن كل ما عداها من النساء.

ومع أن الرواة قد اختلفوا حول نشأة العباس ونسبه، حيث ذكر الأصفهاني أنه نشأ في بغداد وينتمي إلى بني حنيفة العرب، وقال الأخفش إنه كان من عرب خراسان، ورأى آخرون أنه نشأ في البصرة ثم وفد إلى بغداد، فقد أجمع المبرّد والصولي والأصمعي على تقريض شعره، ورأى الجاحظ أنه كان شاعراً غزِلاً شريفاً مطبوعاً، وله مذهب حسن ولديباجة شعره رونق وعذوبة، وأنه لم يتجاوز الغزل إلى مديح أو هجاء. لكن اللافت أن الأصفهاني لم يولِ العباس وأخباره الكثير من الاهتمام، ولم يركز إلا على أشعاره الصالحة للغناء، دون أن يأتي على ذكر فوز، أو أيٍّ من معشوقاته الأخريات.

ورغم أن العباس يعرض في ديوانه للكثير من النساء، مثل ظلوم وذلفاء ونرجس ونسرين وسحر وضياء، ومعظمهن من الجواري، فإن فوز هي التي احتلت النصيب الأوفر من شعره الغزلي. ومع ذلك، فقد ظلت هويتها الحقيقية في دائرة الغموض واللبس. وحيث ذهب البعض إلى أنها والجارية ظلوم تسميتان لامرأة واحدة، إلا أن قصائد الشاعر تؤكد أن فوز لم تكن جارية، بل امرأة من الأشراف ذات نسب عريق. وفي مواضع عدة يشير العباس إلى أنه أخفى اسم حبيبته الحقيقي خشية على نفسه وعليها، كما في قوله:

كتمتُ اسمها كتمان من صار عرضةً وحاذر أن يفشو قبيح التسمُّعِ

فسمّيتها فوزاً ولو بحتُ باسمها

لسُمِّيتُ باسمٍ هائل الذكْر أشنعِ

وفي بحثها النقدي الاستقصائي عن العباس بن الأحنف، ترى الكاتبة العراقية عاتكة الخزرجي أن حبيبة الشاعر لم تكن «كائناً متخيلاً، بل امرأة من لحم ودم، وأن ديوانه الشعري كان سيرته وقصة قلبه». إلا أن الخزرجي تذهب إلى أبعد من ذلك، فترجح أن تكون فوز هي الاسم المعدل لعليّة بنت المهدي، أخت هارون الرشيد، وأن العباس أخفى هويتها الحقيقية خوفاً من بطش الخليفة، الذي كان الشاعر أحد جلسائه.

وقد كان يمكن لاجتهاد الخزرجي حول هوية فوز، أن يكون أكثر مطابقة للحقيقة، لو لم يشر الشاعر في غير موضع إلى أن حبيبته قد انتقلت للعيش في الحجاز، في حين أن عليّة، ظلت ملازمة لبغداد ولقصر أخيها الرشيد بالذات. وأياً تكن هوية حبيبة العباس الحقيقية، فقد بدت المسافة الشاسعة التي تفصله عنها، بمثابة النقمة والنعمة في آن واحد. فهي إذ تسببت له بالكثير من الجروح العاطفية والروحية، إلا أنها منحته الفرصة الملائمة لإحالتها إلى خانة الشعر، ولتحويلها نداءً شجياً في صحراء الغربة الموحشة، كقوله فيها:

أزيْنَ نساءِ العالمين أجيبي

دعاء مشوُقٍ بالعراق غريبِ

أيا فوز لو أبصرتِني ما عرفْتني

لطول نحولي دونكم وشحوبي

أقول وداري بالعراق، ودارها

حجازيةٌ في َحرّةٍ وسهوبِ

أزوّار بيت الله مُرّوا بيثربٍ

لحاجة متبولِ الفؤاد كئيبِ

ولو تركنا هذه الأبيات غفلاً من الاسم، لذهب الظن إلى أن ناظمها الفعلي هو جميل بثينة أو مجنون ليلى. وليس من قبيل الصدفة أن ينسب الرواة إلى العباس، ما نُسب قبله إلى المجنون، ومن بينها مقطوعة «أسرْب القطا هل من يعير جناحه؟» المثبتة في ديوانَي الشاعرين. وإذا كان لذلك من دلالة، فهي أن هاجس العباس الأهم، كان يتمثل في إعادة الاعتبار للشعر العذري بوصفه الحلقة المفقودة في الحب العباسي، إضافة إلى أنه أراد في ظل القامات الشاهقة لأبي نواس وأبي تمام وغيرهما، أن يحقق عبر الحب العذري، ما يمنحه هويته الخاصة ويمهد له الطريق إلى الخلود. وهو ما يظهر في قوله إن التجربة التي اختبرها سوف تكون «سنناً للناس»، أو قوله: «وصرنا حديثاً لمن بعدنا، تحدّث عنا القرونُ القرونا».

وإذ يقارب المستشرق الفرنسي جان كلود فاديه في كتابه «الغزل عند العرب»، تجربة العباس من زاوية كونها خروجاً على التجارب الحسية البحتة لمعاصريه، يتوقف ملياً عند حبه لفوز، متسائلاً عما إذا كانت الأخيرة قد وُجدت حقاً، أم أن الشاعر قد ألفها من عنديات توقه للمرأة الكاملة. وإذا كان فاديه قد رأى في فوز المعادل الشرقي لبياتريس، حبيبة دانتي في «الكوميديا الإلهية»، فإن النموذج الغزلي الذي راح العباس ينسج على منواله، هو نموذج عربي بامتياز. وحيث كانت البيئة الحاضنة لشعره خالية من البوادي المقفرة والفقر المدقع، فقد استعاض الشاعر عن الصحراء المحسوسة، بصحراء الحب المستحيل الذي يلمع كالسراب في أقاصي العالم، موفراً له ما يلزمه من بروق المخيلة ومناجم الإلهام.

ومع أن العباس كان يسير عبر قصائده الغزلية والعاطفية، في اتجاه معاكس لنظرائه ومجايليه من الشعراء، فإن من يقرأ ديوانه لا بد أن ينتابه شعور ما، بأنه ليس إزاء شاعر واحد متجانس التجربة والمعجم والأسلوب، بل إزاء نسختين أو أكثر من الشخص إياه. فهناك القصائد الطويلة المترعة بالحسرة والوجد، التي تحتل فوز مكان الصدارة فيها، وهناك بالمقابل النصوص القصيرة ذات المعاني والمفردات المستهلكة، التي يدور معظمها حول مغامرات الشاعر العابرة مع القيان والجواري. إلا أن ما يدعو إلى الاستغراب هو أن يكون بين المنظومات المهداة إلى فوز ما هو متكلف ومستعاد وسطحي، كمثل قوله:

أيا سيدة الناسِ

لقد قطّعت أنفاسي

يلوموني على الحبّ

وما في الحب من باسِ

ألا قد قدُمتْ فوزٌ

فقرَّت عينُ عباسِ

رغم أن العباس يعرض في ديوانه للكثير من النساء، ومعظمهن من الجواري فإن فوز هي التي احتلت النصيب الأوفر من شعره الغزلي

ولعل الأمر يجد تفسيره في كون العباس لم يحصر اسم فوز في المرأة التي محضها قلبه، بل استعاره لغير واحدة من نسائه العابرات. إضافة إلى أن رغبته بأن تصدح بهذا الاسم حناجر المغنين والمغنيات، جعلته يتنازل عن سقف شعريته العالي، لمصلحة النصوص السهلة والصالحة للغناء، خصوصاً أن احتفاء عصره بهذا الفن، لم يكن موازياً لاحتفاء الأمويين به فحسب، بل كان متجاوزاً له بفعل التطور والرخاء واختلاط الشعوب والثقافات.

وعلينا ألا نغفل أيضاً أن النزوع النرجسي للعباس، قد دفعه إلى أن يصيب بقصائده ومقطوعاته أكثر من هدف. فرغبته في أن يحاكي التجربة الفريدة لعمر بن أبي ربيعة، والتي جعلته يكرس بعضاً من النصوص لسرد فتوحاته ومغامراته العاطفية التي يواجه فيها المخاطر ليظفر بامرأته المعشوقة، لم تحل دون رغبته الموازية في التماهي مع تجارب العذريين الكبار، وما يستتبعها من بوح صادق وشفافية مفرطة.

إلا أن المقارنة بين النموذجين الحسي والمتعفف في تجربة الشاعر، لا بد أن تصبح في مصلحة هذا الأخير، حيث يذهب العباس بعيداً في الشغف وحرقة النفس، وفي الأسئلة المتصلة بالحب واللغة والفراق والموت. وهو إذ يحول العناصر والمرئيات مرايا لروحه الظامئة إلى الحب، تتراءى له فوز في كل ما يلوح له من الأشياء وظواهر الطبيعة، حتى إذا أبصر السيل منحدراً من أعالي الهضاب، تذكر أن ثمة في مكان قريب، حبيبة له «مسيلة» للحنين والدموع وآلام الفراق، أنشد قائلاً:

جرى السيلُ فاستبكانيَ السيلُ إذ

جرى وفاضت له من مقلتيّ سروبُ

وما ذاك إلا حيث أيقنتُ أنه

يمرُّ بوادٍ أنتِ منه قريبُ

يكون أجاجاً دونكمْ فإذا انتهى

إليكمْ تلقَّى طيبكمْ فيطيبُ

أيا ساكني شرقيّ دجلةَ كلُّكمْ

إلى النفس من أجل الحبيب حبيبُ