كيف صوّر الفنانون السعوديون الطاقة في أعمالهم؟

تناولهم لموضوعاتها جاء مختلفاً عن تناول فناني الدول الأخرى

«حلوى النفط» لمها الملوح
«حلوى النفط» لمها الملوح
TT

كيف صوّر الفنانون السعوديون الطاقة في أعمالهم؟

«حلوى النفط» لمها الملوح
«حلوى النفط» لمها الملوح

عند تناول مصطلح الطاقة بمعناه الواسع، يمكننا القول إن الفن أو المنتجات الفنية هي أحد أشكال الطاقة الإبداعية للإنسان، لكن مفهوم الطاقة في الاقتصاد والصناعة يختلف عنه في الفن بطبيعة الحال؛ فالطاقة هي المصدر الذي يعتمد عليه الإنسان المعاصر لتأمين احتياجاته الرئيسية وزيادة رفاهيته، وتوفُّرُها يُسهم في تأمين احتياجات الإنسان من تدفئة، وغذاء، وتنقل، ووقود، وكهرباء، وغيرها؛ لذلك تعتمد عليها الحكومات والمجتمعات بوصفها وسيلة للنمو والتطور.

(محمد والنفط) مجموعة إذا نسيتك فلا تنساني – منال الضويان

هذا الارتباط الوثيق والاعتماد على الطاقة لدى الإنسان المعاصر، وما يمكن أن تُحدثه من تأثير عليه على المستويات كافة، وما يرتبط بتوفيرها من تكاليف أو تأثيرات اجتماعية وبيئية، يجعل الطاقة من أهم الموضوعات التي تتم دراستها وتحليلها وتداولها عالمياً، في الأخبار السياسية والاقتصادية والبيئية على حدٍّ سواء. كما يتم التعبير عنها أحياناً من خلال أشكال الفنون المختلفة، ومن ذلك الفنون البصرية والتشكيلية.

ولعل تناول الفنان لموضوعات الطاقة يختلف بشكل كلي عن تناول المحلل الاقتصادي والسياسي لها، فالفنان بحساسيته واختلاف نظرته لطبيعة الأشياء يميل للجوانب الإنسانية والثقافية المرتبطة بالطاقة، فكيف عبّر الفنان التشكيلي عن الطاقة؟

ضد النسيان

ولأن المملكة العربية السعودية إحدى الدول الرئيسية الكبرى في إنتاج وتوفير الطاقة عالمياً، فقد كان من الطبيعي والمتوقع أن يعبر الفنانون التشكيليون عن هذا الموضوع فنياً، وأن تبرُز تأثيراته الثقافية والاجتماعية في أعمالهم. ومن بين هؤلاء نذكر الفنانة منال الضويان، التي تناولت في أحد أعمالها الفنية مجموعة من النساء والرجال العاملين في قطاع البترول في المملكة، وتحديداً شركة «أرامكو السعودية»، وذلك لتوثيق جيل كامل من العاملين في هذا القطاع القادمين من خلفيات بيئية مختلفة، من مدن وقرى المملكة، وجمعهم مكان واحد انطلقوا منه للمستقبل.

«تطور الإنسان» لأحمد ماطر

وقد عنونت الضويان هذه المجموعة باسم «إذا نسيتك فلا تنساني»، وتمثل توثيقاً للذاكرة الجماعية لذلك الجيل العامل في البترول، والذي كان منه والدها، فتاريخ الشركة العالمية قد يكون معروفاً وموثقاً، إلا أن تاريخ هؤلاء العاملين في الشركة قد يكون مغيباً، وهو ما حرصت الفنانة على توثيقه، وإظهار الجانب الإنساني والحميم فيه.

ذاكرة البترول في المجتمع السعودي

ومن الفنانين السعوديين الذين أشاروا إلى الطاقة (البترول) تحديداً، بوصفها جزءاً مهماً في تاريخ المجتمع السعودي، الفنان أحمد ماطر، الذي تتبّع تاريخ المجتمع المحلي منذ بدء الدولة السعودية الثالثة عام 1932، مروراً بالستينات والسبعينات الميلادية، التي تمثل سنوات الطفرة البترولية وما أحدثته من تغيير، وانتقال في شكل الحياة والعمران والمباني الخرسانية، وذلك من خلال شرائح من الصور الفوتوغرافية الأرشيفية التي عثر عليها الفنان، وأعاد تركيب صور أخرى عليها، لصنع كولاج فوتوغرافي جديد؛ ليُخرج هذه الصور من طابعها الأرشيفي والتوثيقي، ويضيف تساؤلات جديدة عليها حول العلاقة بين هذه العناصر والمعاني التي تحتملها، في صور فنية كان البترول حاضراً فيها داخل ذاكرة المجتمع المحلي، وأساساً في تغيره.

«حلوى النفط»

ومن الفنانات التشكيليات اللاتي عبّرن عن موضوعات الطاقة الفنانة مها الملوح، حيث تناولت في عملها الفني «حلوى النفط» الدور الذي أحدثه البترول في التغيرات الحضارية في المملكة، واستخدمت في ذلك براميل الزيت الملونة، التي كانت تشكل أحد المشاهد البصرية في المملكة العربية السعودية، في الحاضرة والبادية، في سبعينات القرن العشرين.

هذه البراميل الملونة التي أعادت الفنانة تشكيلها لتكون أشبه بتغليفات الحلوى الملونة، قد تحمل دلالات مختلفة، منها تشبيه النفط بالحلوى وما يرتبط بها من رفاهية وبهجة، فكان التعبير من خلال أحد المدركات الشكلية التي كانت سائدة في المجتمع في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، مع إعادة تشكيله وتقديمه في سياق جديد ومختلف، لإتاحة تأمل هذه العناصر بشكل مختلف، وإدراك ما يرتبط بها من مفاهيم، إضافة لما تبعثه هذه العناصر من تعلق وحنين، وتذكير بحقبة زمنية ماضية.

ويلاحظ في هذه النماذج الفنية المتنوعة للفنانين السعوديين، تركيزها على النفط بشكل مباشر بدلاً من أشكال الطاقة الأخرى، إضافة إلى جانب الحنين إلى الماضي، وما يرتبط بذلك من مشاعر حميمة، من خلال العودة للوراء وتأمل الماضي والصور والعناصر الأولى التي وجدت لها مستقراً في الذاكرة الجماعية.

«لتظل بارداً»

إلا أن التعبير عن الطاقة كشكل نهائي يحصل عليه الإنسان ويرتبط به، بشكل مباشر، لا نجده سوى في أعمال قليلة، منها تجربة مميزة للفنانة مها الملوح بعنوان «لتظل بارداً»؛ حيث يركز هذا العمل على استهلاك الكهرباء في بيئة صحراوية جافة، وما يترتب على ذلك من مشكلات بيئية تتطلب حلاً. وقد أنشأت الفنانة العمل من خلال إعادة تدوير لأجهزة المكيفات الصحراوية التي سبق استخدامها في موسم الحج، كما يمكن مشاهدتها في البيوت القديمة، وأعادت تركيب هذه الأجهزة على هيئة مكعب الألغاز «روبيك»، في مقاربة بين الموضوعين، فالكهرباء ومشكلاتها تتطلب حلاً كمكعب الألغاز الشهير.

وفي هذه التجربة للفنانة مها الملوح، وتجاربها الأخرى، يُلاحظ إعادة تدويرها لخامات وأدوات مستهلكة، ترتبط بالبيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة، وبعضها يرتبط بحقب زمنية ماضية، وكأنها تؤرخ التغيرات المجتمعية من خلال الأدوات المستخدمة في كل حقبة زمنية. هذه الأدوات التي تتغير وتأخذ أشكالاً جديدة، وبعضها لم نعد نراها حالياً، هي إشارة للتغيرات السريعة جداً في المجتمع. وبذلك تنفتح هذه الأعمال الفنية على عدة تأويلات وتفسيرات، فيمكن إحالتها لدور الطاقة في المجتمع وتأثيرها الكبير عليه، كما يمكن أن تُعد هذه الأعمال رصداً للتغيرات الثقافية والاجتماعية السريعة والكبيرة في البيئة المحلية السعودية. وكذلك تشير هذه الأعمال الفنية إلى النزعة الاستهلاكية التي سادت المجتمع، وتوجّهه نحو استبدال الجديد بالقديم.

«تطور الإنسان»

من الأعمال الفنية الأخرى المميزة التي تناولت موضوع الطاقة في المملكة، ومارس فيها الفنان دوره الاجتماعي، ودوره بوصفه طبيباً يشخص حالة مرضية، عمل فني أنتجه الفنان الطبيب أحمد ماطر بعنوان «تطور الإنسان» عام 2010. في هذا العمل استخدم ماطر الأشعة السينية لتصوير مضخة بنزين تتحول إلى إنسان يوجه السلاح على رأسه، والعكس، في عملية انتحار مستمرة، فكان العمل يشكل هاجساً لتلك المرحلة، من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المحتملة للاعتماد الكلي على البترول.

هذا الهاجس تراجع كثيراً إلى حد الانتفاء الآن، بعد رؤية المملكة 2030، وهي رؤية لمستقبل المملكة، واستثمار مكامن قوتها وموقعها الاستراتيجي المتميز، وقوتها الاستثمارية، وعمقها العربيّ والإسلاميّ، لتنويع اقتصادها بدلاً من الاعتماد الكلي على البترول.

التعبير عن الطاقة كشكل نهائي يحصل عليه الإنسان ويرتبط به، بشكل مباشر، لا نجده سوى في أعمال قليلة.

اختلاف الفنان السعودي

قد يكون تناول الفنان السعودي لمواضيع الطاقة مختلفاً عن تناول فناني الدول الأخرى لهذا الموضوع، فالمملكة بوصفها دولة منتجة للطاقة عالمياً، ومن كبار منتجي البترول، جعلت من الطاقة والبترول رمزاً للغنى والرفاهية والحياة الرغيدة، وفي الوقت نفسه رمزاً للتغيير، وهو ما تمت ملاحظته من خلال الأعمال الفنية التي تم استعراضها، فتناول الطاقة جاء غالباً من ناحية تاريخية، يدفعها الحنين للماضي إلى التعبير عن مرحلة مهمة وبارزة، وتمثل نقلة في المجتمع السعودي، وهي مرحلة الطفرة، فكان تناول الطاقة فنياً في أعمال حديثة ومعاصرة، لكنها في الوقت نفسه تعبّر عن مرحلة سابقة تتمثل في السبعينات الميلادية.

إن أهمية الطاقة وعلاقتها بالفن لا تقتصر فقط على تعبير الفنان عنها كونها مؤثراً بشكل مباشر على حياته، فالطاقة أدّت لتغير أشكال الفن، وظهور أنواع جديدة، فالفنون البصرية والتشكيلية المعاصرة لا تعتمد فقط على التشكيل من خلال اللوحة المسطحة، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال النماذج السابقة، لكن التعبير عن الطاقة وتناولها بوصفها موضوعاً فنياً، يقدم انطباعاً عن تأثيرها الفكري والفلسفي على الإنسان، وحساسيته الفنية تجاهها، وعلاقته بها.

* كاتبة وناقدة سعودية


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رسم تخيلي لامرئ القيس

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً

محمود الزيباوي

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.