تقرير: رهان كبير على انخفاض هائل جديد في قيمة العملة الصينية

احتياطيات بكين بـ3.5 تريليون دولار قد لا تكون كافية للحيلولة دون اضطراب واسع النطاق

نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)
نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)
TT

تقرير: رهان كبير على انخفاض هائل جديد في قيمة العملة الصينية

نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)
نسبة الاحتياطي النقدي الأجنبي في الصين المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل (رويترز)

يفضل مارك ل. هارت الثالث، المستثمر في صناديق التحوط، أن يخوض رهانات استثمارية كبرى، على غرار ولاية تكساس الأميركية التي يسكنها.
ومنذ عام 2007، ضمت قائمة مراهنات هارت عالية المخاطر ومرتفعة العوائد في الوقت نفسه، انهيار سوق العقارات في الولايات المتحدة وإفلاس اليونان.
لكن ربما تكون أجرأ مقامرة يقدم عليها حتى الآن هي تلك التي يعول فيها على الصين. ويراهن السيد هارت على أن التخفيض المحدود للعملة الصينية، الذي نفذته بكي الشهر الماضي، ليس إلا مقدمة وفاتح شهية لتراجع هائل بنسبة 50 في المائة في سعر الرينمنبي. ويتوقع حدوث ذلك عندما يسحب المستثمرون أموالهم من الصين.
ومن شأن هذه الخطوة أن تسفر عن تفاقم الاضطرابات في عملات الأسواق الناشئة - بدءًا من كوريا الجنوبية إلى تركيا والبرازيل - وتؤدي إلى تراجع عالمي مستدام مع توقف الصين عن الاقتراض النهم.
وبحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، فقد خلص عدد متنام من المستثمرين، من أمثال هارت، إلى أن قوة الدولار سيكون لها تأثير مدمر ليس على الصين فحسب، بل على الأسواق الناشئة في العموم. ويرى هؤلاء المستثمرون أن تريليونات الدولارات التي هرولت وراء الفرص الاستثمارية المحفوفة بالمخاطر في الصين والبرازيل وتركيا وبلدان أخرى تخرج سريعًا. كما يتوقعون أن تزداد وتيرة خروج هذه الأموال عندما يقرر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي رفع أسعار الفائدة في نهاية المطاف.
ويقولون إن النتيجة ستكون انهيار العملات وإفلاس الشركات وتباطؤا مستمرا في النمو على مدار الأعوام القليلة المقبلة. وكانت عملات الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها البرازيل وتركيا والمكسيك وجنوب أفريقيا، قد واصلت تراجعها هذا الأسبوع.
وحقق جون. بربانك الثالث، وهو مستثمر مخضرم في الأسواق الناشئة في صندوق التحوط «باسبورت كابيتال»، أرباحًا طائلة هذا العام، عندما راهن على تراجع أسعار السلع وانهيار عملات وبورصات الأسواق الناشئة.
وذكر تقرير أعده «إتش إس بي سي» عن كبار مديري صناديق التحوط أن صندوق «غلوبال استراتيجي» الذي يديره بربانك ارتفع بواقع 29 في المائة حتى يوليو (تموز) من هذا العام. وسجل صندوق الفرص الخاصة ارتفاعا بلغ 14.5 في المائة حتى شهر أغسطس (آب) المنصرم. وصرح بربانك في مقابلة منفصلة مع محطة «ريال فيجن» بأن «الأسواق الناشئة يجري تسييلها»، متوقعًا استمرار هذا التوجه مع مواصلة سحب المستثمرين لأموالهم من تلك الاقتصادات.
ويقوم هذا الطرح الاستثماري على الاعتقاد بأن خفض قيمة العملة الصينية بنسبة 3 في المائة الشهر الماضي ليس مجرد إجراء لمرة واحدة، كما يشير الكثير من المحللين.
وعوضًا عن ذلك، يعتقد هؤلاء المستثمرون أن الصين التي سجلت نشاطًا محمومًا من الاقتراض والاستثمار - مول معظمه مقرضون بالدولار - تشهد هرولة إلى سحب الأموال من البنوك على غرار ما حدث في الدول الآسيوية عام 1997 عندما انهارت عملاتها شبه المرتبطة بالدولار.
في الربع الأول من هذا العام، خرجت 109 مليارات دولار من البنوك الصينية إلى مؤسسات في الخارج، حسبما يكشف بنك التسويات الدولية الذي يعد دار المقاصة للبنوك المركزية في العالم. كما يعتقد المستثمرون أن احتياطيات الصين من النقد الأجنبي والتي تبلغ 3.5 تريليون دولار، مقابل 4 تريليونات دولار العام الماضي، لن تكون كافية للحيلولة دون اضطراب واسع النطاق في عملتها.
ويقول تيم لي من شركة الأبحاث «بي إكونوميكس»، ومقرها غرينويتش بولاية كونيتيكت الأميركية، إن المقترضين في الأسواق الناشئة استدانوا 3 تريليونات دولار من القروض الدولارية الرخيصة خلال العقد الأخير الذي شهد تساهلاً تنظيميًا مفرطًا من جانب البنوك المركزية.
لقد كانت الصين في صدارة هذا النشاط المعروف باسم «تجارة المناقلة»، والذي تستدين بموجبه الشركات والدول من مقرضين دولاريين، ثم تستثمر تلك الأموال في أصول ذات عوائد مرتفعة بالعملات المحلية، مثل العقارات والسلع والاستثمارات الضخمة.
وتتسم هذه الأنشطة بالربحية العالية، ما دامت معدلات الفائدة في الولايات المتحدة حافظت على انخفاضها، وعملات الأسواق الناشئة حافظت على قوتها. لكن هذه الأرباح تتبخر مع زيادة معدلات الفائدة الأميركية وتراجع قيم العملات المحلية، مما يتسبب في هروب المستثمرين، كما هو الحال في بلدان مثل تركيا والبرازيل وجنوب أفريقيا.
ويقدر السيد هارت حجم «تجارة المناقلة» في الصين بنحو تريليوني دولار، في ما يعد الرقم الأعلى بين المقترضين في الأسواق الناشئة. وتقوم رؤيته منذ البداية على أن الدولارات التي ضخت داخل الصين - لتمول معدل استثمار يبلغ 50 في المائة من إجمالي الاقتصاد - ينبغي في النهاية أن تذهب مرة أخرى في الاتجاه العكسي. ويقول السيد هارت إنها «أكبر تجارة مناقلة في التاريخ الحديث.. لا يوجد نظير لها ولو من بعيد».
ومن أجل حساب قدرة الصين على الحيلولة دون انهيار الرينمنبي، ركز السيد هارت على معيار مالي غامض اجتذب مؤخرًا اهتمامًا متزايدًا من جانب المحللين الذين يحاولون قياس الضعف الذي أصبحت عليه عملات الأسواق الناشئة.
ويراجع هذا المقياس نسبة الاحتياطيات الدولارية في بلد ما إلى جميع الأموال قصيرة الأجل التي يتعين عليها سدادها عند الطلب، مثل الودائع المصرفية.
وفي حالة نشوب أزمة عملة، تلوذ مثل هذه الودائع بالفرار. وهكذا تصبح الاقتصادات، التي تمتلك نسبة كبيرة من الاحتياطيات النقدية مقارنة بتلك الخصوم الكبيرة، في أفضل وضعية للدفاع عن عملاتها المحلية.
ويشير تقرير صدر مؤخرًا عن مجموعة من خبراء الاقتصاد في وحدة السندات في شركة «برودينشيال» إلى أن نسبة الاحتياطي الأجنبي في الصين - أو الصافي النقدي المتاح للدفاع ضد المضاربين على عملتها - تتجاوز 20 في المائة بقليل، مما يضعها إلى جوار بلدان من المعروف أنها عرضة لهروب رؤوس الأموال، مثل البرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا.
ويقول يورغين أوينوس، كبير الخبراء الاقتصاديين في «برودينشيال فيكسيد إنكم»: «إذا حدثت هرولة لسحب العملة، فسيرغب الجميع في تحويل ما يمتلكونه من اليوان إلى دولارات». واليوان هو إشارة مختصرة إلى العملة الصينية. ويضيف: «وعلى ذلك الأساس، الصين بما تملكه من احتياطيات للنقد الأجنبي ليست مصنفة بين البلدان الأقوى في هذا المجال».
ومنذ بدأ الدولار رحلة الصعود قبل نحو عام، فقدت الليرة التركية 35 في المائة من قيمتها، بينما انخفض الريال البرازيلي 65 في المائة، وهبط الدولار الجنوب أفريقي 20 في المائة.
لكن الكثير من المحللين يدفعون بأن ضعف عملات البلدان التجارية المنافسة للصين هو إشارة دالة أخرى على أن بكين سوف تمعن في تخفيض لعملتها المحلية. لقد تراجع الين الياباني بواقع 60 في المائة أمام الدولار منذ 2012، بينما خسر كل من الوون الكوري الجنوبي والدولار التايواني أكثر من 10 في المائة من قيمتهما على مدار العام الماضي.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا يكون تعديل سعر العملة الصينية بنسبة 3 في المائة ذا أي جدوى على صعيد تحسين تنافسية صادراتها، حسبما يؤكد جوليان بريغدين من شركة الأبحاث المستقلة «ماركو إنتيليجينس 2 بارتنرز» ومقرها ولاية كولورادو الأميركية.
بالطبع، لا يضمن امتلاك المرء لفكرة لامعة أن تدر عليه المال. فهارت، الذي جنى عائدات بلغت 500 في المائة و200 في المائة من مضارباته العقارية والأوروبية، لم يطلق بعد رهانه الصيني رغم الإعلان عنه في 2010. وربما يضعف إحجام بنك الاحتياطي الفيدرالي عن زيادة معدلات الفائدة الدولار الأميركي، ويرفع الضغط عن كاهل الصين وبقية عملات الأسواق الناشئة.
لكن هارت (43 عامًا) لديه نهج مختلف مقارنة بغالبية مديري صناديق التحوط الآخرين، إذ يتمركز في موطنه بتكساس الذي ينسب إليه الفضل في إبعاده وفريقه عن فخاخ التفكير الجمعي التي تميز مراكز صناديق التحوط التقليدية في نيويورك ولندن.
ويعد هارت مستثمرًا كليًا تقليديًا، حيث يحدد الفكرة الرئيسية ويجمع المال من الأفراد الأثرياء والمؤسسات ثم يرد المال، بغض النظر عما إذا كان رهانه قد عاد عليه بالربح أم لا.
وهكذا لا يربح الرجل الأربعيني من مجرد الجلوس فوق كومة من الأصول، ولكن عندما يفلح الرهان ويحق له أن يأخذ نسبة من العائد. ويدور رهانه الصيني بالأساس حول شراء مشتقات العملة والتي تدر عليه الربح عندما يفقد الرينمنبي قيمته أمام الدولار. ويقول هارت: «أعتقد أنه لا يزال هناك الكثير من التراجع في اليوان».



الجنيه الإسترليني يهبط لأدنى مستوى في 3 أسابيع مع تصاعد مخاوف الحرب

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
TT

الجنيه الإسترليني يهبط لأدنى مستوى في 3 أسابيع مع تصاعد مخاوف الحرب

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

تراجع الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له في أكثر من ثلاثة أسابيع مقابل اليورو، ويتجه نحو تسجيل خسارة يومية خامسة على التوالي مقابل الدولار، في ظل مخاوف المستثمرين من تأثير الحرب الإيرانية على الاقتصاد البريطاني.

واقترب الدولار من أعلى مستوى له منذ عشرة أشهر يوم الاثنين، بعد أن أدت الإشارات المتضاربة من إيران والولايات المتحدة إلى تراجع التوقعات بشأن إمكانية انتهاء سريع للصراع في الشرق الأوسط، وفق «رويترز».

ورغم ذلك، لا يزال الجنيه الإسترليني العملة الأفضل أداءً مقابل الدولار منذ بداية الحرب في أوائل مارس (آذار). وخلال الفترة نفسها، انخفض اليورو بنحو 2.7 في المائة، فيما تراجع الين بنسبة 2.4 في المائة.

ويشير المحللون الاستراتيجيون إلى أن الجنيه الإسترليني معرّض لمخاطر واضحة، نظراً لاعتماد بريطانيا الكبير على الغاز الطبيعي المستورد، وارتفاع التضخم المستمر، والضغوط المالية العامة، ما دفع سنداتها الحكومية إلى تراجع حاد.

واستقرت عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات عند 4.98 في المائة بعد أن سجلت 5.118 في المائة الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2008. وطُلب من بعض صناديق التقاعد البريطانية زيادة سيولتها النقدية لمواجهة مراكز التحوّط بعد الانخفاض الحاد في أسعار السندات، رغم أن التأثير حتى الآن كان محدوداً مقارنة بالأزمة التي أدت إلى استقالة رئيسة الوزراء السابقة ليز تروس.

وذكر محللو استراتيجيات «بنك باركليز» في مذكرة بحثية: «دفعت التطورات الجيوسياسية السياسة البريطانية إلى الخلفية، لكن من المرجح أن تكون مخاطر اتباع سياسة مالية توسعية قد ازدادت في أعقاب صدمة الطاقة ومع اقتراب الانتخابات المحلية في مايو (أيار)».

ويترقب المستثمرون الانتخابات المحلية المقررة في 7 مايو، حيث يتخلف حزب «العمال» الحاكم بقيادة كير ستارمر عن حزب «الإصلاح» الشعبوي، وحزب «الخضر» اليساري.

وأظهرت البيانات الاقتصادية الأسبوع الماضي أن النشاط التجاري البريطاني نما بأبطأ وتيرة له منذ ستة أشهر، في حين تسارعت تكاليف مدخلات التصنيع بأسرع معدل منذ عام 1992، كما انخفضت مبيعات التجزئة.

وانخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.15 في المائة ليصل إلى 1.324 دولار أميركي، بعد أن خسر 1.67 في المائة خلال مارس. في المقابل، ارتفع اليورو بنسبة 0.11 في المائة ليصل إلى 86.83 بنس، بعد أن بلغ 86.87 بنس، وهو أعلى مستوى له منذ 6 مارس. وكان قد سجل 86.12 بنس في 19 مارس، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس (آب) 2025.

ويتوقع محللو الأسواق أن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة في أقرب فرصة خلال أبريل (نيسان)، بينما من المتوقع أن يؤجل بنك إنجلترا أي خفض محتمل للفائدة.


«النقل البري» السعودي يحتوي صدمات الإمداد ويؤمّن 60 % من العجز

أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)
أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)
TT

«النقل البري» السعودي يحتوي صدمات الإمداد ويؤمّن 60 % من العجز

أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)
أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)

بينما يواجه الاقتصاد العالمي ضغوطاً متزايدة جراء اضطرابات الممرات المائية، استطاع قطاع النقل البري والسككي في السعودية إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية، متحولاً من مجرد ممر تجاري إلى «محور توزيع سيادي» قادر على إدارة الأزمات بكفاءة عالية. وكشف خبراء لوجيستيون لـ«الشرق الأوسط»، عن أن التسهيلات التنظيمية الأخيرة للهيئة العامة للنقل نجحت في ضخ سعة فورية احتوت ما بين 40 في المائة و60 في المائة من العجز في إمدادات السلع الأساسية؛ ما رسخ مكانة المملكة كصمام أمان لوجيستي للمنطقة.

وقد تجسَّدت هذه المكانة في حزمة استباقية من القرارات التنظيمية التي شملت: إتاحة التعاقد لنقل البضائع للغير، وتمديد العمر التشغيلي للشاحنات إلى 22 عاماً لمدة 6 أشهر، والسماح بدخول الشاحنات المبردة الفارغة من دول الخليج، إلى جانب إطلاق مبادرة «مناطق التخزين الخليجية» في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، وتوسيع تشغيل قطارات الحاويات التي تنقل أكثر من 2500 حاوية يومياً.

ويرى المختصون أن هذه التحركات لم تكن مجرد حلول مؤقتة، بل مثلت استجابة استراتيجية في ظل الضغوط الناتجة من أزمة مضيق هرمز؛ ما مكّن السعودية من إدارة الخدمات اللوجيستية في أصعب أوقات الأزمات العالمية، وتحويل موانيها ومنصاتها البرية رئةً تتنفس من خلالها الأسواق المجاورة.

سعة فورية... بشروط الكفاءة

يرى الخبير اللوجيستي حسن آل هليل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تمديد العمر التشغيلي للشاحنات يُعدّ استجابة تنظيمية مرنة لضغوط السوق؛ إذ يتيح ضخ سعة تشغيلية إضافية دون الحاجة إلى استثمارات جديدة، وقد يرفع القدرة التشغيلية للأسطول بنسبة تتراوح بين 10 و18 في المائة على المدى القصير، ويخفض تكاليف النقل بنسب تصل إلى 15 في المائة، بما يسهم في تقليص فجوة العرض والطلب ودعم استقرار الأسعار.

ويشير في الوقت نفسه إلى أن هذا التوجه يفرض تحدياً يتعلق بالحفاظ على الكفاءة التشغيلية، في ظل ارتفاع استهلاك الوقود وتكاليف الصيانة للشاحنات الأقدم، إضافة إلى زيادة احتمالات الأعطال؛ وهو ما قد يرفع التكلفة الإجمالية للنقل على المدى المتوسط إذا لم يتم ضبطه، ويؤكد أن تحقيق التوازن يتطلب رقابة فنية صارمة لضمان الحفاظ على ما بين 80 و90 في المائة من كفاءة الشاحنات، إلى جانب تسريع برامج الإحلال التدريجي نحو أساطيل حديثة أكثر كفاءة وأقل انبعاثاً.

من جانبه، يصف الخبير اللوجيستي نشمي الحربي لـ«الشرق الأوسط» القرار بأنه تكتيك لإدارة الأزمات بامتياز؛ يهدف إلى ضخ سعة فورية في السوق عبر الاستفادة من أسطول ضخم قائم، مؤكداً أن التوازن لا يتحقق عبر تقييد العمر التشغيلي بحد ذاته، بل عبر ربطه بالفحص الفني الصارم، بما يضمن استمرارية التشغيل دون الإخلال بمعايير السلامة والاستدامة.

كسر احتكار السعة

وفي قرار تنظيمي جديد، أعلنت الهيئة العامة للنقل إتاحة التعاقد لنقل البضائع للغير للمنشآت المرخصة بشكل مؤقت حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، في خطوة تستهدف رفع كفاءة استخدام الأصول التشغيلية وتعزيز مرونة السوق.

في هذا الإطار، أشار آل هليل إلى أن القرار يعزز كفاءة استخدام الأصول داخل السوق، من خلال إدخال أساطيل الشركات الخاصة إلى منظومة النقل العام؛ ما يرفع العرض الكلي لخدمات الشحن بنسبة قد تصل إلى 25 في المائة، ويزيد من معدل استغلال الأصول التشغيلية بنحو 30 في المائة؛ وهو ما ينعكس مباشرة على خفض تكاليف النقل بنسب تتراوح بين 8 و15 في المائة.

كما يسهم هذا التحسن في تقليل تقلبات الأسعار، خاصة في القطاعات المرتبطة بالنقل مثل الغذاء والسلع الاستهلاكية، حيث يمكن أن يحدّ من التذبذب السعري بنسبة تصل إلى 12 في المائة، فضلاً عن دوره في كبح الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الشحن، وفق آل هليل.

أما الحربي، فيرى أن القرار ذهب أبعد من ذلك؛ إذ «كسر احتكار السعة» في السوق، وحوّل كل منشأة تملك أسطولاً إلى مزود محتمل لخدمات النقل؛ ما قلّل الرحلات الفارغة ورفع كفاءة التشغيل، وأسهم في امتصاص ما وصفه بـ«التضخم المستورد»، ومنع انتقال آثار أزمة «هرمز» إلى المستهلك النهائي.

إحدى عربات «سار» لنقل البضائع (واس)

النقل السككي... و«الحلقة المفقودة»

لم يقتصر التحرك على الطرق الإسفلتية، بل امتد لتعزيز الربط السككي؛ حيث أصدرت الهيئة تراخيص لشركة الخطوط الحديدية السعودية (سار) لتشغيل قطارات الحاويات في محطات إضافية. وتعمل هذه القطارات حالياً على نقل أكثر من 2500 حاوية قياسية يومياً، مع تدشين ممر لوجستي دولي يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة على الحدود الأردنية.

ولكن رغم هذا التقدم، يشير آل هليل إلى وجود ما يسميه «الحلقة المفقودة» التي تعيق مضاعفة هذه الأرقام، والمتمثلة في ضعف تكامل البنية التحتية الطرفية، ومحدودية الطاقة الاستيعابية للمحطات، إضافة إلى تحديات الجدولة بين المواني والقطارات، ونقص الأصول التشغيلية، فضلاً عن الاعتماد المستمر على الشاحنات في «الميل الأخير».

ويتفق الحربي مع هذا الطرح، مختصراً التحدي في عقدتين رئيسيتين، هما الربط الأخير بين محطات القطار والمستودعات والتكامل الزمني بين تفريغ السفن وتحميل القطارات، مؤكداً أن اكتمال مشروع «الجسر البري» شرق – غرب سيشكل الحل الجذري لتقليل الاعتماد على الشاحنات وتخفيف الضغط عن النقل البحري.

الأمن الغذائي أولوية

في خطوة تعكس أولوية الأمن الغذائي، سمحت الهيئة بدخول الشاحنات المبردة الفارغة من دول الخليج لنقل السلع سريعة التلف، وهو ما يراه آل هليل إجراءً يعزز كفاءة النقل المبرد ويقلل الهدر التشغيلي، متوقعاً أن يسهم في تغطية ما بين 15 و35 في المائة من فجوة الإمدادات، مع إمكانية ارتفاع النسبة إلى 40 في المائة في الظروف الحرجة.

أسطول بري تابع لشركة «البحر الأحمر الدولية» السعودية (واس)

في المقابل، يصف الحربي القرار بأنه «شريان حياة»، متوقعاً أن يغطي ما بين 40 و60 في المائة من العجز في تدفق الأغذية والأدوية، خاصة في ظل اعتماد دول الخليج على الواردات بنسبة تتجاوز 80 في المائة، مشيراً إلى أن مواني البحر الأحمر تحولت فعلياً نقطةَ انطلاق رئيسية لتغذية الأسواق الخليجية.

موانٍ من التخزين إلى العبور

وفي ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، برزت مبادرة «مناطق التخزين الخليجية» كأحد أهم أدوات تنظيم التدفقات، من خلال تخصيص مناطق تشغيلية لكل دول مجلس التعاون، مع إعفاء من رسوم التخزين لمدة تصل إلى 60 يوماً.

ويرى آل هليل أن نجاح هذه المبادرة يعتمد على إدارة تشغيلية متقدمة تشمل التخطيط المسبق، وأنظمة إدارة الساحات الذكية، وتسريع الإجراءات الجمركية، وربط الميناء بشبكات النقل، بما يضمن انسيابية الحركة ويمنع التكدس.

بينما يؤكد الحربي أن الإعفاء قد يتحول تحدياً إذا لم يُدَر بكفاءة، مشدداً على أهمية تطبيق «إدارة ساحات ديناميكية» مدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب «التخليص المسبق» قبل وصول السفن، عادَّاً أن تخصيص المساحات لكل دولة يخلق ما يشبه «مواني جافة سيادية»، ويحول الميناء من نقطة تخزين إلى منصة عبور إقليمي سريعة.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (موانئ)

عائد اقتصادي يتجاوز المستهدف

اقتصادياً، لا يقتصر أثر هذه التحركات على استمرارية الإمدادات؛ إذ يؤكد آل هليل أنها تسهم في رفع مساهمة القطاع اللوجيستي في الناتج المحلي، وجذب الاستثمارات، وتنشيط حركة إعادة التصدير، وخفض التكاليف التشغيلية، إلى جانب خلق فرص عمل نوعية.

بينما يرى الحربي أن العائد الأكبر يتجاوز المؤشرات المباشرة، رغم تسجيل نمو في مناولة الحاويات بنسبة 10.6 في المائة لتصل إلى 8.3 مليون حاوية في 2025، مؤكداً أن الأثر الأهم يتمثل في ترسيخ مكانة السعودية كـ«صمام أمان لوجيستي» للمنطقة؛ ما يعزز ثقة المستثمرين العالميين ويدعم مستهدفات «رؤية 2030».

وفي المحصلة، تكشف هذه التسهيلات عن أن السعودية لم تكتفِ بإدارة أزمة طارئة، بل أعادت تشكيل دورها في خريطة التجارة الإقليمية عبر منظومة نقل متكاملة قادرة على امتصاص الصدمات وتحويل التحديات فرصاً، وترسيخ موقعها مركزاً لوجيستياً يربط بين القارات ويؤمّن تدفق السلع في أصعب الظروف.


«بتروتشاينا»: إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز تمثل 10 % من عملياتنا

محطة للتزود بالوقود في بكين تابعة لشركة «بتروتشاينا» الصينية (رويترز)
محطة للتزود بالوقود في بكين تابعة لشركة «بتروتشاينا» الصينية (رويترز)
TT

«بتروتشاينا»: إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز تمثل 10 % من عملياتنا

محطة للتزود بالوقود في بكين تابعة لشركة «بتروتشاينا» الصينية (رويترز)
محطة للتزود بالوقود في بكين تابعة لشركة «بتروتشاينا» الصينية (رويترز)

قال رئيس مجلس إدارة شركة «بتروتشاينا»، عملاق النفط المملوك للدولة في الصين، يوم الاثنين، إن أعمال تكرير النفط والغاز الطبيعي في الشركة تعمل بشكل طبيعي، مضيفاً أن إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز تمثل نحو 10 في المائة من عملياتها.

وقال هوليانغ داي، رئيس مجلس إدارة «بتروتشاينا»، خلال إحاطة إعلامية حول نتائج الشركة لعام 2025: «تمثل إمدادات النفط الخام والغاز عبر الإنتاج المباشر خارج منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الإمدادات بموجب عقود طويلة الأجل من مناطق خارج الشرق الأوسط، نحو 90 في المائة من مبيعات (بتروتشاينا) من النفط الخام والغاز الطبيعي».