قضية فلسطين.. الهاجس الأول للسعودية من «التقسيم» إلى «التصعيد»

محطات مهمة للمواقف السعودية من القضية على مر العقود الماضية

الملك عبد العزيز أثناء حفل العشاء المعد لضيفه الملك الحسين بن طلال ملك الأردن عام 1952م.. ويظهر خلفه الأمير نواف بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز أثناء حفل العشاء المعد لضيفه الملك الحسين بن طلال ملك الأردن عام 1952م.. ويظهر خلفه الأمير نواف بن عبد العزيز
TT

قضية فلسطين.. الهاجس الأول للسعودية من «التقسيم» إلى «التصعيد»

الملك عبد العزيز أثناء حفل العشاء المعد لضيفه الملك الحسين بن طلال ملك الأردن عام 1952م.. ويظهر خلفه الأمير نواف بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز أثناء حفل العشاء المعد لضيفه الملك الحسين بن طلال ملك الأردن عام 1952م.. ويظهر خلفه الأمير نواف بن عبد العزيز

رغم الظروف التي تحيط بالعالم من حروب واقتتال وثورات وعمليات إرهاب، وانتهاك صارخ لحرمة الأديان، وأعمال التطرف والعنف، ورغم أن السعودية تحديدًا مشغولة الآن بقضايا كبرى، لم ينسَ الملك سلمان بن عبد العزيز، القضية الفلسطينية وضرورة إعطاء الشعب الفلسطيني كافة حقوقه المشروع، فقد بقيت القضية هي هاجسه ومن أولوياته، وظل المشهد الفلسطيني حاضرًا لديه، فهو من أكثر الداعمين للقضية منذ أن كان أميرًا للرياض، وحتى تسلمه مقاليد السلطة في بلاده ملكًا سابعًا للبلاد التي ظلت طوال العقود الماضية، رغم تعاقب الأحداث، وتبدل الظروف والتوجهات، المؤيد والمناصر للشعب الفلسطيني، بل عُدت القضية الفلسطينية الأساسية في سياسته الخارجية منذ عهد التأسيس والنشأة على يد الملك عبد العزيز إلى عهد ملك العزم والحزم، الملك سلمان بن عبد العزيز.
وقاد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، الأسبوع الماضي، تحركًا دوليًا لحماية الفلسطينيين والمسجد الأقصى، إثر التصعيد الإسرائيلي في المسجد والاعتداء السافر على المصلين، من خلال اتصالات أجراها الملك مع الأمين العام للأمم المتحدة، وعدد من قادة العالم، وشدد فيها على ضرورة بذل جهود جادة وسريعة، وتدخل مجلس الأمن لاتخاذ التدابير العاجلة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية على المسجد الأقصى وحماية الشعب الفلسطيني والمقدسات الدينية، وإعطاء الشعب الفلسطيني كافة حقوقه المشروعة، واصفًا التصعيد الأخير بالخطير، وأنه سيسهم في تغذية التطرف والعنف في العالم أجمع، في حين كشف صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أبلغه بقرار اتخذه الملك سلمان بإعطاء المسجد الأقصى والقدس والقضية الفلسطينية، الأولوية على باقي القضايا الأخرى الكبيرة التي تنشغل بها السعودية الآن.
وأوضح الدكتور ناصر الجهيمي، نائب الأمين العام السابق في دارة الملك عبد العزيز، في رصده لدور الملك عبد العزيز في دعم ومساندة القضية فلسطين والقضايا العربية الأخرى، أن السعودية وقفت وهي في طور التأسيس والنشأة بقيادة مليكها المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود موقف المؤيد والمناصر للشعب الفلسطيني حينما جاءت قضية فلسطين على محك المفاوضات الحالية بين الملك عبد العزيز والحكومة البريطانية في الاجتماعات التي سبقت اتفاقية جدة في ذي القعدة من عام 1345ه/ 1926م، بشأن إلغاء معاهدة القطيف الموقعة عام 1334ه/ 1915م واستبدالها بمعاهدة جديدة تحقق طموحات الملك عبد العزيز في وجود علاقات تربطه مع بريطانيا على أساس المعاملة بالمثل. وأراد البريطانيون أن يعترف الملك عبد العزيز آل سعود مقابل ذلك بمركز خاص لهم في فلسطين، أو بوجود خاص لهم في فلسطين، يعترف الملك بموجبه بالانتداب البريطاني على فلسطين، ويعترف بوعد بلفور المضمن في صك الانتداب، ويكونون بذلك قد كسبوا حليفًا قويًا لهم، لأنه أقوى حكام الجزيرة العربية بلا منازع، ومن أقوى وأهم الحكام العرب خارجها، ويكونون كذلك قد أضعفوا قوى المعارضة العربية. لكن الملك عبد العزيز رفض المساومة على حقوق أمته ومقدراتها الدينية والوطنية، فأرض فلسطين أرض عربية إسلامية رواها الأجداد العرب والمسلمون بدمائهم، وحافظوا عليها رغم ما حل بها من نكبات واعتداءات من الصليبيين ومن قبل اليهود الذين ما فتئوا يخططون لانتزاعها من أهلها بالظلم والقوة.
وعن مشروع التقسيم أوضح الجهيمي أن الملك عبد العزيز أعلن عن رفضه للمشروع وبذل جهودًا كبيرة على المستوى العربي والدولي لمنع هذا المشروع. وكلف الملك عبد العزيز ابنه الأمير فيصل لتكوين لجان شعبية في أنحاء السعودية لجمع التبرعات لإنقاذ فلسطين وشعبها وخاطب أمراء المناطق ليحثوا أبناء السعودية على الاحتجاج ضد قرار التقسيم. وأصبحت وزارة الخارجية السعودية بمثابة الهيئة الدبلوماسية لفلسطين تتابع المحاولات السياسية لحل القضية الفلسطينية وتتصل بالحكومات وتوضح الحقائق.
وقد وصف ونستون تشرشل، الملك عبد العزيز بأنه «أصلب وأعند حليف لنا يعارضنا بالنسبة للقضية الفلسطينية». وقال الملك عبد العزيز مخاطبًا الساسة البريطانيين: «أنا لا أستطيع أن أنصح العرب والفلسطينيين بأن يكونوا هادئين بعد هذا كله». وفي اجتماع تم بين الملك عبد العزيز واللورد بلهافين وستنتون والسير ريدر بولارد في الثالث عشر من ذي القعدة سنة 1356ه/ 1938م قال الملك عبد العزيز: «إن مشروع تقسيم فلسطين يحسب بحق نكبة عظيمة على العرب والمسلمين، ولذلك يجب أن يصرف عنه النظر بتاتا وأن يسار إلى خطة أخرى».
وفي ما يتعلق بالهجرة اليهودية وجهود الملك عبد العزيز في مكافحتها يوضح الجهيمي أن القلق الذي أحدثته هجرة اليهود إلى فلسطين والمواقف الصلبة التي اتخذها لوقف هذه الهجرة جعلت بن غوريون يعرض على سينت جون فلبي عام 1355ه/ 1937م اقتراحًا لعرضه على الملك عبد العزيز مفاده إنهاء حكم الانتداب البريطاني على فلسطين وإقامة وحدة بين فلسطين وشرق الأردن والسعودية شريطة أن تفتح أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين وشرق الأردن، لكن الملك عبد العزيز رفض هذا المقترح رفضًا قاطعًا.
ويشير الجهيمي في هذا الصدد إلى أن فلبي في كتابه اليوبيل العربي يروي أنه في عام 1358ه/ 1939م قابل الزعيم الصهيوني الدكتور حاييم وايزمن الذي طلب مساعدته في توسط فلبى لدى الملك عبد العزيز أن تعطى فلسطين لليهود وأن يجلى العرب منها ويوطنوا في مكان آخر ويضع اليهود مقابل ذلك عشرين مليون جنيه إسترليني تحت تصرف الملك ابن سعود لهذه الغاية (وللقارئ الكريم أن يتصور هذا الرقم المالي في عام 1358ه/ 1939م والظروف المالية التي تمر بها السعودية آنذاك). وفي ما يتعلق باستمرار الهجرة اليهودية قال الجهيمي: «ركز الملك عبد العزيز رحمه الله على موضوع الهجرة اليهودية عند اجتماعه بكل من روزفلت الرئيس الأميركي، وتشرشل رئيس الوزراء البريطاني»، معتقدًا أن استمرار الهجرة اليهودية سيخلق وضعًا جديدًا في فلسطين تكون نتائجه سيئة عليهم وممهدة لقيام دولة يهودية على التراب الفلسطيني. وقال الملك عبد العزيز لتشرشل عندما رفض طلب وقف الهجرة اليهودية: «على بريطانيا والحلفاء أن يختاروا أحد أمرين: إما صداقة العرب أو مقاومة عربية حتى الموت. وعندما طلب منه تشرشل المساعدة في كبح جماح العرب الفلسطينيين المتطرفين - كما وصفهم – لكي يقبلوا بتسوية مع الصهاينة»، أجاب الملك رحمه الله بقوله: «لا أستطيع أن أخون ضميري وشرفي كمسلم بقبول تسوية مع الصهيونية».
وخلال ذلك التاريخ كلف الملك عبد العزيز ممثله خالد القرقني بشراء أسلحة للفلسطينيين وإرسالها إليهم رغم الظروف السياسية والاقتصادية آنذاك وكان مما ورد في رسالته الموجه إلى وزير ماليته عبد الله السليمان بتاريخ 6/ 7/ 1358ه الموافق 21/ 8/ 1939م ونصها: «.. ابن سليمان.. الطائف.. خالد أمضى الاتفاقية الخاصة بالسلاح الذي كان أهل فلسطين اشتروه من ألمانيا ومقداره (ألف بندقية) ومليون خرطوشة وخمسين رشاشًا مقابل تعهدنا بأن ندفع قيمتها عبارة عن تسعة آلاف وخمسمائة جنيه إسترليني فيها سبعة آلاف كان سلمها أهل فلسطين للشركة ونحن الآن سندفعها لأهل فلسطين والباقي وهو ألفان وخمسمائة ستدفعونها للشركة البائعة فاستعدوا وبالمبلغ المذكور حتى إذا جاءنا علم شحنها كان المبلغ حاضرًا وأرسلتموه إلى الجهتين. عبد العزيز».
ولقد عبر عدد من الصهاينة عن شعورهم بتأثير السياسة السعودية ونجاحها في دعم القضية الفلسطينية. فهاهو ديفيد بن غوريون يكتب لزوجته رسالة في عام 1358ه/ 1939م ويقول فيها: «إن ابن سعود يعارض قيام دولة يهودية، ففلسطين بلد عربي وهو لا يستطيع أن يرى شعبًا يحتل قطعة أرض عربية».
وقد استمر الملك عبد العزيز يبذل قصارى جهده من خلال الطرق الأكثر نفعًا وفائدة، مع تأييده الكامل لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة، ومما قاله رحمه الله: «أما الحقيقة الواقعة فإن أهل فلسطين بعد أن رأوا من الحكومة البريطانية إصرارها على تقسيم بلادهم، ثم ما آلت إليه الحالة من الإجراءات الأخيرة اعتقدوا أن الحكومة البريطانية تريد إفناءهم عن آخرهم، لتحل اليهود محلهم في بلادهم، وهم بعد هذا الاعتقاد لم يتركوا بابًا للمقاومة إلا طرقوه، ولا سبيلاً لنيل المساعدات إلا سلكوه».
ونتيجة لمواقف السعودية الداعمة للقضية الفلسطينية حاول الملك عبد العزيز توسيع دائرة الاتصال بدول أوروبية أخرى تقدم العون والمساندة للقضية. ويذكر شرودر في دراسة له عن موازين القوى بين دول المحور والعالم العربي أن الملك عبد العزيز اتصل بألمانيا بعد أن يئس من بريطانيا التي لم تغير من مواقفها الداعمة لإسرائيل. ويقول شرودر إن الملك عبد العزيز اثبت بذلك أنه لم يكن أداة طيعة في أيدي البريطانيين بل كان يهدف إلى تحصين بلاده للدفاع عن نفسها أمام التهديدات البريطانية لها. ولا شك أن اتصالات السعودية الخارجية كانت تتأثر برغبة السعوديين في دعم الفلسطينيين والحصول على أسلحة لهم مهما كان الأمر لمواجهة أعدائهم.
وفي عام 1362ه/ 1943م أسست السعودية قنصلية عامة لها في مدينة القدس بفلسطين لتسهيل الاتصالات مع الشعب الفلسطيني وتيسير الدعم لقضيته العادلة.
والمطلع على المراسلات التاريخية بين الملك عبد العزيز ورئيسي الولايات المتحدة الأميركية فرانكلين روزفلت وهاري ترومان وملك بريطانيا جورج الخامس ورئيسي الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين وونستون تشرشل، يتضح لديه قوة الموقف السعودي وصلابته مع تلك الدول الكبرى لدعم الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية. وتعد الرسالة الأولى الموجهة من الملك عبد العزيز إلى روزفلت من المصادر المهمة لشرح تاريخ فلسطين ودحض المزاعم اليهودية في الأراضي العربية. كما أن تلك الرسالة تعد أكثر رسالة عربية جرأة وصراحة تحدثت عن الحق الفلسطيني بكل شمولية وعدل ولا يوجد لها مثيل في المواقف العربية الأخرى في ذلك الوقت المبكر.
ويعد اللقاء التاريخي الذي جمع بين الملك عبد العزيز بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ثم برئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في عام 1364ه/ 1945م من المحطات التاريخية المهمة في الموقف السعودي تجاه القضية الفلسطينية. ويكفي أن مثل هذا الموقف جعل الرئيس الأميركي يعلن عدم اتخاذه قرارًا لا يأخذ في الاعتبار الجانبين العربي والإسرائيلي.
وعن حقيقة الموقف السعودي من حرب عام 1948م، يوضح الجهيمي بالقول: «كان الملك عبد العزيز يرى أن يزود العرب الفلسطينيين بكل ما يلزمهم في معركتهم ضد اليهود في فلسطين، دون أن تتدخل الدول العربية مباشرة في هذه الحرب، لأنه ليس لليهود كيان دولة، وحروبهم ضد الفلسطينيين قائمة أساسًا على حرب العصابات. فكان الملك عبد العزيز يرى أن تبقى الأمور الحربية في فلسطين بأيدي أهلها، حتى لا يعطي العرب مجالا لتدخل أجنبي إلى جانب اليهود أو لتدخل دولي لصالحهم. وكان الملك يميل إلى تشكيل جماعات فلسطينية تحارب اليهود حرب عصابات كما هو حال قتالهم ضد العرب الفلسطينيين، وكان الملك عبد العزيز يركز على مسألة مهمة وهي أن الدول العربية دول أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وأن دخولها أرض فلسطين لتحارب اليهود فيها إلى جانب الفلسطينيين العرب سيجر موقفًا دوليًا ضدهم، وأن هذا الموقف الدولي الممثل في قرارات هيئة الأمم المحابية لليهود سيجبر الدول العربية على الانصياع لتلك القرارات، ومن ثم الانسحاب من المعركة بأمر دولي دون أن تكون قد حققت نصرًا أكيدًا على اليهود».
وقد أثبتت التجربة الفعلية لدخول الدول العربية بشكل مباشر في الحرب صحة موقف الملك عبد العزيز من هذه المسألة، فخرج العرب من هذه الحرب بهزيمة كبيرة على الرغم من كل الاعتبارات المحيطة بالقضية من جانبيها العسكري والسياسي والعملي والتنسيقي والتكتيكي أمام العالم، وفي اعتقادي أن هذا الفشل أصبح مقدمة لفشل لاحق، وبخاصة أن عالمنا العربي لم يستفد من تجربة حرب فلسطين عام 1367ه/ 1948م. وقد أورد أحمد عبد الغفور عطار موقف الملك عبد العزيز من هذه القضية المطروحة، وهي أن ينفرد أهل فلسطين بالدفاع عنها فيقول: «رأي الملك عبد العزيز الذي عرف عنه وسمعناه منه غير مرة: أن ينفرد أهل فلسطين بالدفاع عنها، وألا يشترك العرب رسميًا في الحرب، بل تقوم الدول العربية بمساعدة أهل فلسطين بالسلاح والمال والرجال المتطوعين». ويستطرد العطار قائلاً: «رأى عبد العزيز أن تقوم حكومة فلسطينية بمجرد ترك الإنجليز للسلطة في الوقت الذي حددوه».
وبضغوط من الدول العربية قرر الملك عبد العزيز اشتراك الجيش السعودي الرسمي مع جيوش الدول العربية في حرب فلسطين عام 1367ه/ 1948م رغم عدم قناعته بفائدة ذلك مقابل دعم الفلسطينيين للمواجهة، وجاء قراره ذلك من أجل وحدة الصف العربي.


              خطاب تكليف من الملك عبد العزيز لشراء أسلحة  من ألمانيا لدعم الفلسطينيين



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.