قضية فلسطين.. الهاجس الأول للسعودية من «التقسيم» إلى «التصعيد»

محطات مهمة للمواقف السعودية من القضية على مر العقود الماضية

الملك عبد العزيز أثناء حفل العشاء المعد لضيفه الملك الحسين بن طلال ملك الأردن عام 1952م.. ويظهر خلفه الأمير نواف بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز أثناء حفل العشاء المعد لضيفه الملك الحسين بن طلال ملك الأردن عام 1952م.. ويظهر خلفه الأمير نواف بن عبد العزيز
TT

قضية فلسطين.. الهاجس الأول للسعودية من «التقسيم» إلى «التصعيد»

الملك عبد العزيز أثناء حفل العشاء المعد لضيفه الملك الحسين بن طلال ملك الأردن عام 1952م.. ويظهر خلفه الأمير نواف بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز أثناء حفل العشاء المعد لضيفه الملك الحسين بن طلال ملك الأردن عام 1952م.. ويظهر خلفه الأمير نواف بن عبد العزيز

رغم الظروف التي تحيط بالعالم من حروب واقتتال وثورات وعمليات إرهاب، وانتهاك صارخ لحرمة الأديان، وأعمال التطرف والعنف، ورغم أن السعودية تحديدًا مشغولة الآن بقضايا كبرى، لم ينسَ الملك سلمان بن عبد العزيز، القضية الفلسطينية وضرورة إعطاء الشعب الفلسطيني كافة حقوقه المشروع، فقد بقيت القضية هي هاجسه ومن أولوياته، وظل المشهد الفلسطيني حاضرًا لديه، فهو من أكثر الداعمين للقضية منذ أن كان أميرًا للرياض، وحتى تسلمه مقاليد السلطة في بلاده ملكًا سابعًا للبلاد التي ظلت طوال العقود الماضية، رغم تعاقب الأحداث، وتبدل الظروف والتوجهات، المؤيد والمناصر للشعب الفلسطيني، بل عُدت القضية الفلسطينية الأساسية في سياسته الخارجية منذ عهد التأسيس والنشأة على يد الملك عبد العزيز إلى عهد ملك العزم والحزم، الملك سلمان بن عبد العزيز.
وقاد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، الأسبوع الماضي، تحركًا دوليًا لحماية الفلسطينيين والمسجد الأقصى، إثر التصعيد الإسرائيلي في المسجد والاعتداء السافر على المصلين، من خلال اتصالات أجراها الملك مع الأمين العام للأمم المتحدة، وعدد من قادة العالم، وشدد فيها على ضرورة بذل جهود جادة وسريعة، وتدخل مجلس الأمن لاتخاذ التدابير العاجلة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية على المسجد الأقصى وحماية الشعب الفلسطيني والمقدسات الدينية، وإعطاء الشعب الفلسطيني كافة حقوقه المشروعة، واصفًا التصعيد الأخير بالخطير، وأنه سيسهم في تغذية التطرف والعنف في العالم أجمع، في حين كشف صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أبلغه بقرار اتخذه الملك سلمان بإعطاء المسجد الأقصى والقدس والقضية الفلسطينية، الأولوية على باقي القضايا الأخرى الكبيرة التي تنشغل بها السعودية الآن.
وأوضح الدكتور ناصر الجهيمي، نائب الأمين العام السابق في دارة الملك عبد العزيز، في رصده لدور الملك عبد العزيز في دعم ومساندة القضية فلسطين والقضايا العربية الأخرى، أن السعودية وقفت وهي في طور التأسيس والنشأة بقيادة مليكها المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود موقف المؤيد والمناصر للشعب الفلسطيني حينما جاءت قضية فلسطين على محك المفاوضات الحالية بين الملك عبد العزيز والحكومة البريطانية في الاجتماعات التي سبقت اتفاقية جدة في ذي القعدة من عام 1345ه/ 1926م، بشأن إلغاء معاهدة القطيف الموقعة عام 1334ه/ 1915م واستبدالها بمعاهدة جديدة تحقق طموحات الملك عبد العزيز في وجود علاقات تربطه مع بريطانيا على أساس المعاملة بالمثل. وأراد البريطانيون أن يعترف الملك عبد العزيز آل سعود مقابل ذلك بمركز خاص لهم في فلسطين، أو بوجود خاص لهم في فلسطين، يعترف الملك بموجبه بالانتداب البريطاني على فلسطين، ويعترف بوعد بلفور المضمن في صك الانتداب، ويكونون بذلك قد كسبوا حليفًا قويًا لهم، لأنه أقوى حكام الجزيرة العربية بلا منازع، ومن أقوى وأهم الحكام العرب خارجها، ويكونون كذلك قد أضعفوا قوى المعارضة العربية. لكن الملك عبد العزيز رفض المساومة على حقوق أمته ومقدراتها الدينية والوطنية، فأرض فلسطين أرض عربية إسلامية رواها الأجداد العرب والمسلمون بدمائهم، وحافظوا عليها رغم ما حل بها من نكبات واعتداءات من الصليبيين ومن قبل اليهود الذين ما فتئوا يخططون لانتزاعها من أهلها بالظلم والقوة.
وعن مشروع التقسيم أوضح الجهيمي أن الملك عبد العزيز أعلن عن رفضه للمشروع وبذل جهودًا كبيرة على المستوى العربي والدولي لمنع هذا المشروع. وكلف الملك عبد العزيز ابنه الأمير فيصل لتكوين لجان شعبية في أنحاء السعودية لجمع التبرعات لإنقاذ فلسطين وشعبها وخاطب أمراء المناطق ليحثوا أبناء السعودية على الاحتجاج ضد قرار التقسيم. وأصبحت وزارة الخارجية السعودية بمثابة الهيئة الدبلوماسية لفلسطين تتابع المحاولات السياسية لحل القضية الفلسطينية وتتصل بالحكومات وتوضح الحقائق.
وقد وصف ونستون تشرشل، الملك عبد العزيز بأنه «أصلب وأعند حليف لنا يعارضنا بالنسبة للقضية الفلسطينية». وقال الملك عبد العزيز مخاطبًا الساسة البريطانيين: «أنا لا أستطيع أن أنصح العرب والفلسطينيين بأن يكونوا هادئين بعد هذا كله». وفي اجتماع تم بين الملك عبد العزيز واللورد بلهافين وستنتون والسير ريدر بولارد في الثالث عشر من ذي القعدة سنة 1356ه/ 1938م قال الملك عبد العزيز: «إن مشروع تقسيم فلسطين يحسب بحق نكبة عظيمة على العرب والمسلمين، ولذلك يجب أن يصرف عنه النظر بتاتا وأن يسار إلى خطة أخرى».
وفي ما يتعلق بالهجرة اليهودية وجهود الملك عبد العزيز في مكافحتها يوضح الجهيمي أن القلق الذي أحدثته هجرة اليهود إلى فلسطين والمواقف الصلبة التي اتخذها لوقف هذه الهجرة جعلت بن غوريون يعرض على سينت جون فلبي عام 1355ه/ 1937م اقتراحًا لعرضه على الملك عبد العزيز مفاده إنهاء حكم الانتداب البريطاني على فلسطين وإقامة وحدة بين فلسطين وشرق الأردن والسعودية شريطة أن تفتح أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين وشرق الأردن، لكن الملك عبد العزيز رفض هذا المقترح رفضًا قاطعًا.
ويشير الجهيمي في هذا الصدد إلى أن فلبي في كتابه اليوبيل العربي يروي أنه في عام 1358ه/ 1939م قابل الزعيم الصهيوني الدكتور حاييم وايزمن الذي طلب مساعدته في توسط فلبى لدى الملك عبد العزيز أن تعطى فلسطين لليهود وأن يجلى العرب منها ويوطنوا في مكان آخر ويضع اليهود مقابل ذلك عشرين مليون جنيه إسترليني تحت تصرف الملك ابن سعود لهذه الغاية (وللقارئ الكريم أن يتصور هذا الرقم المالي في عام 1358ه/ 1939م والظروف المالية التي تمر بها السعودية آنذاك). وفي ما يتعلق باستمرار الهجرة اليهودية قال الجهيمي: «ركز الملك عبد العزيز رحمه الله على موضوع الهجرة اليهودية عند اجتماعه بكل من روزفلت الرئيس الأميركي، وتشرشل رئيس الوزراء البريطاني»، معتقدًا أن استمرار الهجرة اليهودية سيخلق وضعًا جديدًا في فلسطين تكون نتائجه سيئة عليهم وممهدة لقيام دولة يهودية على التراب الفلسطيني. وقال الملك عبد العزيز لتشرشل عندما رفض طلب وقف الهجرة اليهودية: «على بريطانيا والحلفاء أن يختاروا أحد أمرين: إما صداقة العرب أو مقاومة عربية حتى الموت. وعندما طلب منه تشرشل المساعدة في كبح جماح العرب الفلسطينيين المتطرفين - كما وصفهم – لكي يقبلوا بتسوية مع الصهاينة»، أجاب الملك رحمه الله بقوله: «لا أستطيع أن أخون ضميري وشرفي كمسلم بقبول تسوية مع الصهيونية».
وخلال ذلك التاريخ كلف الملك عبد العزيز ممثله خالد القرقني بشراء أسلحة للفلسطينيين وإرسالها إليهم رغم الظروف السياسية والاقتصادية آنذاك وكان مما ورد في رسالته الموجه إلى وزير ماليته عبد الله السليمان بتاريخ 6/ 7/ 1358ه الموافق 21/ 8/ 1939م ونصها: «.. ابن سليمان.. الطائف.. خالد أمضى الاتفاقية الخاصة بالسلاح الذي كان أهل فلسطين اشتروه من ألمانيا ومقداره (ألف بندقية) ومليون خرطوشة وخمسين رشاشًا مقابل تعهدنا بأن ندفع قيمتها عبارة عن تسعة آلاف وخمسمائة جنيه إسترليني فيها سبعة آلاف كان سلمها أهل فلسطين للشركة ونحن الآن سندفعها لأهل فلسطين والباقي وهو ألفان وخمسمائة ستدفعونها للشركة البائعة فاستعدوا وبالمبلغ المذكور حتى إذا جاءنا علم شحنها كان المبلغ حاضرًا وأرسلتموه إلى الجهتين. عبد العزيز».
ولقد عبر عدد من الصهاينة عن شعورهم بتأثير السياسة السعودية ونجاحها في دعم القضية الفلسطينية. فهاهو ديفيد بن غوريون يكتب لزوجته رسالة في عام 1358ه/ 1939م ويقول فيها: «إن ابن سعود يعارض قيام دولة يهودية، ففلسطين بلد عربي وهو لا يستطيع أن يرى شعبًا يحتل قطعة أرض عربية».
وقد استمر الملك عبد العزيز يبذل قصارى جهده من خلال الطرق الأكثر نفعًا وفائدة، مع تأييده الكامل لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة، ومما قاله رحمه الله: «أما الحقيقة الواقعة فإن أهل فلسطين بعد أن رأوا من الحكومة البريطانية إصرارها على تقسيم بلادهم، ثم ما آلت إليه الحالة من الإجراءات الأخيرة اعتقدوا أن الحكومة البريطانية تريد إفناءهم عن آخرهم، لتحل اليهود محلهم في بلادهم، وهم بعد هذا الاعتقاد لم يتركوا بابًا للمقاومة إلا طرقوه، ولا سبيلاً لنيل المساعدات إلا سلكوه».
ونتيجة لمواقف السعودية الداعمة للقضية الفلسطينية حاول الملك عبد العزيز توسيع دائرة الاتصال بدول أوروبية أخرى تقدم العون والمساندة للقضية. ويذكر شرودر في دراسة له عن موازين القوى بين دول المحور والعالم العربي أن الملك عبد العزيز اتصل بألمانيا بعد أن يئس من بريطانيا التي لم تغير من مواقفها الداعمة لإسرائيل. ويقول شرودر إن الملك عبد العزيز اثبت بذلك أنه لم يكن أداة طيعة في أيدي البريطانيين بل كان يهدف إلى تحصين بلاده للدفاع عن نفسها أمام التهديدات البريطانية لها. ولا شك أن اتصالات السعودية الخارجية كانت تتأثر برغبة السعوديين في دعم الفلسطينيين والحصول على أسلحة لهم مهما كان الأمر لمواجهة أعدائهم.
وفي عام 1362ه/ 1943م أسست السعودية قنصلية عامة لها في مدينة القدس بفلسطين لتسهيل الاتصالات مع الشعب الفلسطيني وتيسير الدعم لقضيته العادلة.
والمطلع على المراسلات التاريخية بين الملك عبد العزيز ورئيسي الولايات المتحدة الأميركية فرانكلين روزفلت وهاري ترومان وملك بريطانيا جورج الخامس ورئيسي الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين وونستون تشرشل، يتضح لديه قوة الموقف السعودي وصلابته مع تلك الدول الكبرى لدعم الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية. وتعد الرسالة الأولى الموجهة من الملك عبد العزيز إلى روزفلت من المصادر المهمة لشرح تاريخ فلسطين ودحض المزاعم اليهودية في الأراضي العربية. كما أن تلك الرسالة تعد أكثر رسالة عربية جرأة وصراحة تحدثت عن الحق الفلسطيني بكل شمولية وعدل ولا يوجد لها مثيل في المواقف العربية الأخرى في ذلك الوقت المبكر.
ويعد اللقاء التاريخي الذي جمع بين الملك عبد العزيز بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ثم برئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في عام 1364ه/ 1945م من المحطات التاريخية المهمة في الموقف السعودي تجاه القضية الفلسطينية. ويكفي أن مثل هذا الموقف جعل الرئيس الأميركي يعلن عدم اتخاذه قرارًا لا يأخذ في الاعتبار الجانبين العربي والإسرائيلي.
وعن حقيقة الموقف السعودي من حرب عام 1948م، يوضح الجهيمي بالقول: «كان الملك عبد العزيز يرى أن يزود العرب الفلسطينيين بكل ما يلزمهم في معركتهم ضد اليهود في فلسطين، دون أن تتدخل الدول العربية مباشرة في هذه الحرب، لأنه ليس لليهود كيان دولة، وحروبهم ضد الفلسطينيين قائمة أساسًا على حرب العصابات. فكان الملك عبد العزيز يرى أن تبقى الأمور الحربية في فلسطين بأيدي أهلها، حتى لا يعطي العرب مجالا لتدخل أجنبي إلى جانب اليهود أو لتدخل دولي لصالحهم. وكان الملك يميل إلى تشكيل جماعات فلسطينية تحارب اليهود حرب عصابات كما هو حال قتالهم ضد العرب الفلسطينيين، وكان الملك عبد العزيز يركز على مسألة مهمة وهي أن الدول العربية دول أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وأن دخولها أرض فلسطين لتحارب اليهود فيها إلى جانب الفلسطينيين العرب سيجر موقفًا دوليًا ضدهم، وأن هذا الموقف الدولي الممثل في قرارات هيئة الأمم المحابية لليهود سيجبر الدول العربية على الانصياع لتلك القرارات، ومن ثم الانسحاب من المعركة بأمر دولي دون أن تكون قد حققت نصرًا أكيدًا على اليهود».
وقد أثبتت التجربة الفعلية لدخول الدول العربية بشكل مباشر في الحرب صحة موقف الملك عبد العزيز من هذه المسألة، فخرج العرب من هذه الحرب بهزيمة كبيرة على الرغم من كل الاعتبارات المحيطة بالقضية من جانبيها العسكري والسياسي والعملي والتنسيقي والتكتيكي أمام العالم، وفي اعتقادي أن هذا الفشل أصبح مقدمة لفشل لاحق، وبخاصة أن عالمنا العربي لم يستفد من تجربة حرب فلسطين عام 1367ه/ 1948م. وقد أورد أحمد عبد الغفور عطار موقف الملك عبد العزيز من هذه القضية المطروحة، وهي أن ينفرد أهل فلسطين بالدفاع عنها فيقول: «رأي الملك عبد العزيز الذي عرف عنه وسمعناه منه غير مرة: أن ينفرد أهل فلسطين بالدفاع عنها، وألا يشترك العرب رسميًا في الحرب، بل تقوم الدول العربية بمساعدة أهل فلسطين بالسلاح والمال والرجال المتطوعين». ويستطرد العطار قائلاً: «رأى عبد العزيز أن تقوم حكومة فلسطينية بمجرد ترك الإنجليز للسلطة في الوقت الذي حددوه».
وبضغوط من الدول العربية قرر الملك عبد العزيز اشتراك الجيش السعودي الرسمي مع جيوش الدول العربية في حرب فلسطين عام 1367ه/ 1948م رغم عدم قناعته بفائدة ذلك مقابل دعم الفلسطينيين للمواجهة، وجاء قراره ذلك من أجل وحدة الصف العربي.


              خطاب تكليف من الملك عبد العزيز لشراء أسلحة  من ألمانيا لدعم الفلسطينيين



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.