سيف المرّي: الشعراء يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد

الشاعر والكاتب ورئيس تحرير دار «الصدى للصحافة والنشر» : العربية لغة اكتملت منذ زمن

سيف المري
سيف المري
TT

سيف المرّي: الشعراء يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد

سيف المري
سيف المري

بين مجموعته «الأغاريد» و«العناقيد» في طبعتها الرابعة 2010، ومجموعتيه القصصيتين «رماد مشتعل» 2006، و«بيت العنكبوت» قصص قصيرة جدًا 2010، وكتاب مقالات «أجراس الحروف» 2013، يسعى الشاعر والكاتب الإماراتي سيف بن محمد المرّي إلى تكوين عالمه الأدبي الخاص في الاختزال والتكثيف والتأمل. فهو مُقِلّ، لكن ما نشره يُفسّر الاهتمام الدقيق بما يكتب.
يقول في تصدير مجموعته القصصية «بيت العنكبوت»: «آثرت أن أتخذ في كتابة مادتها أسلوبًا أحسبه جديدًا، مع حرصي على انتقاء المفردات بعنايةٍ، بحيث لا تشوبُ نسبَها العربي شائبةٌ، ولا تُداخلها عُجمة، ثم جعلتها، أي القصص، غاية في القِصَر، لأننا نعيش زمنًا لا يحب أهله السرد والإطالة، بل هم مولعون بالإيجاز».
سيف بن محمد المرّي يرأس تحرير «دار الصدى للصحافة والنشر»، التي تُصدرُ عددا من المجلات المتخصصة، ومنها «الصدى» الاجتماعية الأسبوعية الموجهة للأسرة العربية، أما الإصدارات الشهرية فهي مجلة «دبي الثقافية»، ومجلة «جواهر» المعنية بالشعر والأدب الشعبي، ومجلة «بنت الخليج، وكذلك مجلتا «شباب عشرين» و«شهرزاد».
هنا حوار عن تجربة المرّي الأدبية والصحافية، وتنقلاته بين كتابة القصة والشعر والمقالة:
* من خلال مسيرتك الأدبية، تجمع بين كتابة الشعر والقصة القصيرة والمقالة، كيف يمكن التوفيق بين كل هذه الأجناس الأدبية؟
- لو رجعنا إلى أصل الكون لوجدناه قد بدأ بكلمة من حرفين، ولو دخلنا إلى عوالم الروحانيات، فالله خلق الكون بكلمة «كن» ذات الحرفين، والتي نشأ منها الوجود؛ إذن الوجود ناشئ عن كلمة.. والكلمة شيء عظيم. كلمة «كن» أصل الوجود مكوّن لكل شيء بعده. ومن يستخف بالكلمة إنما يستخف بالوجود. في أعرافنا العربية وتقاليدنا الرجل تربطه كلمة، لأن الذي لا تربطه الكلمة لا تربطه المواثيق، ويستطيع أن يتحايل على الورق وما بين السطور. الكلمة أصل كل الأشياء. الأدب أو الشعر أو القصة عبارة عن نسيج من الكلمات، وهذا النسيج مرتبط بمستوى ومهارة النسّاج، ومن هنا يأتي الإبداع. إذا كانت لغة النسّاج ثرية فإن هذا النسيج يكون من الحرير، أغلى ما في النسيج، وإذا نزل في مستواه أصبح صوفًا.
* الكتابة إذن صنعة لا بد من إتقانها، وأداتها اللغة.. هل اللغة هي التي تباين بين الأدباء؟
- بالتأكيد، كلما تمكن الكاتب من هذه الصناعة أثرى الإبداع واللغة، والثراء يأتي من هنا. وفي هذه النقطة تذوب الفواصل بين الشعر والقصة والمقالة والرواية، تعقيبًا على سؤالك، لأن الإبداع في حقيقته يكمن في الكلمات، ولكن تبقى الفكرة في كيفية النسج على المنوال. مهما كان الموقف من الجناس الأدبية، تبقى الفكرة هي كل شيء، ولغة الشاعر أو الكاتب هي الأساسية. وفي أدبنا العربي القصص الشعري موجود منذ زمن قديم. في ظني أن كتابة الشعر هي الأصعب، لأنه يعتمد على التكثيف والاختزال والرمز.
* هل يمكن القول إن اللغة العربية متميزة بطاقاتها الشعرية وقدرتها على احتواء الإبداع بكل أشكاله؟
- العربية لغة اكتملت منذ فترة طويلة، وما طرأ عليها من استحداثات جعلها لغة كاملة. ولو رجعنا إلى العهد الإسلامي نجد أن اللغة العربية اكتملت فيه، ولو لم تكتمل اللغة لما نزل القرآن. لماذا؟ لأنه كتاب سماوي. لا يمكن أن يكون الكتاب المنزل ناقصًا، فهي بالتالي اكتملت منذ فترة طويلة، وازدادت مع مرور الزمن، مع زيادة الاصطلاحات العصرية، وأثبتت أنها قادرة على التكيّف مع العصر. وميزة اللغة العربية أن الاستعانة بالقاموس قليلا يمكن أن تفهم نصًا كُتبَ منذ ثلاثة آلاف سنة، فالقارئ الإنجليزي لا يستطيع أن يتعرّف إلى نص شكسبيري كُتِبَ باللغة الإنجليزية القديمة. وهذا يفسّر أن اللغة العربية قادرة على الحياة أكثر من اللغات الأخرى. أما سؤالك عن ميلي إلى التراث واللغة التراثية، فذلك لأنني استمررت أنهل من المنجم القديم، من فضته وذهبه لأنك كما تعلم تتعرض اللغة العربية إلى هجمة شرسة.
* ثمة ميل إلى الاختزال أو ما يمكن أن نطلق عليه اللغة البرقية خاصة في قصصك القصيرة جدا.. هل من أسباب؟
- أعتقد أن الجملة الجامعة والمانعة والقصيرة قادرة على التعبير وتوصيل المعنى، خاصة ونحن نعيش زمن الملخصات والإيجازات. الصحافي، على سبيل المثال، لا يستطيع أن يكتب القصة الخبرية كما كنت تكتبها قبل عشر سنوات؛ لأن القارئ الحالي ليس كالقارئ أيام زمان.
* هل تؤمن بما يقول عن مفهوم النص المفتوح الذي تتلاشى فيه حدود الأجناس الأدبية؟
- هذا ما حصل في الأدب العالمي، ولكن عندنا لا تزال الحدود موجودة بين الأجناس الأدبية المختلفة من شعر وقصة ورواية ومقالة. القصة على سبيل المثال تتحمّل اللغة الحوارية الشعرية. وسقوط تفاحة أمام نيوتن مثلا تفصيل صغير، حيث تسقط آلاف التفاحات يوميًا. لكن العين التي التقطت هذا التفصيل وبنت عليها نظرية كاملة في قوانين الفيزياء هي الأهم. وكما يُقال فإن الشيطان يكمن في التفاصيل. إنه شيطان الفكرة، ومن دون هذه التفاصيل لا يمكن أن نكتب أدبًا. والمعروف أن شرارة القصة أكبر من شرارة الشعر. القاص كالرسام. الأفكار موجودة لكن الإبداع هو كيف تصنع منها قصة فنية، وهي تنطلق من الواقع الموضوعي حتى لو كانت لها جذور افتراضية.
* في مجموعتك «رماد مشتعل» تستوحي من الواقع الافتراضي.. هل يمكن توضيح ذلك.. هل تقصد الواقع الافتراضي حقًا؟
- نحن نعيش في زمن الواقع الافتراضي شئنا أم أبينا. وفي الحقيقة، كل قصة تعبّر عن الواقع الافتراضي، لكنها من الممكن أن تقع أو تحدث. لقد عاشها البشر، والتاريخ يُعيد الأحداث الإنسانية ذاتها. هذه هي صيرورة الكتابة. والجميل في الإبداع أن القارئ وإن علم أن القصة من نسج الخيال فإنه يتفاعل معها، وهو يعبّر عن مواقفه إزاء هذه الأحداث الافتراضية، والخيال هو الجزء الأكبر من حياتنا.
* هل تعتقد أن الكاتب العربي تفاعل بما فيه الكفاية مع مشكلات مجتمعه؟
- لا أعتقد ذلك. إن ما يحدث في العالم العربي لا نجد تداعياته في الأعمال الإبداعية، ربما لأن تفاعل الكاتب مع محيطه ضعيف أو أن الكاتب ينتظر حتى تختمر الفكرة وبعد ذلك يصوغها أدبيًا. المثقف في واد والأحداث في واد؛ لأن الغوغائيين هم الذين يتصدرون الأحداث. الثورات التي ادعّت أنها ثورات دمرّت كل شيء، بينما الإنسان العربي ثار من أجل واقع أفضل. لا توجد ثورة تدمّر البلدان. الثورات التي حصلت في العالم مثل الثورة الفرنسية صاحبها قمع وقتل واضطهاد، إلا أن السلام الاجتماعي أعقب ذلك ولا يزال قائمًا حتى الآن.
* هل استطاعت القصة الإماراتية أن تقطع أشواطًا كبيرة في نظرك؟
- لست ناقدًا لتقييم ذلك، لكنها بلا شك وصلت إلى مراحل متقدمة. ويرتبط ذلك بتطور التعليم وتقدمه في الإمارات، وهو منجز كبير في هذا الميدان. وقد سبقنا إلى ذلك في كل من مصر والعراق والشام بقرون، لأن هذه المناطق كانت في الأصل مهدًا للحضارة العربية، بينما كنا نحن نعيش في اقتصاد بدائي قائم على الصيد البحري. وكان واقعنا الاقتصادي مزريًا، لكن مع الاتحاد تغيّر كل شيء، خاصة التعليم الذي أشرت إليه قبل قليل. ولو نعود إلى بدايات نهضتنا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات فهو يُعد بالدقائق في حياة الشعوب. وما أنجز من مستوى حضاري يعتبر طفرة نقلت المجتمع الإماراتي إلى مرحلة متقدمة، ولو أن الطفرات ترافقها بعض الجوانب السلبية؛ ومن الطبيعي أن يرافق الإبداع الأدبي الإماراتي هذه التحولات.
* هل جرّبت كتابة الرواية؟
- أعتقد أن كتابة الرواية مثل وقوع حادث كبير، لم يهيأ الإنسان نفسه له. وحتى الآن لم يقع لي هذا الحدث. يبدو لي أن القصة القصيرة استهوتني أكثر، والمجموعة القصصية في تجانسها عبارة عن رواية. والقصة هي حادث وقع لغيرك، بينما الرواية عمل جبّار يحتاج إلى لغة وأحداث وأبطال. إنها تشبه كتابة الملحمة الشعرية، وكاتبها شاعر عملاق. أعتقد أن كتابة الرواية تأتي طوع الخاطر دون تخطيط، ويمكن للقاص أن يتحوّل إلى كتابة الرواية، عندما تفرض عليه تفاصيل لا تستوعبُها القصة القصيرة.
* أنت تكتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة، هل هذا خيار مسبق أم أنه اعتياد السير على النهج السائد؟
- إذا كتبت البيت الأول للقصيدة على البحر العروضي فلا يمكنك أن تتخلى عنه إلى نهاية القصيدة، أما إذا دخلت إلى قصيدة التفعيلة من أول الكتابة فلا تستطيع أن تعود منها. الشعر هو جرس موسيقي متى ما عمل في أعماقك تستسلم له. وربما قصيدة التفعيلة تمنحك فكرة التحرر من هيمنة البحر الشعري إلى فضاء أوسع. لا يقرر الشاعر كيف يكتب نصه، هناك شيء غامض في الإبداع يفرض نفسه عليك. والشيء الأهم أن يقترب الشاعر من ذائقة الجمهور، لأن الشعر يمكن أن يعيش لآلاف السنين، والشعراء في قصائدهم يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد.
* هناك من يقول إن زمن الشعر ولّى وجاء وقت الرواية في الأدب العربي؟
- الشعر أكثر قدرة على استمرارية الحياة، ويمكن إعادة قراءة الشعر على مّر الزمن بينما الرواية تُقرأ لمرة واحدة ولا يعود لها القارئ في العادة. كل نوع بحاجة إلى موهبة ومقدرة.
* ألا تعتقد أن الشعر أكثر ذاتية من الرواية؟
- ربما. الشاعر يعبّر عن طبقته، لا يمكن أن نتوقع أن يشعر شاعر غني بواقع الفقير. على سبيل المثال، الشاعر بشار بن برد يستمع إلى المعتز بالله وهو يصف الهلال بقوله: «أنظر إليه كزورق من فضة.. قد أثقلته حوملة من عنبر».. وكأنه يصّف صحن داره لأن أمير المؤمنين كان جالسًا ومحاطًا بالذهب والفضة وحوملة من العنبر. لا يمكن أن ننتظر من الشاعر المرّفه أن يحسّ بآلام المسحوقين والمقهورين. وعندما ثارت الجماهير على الملكة ماري أنطوانيت، مطالبين بالخبز، قالت لهم: «إذا لم يكن لديكم خبز فكلوا الكيك»، لأن قصر لويس السادس عشر كان مليئًا بموائد الكيك. لا يمكن أن يحسّ رجل يده في الماء مثل رجل يده في النار. الشاعر معذور إذا لم يكتوِ بالنار.
* هل تؤمن بقصيدة النثر التي يكتبها الشباب؟
- رأيي الشخصي وهو ليس رأيًا أكاديميًا، أن الشعر من دون الجرس الموسيقى ليس شعرًا وقصيدة النثر ليست شعرًا، قد تكون ما نطلق عليها قصيدة منثورة لأن الموسيقى روح الشعر، والقصيدة من دون الموسيقى مثل نص ميت بلا روح. الشعر شعر والنثر نثر. ولا يجب الخلط بينهما. وعندما أطلقوا عليها قصيدة نثر يعني أنها من النثر، ولا يضيرها إذا كانت هكذا، فهي تعبّر عما يختلق في أعماق كاتبها.
* هل يستطيع الكاتب أن يوّفق بين عمله الوظيفي وإبداعه في نظرك؟
- إذا تحوّل الإبداع إلى وظيفة أصابه الموت لأن الشاعر حُر والموظف مُقيّد. بل هي تقضي على المبدع، وتستهلك وقته، وهو كنز الكاتب. وبالتالي لو تفرّغ الكاتب، وهذا مستحيل في عالمنا العربي، لأبدع أكثر. لذا أسعى إلى الكتابة الإبداعية في شهور الصيف، وبالتالي أتيح فرصةً أكبر للعمل الوظيفي.
* لكن شاعرًا كبيرًا مثل ت. س. إليوت كان يعمل في بنك؟
- (ضاحكًا) إنه يبدع بلا شك، لأنه يتصور أن كل أموال البنك ضمن ملكيته، لذلك العمل في البنك يجعل الإنسان مبدعًا.
* هناك ظاهرة بين الأدباء الإماراتيين هي أنهم لا يستمرون في طريق الإبداع؛ منهم من يكتب مجموعة قصصية أو رواية أو ديوانًا ويتوقف.. ما هي الأسباب في نظرك؟
- لا أستطيع أن أجيب بدلا عن هؤلاء الكتّاب والشعراء، وما أعرفه أن الكتابة حدث استثنائي في حياة الإنسان. هناك تبريرات ربما منها عدم الإيمان بالإبداع أو عدم تجاوب جمهور القراء مع إنتاج المبدع أو عدم التحمّس لهذه البيئة الطاردة.. الكتابة. يُضاف إلى ذلك أن الكاتب الإماراتي «حيّاوي» أي يبتعد عن التبجيل والتكريم. لدينا خصوصية متميزة في هذا المجال.
* ظهرت مؤخرًا دور نشر خاصة وهذا من شأنه أن يدفع الكاتب أو الشاعر الإماراتي إلى صدارة النشر، أليس كذلك؟
- هذا صحيح، ظهرت دور نشر خاصة في السنوات العشر الأخيرة. وهناك إقدام كبير من الشباب الإماراتي على الكتابة والنشر. إنني متفائل بهذا الجيل. ومن ناحية أخرى، اقتحم الشباب الإماراتي العالم الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي، أي أنه يتمّشى مع روح العصر وروح التقنية الحديثة. وأهم ما في الموضوع هو التعامل بإبداع مع هذه التقنيات وعدم التحوّل إلى عبيد لها.
* ما هي مشروعاتكَ الإبداعية المقبلة؟
- بدأت أجمع ديوانًا جديدًا سيرى النور قريبًا بعد سنوات أعقبت ديواني «الأغاريد والعناقيد» الذي صدر في 2010.



كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.