سيف المرّي: الشعراء يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد

الشاعر والكاتب ورئيس تحرير دار «الصدى للصحافة والنشر» : العربية لغة اكتملت منذ زمن

سيف المري
سيف المري
TT

سيف المرّي: الشعراء يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد

سيف المري
سيف المري

بين مجموعته «الأغاريد» و«العناقيد» في طبعتها الرابعة 2010، ومجموعتيه القصصيتين «رماد مشتعل» 2006، و«بيت العنكبوت» قصص قصيرة جدًا 2010، وكتاب مقالات «أجراس الحروف» 2013، يسعى الشاعر والكاتب الإماراتي سيف بن محمد المرّي إلى تكوين عالمه الأدبي الخاص في الاختزال والتكثيف والتأمل. فهو مُقِلّ، لكن ما نشره يُفسّر الاهتمام الدقيق بما يكتب.
يقول في تصدير مجموعته القصصية «بيت العنكبوت»: «آثرت أن أتخذ في كتابة مادتها أسلوبًا أحسبه جديدًا، مع حرصي على انتقاء المفردات بعنايةٍ، بحيث لا تشوبُ نسبَها العربي شائبةٌ، ولا تُداخلها عُجمة، ثم جعلتها، أي القصص، غاية في القِصَر، لأننا نعيش زمنًا لا يحب أهله السرد والإطالة، بل هم مولعون بالإيجاز».
سيف بن محمد المرّي يرأس تحرير «دار الصدى للصحافة والنشر»، التي تُصدرُ عددا من المجلات المتخصصة، ومنها «الصدى» الاجتماعية الأسبوعية الموجهة للأسرة العربية، أما الإصدارات الشهرية فهي مجلة «دبي الثقافية»، ومجلة «جواهر» المعنية بالشعر والأدب الشعبي، ومجلة «بنت الخليج، وكذلك مجلتا «شباب عشرين» و«شهرزاد».
هنا حوار عن تجربة المرّي الأدبية والصحافية، وتنقلاته بين كتابة القصة والشعر والمقالة:
* من خلال مسيرتك الأدبية، تجمع بين كتابة الشعر والقصة القصيرة والمقالة، كيف يمكن التوفيق بين كل هذه الأجناس الأدبية؟
- لو رجعنا إلى أصل الكون لوجدناه قد بدأ بكلمة من حرفين، ولو دخلنا إلى عوالم الروحانيات، فالله خلق الكون بكلمة «كن» ذات الحرفين، والتي نشأ منها الوجود؛ إذن الوجود ناشئ عن كلمة.. والكلمة شيء عظيم. كلمة «كن» أصل الوجود مكوّن لكل شيء بعده. ومن يستخف بالكلمة إنما يستخف بالوجود. في أعرافنا العربية وتقاليدنا الرجل تربطه كلمة، لأن الذي لا تربطه الكلمة لا تربطه المواثيق، ويستطيع أن يتحايل على الورق وما بين السطور. الكلمة أصل كل الأشياء. الأدب أو الشعر أو القصة عبارة عن نسيج من الكلمات، وهذا النسيج مرتبط بمستوى ومهارة النسّاج، ومن هنا يأتي الإبداع. إذا كانت لغة النسّاج ثرية فإن هذا النسيج يكون من الحرير، أغلى ما في النسيج، وإذا نزل في مستواه أصبح صوفًا.
* الكتابة إذن صنعة لا بد من إتقانها، وأداتها اللغة.. هل اللغة هي التي تباين بين الأدباء؟
- بالتأكيد، كلما تمكن الكاتب من هذه الصناعة أثرى الإبداع واللغة، والثراء يأتي من هنا. وفي هذه النقطة تذوب الفواصل بين الشعر والقصة والمقالة والرواية، تعقيبًا على سؤالك، لأن الإبداع في حقيقته يكمن في الكلمات، ولكن تبقى الفكرة في كيفية النسج على المنوال. مهما كان الموقف من الجناس الأدبية، تبقى الفكرة هي كل شيء، ولغة الشاعر أو الكاتب هي الأساسية. وفي أدبنا العربي القصص الشعري موجود منذ زمن قديم. في ظني أن كتابة الشعر هي الأصعب، لأنه يعتمد على التكثيف والاختزال والرمز.
* هل يمكن القول إن اللغة العربية متميزة بطاقاتها الشعرية وقدرتها على احتواء الإبداع بكل أشكاله؟
- العربية لغة اكتملت منذ فترة طويلة، وما طرأ عليها من استحداثات جعلها لغة كاملة. ولو رجعنا إلى العهد الإسلامي نجد أن اللغة العربية اكتملت فيه، ولو لم تكتمل اللغة لما نزل القرآن. لماذا؟ لأنه كتاب سماوي. لا يمكن أن يكون الكتاب المنزل ناقصًا، فهي بالتالي اكتملت منذ فترة طويلة، وازدادت مع مرور الزمن، مع زيادة الاصطلاحات العصرية، وأثبتت أنها قادرة على التكيّف مع العصر. وميزة اللغة العربية أن الاستعانة بالقاموس قليلا يمكن أن تفهم نصًا كُتبَ منذ ثلاثة آلاف سنة، فالقارئ الإنجليزي لا يستطيع أن يتعرّف إلى نص شكسبيري كُتِبَ باللغة الإنجليزية القديمة. وهذا يفسّر أن اللغة العربية قادرة على الحياة أكثر من اللغات الأخرى. أما سؤالك عن ميلي إلى التراث واللغة التراثية، فذلك لأنني استمررت أنهل من المنجم القديم، من فضته وذهبه لأنك كما تعلم تتعرض اللغة العربية إلى هجمة شرسة.
* ثمة ميل إلى الاختزال أو ما يمكن أن نطلق عليه اللغة البرقية خاصة في قصصك القصيرة جدا.. هل من أسباب؟
- أعتقد أن الجملة الجامعة والمانعة والقصيرة قادرة على التعبير وتوصيل المعنى، خاصة ونحن نعيش زمن الملخصات والإيجازات. الصحافي، على سبيل المثال، لا يستطيع أن يكتب القصة الخبرية كما كنت تكتبها قبل عشر سنوات؛ لأن القارئ الحالي ليس كالقارئ أيام زمان.
* هل تؤمن بما يقول عن مفهوم النص المفتوح الذي تتلاشى فيه حدود الأجناس الأدبية؟
- هذا ما حصل في الأدب العالمي، ولكن عندنا لا تزال الحدود موجودة بين الأجناس الأدبية المختلفة من شعر وقصة ورواية ومقالة. القصة على سبيل المثال تتحمّل اللغة الحوارية الشعرية. وسقوط تفاحة أمام نيوتن مثلا تفصيل صغير، حيث تسقط آلاف التفاحات يوميًا. لكن العين التي التقطت هذا التفصيل وبنت عليها نظرية كاملة في قوانين الفيزياء هي الأهم. وكما يُقال فإن الشيطان يكمن في التفاصيل. إنه شيطان الفكرة، ومن دون هذه التفاصيل لا يمكن أن نكتب أدبًا. والمعروف أن شرارة القصة أكبر من شرارة الشعر. القاص كالرسام. الأفكار موجودة لكن الإبداع هو كيف تصنع منها قصة فنية، وهي تنطلق من الواقع الموضوعي حتى لو كانت لها جذور افتراضية.
* في مجموعتك «رماد مشتعل» تستوحي من الواقع الافتراضي.. هل يمكن توضيح ذلك.. هل تقصد الواقع الافتراضي حقًا؟
- نحن نعيش في زمن الواقع الافتراضي شئنا أم أبينا. وفي الحقيقة، كل قصة تعبّر عن الواقع الافتراضي، لكنها من الممكن أن تقع أو تحدث. لقد عاشها البشر، والتاريخ يُعيد الأحداث الإنسانية ذاتها. هذه هي صيرورة الكتابة. والجميل في الإبداع أن القارئ وإن علم أن القصة من نسج الخيال فإنه يتفاعل معها، وهو يعبّر عن مواقفه إزاء هذه الأحداث الافتراضية، والخيال هو الجزء الأكبر من حياتنا.
* هل تعتقد أن الكاتب العربي تفاعل بما فيه الكفاية مع مشكلات مجتمعه؟
- لا أعتقد ذلك. إن ما يحدث في العالم العربي لا نجد تداعياته في الأعمال الإبداعية، ربما لأن تفاعل الكاتب مع محيطه ضعيف أو أن الكاتب ينتظر حتى تختمر الفكرة وبعد ذلك يصوغها أدبيًا. المثقف في واد والأحداث في واد؛ لأن الغوغائيين هم الذين يتصدرون الأحداث. الثورات التي ادعّت أنها ثورات دمرّت كل شيء، بينما الإنسان العربي ثار من أجل واقع أفضل. لا توجد ثورة تدمّر البلدان. الثورات التي حصلت في العالم مثل الثورة الفرنسية صاحبها قمع وقتل واضطهاد، إلا أن السلام الاجتماعي أعقب ذلك ولا يزال قائمًا حتى الآن.
* هل استطاعت القصة الإماراتية أن تقطع أشواطًا كبيرة في نظرك؟
- لست ناقدًا لتقييم ذلك، لكنها بلا شك وصلت إلى مراحل متقدمة. ويرتبط ذلك بتطور التعليم وتقدمه في الإمارات، وهو منجز كبير في هذا الميدان. وقد سبقنا إلى ذلك في كل من مصر والعراق والشام بقرون، لأن هذه المناطق كانت في الأصل مهدًا للحضارة العربية، بينما كنا نحن نعيش في اقتصاد بدائي قائم على الصيد البحري. وكان واقعنا الاقتصادي مزريًا، لكن مع الاتحاد تغيّر كل شيء، خاصة التعليم الذي أشرت إليه قبل قليل. ولو نعود إلى بدايات نهضتنا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات فهو يُعد بالدقائق في حياة الشعوب. وما أنجز من مستوى حضاري يعتبر طفرة نقلت المجتمع الإماراتي إلى مرحلة متقدمة، ولو أن الطفرات ترافقها بعض الجوانب السلبية؛ ومن الطبيعي أن يرافق الإبداع الأدبي الإماراتي هذه التحولات.
* هل جرّبت كتابة الرواية؟
- أعتقد أن كتابة الرواية مثل وقوع حادث كبير، لم يهيأ الإنسان نفسه له. وحتى الآن لم يقع لي هذا الحدث. يبدو لي أن القصة القصيرة استهوتني أكثر، والمجموعة القصصية في تجانسها عبارة عن رواية. والقصة هي حادث وقع لغيرك، بينما الرواية عمل جبّار يحتاج إلى لغة وأحداث وأبطال. إنها تشبه كتابة الملحمة الشعرية، وكاتبها شاعر عملاق. أعتقد أن كتابة الرواية تأتي طوع الخاطر دون تخطيط، ويمكن للقاص أن يتحوّل إلى كتابة الرواية، عندما تفرض عليه تفاصيل لا تستوعبُها القصة القصيرة.
* أنت تكتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة، هل هذا خيار مسبق أم أنه اعتياد السير على النهج السائد؟
- إذا كتبت البيت الأول للقصيدة على البحر العروضي فلا يمكنك أن تتخلى عنه إلى نهاية القصيدة، أما إذا دخلت إلى قصيدة التفعيلة من أول الكتابة فلا تستطيع أن تعود منها. الشعر هو جرس موسيقي متى ما عمل في أعماقك تستسلم له. وربما قصيدة التفعيلة تمنحك فكرة التحرر من هيمنة البحر الشعري إلى فضاء أوسع. لا يقرر الشاعر كيف يكتب نصه، هناك شيء غامض في الإبداع يفرض نفسه عليك. والشيء الأهم أن يقترب الشاعر من ذائقة الجمهور، لأن الشعر يمكن أن يعيش لآلاف السنين، والشعراء في قصائدهم يتكلمون مع بشر لم يولدوا بعد.
* هناك من يقول إن زمن الشعر ولّى وجاء وقت الرواية في الأدب العربي؟
- الشعر أكثر قدرة على استمرارية الحياة، ويمكن إعادة قراءة الشعر على مّر الزمن بينما الرواية تُقرأ لمرة واحدة ولا يعود لها القارئ في العادة. كل نوع بحاجة إلى موهبة ومقدرة.
* ألا تعتقد أن الشعر أكثر ذاتية من الرواية؟
- ربما. الشاعر يعبّر عن طبقته، لا يمكن أن نتوقع أن يشعر شاعر غني بواقع الفقير. على سبيل المثال، الشاعر بشار بن برد يستمع إلى المعتز بالله وهو يصف الهلال بقوله: «أنظر إليه كزورق من فضة.. قد أثقلته حوملة من عنبر».. وكأنه يصّف صحن داره لأن أمير المؤمنين كان جالسًا ومحاطًا بالذهب والفضة وحوملة من العنبر. لا يمكن أن ننتظر من الشاعر المرّفه أن يحسّ بآلام المسحوقين والمقهورين. وعندما ثارت الجماهير على الملكة ماري أنطوانيت، مطالبين بالخبز، قالت لهم: «إذا لم يكن لديكم خبز فكلوا الكيك»، لأن قصر لويس السادس عشر كان مليئًا بموائد الكيك. لا يمكن أن يحسّ رجل يده في الماء مثل رجل يده في النار. الشاعر معذور إذا لم يكتوِ بالنار.
* هل تؤمن بقصيدة النثر التي يكتبها الشباب؟
- رأيي الشخصي وهو ليس رأيًا أكاديميًا، أن الشعر من دون الجرس الموسيقى ليس شعرًا وقصيدة النثر ليست شعرًا، قد تكون ما نطلق عليها قصيدة منثورة لأن الموسيقى روح الشعر، والقصيدة من دون الموسيقى مثل نص ميت بلا روح. الشعر شعر والنثر نثر. ولا يجب الخلط بينهما. وعندما أطلقوا عليها قصيدة نثر يعني أنها من النثر، ولا يضيرها إذا كانت هكذا، فهي تعبّر عما يختلق في أعماق كاتبها.
* هل يستطيع الكاتب أن يوّفق بين عمله الوظيفي وإبداعه في نظرك؟
- إذا تحوّل الإبداع إلى وظيفة أصابه الموت لأن الشاعر حُر والموظف مُقيّد. بل هي تقضي على المبدع، وتستهلك وقته، وهو كنز الكاتب. وبالتالي لو تفرّغ الكاتب، وهذا مستحيل في عالمنا العربي، لأبدع أكثر. لذا أسعى إلى الكتابة الإبداعية في شهور الصيف، وبالتالي أتيح فرصةً أكبر للعمل الوظيفي.
* لكن شاعرًا كبيرًا مثل ت. س. إليوت كان يعمل في بنك؟
- (ضاحكًا) إنه يبدع بلا شك، لأنه يتصور أن كل أموال البنك ضمن ملكيته، لذلك العمل في البنك يجعل الإنسان مبدعًا.
* هناك ظاهرة بين الأدباء الإماراتيين هي أنهم لا يستمرون في طريق الإبداع؛ منهم من يكتب مجموعة قصصية أو رواية أو ديوانًا ويتوقف.. ما هي الأسباب في نظرك؟
- لا أستطيع أن أجيب بدلا عن هؤلاء الكتّاب والشعراء، وما أعرفه أن الكتابة حدث استثنائي في حياة الإنسان. هناك تبريرات ربما منها عدم الإيمان بالإبداع أو عدم تجاوب جمهور القراء مع إنتاج المبدع أو عدم التحمّس لهذه البيئة الطاردة.. الكتابة. يُضاف إلى ذلك أن الكاتب الإماراتي «حيّاوي» أي يبتعد عن التبجيل والتكريم. لدينا خصوصية متميزة في هذا المجال.
* ظهرت مؤخرًا دور نشر خاصة وهذا من شأنه أن يدفع الكاتب أو الشاعر الإماراتي إلى صدارة النشر، أليس كذلك؟
- هذا صحيح، ظهرت دور نشر خاصة في السنوات العشر الأخيرة. وهناك إقدام كبير من الشباب الإماراتي على الكتابة والنشر. إنني متفائل بهذا الجيل. ومن ناحية أخرى، اقتحم الشباب الإماراتي العالم الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي، أي أنه يتمّشى مع روح العصر وروح التقنية الحديثة. وأهم ما في الموضوع هو التعامل بإبداع مع هذه التقنيات وعدم التحوّل إلى عبيد لها.
* ما هي مشروعاتكَ الإبداعية المقبلة؟
- بدأت أجمع ديوانًا جديدًا سيرى النور قريبًا بعد سنوات أعقبت ديواني «الأغاريد والعناقيد» الذي صدر في 2010.



في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»
TT

في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»

قصَّة حي بن يقظان أحد أكثر النصوص الفلسفية العربية جرأةً في اختبار حدود العقل الإنساني وإمكاناته. تُنسب في صيغها المختلفة إلى ابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن طفيل، وابن النفيس، غير أن الصياغة الأكثر شهرةً وتأثيراً هي التي قدّمها ابن طفيل الأندلسي في القرن السادس الهجري، فأصبحت، لاحقاً، أحد النصوص المؤسِّسة في تاريخ الفلسفة المقارنة، بعد أن تُرجمت إلى اللغة اللاتينية على يد إدوارد بوكوك، ونُشرت في أكسفورد سنة 1671م بعنوان: «الفيلسوف العصامي». ويصف أهمية هذه القصة الفيلسوف عبد الرحمن بدوي بقوله: «ومن الذين أُعجبوا بقصَّة حي بن يقظان ليبنتز الفيلسوف المشهور، فقد أطراها إطراءً بالغاً، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر والدراسات حولها في أوروبا تتوالى في غير انقطاع وبمختلف اللغات حتى الآن، حتى ليمكن أن نقرّر في اطمئنان أنَّ قصَّة حي بن يقظان كانت أوفر الكتب العربية حظاً من التقدير والعناية والتأثير في أوروبا في العصر الحديث».

وابن طفيل هو أبو بكر محمد بن عبد الملك القيسي الأندلسي (ت 581هـ/1185م). أصبح طبيباً للخليفة أبي يعقوب يوسف المنصور، ولم يصلنا من كتبه إلا قصَّته الفلسفية المشهورة حي بن يقظان.

يبدأ بناؤها السردي برضيع ينشأ في جزيرة نائية لا بشر فيها، تحت رعاية ظبية ترضعه وتغذيه، ثم يُترك بعد موتها ليواجه العالم بأدواته الإدراكية الأولية في مسار تصاعدي للمعرفة، فينتقل من الملاحظة الحسية إلى التجربة، ومن التجربة إلى التحليل، ثم إلى التجريد العقلي، وصولاً إلى بناء نسق ميتافيزيقي متكامل يفسر به العالم والوجود والعلية والغاية. ويكتشف بالحواس والتجربة قوانين العالم المادي ومراتب الوجود، ثم يهتدي إلى وجود فاعل كامل يقف وراء نظام العالم، فتتجه عنايته من معرفة الموجودات إلى معرفة موجدها. وعند الخامسة والثلاثين ينصرف إلى طلب الواجب الوجود، متخذاً الرياضة والزهد سبيلاً إلى ذلك، فلا يأخذ من الطعام والشراب إلا ما يقيم أَوَدَه، وفي الثلث الأخير من القصة تظهر شخصيتا أبسال وسلامان، وهما رفيقان يعيشان في جزيرة قريبة من الجزيرة التي نشأ فيها حيٌّ. فأما أبسال «فكان أشد غوصاً في الباطن، وأكثر عثوراً على المعاني الروحانية، وأطمع في التأويل، وأما سلامان فكان أميل إلى ظاهر الشريعة، وكلاهما مجدٌّ في الأعمال الظاهرة ومحاسبة النفس ومجاهدة الهوى».

يشكّل لقاء حيٍّ بأبسال نقطة التحوُّل الكبرى؛ فبعد أن نشأ حي معزولاً عن البشر وبلغ بعقله وتأمله معرفة الحقائق العليا، وصل أبسال إلى جزيرته طلباً للعزلة والعبادة. وعندما يلتقي بحي يعلّمه اللغة، فيطلع كل منهما على تجربة الآخر، ويدرك أبسال أنَّ المعارف التي بلغها حي بالعقل والمشاهدة تتوافق في جوهرها مع ما جاءت به الشريعة التي يدين بها، فيزداد يقيناً بصدق الدين. أما حي فيجد في الشريعة تمثيلاً رمزياً للحقائق التي أدركها بنفسه، لذلك يؤمن بالرسالة ويلتزم فرائضها. ثم ينتقلان إلى الجزيرة التي قدم منها أبسال لنقل هذه الحقائق إلى الناس، غير أن محاولتهما تخفق؛ إذ لا يمتلك الناس أدوات التأمل العقلي ولا تقنيات التجريد الفلسفي، فهم يدركون الحقيقة عبر العادة والظاهر لا البرهان، فيستقر في وعي حيٍّ أن التواصل بين المستوى الفلسفي العميق والوعي الجماعي العام محدود للغاية، فيعود مع صاحبه أبسال إلى جزيرته التي نشأ فيها مؤثراً العزلة والعبادة والتأمل الروحي.

يطرح ابن طفيل في هذه القصة تصوراً متكاملاً لتطور الإنسان معرفيّاً وروحيّاً وأخلاقيّاً، ويبني تسلسلاً هرميّاً لمراتب البشر: فأعلاها مرتبة الفيلسوف، أي حيّ بن يقظان، تليها مرتبة الصوفي، أي أبسال، ثم مرتبة الفقيه، أي سلامان، ثم العامة الذين يكتفون بالتقليد والانقياد للعادات دون بحث عقلي أو تأمل فلسفي.

اكتسبت هذه القصة عبر تاريخها الطويل قوةً برهانيةً؛ إذ بدت وكأنَّها تُظهر استقلال العقل الإنساني عن المجتمع والتقليد والوحي معاً. غير أن قوة هذا النموذج الفلسفي لا تخفي إشكاله العميق: هل يمكن أصلاً تصور عقل إنساني يعمل في فراغٍ اجتماعيٍّ كامل؟ وهل يمكن للغة والتجريد والتفكير المفهومي النشوء في عزلة مطلقة؟ هنا يمكن تفكيك الأساس الذي تقوم عليه هذه التجربة الفكرية، لا من حيث نتائجها، بل من حيث شرط إمكانها نفسه.

إن إعادة قراءة حي بن يقظان في ضوء اللسانيات البيولوجية، والأنثروبولوجيا المعرفية، والأنثروبولوجيا التأويلية تكشف عن مشكلة أعمق في نموذج (العقل ما قبل الاجتماعي) الذي تقدمه هذه القصة. فقد دلَّلت بحوث اكتساب اللغة أنَّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل إنها شرط أساسي لتطور القدرات الرمزية والمفاهيمية التي يقوم عليها التفكير المجرد. وفي هذا السياق قدّم إريك لينبرغ (Eric Lenneberg) في كتابه (Biological Foundations of Language) ما عُرف بـ(فرضية الفترة الحرجة) (Critical Period Hypothesis) لاكتساب اللغة، والتي تفيد بأنَّ القدرة على اكتساب اللغة الطبيعية ترتبط بمرحلة نمو عصبي مبكرة، وأنَّ الحرمان اللغوي في تلك المرحلة يؤدي إلى عجز دائم أو شبه دائم في اكتسابها لاحقاً. وقد استند إلى حالات الأطفال الذين نشأوا في عزلة شديدة عن التفاعل اللغوي الإنساني، فأدى الحرمان من البيئة الاجتماعية إلى ضعف في التواصل وإلى اختلالات أعمق في القدرة على بناء تراكيب نحوية ومعرفية معقَّدة. ومن ثم فإنَّ اللغة لا تبدو مهارة فردية تُكتسب تلقائيّاً، بل بنية اجتماعية - بيولوجية لا تتكوّن إلا داخل مجتمع لغوي.

وإذا انتقلنا من مستوى اللغة إلى مستوى بنية الإدراك الإنساني ذاته، فإنّ الصورة تتضح أكثر في دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية، ففي أعمال مايكل توماسيلو، ولا سيما «الأصول الثقافية للإدراك البشري» (The Cultural Origins of Human Cognition) و«أصول التواصل البشري» (Origins of Human Communication)، يتبيّن لنا أنَّ ما يميز العقل الإنساني ليس قدرات فردية معزولة، بل القدرة على (المقصدية المشتركة) (shared intentionality)؛ أي القدرة على بناء معانٍ ومقاصد مشتركة داخل إطار اجتماعي. ووفق هذا التصور، فإنَّ العمليات الذهنية العليا، مثل الاستدلال السببي، وبناء المفاهيم المجردة، وتكوين المعايير الأخلاقية، بل حتى الوعي بالذات، لا تنشأ في عزلة فردية، بل تتشكَّل تدريجيّاً عبر التفاعل الاجتماعي، والتعلم الثقافي، والتواصل اللغوي. وبذلك يصبح العقل الإنساني نتاجاً تاريخيّاً - اجتماعيّاً، لا بنية طبيعية مكتفية بذاتها.

وتدفع الأنثروبولوجيا التأويلية هذا الاعتراض إلى مداه الأقصى، حين تقرّر في تحليلها عند كليفورد غيرتز (Clifford Geertz) في مقاله «أثر مفهوم الثقافة على مفهوم الإنسان» (The Impact of the Concept of Culture on the Concept of Man)، أن البشر حيوانات غير مكتملة، وأنَّ الثقافة هي التي تكمّلها داخل شبكات المعنى التي تنتجها الثقافة، فغياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه؛ لأن الإنسان لا يعيش إلا في عالم مشبع بالرموز والمعاني: اللغة، الدين، العادات، والتصورات الجماعية. وهذه البنى شروط أساسية لتكوُّن الخبرة الإنسانية نفسها. ومن هنا فإنَّ فصل الإنسان عن هذا الوسط الرمزي لا يعني تحرير العقل، بل يعني تفكيك شروط إمكانه.

وفي ضوء ذلك، يمكن إعادة النظر في إحدى أكثر قضايا علم الكلام الإسلامي مركزية، وهي مسألة (التحسين والتقبيح): أهي أحكام تُؤسَّس على دلالة الشرع كما ذهب الأشاعرة، أم على معطيات عقلية مستقلة كما قرّر المعتزلة؟

غياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه

ومن خلال إعادة قراءة نموذج «حي بن يقظان»، يمكن توسيع هذا الفهم ليشمل تكوّن (العقل الأخلاقي) نفسه بوصفه حصيلة سيرورة اجتماعية تنتظم داخل شبكة من العلاقات التي تؤطرها الخبرة الإنسانية في خضم المجال الثقافي واللغوي، وفي هذا السياق يغدو الحديث عن (التحسين والتقبيح) العقليين تعبيراً عن نمط من الوعي المعياري المشروط ثقافياً ولغوياً، لا عن حكم صادر عن عقل مستقل عن شروط إنتاجه.

أما الخطاب الشرعي، فعلى الرغم من طابعه المتعالي وكونه يتخذ صورة أحكام منزَّلة من خارج السيرورة التاريخية، فإنّه يبدو من حيث البنية والنتيجة مندمجاً في هذه السيرورة نفسها؛ إذ يُفهم بوصفه امتداداً لسلسلة من الرسالات والشرائع التي تراكمت عبر زمن ممتد من التفاعل والتداول، بما يتيح تشكّل المعايير الأخلاقية داخل شبكة من العلاقات والخبرات الإنسانية، ويمنحها دلالاتها عبر هذا الامتداد التاريخي المتصل، وبذلك يكتسب الخطاب الشرعي قدرة على تنظيم المجال المعياري للعقل الأخلاقي وإضفاء صيغته المستقرة داخل النسق الإنساني، بما يضبط تداول القيم الأخلاقية في إطار متماسك.

لقد نجح ابن طفيل في تصوير صعود العقل إلى أعلى مراتب التجريد، لكنّه فعل ذلك عبر افتراض واقع يستحيل تحققه: فكر بلا لغة، وعقل بلا مجتمع، وتجريد بلا شبكة ثقافية سابقة عليه! وبذلك تحوَّلت القصة، من حيث لم يرد، من برهان على استقلال العقل إلى شاهد على استحالة هذا الاستقلال.

إنَّ «حي بن يقظان» ممكن سرديّاً وتخيليّاً، لكنَّه مستحيل أنطولوجيّاً وتكوينيّاً.

* باحث سوري


كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية
TT

كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية

صدر حديثاً، عن «دار الزمان» في دمشق كتاب جديد بعنوان «علم اللغة: مستويات التحليل الألسني»، باللغة الكردية الكرمانجية من تأليف الباحث في اللسانيات الدكتور برزو محمود. ويتناول بإيجاز ستة مستويات رئيسية في تحليل اللغة: علم الأصوات، وعلم الفونولوجيا، وعلم الصرف، وعلم النحو، وعلم الدلالة والتداولية. ويعرض المؤلف مفاهيم ونظريات وأمثلة تطبيقية محددة من اللغة الكردية ومن اللغة الإنجليزية، ويشرح مكوناتها من الصوت إلى المعنى، ويعتمد على مراجع إنجليزية أساسية. ويهدف الكتاب إلى تعريف الطلاب والباحثين بأسس علم اللغة، وأن يكون مرجعاً علمياً لدراسة اللغة الكردية.

ورغم صعوبة الخوض في مجال اللغويات بسبب وجود كمية كبيرة من المصطلحات اللسانية التي تغطي المستويات الست، والتي تتطلب تقديم مصطلح كردي بصفته مقابلاً وبديلاً وصادقاً مع المفهوم والتعريف اللساني، إلا أن إلمام الكاتب باللهجتين الكرمانجية والسورانية وخبرته الطويلة في الكتابة بالكردية ساعداه في التغلب على الصعوبات الاصطلاحية. ومن الطبيعي القول إنه قد بذل جهوداً حثيثة ومضنية في سد الفجوة المصطلحية.

ويعتمد الكتاب التحليل اللغوي إطاراً هرمياً، فيُقسمه إلى وحدات أصغر مترابطة. بدءاً من أصغر الأصوات الفيزيائية وصولاً إلى المحادثات الاجتماعية الأوسع، تشمل مستويات التحليل الرئيسية:

المستوى الأول: علم الصوتيات أو الفونوتيك والفونولوجيا، وهما فرعان رئيسيان من فروع علم اللغة، يُعنى كل منهما بدراسة أصوات الكلام البشري. ورغم ترابطهما الوثيق، فإنهما يحللان الأصوات من منظورين مختلفين: المنظور الفيزيائي والمنظور الإدراكي. فالفونتيك يتناول الخصائص الفيزيائية الفعلية لأصوات الكلام، ويهتم بكيفية إنتاج الأصوات ونقلها وإدراكها، بغض النظر عما إذا كانت تُشكّل لغةً مُحددة أم لا. وينقسم إلى ثلاثة فروع رئيسية: علم الصوتيات النطقي: دراسة كيفية إنتاج الجهاز الصوتي (الشفتان واللسان والحلق والأحبال الصوتية) لأصوات الكلام، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة الخصائص الفيزيائية للموجات الصوتية أثناء انتقالها عبر الهواء، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة كيفية استقبال الأذن البشرية والدماغ لهذه الموجات الصوتية ومعالجتها.

أما المستوى الثاني، فيركز على التنظيم الذهني المجرَّد للأصوات داخل لغة مُحددة أو عبر لغات مُختلفة. ويدرس كيفية عمل الأصوات كنظام لنقل المعنى، وتكوين الكلمات، والتحكم في قواعد النطق.

ويتناول المستوى الثالث الصرف (المورفولوجيا) وهو دراسة كيفية تشكيل الكلمات معجمياً، وكيفية ارتباطها ببعضها بعضاً داخل اللغة نحوياً. تبحث معظم مناهج علم الصرف في بنية الكلمات من حيث المورفيمات، وهي أصغر الوحدات في اللغة ذات معنى مستقل أو وظيفة نحوية. تتضمن المورفيمات جذوراً يمكن أن توجد ككلمات بحد ذاتها، ولكنها تتضمن أيضاً فئات، مثل اللواحق التي يمكن أن تظهر فقط كجزء من كلمة أكبر. يحلل علم الصرف أيضاً كيفية تصرف الكلمات كأجزاء من الكلام، وكيف يمكن تصريفها للتعبير عن الفئات النحوية، مثل العدد والزمن والجانب. يتعلق علم الصرف أيضاً بالإنتاجية، أو كيفية إنشاء المتحدثين للكلمات في سياقات محددة.

أما المستوى الرابع، فهو «السينتاكس»، أو النحو، وهو مجموعة القواعد التي تحكم كيفية ترتيب الكلمات والعبارات لتكوين جمل سليمة وذات معنى في اللغة. وهو يحدد ترتيب الكلمات، وبنية الجملة، والعلاقات بين أجزاء الكلام المختلفة. وغير ذلك من فصول الكتاب.


كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

 

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.