مساعٍ لمنع الفراغ في قيادة الجيش اللبناني مع استمرار الشغور الرئاسي

بين الحلول المطروحة رفع سن التقاعد للعسكريين والأمنيين

من لقاء سابق بين وزير الدفاع موريس سليم وقائد الجيش العماد جوزيف عون (وزارة الدفاع)
من لقاء سابق بين وزير الدفاع موريس سليم وقائد الجيش العماد جوزيف عون (وزارة الدفاع)
TT

مساعٍ لمنع الفراغ في قيادة الجيش اللبناني مع استمرار الشغور الرئاسي

من لقاء سابق بين وزير الدفاع موريس سليم وقائد الجيش العماد جوزيف عون (وزارة الدفاع)
من لقاء سابق بين وزير الدفاع موريس سليم وقائد الجيش العماد جوزيف عون (وزارة الدفاع)

احتمال استمرار الشغور في موقع رئاسة الجمهورية في لبنان إلى ما بعد العاشر من يناير (كانون الثاني) المقبل، وهو موعد إحالة قائد الجيش العماد جوزيف عون على التقاعد، يفتح الباب أمام السؤال عمّن سيملأ الفراغ على رأس المؤسسة العسكرية؟ وهل تبقى شاغرة وليس هناك من يدير شؤونها في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر فيها لبنان، كونها تشكّل إلى جانب القوى الأمنية الأخرى صمام الأمان لحماية السلم الأهلي والحفاظ على الاستقرار، فيما تتدحرج إدارات ومؤسسات الدولة نحو المزيد من الانحلال؟

ويتلازم تمديد الشغور الرئاسي، ما لم تؤدّ المساعي أكانت محلية أو خارجية إلى انتخاب رئيس للجمهورية يدفع باتجاه تبديد الهواجس المترتبة على ارتفاع منسوب المخاوف حيال تمدُّد هذا الشغور بإحداث فراغ في قيادة المؤسسة العسكرية، مع تصاعد وتيرة يقودها رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ضد قائد الجيش من دون أن يسمّيه، متهماً إياه بتسهيل دخول السوريين خلسة إلى الأراضي اللبنانية، ظنّاً منه بأن تماديه في تهشيم صورة قائد الجيش يبعده من السباق إلى رئاسة الجمهورية، وهذا ما يكمن وراء رفض باسيل التمديد له لإسقاط اسمه من لائحة المرشحين.

واستباقاً لترحيل انتخاب الرئيس إلى ما بعد إحالة عون على التقاعد، تتداول القوى السياسية الرئيسة في المخارج المطروحة لمنع انتقال عدوى الفراغ الرئاسي إلى المؤسسة العسكرية.

لكن معظم الصيغ المطروحة لتفادي إقحام المؤسسة في فراغ قاتل قوبلت برفض من وزير الدفاع الوطني في حكومة تصريف الأعمال العميد المتقاعد موريس سليم، المحسوب على باسيل، في محاولة منه لابتداع صيغة، بخلاف النصوص الواردة في قانون الدفاع الوطني، تتيح له تكليف العضو المتفرغ في المجلس العسكري اللواء بيار صعب (كاثوليكي)، وبمرسوم يصدر عن الوزير، بالإشراف على تدبير شؤون المؤسسة العسكرية، بعدما رفض إصدار مرسوم يقضي بتأجيل تسريح أعضاء المجلس العسكري ممّن أُحيلوا على التقاعد وعلى رأسهم رئيس الأركان اللواء أمين العرم.

كما رفض وزير الدفاع، بإصرار من رئيس الجمهورية السابق ميشال عون ووريثه السياسي النائب باسيل، العودة عن قراره، هو وزملاؤه من الوزراء المحسوبين على «التيار الوطني» بمقاطعة جلسات مجلس الوزراء ولو لمرة واحدة لملء الشغور في المجلس العسكري، ليكون في وسع رئيس الأركان المعني الإنابة عن قائد الجيش فور إحالته على التقاعد بتسيير شؤون المؤسسة العسكرية تطبيقاً للنص الوارد في قانون الدفاع الوطني.

حتى إن وزير الدفاع يرفض استدعاء رئيس الأركان السابق اللواء العرم من الاحتياط لينوب عن قائد الجيش على رأس المؤسسة العسكرية، خصوصاً أن هناك سابقة باستدعاء العميد رياض تقي الدين من الاحتياط وتعيينه رئيساً للأركان.

ومع أن وزير الدفاع أقفل الأبواب في وجه المخارج المطروحة لتفادي الشغور على رأس المؤسسة العسكرية، بتشجيع من باسيل، الذي أخذ على عاتقه الدخول في معركة شخصية مع العماد عون يُراد منها تصفية حساباته على خلفية اتهامه بالوقوف وراء محاولات الانقلاب على الرئيس عون التي تتزعمها المجموعات التغييرية من دون أن يحرك ساكناً، فإن باسيل كان في مقدمة من خالف الرئيس عون عندما عيّن العماد عون قائداً للجيش.

وفي هذا السياق، لم يكن من خيارات لتفادي الفراغ في المؤسسة العسكرية سوى اثنين كان تقدّم بهما النواب الأعضاء في «اللقاء الديمقراطي»؛ الأول يقضي بالموافقة على اقتراح قانون ينص على التمديد للضباط العاملين في الأسلاك العسكرية والأمنية ويتولون مواقع قيادية، وكان يشمل في حينه التمديد للمدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم قبل أن يحال على التقاعد، لكنه بقي حبراً على ورق.

أما الخيار الثاني فيقضي بالتقدم باقتراح قانون يسمح برفع سن التقاعد لسنتين لجميع العاملين في الأسلاك العسكرية والأمنية، بصرف النظر عن رتبهم، لسد الفراغ الناجم عن الانقطاع في فتح دورات لتطويع العسكريين، وهذا ما حصل بالتوقيع عليه من قبل النواب في «اللقاء الديمقراطي»، ويتوقف إقراره على مدى تجاوب الهيئة العامة في البرلمان في جلسة تخصص للنظر فيه، علماً بأن تكتل «لبنان القوي» برئاسة باسيل ليس في وارد تأييده، رغم أن الأخير يغرّد وحيداً في حملته على العماد عون، ولا يجد من زملائه من يدعمه سوى نائب رئيس البرلمان إلياس بو صعب الذي انفصل أخيراً عن التيار.

وفي هذا السياق، يؤكد النائب في «اللقاء الديمقراطي» هادي أبو الحسن أن «اللقاء» أخذ المبادرة لقطع الطريق على تمدّد الفراغ في الرئاسة نحو المؤسسات الأمنية والعسكرية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إننا نسعى منذ الآن لتدارك هذا الفراغ، وبادرنا إلى استباق ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع من خلال اقتراح القانون الذي تقدمنا به، حرصاً منا على وضع الضوابط للحفاظ على الاستقرار ومنع الإخلال بالأمن.

ويُفهم من اقتراح «اللقاء الديمقراطي» برفع سن التقاعد للعاملين في الأسلاك الأمنية والعسكرية بأن لا مجال للموافقة - في حال أُحيل قائد الجيش على التقاعد بترحيل انتخاب الرئيس - على ما يخطط له باسيل من خلال وزير الدفاع بتكليفه بمرسوم اللواء صعب، كونه الأقدم رتبة بمهام قائد الجيش بالإنابة.

ويتذرّع من يستعد منذ الآن لرفض تكليف اللواء صعب، بأنه يشكل مخالفة لقانون الدفاع، إضافة إلى أنه يتبع وظيفياً وزير الدفاع، ما يحول دون تعيينه لأنه ليس ملحقاً بالجيش.

لذلك، فإن ملء الشغور في قيادة الجيش يتقدم على الحراك الرئاسي الذي لا تزال أبوابه موصدة أمام انتخاب الرئيس، وهذا يتوقف على ما سيقوم به رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ورد فعل حليفه في الثنائي الشيعي «حزب الله». فهل يدعو لعقد جلسة لرفع سن التقاعد؟ وكيف ستتعامل المعارضة المسيحية مع اقتراح «اللقاء الديمقراطي»؟ وهل تعيد النظر برفضها المشاركة في جلسات تشريع الضرورة لمنع باسيل من محاصرة العماد جوزيف عون، مع أنه يتجنّب تسميته بالاسم؟ وبالتالي هل تتناغم المعارضة في دفاعها عن المؤسسة العسكرية مع «اللقاء الديمقراطي»؛ لأنه لا مصلحة لها في تقديم خدمة سياسية مجانية بانضمامها إلى باسيل الذي لن يجد من يناصره في تحريضه على العماد عون؟



انسداد سياسي يهدد مساعي تشكيل الحكومة العراقية

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)
TT

انسداد سياسي يهدد مساعي تشكيل الحكومة العراقية

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)

رغم تأكيد القوى السياسية العراقية التزامها بالمواعيد الدستورية لتشكيل الحكومة، فإن البلاد تعيش فعلياً حالة «انسداد سياسي» بعد تجاوز المهلة الزمنية من دون الاتفاق على رئيس وزراء جديد.

وزادت الأمور تعقيداً تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن فيها رفضه تولي رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي المنصب مجدداً، ما أدخل العامل الخارجي بوضوح في مسار التفاوض الداخلي.

خيارات بديلة

السيناريوهات المطروحة متعددة. أولها التمديد لحكومة محمد شياع السوداني، التي تحولت بعد الانتخابات إلى حكومة تصريف أعمال، عبر منحها صلاحيات محدودة لمواجهة التحديات الداخلية، والخارجية، وهو خيار يحتاج إلى غطاء برلماني، ويستبعده مراقبون.

وفي حال تعذر ذلك، يُطرح إما تكليف السوداني مجدداً بوصفه الفائز الأكبر، أو التوصل إلى اتفاق داخل «الإطار التنسيقي» على مرشح بديل، ما قد يتطلب تنحي المالكي شخصياً، أو تغييره بقرار جماعي.

وإذا فشلت هذه الخيارات، يبرز سيناريو «مرشح التسوية»، سواء من داخل قوى «الإطار»، أو من خارجه، مع تداول أسماء مختلفة بوصفها احتمالات قائمة.

المالكي، الذي تولى رئاسة الحكومة بين عامي 2006 و2014، لم يتراجع عن ترشيحه، وسعى إلى طمأنة واشنطن عبر لقاءات مع السفير الأميركي، ومسؤولة سابقة في الخارجية الأميركية.

وأعلن عقيل الفتلاوي، المتحدث باسم ائتلاف «دولة القانون»، أن رسائل أُرسلت إلى ترمب لشرح موقف داعميه، والتأكيد على «نجاحاته في مواجهة الإرهاب»، مشيراً إلى أن الموقف الأميركي لم يتحول إلى قبول أو رفض رسمي بعد. لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه «لا مساومة» على ترشيحه.

في المقابل، أكد ائتلاف السوداني التزامه بقرارات «الإطار التنسيقي»، مع الإشارة إلى أن الاجتماعات الأخيرة ركزت على ملفات اقتصادية، وخارجية، بينها المفاوضات الإيرانية - الأميركية، من دون حسم ملف رئاسة الوزراء.

تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق رشح نوري المالكي لرئاسة الحكومة رغم التحفظات (أ.ب)

العقدة الكردية

لا يقتصر التعقيد على البيت الشيعي. فالمشهد الكردي يشهد بدوره انقساماً حول مرشح رئاسة الجمهورية، وسط تنافس بين «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، و«الاتحاد الوطني الكردستاني».

ويُنظر إلى الانقسام داخل «الإطار» بشأن دعم أحد المرشحين الكرد باعتباره عاملاً إضافياً يعرقل انتخاب الرئيس، وهو استحقاق دستوري يسبق تكليف رئيس الوزراء.

أما إيران، اللاعب المؤثر في الساحة الشيعية، فبعثت برسالة مفادها أنها تدعم أي مرشح يتفق عليه «الإطار»، من دون تبني اسم محدد. وهو موقف ينسجم مع ما سبق أن عبرت عنه المرجعية الدينية في النجف، التي تؤكد دعمها لآلية التوافق لا لشخص بعينه.

وكشف نعيم العبودي، النائب عن كتلة «عصائب أهل الحق» التي يتزعمها قيس الخزعلي، تفاصيل زيارة الأخير إلى طهران، وما رافقها من مباحثات من المسؤولين الإيرانيين.

‏وقال العبودي، في بيان صحافي إن «لقاءات الخزعلي مع القيادات السياسية العليا، في إيران، خلال زيارته الأخيرة في هذه المرحلة الحساسة التي يعيشها العراق، والمنطقة، أوضح فيها أن العراق ركيزة أساسية في محيطه الإقليمي، وقراره يعد وطنياً خالصاً».

وأضاف أن «إيران أبدت دعماً واضحاً ومستمراً للعراق، شعباً وحكومةً، وأن ما تناقلته وسائل الإعلام من تدخل في اختيار شخص المرشح لرئاسة مجلس الوزراء مخالف للحقيقة، وإنما هو مباركة لقرار (الإطار) في ترشيح من يراه مناسباً أيًّا كان اسمه»، على حد تعبيره.

هكذا، تتقاطع الضغوط الأميركية مع الحسابات الإيرانية، والتوازنات الكردية، والانقسامات داخل القوى الشيعية، لتجعل تشكيل الحكومة العراقية رهينة شبكة معقدة من المصالح الداخلية، والخارجية، في وقت يترقب فيه العراقيون مخرجاً ينهي حالة الشلل السياسي.


«تنقل آمن وحواجز ليلية لرصد المتخابرين»... فصائل غزة تعزز تأهبها الأمني

طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
TT

«تنقل آمن وحواجز ليلية لرصد المتخابرين»... فصائل غزة تعزز تأهبها الأمني

طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)

رفعت الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة تأهبها الأمني، في ظل تواصل الاغتيالات الإسرائيلية للقيادات الميدانية والنشطاء البارزين من حركتي «حماس» و«الجهاد»، وأكدت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن الإجراءات الأمنية الأخيرة أفشلت في الأيام والأسابيع القليلة الماضية سلسلة من الاغتيالات خطط لها الجيش الإسرائيلي.

وكثيراً ما تذرع الجيش الإسرائيلي بوقوع أحداث أمنية ضد قواته، ونفذ سلسلة من الهجمات داخل القطاع بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وقد قتلت الخروقات الإسرائيلية أكثر من 500 فلسطيني في غزة منذ إعلان الاتفاق على وقف الحرب.

وشرحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أنه عقب مقتل قيادات ونشطاء بارزين صدرت تعليمات صارمة من القيادات العليا للأجنحة المسلحة للنشطاء الميدانيين باتخاذ إجراءات صارمة، شبيهة بفترة الحرب التي استمرت عامين.

وشرح أحد المصادر أن التعليمات «شملت (التنقل الآمن) من مكان إلى آخر؛ أي من دون حمل أي هواتف نقالة أو أي أدوات تكنولوجية، لتجنب الرصد باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي تعتمد عليها إسرائيل»، مضيفاً أنه «تم نصح العناصر بالتخفي لفترات طويلة في أماكن معينة من دون التحرك منها، حتى لو استمر ذلك لأيام وأسابيع طويلة».

عمليات استهداف فاشلة

وعدّ مصدر آخر مطلع على الاتصالات الداخلية لفصيل مسلح في غزة أنه «بفضل الاحتراز الجديد في الأيام والأسابيع القليلة الماضية، فشلت عمليات اغتيال جديدة»، مستشهداً بحدوث «عمليات قصف إسرائيلية لأهداف مثل خيام وغيرها، ولم يكن فيها أي من المطلوبين أو غيرهم، وذلك لمرات عدة».

فلسطيني يجلس خارج خيام للنازحين في مخيم المغازي وسط قطاع غزة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

وقال المصدر: «القوات الإسرائيلية قصفت هدفين بعد ساعات طويلة من حدث رفح الذي وقع الاثنين الماضي، أحدهما كان في مساء اليوم نفسه، والآخر ظهر الثلاثاء، ما يشير إلى العجز عن تحديد أهداف جديدة كما حدث في مرات سابقة».

وخلص المصدر الفصائلي إلى أن «أعداد الضحايا باتت أقل بكثير خلال جولة التصعيد الحالية، مقارنة بالخروقات الماضية».

وكانت الغارات الإسرائيلية قد قتلت الاثنين والثلاثاء، نشطاء ميدانيين بارزين في «كتائب القسام» و «سرايا القدس»، في عمليتي اغتيال، الأولى استهدفت 3 نشطاء في كتيبة بيت حانون التابعة لـ «القسام» الذين أشرفوا على سلسلة عمليات منها قنص عدد من الجنود ما أدى إلى مقتل 7 منهم، كما ذكر بيان للجيش الإسرائيلي، خلال معارك في البلدة، إلى جانب مشاركتهم في هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كما قتل قائد وحدة النخبة في «السرايا» بالمنطقة الوسطى للقطاع.

حواجز ليلية لرصد المتخابرين

وبشأن ما إذا كانت هناك إجراءات أخرى لجأت إليها الفصائل في غزة لتأمين عناصرها، قال مصدر ميداني آخر إن «بعض الإجراءات الأمنية تضمنت نشر حواجز للأجهزة الأمنية التابعة لحكومة (حماس)، وكذلك عناصر ميدانية من (كتائب القسام) و(سرايا القدس)، خصوصاً في ساعات الليل، في جميع مناطق قطاع غزة».

مقاتلون من «كتائب القسام» في مدينة غزة نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)

وشرح المصدر أن «الحواجز الليلية قللت من حركة المتخابرين مع إسرائيل، وكذلك العناصر التي تعمل مع العصابات المسلحة التي تقدم معلومات استخباراتية حول أماكن بعض النشطاء بعد تتبعهم وملاحقتهم، ما أسهم في إضعاف المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية مجدداً».

وواصل المصدر: «هناك حراك خفي آخر في ساعات النهار تقوم به الفصائل لملاحقة أي تحركات مريبة لرصد تحركات مشتبه بهم بالتعامل مع المخابرات الإسرائيلية».

وأشار المصدر إلى أنه «تم ضبط عدد منهم والتحقيق معهم، وانتزاع معلومات عن الشخصيات التي يتم تتبعها، ونُقلت المعلومات للمستهدفين لتغيير مواقعهم وتنقلهم لأماكن آمنة والتخلي عن الأدوات التكنولوجية التي يستخدمونها».

جانب من تشييع القيادي في «كتائب القسام» رائد سعد في قطاع غزة ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

وتواكبت تلك الإجراءات الأمنية مع إعلان منصة «الحارس»، التابعة لأمن الفصائل المسلحة في غزة، دعوتها سكان غزة إلى «مساعدة الأمن بتعزيز الجبهة الداخلية من خلال الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه أو تحرك مريب في محيطهم، مضيفةً: «أي سلوك غير مألوف، أو محاولات جمع معلومات، أو تحركات يشتبه بارتباطها بالعصابات العميلة، يشكل عنصراً أساسياً في إحباط المخططات المعادية، ودعم صمود جبهتنا الداخلية».


واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

لم يمضِ شهران على إنشاء «حزب الله» مؤسسة تجارية مرخّصة تولّت جزءاً من أنشطة «القرض الحسن» في إقراض مناصريه، حتى أدرجتها وزارة الخزانة الأميركية على لائحة العقوبات، في خطوة قالت واشنطن إنها تهدف إلى إحباط محاولات الحزب الالتفاف على العقوبات بعد إغلاق هذه النافذة.

وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن «حزب الله» أنشأ شركة «جود» التجارية، المعنية ببيع الذهب وشرائه عبر عقود تتم في فروع مؤسسة «القرض الحسن»، الذراع المالية للحزب، والخاضعة بدورها للعقوبات الأميركية، وذلك بوصف ذلك جزءاً من «سياسة تموضع قانوني» داخل البلاد للإفلات من الضغوط الدولية والمحلية لإغلاقها.

وسرعان ما أحبطت واشنطن هذه المحاولة، إذ قال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، الثلاثاء، إنه فرض عقوبات على شركة «جود ش.ذ.م.م»، وهي شركة صرافة ذهب، ومقرّها لبنان، وتعمل تحت إشراف مؤسسة «القرض الحسن»، التي تُعدّ الذراع المالية لـ«حزب الله». وأوضحت وزارة الخزانة أن شركة «جود» تحوّل احتياطيات الذهب إلى أموال قابلة للاستخدام لدعم إعادة تنظيم الحزب.

فشل الالتفاف على العقوبات

وتظهر الحزمة الجديدة من العقوبات أن الحزب فشل في الالتفاف عليها، إذ تلاحق واشنطن الكيانات التي تُسهم في تمويل الحزب، بمعزل عن تسميتها وشكلها القانوني. وفيما لم تصدر السلطات اللبنانية، كما «حزب الله»، أي موقف تجاه التعيين الجديد على العقوبات، ترجّح مصادر مالية أن تتخذ المؤسسات المالية اللبنانية تدابير تلقائية لمنع التعامل معها.

وإذ أكدت المصادر أن الضغوط الأميركية على السلطة اللبنانية «أكبر من أن يتم تجاهلها»، أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «مجرد صدور إدراج على العقوبات على أي شخص أو كيان، يُمنع تلقائياً من تعامله مع المصرف المركزي أو القطاع المالي»، مشيرة إلى أنه «في حال كان لديه حساب مصرفي يجمد الحساب تلقائياً، ويبلغ المصرف هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان بتجميد هذا الحساب»، وهي تندرج ضمن إطار «سلسلة إجراءات وقائية تتخذها المصارف والسلطة المالية».

وقالت المصادر: «الأشخاص أو الكيانات المدرجة على العقوبات لن تتمكن من القيام بأي عمليات مالية في المصارف أو مع مصرف لبنان، كما لن تتمكن من إجراء تحويلات إلى الخارج بشكل نهائي، وهي إجراءات معروفة في لحظة الإعلان عن صدور العقوبات الدولية أو العقوبات السيادية (الصادرة عن الولايات المتحدة) ضد أي فرد أو كيان تجاري أو منظمة».

إسرائيل تستهدف «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت في أكتوبر 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

ويُشكّل «القرض الحسن» أحد أكثر الملفات حساسية في الداخل اللبناني. ففي حين تصفه واشنطن بأنه أداة مالية تساعد الحزب على تجاوز النظام المصرفي، يرى الحزب ومؤيدوه أنه مؤسسة اجتماعية تمكّن آلاف العائلات من الحصول على خدمات مالية في بلد يعاني انهياراً مصرفياً شاملاً.

ورفض «حزب الله» في السابق المطالب الأميركية من السلطات اللبنانية بإغلاق المؤسسة، واتهم الولايات المتحدة بمحاولة «تجفيف الموارد المالية بغرض إلغاء وجود الحزب ومنعه من تقديم الخدمات الاجتماعية»، حسبما قال أمينه العام نعيم قاسم في خطاب الشهر الماضي.

تحدٍّ للرقابة ومخاطر إضافية

وكان مصرف لبنان المركزي قد أصدر تعميماً في السابق يمنع على أي مؤسسة التعامل مع «القرض الحسن»، في وقت يدفع «حزب الله» بدلات الإيواء للمتضررين من الحرب، عبر شيكات مسحوبة على «القرض الحسن»، ما يضطر الناس للتعامل مع تلك المؤسسات لقبض مستحقاتها.

وقال الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان لـ«الشرق الأوسط»: «إن إعادة صرف أموال (القرض الحسن) تُعدّ بمثابة تحدٍّ مباشر لسلطة مصرف لبنان وللأجهزة الرقابية». وأوضح أن «تعميم مصرف لبنان الذي حظر التعامل مع أي مؤسسة غير مرخّصة يفترض أن يكون موضع التزام صارم».

وكان مصرف لبنان المركزي قد أصدر العام الماضي التعميم رقم «170» بهدف منع دخول أي أموال -بشكل مباشر أو غير مباشر– مصدرها هيئات أو منظمات لبنانية خاضعة لعقوبات دولية، ولا سيما العقوبات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC)، إلى القطاع المصرفي اللبناني الشرعي، وذلك لتجنب تعريض علاقات المصارف اللبنانية المراسلة في الخارج للخطر، خصوصاً مع المصارف الأميركية التي تتولى عمليات التحويل بالدولار الأميركي.

وحذّر أبو سليمان من «أنّ استمرار التعامل مع مؤسسات غير مرخّصة قد يعرّض لبنان لمخاطر إضافية، بما في ذلك احتمال الوقوع تحت طائلة عقوبات خارجية، حتى لو جرى ذلك تحت عنوان المساعدات الاجتماعية». ورأى أن «أي تحويلات أو خدمات مالية صادرة عن مؤسسة غير خاضعة للترخيص والرقابة تثير علامات استفهام، خصوصاً في ظل التدقيق الدولي القائم على النظام المصرفي اللبناني».

وفيما يتصل بالانعكاسات الاجتماعية، رأى أبو سليمان أنّ مسألة تهدئة الشارع عبر أدوات ذات طابع مالي تحمل أبعاداً سياسية بغطاء اقتصادي، مشيراً إلى «أنّ الشارع اللبناني يعاني ضغوطاً معيشية كبيرة، لكنه شدد على صعوبة الجزم بحجم السيولة لدى مثل هذه المؤسسات؛ لأنها لا تنشر بيانات مالية مدققة وغير خاضعة للرقابة».