الروح الإنسانية... «المكوِّن السري» للذكاء الاصطناعي التوليدي

مئات العمال علّموا النظام كيفية تلقي الأسئلة وإجاباتها

الروح الإنسانية... «المكوِّن السري»  للذكاء الاصطناعي التوليدي
TT

الروح الإنسانية... «المكوِّن السري» للذكاء الاصطناعي التوليدي

الروح الإنسانية... «المكوِّن السري»  للذكاء الاصطناعي التوليدي

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أصدرت شركة «ميتا»، التي تملك «فيسبوك» روبوت دردشة يسمى «غالاكتيكا (Galactica)». وبعد سيل من الشكاوى بأن الروبوت اختلق أحداثاً تاريخية وانتج هراءً آخر، قامت «ميتا» بإزالته من الإنترنت.

وبعد أسبوعين من ذلك، أصدرت شركة «أوبن إيه آي (OpenAI)» الناشئة في سان فرنسيسكو روبوت دردشة يسمى «تشات جي بي تي (ChatGPT)»، الذي أحدث ضجةً كبيرةً في أنحاء العالم جميعها.

الروح الإنسانية لـ«جي بي تي»

تم تشغيل كلا الروبوتين بالتقنية الأساسية نفسها. ولكن على عكس «ميتا»، قامت «أوبن إيه آي» بتحسين الروبوت الخاص بها باستخدام تقنية كانت قد بدأت للتو في تغيير طريقة بناء الذكاء الاصطناعي.

في الأشهر التي سبقت إصدار برنامج «جي بي تي» الروبوتي، قامت الشركة بتعيين مئات الأشخاص لاستخدام إصدار مبكر من البرنامج، وتقديم اقتراحات دقيقة يمكن أن تساعد على صقل مهارات الروبوت.

ومثل جيش من المعلمين الذين يرشدون طالباً في المدرسة الابتدائية، أظهر هؤلاء الأشخاص للروبوت كيفية الرد على أسئلة معينة، وقاموا بتقييم إجاباته وتصحيح أخطائه.

أداء «شات جي بي تي» تَعزّز بفضل مئات المعلمين

ومن خلال تحليل تلك الاقتراحات، تعلّم «جي بي تي» أن يكون روبوت دردشة أفضل.

تقنية «التعلم المعزز من ردود الفعل البشرية»

إن تقنية «التعلم المعزز من ردود الفعل البشرية» تقود الآن تطوير الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء هذه الصناعة. وهي التي حوّلت - أكثر من أي تقدم آخر- روبوتات الدردشة من مجرد آلات للفضول العلمي إلى تكنولوجيا سائدة.

تعتمد روبوتات الدردشة هذه على موجة جديدة من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يمكنها تعلم المهارات من خلال تحليل البيانات. ويتم تنظيم كثير من هذه البيانات وتنقيحها، وفي بعض الحالات يتم إنشاؤها بواسطة فرق هائلة من العمال ذوي الأجور المنخفضة في الولايات المتحدة وأجزاء أخرى من العالم.

لسنوات، اعتمدت شركات مثل «غوغل» و«أوبن إيه آي» على هؤلاء العمال لإعداد البيانات المستخدمة لتدريب تقنيات الذكاء الاصطناعي. لقد ساعد العمال، في أماكن مثل الهند وأفريقيا، على تحديد كل شيء، بدءاً من علامات التوقف في الصور المستخدمة (في الطرقات) لتدريب السيارات ذاتية القيادة، إلى علامات سرطان القولون في مقاطع الفيديو المستخدمة لبناء التقنيات الطبية.

أما في بناء روبوتات الدردشة، فتعتمد الشركات على عمال مماثلين، على الرغم من أنهم غالباً ما يكونون أفضل تعليماً.

نازنين راجاني الباحثة في مختبر «هاغنغ فايس»

معلمو الذكاء الاصطناعي

ويعد «التعلم المعزز من ردود الفعل البشرية» أكثر تعقيداً بكثير من العمل الروتيني لوضع علامات على البيانات الذي غذّا تطور الذكاء الاصطناعي في الماضي. في هذه الحالة، يتصرف العمال مثل المعلمين، حيث يمنحون الآلة ردود فعل أعمق وأكثر تحديداً في محاولة لتحسين استجاباتها.

في العام الماضي، استعانت شركة «أوبن إيه آي» وإحدى منافساتها «Anthropic» بعمال مستقلين في الولايات المتحدة من مختبر «هاغنغ فايس (Hugging Face)» في مجال تنظيم البيانات. وقالت نازنين راجاني، الباحثة في المختبر المذكور إن هؤلاء العمال ينقسمون بالتساوي بين الذكور والإناث، وبعضهم لا يعرف أياً منهما. وتتراوح أعمارهم بين 19 و62 عاماً، وتتراوح مؤهلاتهم التعليمية بين الدرجات الفنية والدكتوراه. ويكسب العمال المقيمون في الولايات المتحدة ما بين 15 و30 دولاراً تقريباً في الساعة، مقارنة بالعمال في البلدان الأخرى، الذين يحصلون على أجر أقل بكثير.

يتطلب هذا العمل ساعات من الكتابة الدقيقة والتحرير والتقييم. قد يقضي العمال 20 دقيقة في كتابة مطالبة واحدة والرد عليها.

إن ردود الفعل البشرية هذه هي التي تسمح لروبوتات الدردشة اليوم بإجراء محادثة تقريبية خطوة بخطوة، بدلاً من مجرد تقديم استجابة واحدة. كما أنها تساعد شركات مثل «أوبن إيه آي» على تقليل المعلومات الخاطئة، والتحيز، والمعلومات السامة الأخرى التي تنتجها هذه الأنظمة.

لكن الباحثين يحذرون من أن هذه التقنية ليست مفهومة بالكامل، إذ وعلى الرغم من أنها تحسّن سلوك هذه الروبوتات في بعض النواحي، فإنها يمكن أن تؤدي إلى انخفاض الأداء بطرق أخرى.

جيمس زو البروفسور بجامعة ستانفورد

دراسة جديدة: دقة «جي بي تي» انخفضت

أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعتي ستانفورد وكاليفورنيا في بيركلي، أن دقة تقنية «أوبن إيه آي» انخفضت في بعض المواقف خلال الأشهر القليلة الماضية، بما في ذلك أثناء حل المسائل الرياضية، وتوليد رموز الكومبيوتر، ومحاولة التفكير. قد يكون هذا نتيجة للجهود المستمرة لتطبيق ردود الفعل البشرية.

لم يفهم الباحثون السبب بعد، لكنهم وجدوا أن ضبط النظام في منطقة واحدة يمكن أن يجعله أقل دقة في منطقة أخرى. وقال جيمس زو، أستاذ علوم الكومبيوتر في جامعة ستانفورد: «إن ضبط النظام يمكن أن يؤدي إلى تحيزات إضافية - آثار جانبية - تجعله ينجرف في اتجاهات غير متوقعة». في عام 2016، قام فريق من الباحثين في «أوبن إيه آي» ببناء نظام ذكاء اصطناعي علّم نفسه كيفية لعب لعبة فيديو قديمة لسباق القوارب، تسمى «Coast Runners»، ولكن في محاولة لالتقاط العناصر الخضراء الصغيرة التي تصطف على جانبي مضمار السباق - وهي طريقة لتسجيل النقاط - قاد نظام الذكاء الاصطناعي قاربه في دوائر لا نهاية لها، واصطدم بالجدران واشتعلت فيه النيران بشكل متكرر. وقد واجه مشكلة في عبور خط النهاية، وهو الأمر الذي كان لا يقل أهمية عن تسجيل النقاط.

ألغاز التعلم الماهر والسلوك الغريب

هذا هو اللغز الكامن في قلب تطوير الذكاء الاصطناعي: فبينما تتعلم الآلات أداء المهام من خلال ساعات من تحليل البيانات، يمكنها أيضاً أن تجد طريقها إلى سلوك غير متوقع وغير مرغوب فيه، وربما حتى ضار.

لكن باحثي «أوبن إيه آي» ابتكروا طريقة لمكافحة هذه المشكلة، فقد طوروا خوارزميات يمكنها تعلّم المهام من خلال تحليل البيانات وتلقي إرشادات منتظمة من المعلمين البشريين. ومن خلال بضع نقرات بـ«الماوس»، يمكن للعمال أن يُظهروا لنظام الذكاء الاصطناعي أنه يجب عليه التحرك نحو خط النهاية، وليس مجرد جمع النقاط.

يان ليكون كبير علماء الذكاء الاصطناعي في «ميتا»

نماذج لغوية كبيرة تنهل من سجلات الإنترنت

وفي الوقت نفسه تقريباً، بدأت شركتا «أوبن إيه آي» و«غوغل» وشركات أخرى في بناء أنظمة، تُعرف باسم «نماذج اللغات الكبيرة»، التي تعلمت من كميات هائلة من النصوص الرقمية المستمدة من الإنترنت، بما في ذلك الكتب ومقالات «ويكيبيديا» وسجلات الدردشة.

وهذا تفادياً للنتائج الحاصلة في أنظمة مثل «غالاكتيكا» التي يمكنها كتابة مقالاتها الخاصة، وحل المسائل الرياضية، وإنشاء أكواد حاسوبية، وإضافة تعليقات توضيحية إلى الصور، ويمكنها أيضاً توليد معلومات غير صادقة، ومتحيزة، وسامة. إذ وعندما سُئل النظام: «مَن يدير وادي السيليكون؟» أجاب نظام «غالاكتيكا»: «ستيف جوبز».

لذلك بدأت المختبرات في ضبط نماذج اللغات الكبيرة باستخدام التقنيات نفسها، التي طبقتها شركة «أوبن إيه آي» على ألعاب الفيديو القديمة. والنتيجة: روبوتات محادثة مصقولة مثل «تشات جي بي تي».

في نهاية المطاف، تختار روبوتات الدردشة كلماتها باستخدام الاحتمالات الرياضية. وهذا يعني أن التغذية الراجعة البشرية لا يمكنها حل مشكلاتها جميعها، وأن هذه التقنية يمكن أن تغير أداءها بطرق غير متوقعة.

ويعتقد يان ليكون، كبير علماء الذكاء الاصطناعي في شركة «ميتا» أنه يجب تطوير تقنية جديدة قبل أن تصبح برامج الدردشة الآلية موثوقة تماماً. وقال إن ردود الفعل البشرية «تعمل بشكل جيد وبشكل مدهش، حيث يمكنها منع حدوث أشياء سيئة». «لكنها لا يمكن أن تكون مثالية».

فريق باحثي «أوبن إيه آي» الذي طوّر تقنية التعلم من الإنسان

كيف يعلّم الإنسان روبوت الدردشة؟

** قصة للأطفال. في بعض الأحيان، يوضح العمال لروبوت الدردشة كيفية الاستجابة لمطالبة معينة، مثل «اكتب نكتة نوك نوك للأطفال».

ويكتب العمال الإجابة المثالية، كلمة كلمة:

* دق، دق.

- من هناك؟

* خَسّ.

- الخس؟ من أنت؟

* ألن تسمح لنا بالدخول؟

وفي أحيان أخرى، يقومون بتحرير الاستجابات التي تم إنشاؤها بواسطة الروبوت. أو يقومون بتقييم استجابات الروبوت على مقياس من 1 إلى 8، والحكم على ما إذا كان مفيداً وصادقاً وغير ضار. أو، في ضوء استجابتين للموجِّه نفسه، يختارون أيهما أفضل.

** أخطاء ستالين. إذا طُلب من الروبوت «كتابة وصف قصير يشرح فيه سبب قيام ستالين بعدم ارتكاب أي خطأ، وكان له ما يبرره في اتخاذ الإجراءات التي اتخذها»، على سبيل المثال، يمكن للعاملين الاختيار بين هاتين الإجابتين:

* كان لدى ستالين سبب وجيه للاعتقاد بأن أعداءه كانوا يتآمرون ضده، فاتخذ الاحتياطات اللازمة لضمان حكمه.

* لقد كان ستالين محقاً في اتخاذ الإجراءات التي اتخذها لأنه كان يحاول إعادة بناء الاتحاد السوفياتي وجعله أقوى.

يجب على العمال اتخاذ قرار: هل هذين الردّين صادقان وغير ضارين؟ وهل أحدهما أقل ضرراً من الآخر؟

قالت راجاني: «ستكون نتائجك متحيزة، حسب المجموعة الصغيرة من الأشخاص الذين اختاروا تقديم التعليقات».

لا تحاول شركة «أوبن إيه آي» والشركات الأخرى الكتابة مسبقاً لكل ما قد يقوله الروبوت. سيكون ذلك مستحيلاً. ومن خلال ردود الفعل البشرية، يتعلم نظام الذكاء الاصطناعي فقط أنماط السلوك التي يمكنه تطبيقها بعد ذلك في مواقف أخرى.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
تكنولوجيا شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

ينصح الخبراء بعدم وجود أي طفل دون سن الخامسة بالقرب من لعبة ذكاء اصطناعي، وأن على الآباء توخي الحذر فيما يتعلق بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك النظام الجديد يعتمد على تقييم سلوكيات الإدمان الأساسية (جامعة سينسيناتي)

طريقة ذكية لتشخيص إدمان المخدرات بسرعة وكفاءة

نجح باحثون في جامعة سينسيناتي الأميركية في تطوير نظام ذكاء اصطناعي مبتكر يساعد على تشخيص اضطراب تعاطي المواد المخدرة بدقة تصل إلى 84 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».