ما الذي يجمع بين الخميني والماركيز دو ساد؟

أبنوس شلماني تروي بالفارسية قصة هروب عائلتها من إيران

ما الذي يجمع بين الخميني والماركيز دو ساد؟
TT

ما الذي يجمع بين الخميني والماركيز دو ساد؟

ما الذي يجمع بين الخميني والماركيز دو ساد؟

حسب اعتقاد أبنوس شلماني، الكاتبة الفرنسية من أصل إيراني، أن يكون الإنسان امرأة، لهي معركة شاقة حتى في الديمقراطيات الغربية التي تتباهى بالمساواة بين النوعين وحقوق الإنسان. ويزداد الأمر صعوبة في إيران المعاصرة؛ حيث يرفض النظام الطائفي مفهوم الحرية الفردية حتى للرجال، ناهيك طبعا بالنساء.
واجهت شلماني، المولودة في طهران عام 1977، قبل عامين من استيلاء الملالي على السلطة، «طبيعة خطرة» على وجودها عندما ذهبت إلى المدرسة لأول مرة وهي في سن السابعة، واكتشفت أن طقوس العبور مرعبة. فجأة، اضطرت شلماني إلى ارتداء ملابس خاصة، وتغطية رأسها، وطمس الابتسامة على وجهها. تلقت نصيحة بأن تبدو قاتمة وقبيحة قدر الإمكان. وبالنظر إلى المرآة، شعرت حينئذ بأنها تبدو مثل الغراب. وهي في طريقها إلى المدرسة، بدأت شلماني في ملاحظة أن هناك عددا لا يحصى من الغربان؛ عبارة عن نساء يرتدين اللباس الذي فرضه روح الله الخميني - آية الله الثمانيني كالح الوجه، الذي روج نفسه على أنه السلطة الوحيدة للحق والباطل. لذلك، وفي يوم ما، بعد أن عانت وبكت سرا لأسابيع داخل وخارج المدرسة، فقدت الطفلة أبنوس ذات السبعة أعوام أعصابها، وقررت إلقاء ملابسها الخمينية بعيدا، والجري حول فناء المدرسة عارية.
لك أن تتخيل حجم الفضيحة والمخاطر التي تسبب فيها هذا التصرف لوالديها. وبينما حاولت والدتها إقناعها، وحثتها على اتباع نمط علماني من «التقية»، قرر والد أبنوس أن السبيل الوحيد لإنقاذ ابنته مغادرة العائلة كاملة إيران. وانتهى المآل بعائلة شلماني بالوصول إلى العاصمة الفرنسية باريس في عام 1985، في وقت عد فيه معظم الغرب النظام الخميني خلاصة الشر.
حاولت والدة أبنوس حماية عائلتها من خلال الادعاء أمام جيرانها الفرنسيين بأنهم أرمن، فيما أصر والد أبنوس على كشف هويتهم الإيرانية مع حجة أن سبب قدومهم لباريس هو نبذ الخميني وزمرته الهوية الإيرانية لصالح الهوية الإسلامية الثورية المفتعلة. يعد كتاب شلماني الجديد «الخميني والماركيز دو ساد وأنا» خليطا من السيرة الذاتية، والواقعية، والتأملات الفلسفية، والحكايات الروائية، مقترنة بالعاطفة والفكاهة. وكانت شلماني بعد وصولها لباريس قد قررت تكريس حياتها لمحاربة الخمينية.
وفي وقت من الأوقات، ربما من دون إدراك منها في البداية، بدأت في البحث عن هؤلاء الذين يمثلون النقيض تماما لنظرة الخميني للعالم؛ فإذا كان الخميني مهووسا بتحريم هذا وذاك، بحثت هي عن الشخص الذي أباح كل سلوك إنساني مفرط. وجدت شلماني منفذ الدخول إلى ما تبحث عنه في الأدب الأوروبي المثير للغرائز، خاصة الفرنسي. وأصبحت «لا ميرتول»، البطلة المتلاعبة في رواية «علاقات خطرة» نموذجا يحتذى، فيما عرضت رواية «نساء قاتلات»، للكاتب بيير لويس، لمحة عن عالم الحرية عبر التحدي. والطريف أن شلماني لا تعرف أن إيران نفسها لديها ثروة ضخمة من الأدب المثير للغرائز، بدءًا من «ألف ليلة وليلة» وصولا إلى رواية «شقراء مدينتنا»، للكاتب صدر الدين إلهي، التي صدرت في خمسينات القرن الماضي، والتي يتلاعب الجمال الشديد فيها مع أصحاب النفوذ في العالم كأنهم دمى مثيرة للشفقة. عمل الأدب الفرنسي المثير للغرائز بمثابة منحدر زلق، قاد شلماني إلى الماركيز دو ساد، وهو أرستقراطي من القرن التاسع عشر، وروائي توفي نتيجة الإصابة بمرض الزهري في مستشفى الأمراض العقلية.
تعشق شلماني دو ساد، لأنه ينهى عن التحريم؛ فبالنسبة له يجب قبول كل ما يفعله البشر، بما في ذلك أسوأ الانحرافات عن القواعد المعنوية والأخلاقية.
تعتقد شلماني أنه بسبب إباحته كل شيء، يعد ساد نقيض الخميني الذي يحرم كل شيء. وفي الواقع، يعد الخميني وساد وجهين لعملة واحدة؛ إذ يحب الخميني إزالة قيمة النساء عن طريق فرض ملابس يصعب التعرف عليهن من خلالها، فيما يحول ساد النساء إلى عارضات أزياء عرايا، وتمثل البطلتان غوستن وغوليت على وجه الخصوص نموذجين للنساء العالقات بين السادية والماسوشية. ومن دون قصد، تعرض شلماني التشابه المذهل بين ساد والخميني.
كلاهما يكتب كلاما عاطفيا لكنه أجوف في جوهره؛ فالخميني يخفي كثيرا، وساد يكشف أكثر مما هو ضروري للذوق الحسن. كلاهما مخلص لفكره، مجرد من السخرية، وهما يفتقران لروح الدعابة. ويمكن وصف أسلوبهما بالرشيق شديد الوطأة. وبينما يستخدم الخميني العنف، وحتى التعذيب، لفرض رؤيته عن الفضيلة، يستخدم ساد الأساليب نفسها في فرض رؤيته عن الرذيلة.
ولأسباب يصعب فهمها، تعتقد شلماني أن الأدب والسينما الأوروبية، خاصة الفرنسية، تعامل النساء بشكل أفضل من الأدب الإيراني والثقافة الإسلامية بشكل عام، لكن هذا ليس الحال دائما؛ فلا تحصل النساء على الإنصاف في الحالتين، إلا إذا كان الأدب يعكس التحيز المعادي للمرأة الثابت في بنية معظم الثقافات.
البطلة «مانون ليسكو» للروائي آب بريفوست، وعشيقات البطل «جاك القدري» للروائي دنيس ديدرو، والبطلتان «نانا» و«غرافيز» للروائي إميل زولا، جميعهن عانين صعوبات في حياتهن، ناهيك بما حدث للبطلة «تيريز ديكيرو» للروائي فرنسوا مورياك. واستطاعت البطلة «أمبر سانت كلير»، للروائية كاثلين وينسور، إثبات مكانتها في عالم يسيطر عليه الذكور، لكن فقط بعد معاناة تفوق الوصف. وتعد شخصية «فاني هيل»، للروائي جون كليلاند، عاهرة فطنة، لكنها أصبحت ضحية في النهاية. وكانت «لولا مونتيز» تمتلك رجالا راقصين تحت طوعها ما دامت شابة وجذابة. كما انتهى المآل بشخصية «ماتا هاري»، امرأة قوية أخرى لكنها مستقلة، إلى الإعدام رميا بالرصاص. في بعض أفلام هوليوود، نجد على سبيل المثال أن الممثلة جوان كروفورد في فيلم «ميلدريد بيرس» امرأة سيطرت على مصيرها ونجحت، إلى نقطة معينة، قبل أن تنهار وتدمر. كما نجد أن شخصية «باربرا ستانويك» في فيلم «تعويض مزدوج» امرأة قوية لكنها أيضا قاتلة.
وبالنظر إلى «المرأة المتحررة»، أعجبت شلماني بالغيشا اليابانية – محظيات القرون الوسطى، وحتى إنها أعجبت بالأنماط الغريبة مثل الروائيتين كوليت وفرجينيا وولف. تشعر شلماني بالغضب حيال الاعتقاد الخميني بأنه ينبغي للمرأة أن «تظل مغطاة، وتحت السيطرة، وحاملا» حتى لا تتسبب في أي أذى، لكنها أخفقت في رؤية صدى العقلية نفسها في القول الألماني المأثور: «للنساء: الأطفال والمطبخ والكنيسة».
وبدافع كراهيتها طريقة معاملة الخميني للمرأة، وصل الأمر بشلماني لتعد أن غريزة الأمومة من اختراع الرجال لتقييد حرية المرأة. وغني عن القول إنه من السهل ملاحظة الغريزة الأبوية والنتائج المترتبة عليها في معظم البشر.
يعد عشق شلماني لبعض أبرز الشخصيات في الثقافة الغربية، فولتير على سبيل المثال، سذاجة، على أقل تقدير. وللتأكيد، كان فولتير فيلسوفا كبيرا وكاتبا جيدا، لكنه كان يحمل في داخله ازدراء كاملا للنساء، وكراهية للمسلمين واليهود ومثليي الجنس، وكان أيضا على قائمة رواتب الإمبراطورة الروسية كاترين العظمى.
الفكرة أنه لا ينبغي للنفور من شخص مثل الخميني أن يجعل المرء ينسى أن الحياة الحقيقية ليست سوداء أو بيضاء، لكنها تمتزج بالبيئة الثقافية في وقت معين.
إن سماح الشخص بأن يتم التحكم في حياته من جانب قوة ما مثل كراهية الخميني أو هتلر أو ستالين أو صدام حسين أو أي وحش آخر، يمنحهم انتصارا لا يستحقونه. من الممكن أن يستمتع الإنسان بحياة جيدة من دون الخميني أو ساد أو الأدب المثير للغرائز أو أي أدب في الواقع. أشعر أيضا أن تجربة شلماني مع الخميني جعلتها تشعر بمرارة عميقة حيال إيران نفسها. (قالت إنها تكره حتى عصير الرمان لأنه يذكرها بإيران)! حسنا، هذا خيارها: الطير يختار شجرته، إنما الشجرة لا يمكنها أبدا اختيار طيرها. ومن دافع حرصها على إبعاد نفسها قدر الإمكان عن إيران، أشادت شلماني بالثورة الفرنسية، فيما أدانت الثورة الإيرانية. والحقيقة أن كل الثورات مدفوعة بفشل بشري أدى إلى مآس أكبر.
تكون رواية شلماني في أفضل حالاتها عندما تكتب عن بؤس المنفى مع مشكلاته الصغيرة وأكاذيبه الكبيرة، ومع آماله الباطلة وإحباطاته الحقيقية.
ترجمت «الخميني والماركيز دو ساد وأنا» إلى الإيطالية والهولندية والألمانية. وتستحق الرواية أن تترجم إلى لغات أخرى أيضا.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.