هيوارث دَن وسيد قطب والإخوان المسلمون

جهد تأسيسي بنى عليه كل اللاحقين خاصة ريتشارد ميتشل

هيوارث دَن وسيد قطب والإخوان المسلمون
TT

هيوارث دَن وسيد قطب والإخوان المسلمون

هيوارث دَن وسيد قطب والإخوان المسلمون

ما كنت أعرف لهيوارث دن غير كتابيه في تاريخ التعليم والترجمة بمصر، وتحقيقه لكتاب «الأوراق» لأبي بكر الصولي. وكنت قد سمعت محمود شاكر عام 1969 يقول ما قاله إبراهيم السامرائي (كما جاء في تقديم الباحث علي العميم) عن تواضع التحقيق والقراءة في كتاب الصولي، رغم مراجعة هاملتون غب وطه حسين له كما ذكر في التمهيد. لكن كتابه أو كتابيه في التعليم والترجمة جيدان أو كانا كذلك في زمانهما (الثلاثينات من القرن العشرين)، وقد حلت محلهما منذ عدة عقود بحوث أخرى كثيرة لعلماء مصريين؛ أقدمهم جمال الدين الشيال ونفوسة زكريا وآخرون. بيد أن كتاب هيوارث دن عن العشرين سنة الأولى من حياة الإخوان المسلمين وسيرة حسن البنا ودعوته، كل ذلك تأسيسي، ويضيف إلى فهمنا لأحوال مصر في أربعينات القرن الماضي، حين ازدهرت الاتجاهات الوطنية والإسلامية وتَرَدْكَلَت بسبب ظروف الحرب ومشكلات الاحتلال البريطاني، والقضية الفلسطينية، والنظام السياسي المصري. لكن، وكما في حالة كتابه في التعليم بمصر؛ فإن هذه الأمور صارت واضحة أيضا، أو أن معلوماتنا عنها تعاظمت، وما تركت البحوث المتكاثرة في العقود الخمسة الأخيرة مقالا لقائل بما في ذلك القصة المبكرة لحسن البنا ولـ«الإخوان». ولذا، فأهمية كتاب هيوارث دن (أو فصوله المجموعة فيما يبدو على عجل على أثر مقتل حسن البنا)، أنه كان التأليف الأول عن البنا و«الإخوان». وعليه بنى كل اللاحقين، خاصة ريتشارد ميتشل. فله قيمة الأسبقية، كما أنه كاشف فيما يتعلق بعدة مسائل شديدة الأهمية، لو أننا قرأنا الكتاب دون مقارنات وتحقيقات وتدقيقات الباحث علي العميم لما تنبهنا إليها!
وأريد في البداية التركيز على ما اتضح لي من خلال قراءة العميم، ثم تكون لي بعض الخواطر المستفادة من المقارنة مع كتب أخرى. كان العميم قد كتب دراسة في مجلة «المجلة» عن الصيغ المختلفة والمتوالية لكتاب سيد قطب: «العدالة الاجتماعية في الإسلام» (1949)، واستظهر أن صحة عرض ترجمة الكتاب إلى الإنجليزية من جانب مدير المخابرات البريطانية (كذا) مقابل مبلغ كبير، إنما تنصرف إلى هيوارث دَن، الذي كان قد جاء إلى مصر في الثلاثينات، ودرّس اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية، واعتنق الإسلام وتزوج امرأة مصرية اسمها فاطمة (فرت منه عام 1954 عندما كانا في بريطانيا!)، وتعاون في الأربعينات مع المخابرات، فأقام من أجل ذلك علاقات مع الشخصيات والجماعات المصرية الإسلامية والوطنية والفكرية، وكان من ضمنهم الشيخ حسن البنا، وسيد قطب. وفي عام 1941 أو 1942 شارك في مفاوضات بين البريطانيين وحسن البنا من أجل التعاون ضد قوى المحور (الألمان والإيطاليين)، وقد عرض عليه البريطانيون أو على نائبه أحمد السكري أموالا وتجهيزات، لكنه رفض ذلك. وهذه كلها أمور جديدة علي، وقد وثق لها العميم جيدا، وتتبع إنكار «الإخوان» ومترجمي حسن البنا لها خلال الأربعين عاما التالية. والأستاذ العميم يتشكك في هذا الإنكار اللاحق، لكنني أصدق ذلك. فقد كان البنا رأس الاتجاه الإسلامي المعادي للبريطانيين ومنذ منتصف الثلاثينات، ولا يستطيع أن يتحمل مثل هذه العلاقة بفلوس أو دون فلوس، ولو تعاون أو هادن لما نقل من القاهرة، ولما سجن، ولما أصر النظام والبريطانيون على إسقاطه في الانتخابات أو منعه من المشاركة فيها طوال الأربعينات. وهذا لا يعني أن البنا وزملاءه ما كانوا يستقبلون البريطانيين أيام البنا وبعده، وقد اتهمهم بذلك نظام عبد الناصر في محاكمات عام 1954.
أما المسألة الثانية، فتتعلق بسيد قطب وعلاقته بهيوارث دَن وبـ«الإخوان» أيام حسن البنا وبعده. يستظهر العميم أن المستشرق البريطاني ورجل الاستخبارات تعرف على سيد قطب أواسط الأربعينات. وكان وقتها ناقدا أدبيا، وذا ميول إسلامية مستقلة. وهناك إشارات إلى نفور قطب من حسن البنا و«الإخوان»، رغم محاولات البنا التقرب منه، خاصة بعد إصدار مجلته: «الفكر الجديد» (1948) التي كان يمولها الحاج محمد حلمي المنياوي وهو من كبار «الإخوان». ولأن قطب رفض التقارب، فقد ضايقه البنا في الإعلانات، والاشتراكات، وتوقفت المجلة بسبب قانون الطوارئ عام 1949. على أن الذي ينبه إليه هيوارث دَن أن سيد قطب بدا وقتها مهما ليس في الأدب؛ بل وفي الفكر والاجتماع أيضا، لأنه طرح في مجلته قصيرة العمر المسألة الاجتماعية على أوسع مدى، واقترح لها حلا إسلاميا في مقالاته المتوالية، وهي المقالات التي أفاد منها على أثر ذلك في تأليف كتابه: «العدالة الاجتماعية في الإسلام». ولأن الاستخبارات البريطانية والأميركية كانت مهتمة خلال الحرب، خاصة بعدها، بـ«إلى أين تتجه مصر؟»، أو إلى «أين يتجه الإسلام؟» (عنوان كتاب لأستاذ هيوارث دن: هاملتون غب صدر عام 1933 وسأعود إليه، كما أصدر غب عام 1947 كتابه: «الاتجاهات الحديثة في الإسلام»، وإلى الكتابين رجع جـ.هـ. دن في التقارير التي بين أيدينا)، فقد اعتنى الطرفان بإبعاد مصر عن الشيوعية، ولا أفضل من الإخوان المسلمين وأمثال سيد قطب في الإعانة على ذلك. ويحسم العميم الأمر بأن هيوارث دَن هو الذي دبر لسيد قطب المنحة أو الرحلة إلى الولايات المتحدة للاطلاع على التجربة الأميركية في الحرية والديمقراطية! ودليله على ذلك أن دَن وصل إلى الولايات المتحدة وقت وصول سيد قطب إليها، وهناك أطلعه قطب على كتابه: «العدالة الاجتماعية» الذي كان في الطبع عندما سافر، كما أطلعه دَن على مخطوطته عن الإخوان المسلمين. وفي عام 1965 عندما كان سيد قطب يخضع للمحاكمة من جديد، كان لا يزال يتذكر أن دَن قال في كتابه عن «الإخوان» إنهم خطر على المصالح الغربية بالمنطقة. وسيد قطب في وقائع المحاكمة (التي صدرت تحت عنوان: «لماذا أعدموني؟») يعلل بذلك سبب دخوله إلى «الإخوان» في أواسط عام 1953، أي بعد مقتل حسن البنا بأربعة أعوام ونصف. والواقع - كما أوضح العميم - أن دَن ما كان في كتابه ضد «الإخوان»، فقد أوضح أنهم التنظيم الأهم بمصر بعد حزب الوفد، وأنه بحكم طبيعتهم الدينية الراديكالية إن وصلوا للحكم، فسوف يجرون تغييرات جذرية في النظام الاجتماعي والحياتين الخاصة والعامة. ولهم من ناحية أو نواح أخرى فضائل: كثرة الأعداد، وحسْن التنظيم، وأنهم يمتلكون رؤية للتغيير شديدة العداء للشيوعية، بينما لا يمتلك الوفد أية رؤية! وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا قتل حسن البنا؟ ولماذا قرر قطب الدخول في «الإخوان» بعد أن أعرض عن ذلك خلال الأربعينات، بل وإلى ما بعد مقتل حسن البنا على يد البوليس السياسي المصري؟ إن الذي أراه أن البريطانيين والأميركيين قرروا في أواخر الأربعينات، وبعد تردد، اختيار الجيش للتغيير بدلا من البيوريتانية الإخوانية على أثر تصرفات «الإخوان» في حرب فلسطين، وقتل رئيس الوزراء المصري، والانغماس في أحداث العنف والحرائق. والمعروف أن الأميركيين سلكوا المسلك نفسه في عدد من الدول العربية والإسلامية، ودول أميركا اللاتينية، بمعنى أنهم آثروا الجيش على الزعامات الشعبية الكارزماتية التي سرعان ما كانت تتجه إلى التحرر من قبضتهم، والانغمار في شعبويات تتجه نحو الاتحاد السوفياتي. ولأن العلاقات بين «الإخوان» والثورة المصرية كانت لا تزال حسنة أو واعدة بعد عام على قيام الثورة، ولا يزال «الإخوان» أقوياء ومنظمين، فربما كان الضباط «وبينهم جمال عبد الناصر الصديق الحميم لسيد قطب كما تتطابق تقارير» هم الذين دفعوه لذلك لزيادة أنصارهم بداخل الجماعة. إنما يبدو أن «النظام الخاص» الذي ازدادت سطوته داخل «الإخوان»، كان قد قرر الاتجاه للصدام، ولذلك جرت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر عام 1954. ويبقى ذلك تخمينا بالطبع، ويبقى علينا أن نلاحظ أن التجربة الأميركية في رحلة سيد قطب كانت شديدة السلبية؛ إذ لم يأت من أميركا إلا بالانطباعات الفظيعة عن التردي الأخلاقي، والانهماك في الحياة المادية المفزعة، بحسب وصفه في رسائله خلال إقامته بأميركا، وفي مقالاته بعد العودة.
وتبقى مسألتان لافتتان في كتاب أو مجموعة تقارير جـ.دن.. لقد أقام إطارا ثقافيا بشأن تطورات الفكر الإسلامي، والتوجهات الثقافية والشعبية الإسلامية بمصر فيما بين الثلاثينات والخمسينات. وخلاصة وجهة نظره أن وعي الهوية والذاتية شديد الحساسية تجاه الغرب والتغريب قطع أشواطا واسعة على حساب انفتاحية وآفاق محمد عبده وبعض تلامذته. وهو يورد وقائع على ذلك من برامج الجماعات الدينية والوطنية التي بدأت بالتكون والتحول إلى أحزاب بالتدريج منذ أواخر العشرينات. وهو يستشهد على ذلك بكتاب تشارلز آدامز بعنوان: «الإسلام والتجديد في مصر»، الذي صدر عام 1932 بالإنجليزية، وترجمه إلى العربية عباس محمود، وصدر بمصر عام 1935 مع مقدمة للشيخ مصطفى عبد الرازق. والفكرة الرئيسة التي يوردها آدامز إشارة منه إلى المتغيرات في مدرسة عبده (ت. 1905) وخارجها هي تلك الجمعيات التي كثر ظهورها في العشرينات، والتي تمتلك كلها برامج للإصلاح من طريق الالتزام الإسلامي. وقد كان عددها ستا وعشرين في مطلع الثلاثينات (منها طبعا الإخوان المسلمون والشبان المسلمون)، وصارت بحسب إحصاء هـ. دَن في منتصف الأربعينات أكثر من مائة جمعية! وهناك كتابان آخران يستند إليهما هـ. دَن وهما لأستاذه هاملتون غب.. الأول عنوانه: «وجهة الإسلام» (1933)، وهي مجموعة مقالات لمختصين حررها غب وقدم لها، والمقالة عن مصر كتبها كامبفماير، وهو شاب ألماني كان مهتما بالأدب العربي الحديث، ونبه إلى الذاتية الثقافية المتصاعدة بمصر منذ العشرينات. وبهذه المقالة في الكتاب بالذات، استشهد هـ. دَن. وفي العام نفسه الذي صدر فيه الكتاب، كتب محمد عبد الهادي أبو ريده إلى غب طالبا الإذن بالترجمة، فأعطاه إياه وكتب تقديما للنشرة العربية التي صدرت عام 1934. أما الكتاب الآخر، لغب الذي استند إليه هـ. دَن، فهو: «الاتجاهات الحديثة في الإسلام»، الصادر عام 1947. وفيه يستعرض غب اتجاهات التجديد مستشهدا بعبده وإقبال («تجديد التفكير في الإسلام»)، ثم ينعطف لذكر الاتجاهات المحافظة والبيوريتانية كما يسميها ومنها شعبوية «الإخوان» والحركات المشابهة. وقد تأخرت ترجمة هذا الكتاب حتى عام 1966 (صدر بـ«دار الحياة» ببيروت في نشرة متوسطة القيمة!).
أما المسألة الأخرى، التي أردت الإشارة إليها، فهي العنوان الغريب والعام لكتاب هيوارث دَن «الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة»، الذي لا يتحدث فيه إلا عن الإخوان المسلمين. فقد كانت هناك اتجاهات أخرى أقوى وأبرز، أو على نفس القوة والبروز بحسب ما ذكره العميم، ولا يقتصر الأمر على الإخوان! فلماذا كان هذا المسلك الغريب؟ إن الذي أراه أن الرجل كان مكلفا بمتابعة «الإخوان» منذ عام 1939، وعندما قتل حسن البنا في فبراير (شباط) عام 1949، جمع بسرعة من تقاريره ما يمكن نشره، وكتب لها مقدمات سريعة أفاد فيها من آدامز وغب، وكتب لها بعض الحواشي (مثل الحاشية الطويلة في الثناء على سيد قطب)، وأصدرها في نشرة خاصة أنفق عليها بنفسه، وخرجت عام 1950 عندما كان لا يزال هو وسيد قطب بالولايات المتحدة. والطريف والموحي أنه أهدى الكتاب للسير مونكتون والسير كلايتون، اللذين كانا رئيسيه عندما كان يعمل مع المخابرات البريطانية بمصر! وقد اختار لها العنوان العام إيهاما بأنها ستكون بداية سلسلة من الكتابات عن الاتجاهات المختلفة في مصر في السياسة والاجتماع والدين!
كان الرجل يعرف كثيرا، وكان يحب الإعلام كثيرا، لكنه ما كان كاتبا كبيرا ولا صاحب مسار ومذهب في التفكير، وإلا لما تنقل بين تحقيق كتاب «الأوراق»، ونظام التعليم، ومتابعة العاميات بمصر والعراق، وكتابة تقارير للمخابرات عن «الإخوان» وغير «الإخوان»! فأكثر الذين عملوا أو ترددوا عليها من «المستشرقين» وعلماء الدراسات العربية في النصف الأول من القرن العشرين، كانت لهم بهذا القدر أو ذاك علائق باستخبارات بلدانهم الأصلية، لكنهم كانوا كتابا حقيقيين، وأصحاب أفكار محددة، وهذا ما لم يتوافر للسيد هيوارث دَن. ولذا، فالذي أراه أخيرا أن نصف قيمة الكتاب على الأقل، أكسبته إياها مقدمة الباحث علي العميم البديعة.

«الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة»
المؤلف: هيوارث دَن
المترجم: أحمد الشنبري
تقديم وتعليق: علي العميم
بيروت: «دار جداول للنشر»، 2013



بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


مصادر: انسحاب شبكات تلفزيونية عالمية من نقل الدوري السعودي «شائعات»

الدوري السعودي بات مشروعاً متكاملاً قائماً على منظومة فنية وتسويقية (الدوري السعودي)
الدوري السعودي بات مشروعاً متكاملاً قائماً على منظومة فنية وتسويقية (الدوري السعودي)
TT

مصادر: انسحاب شبكات تلفزيونية عالمية من نقل الدوري السعودي «شائعات»

الدوري السعودي بات مشروعاً متكاملاً قائماً على منظومة فنية وتسويقية (الدوري السعودي)
الدوري السعودي بات مشروعاً متكاملاً قائماً على منظومة فنية وتسويقية (الدوري السعودي)

نفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» صحة الأخبار المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن انسحاب شبكات تلفزيونية عالمية من حقوق النقل التلفزيوني للدوري السعودي للمحترفين لكرة القدم، مؤكدة أن ما يُروّج في هذا الشأن «شائعات وأكاذيب لا أساس لها من الصحة».

وشددت المصادر على أن الحديث عن تراجع أو انسحاب قنوات دولية من تغطية الدوري السعودي «غير صحيح على الإطلاق»، ولا يعكس الواقع التعاقدي أو الإعلامي للبطولة، التي تواصل حضورها ضمن خريطة البث العالمية وفق اتفاقيات قائمة ومعتمدة.

وأوضحت المصادر أن انتشار هذه الشائعات جاء في سياق ربط غير دقيق بغياب النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو عن المشاركة مع فريقه النصر للمباراة الثانية على التوالي، في مواجهتي الرياض والاتحاد، اللتين حقق خلالهما النصر الفوز وواصل ملاحقته للهلال متصدر الدوري.

وأشارت إلى أن الدوري السعودي بات مشروعاً متكاملاً قائماً على منظومة فنية وتسويقية وتنظيمية، لا تُختزل في لاعب واحد أو حدث بسيط.

وأضافت أن تداول مثل هذه الأخبار دون الاستناد إلى معلومات موثوقة يعكس حجم الشائعات التي تنتشر في الفضاء الرقمي، خصوصاً في ظل الزخم الإعلامي الكبير الذي يحظى به الدوري السعودي، مما يستدعي تحري الدقة والرجوع إلى المصادر الرسمية قبل تداول مثل هذه الادعاءات.


مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.