«نظريات المؤامرة» تشغل العراقيين... من كركوك إلى خور عبد الله

هل يمهّد وصف الصدر حكومة السوداني بأنها «عباسية» إلى مناوأتها؟

مدينة كركوك (رويترز)
مدينة كركوك (رويترز)
TT

«نظريات المؤامرة» تشغل العراقيين... من كركوك إلى خور عبد الله

مدينة كركوك (رويترز)
مدينة كركوك (رويترز)

كثيراً ما تنشط «نظريات المؤامرة» في العراق. ومنذ تشكيل الحكومة الحالية، برئاسة محمد شياع السوداني، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2022، وما جرى بعد ذلك، وخصوصاً ما وُصف بأنه «استقرار سياسي»، يمكن أن يكون مقدمة لتحقيق منجزات على الأرض لم تكف هذه «النظريات» عن حياكة مزيد من القصص والحكايات بشأن الآتي من الأيام. ومع كل بيان أو تصريح لرئيس الوزراء بشأن تحقيق تقدم في تنفيذ فقرات البرنامج الحكومي، كانت «نظريات المؤامرة» تشتغل في سياق موازٍ لما يجري، إلى حدٍّ غدا فيه الاستقرار السياسي والأمني في البلاد جزءاً من «مؤامرة» تُحاك في السر لـ«تفليش» كل شيء في المستقبل. وفي هذا السياق بدا الانقسام حادّاً بين مؤيدي الحكومة ومعارضيها. وكما هو معروف، يقود معسكر المؤيدين «ائتلاف إدارة الدولة»، أي الائتلاف السياسي ـ البرلماني الذي دعّم تشكيلها ويضم قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي والسنّة والأكراد، بينما ينقسم المعارضون إلى قسمين يضمّان أنصار «التيار الصدري» (تابعون لزعيم التيار مقتدى الصدر)، والقوى المدنية التي كانت وما زالت تنتظر تحرك «التيار الصدري»، لكي تطلق تظاهرات الشارع العراقي ضد الحكومة.

السيد مقتدى الصدر (رويترز)

بعد سلسلة تجارب فاشلة تتصل بإمكانية أن يغيّر زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر موقفه باتجاه إعلان معارضته حكومة محمد شياع السوداني، الأمر الذي قد يبرّر إخراج تظاهرات مُعادية للحكومة، ساعدت الأحكام التي أصدرها القضاء العراقي بحق الضباط الذين أخفقوا بحماية السفارة السويدية في بغداد على إعادة الكلام عن «مؤامرة». يُذكَر أن مؤيدين للصدر كانوا قد اقتحموا السفارة المذكورة وأحرقوها احتجاجاً على حرق نسخة من المصحف الشريف في العاصمة السويدية ستوكهولم.

وطوال الفترة الماضية، منذ تشكيل الحكومة الحالية وحتى اليوم، لم تصدر عن الصدر مواقف حادّة حيالها، وهو ما فسّره مؤيدو الحكومة بتأييد، ولو ضمنيّ، لها. أما المعارضون فيقفون موقفاً حائراً، ولا سيما أن الصدر وإن كان قد سحب نوابه من البرلمان، رغم فوزهم بأعلى الأصوات في الانتخابات البرلمانية عام 2021، فإنه لم يسحب المحسوبين عليه من الحكومة. غير أن ما حصل على صعيد الموقف السلبي الذي عبّر عنه الزعيم الشيعي حيال الأحكام بحق الضباط، بدا بيئة مناسبة لترويج توقّعات مفادها أنه سيتبنى موقفاً معارضاً - وبقوة - لحكومة السوداني، وبالأخص، بعد وصفه إياها بأنها «الحكومة العباسية». وللعلم، في أقوى بيان للصدر بعد صدور الأحكام القضائية قال «ليس من المستغرب أن يصدر من تلك الحكومة العباسية تلك العقوبة، فليس لهم من القرآن صحبة، ولا من العقيدة صحبة، وليس لديهم إلا الكراسي والفساد والمال». والواضح في تأويل وصفه للحكومة الحالية بأنها «عباسية» أنها محاولة لاستدعاء الخلاف التاريخي بين العباسيين والعلويين. لكن الصدر، وفي أعقاب موقفه هذا الذي يُعدّ الموقف الأقوى منذ تشكيل الحكومة، لم يتخذ أي إجراء لاحق يمكن أن يفسَّر على أنه ترجمة لما قاله بشأن الحكومة وخصومه من قوى «الإطار التنسيقي الشيعي».

السوداني في نيويورك (روينرز)

العلاقة الملتبسة مع واشنطن

الواقع أنه لا أسهل من اختبار «نظرية المؤامرة» لدى مراجعة العلاقة الملتبسة بين العراق والولايات المتحدة، بل تحديداً بين قوى «الإطار التنسيقي الشيعي» وواشنطن. فعند تشكيل أية حكومة عراقية يبدأ قياس قوى الضغط السياسي والرأي العام عبر مسار واحد هو علاقة رئيس الوزراء بالقيادة الأميركية. وغالباً، يدافع مؤيدو رئيس الوزراء عن سياساته وإنجازاته، دون الذهاب بعيداً باتجاه العلاقة الملتبسة شيعياً. ومعلوم أن رئيس الوزراء العراقي شيعيّ دائماً بعد عام 2003، ولكن في حين صنّفت واشنطن نفسها بعد أقل من شهر على احتلالها العراق (أبريل «نيسان» 2003) على أنها «قوة احتلال»، ظل الطيف السياسي الأول من الآباء المؤسسين للعملية السياسية، بعد سقوط النظام السابق، يعتبرها «سوبر صديقة».

أيضاً، مع بدء المقاومة ضد القوات الأميركية، سواءً من قِبل فصائل سُنّية أم «التيار الصدري»، تظل بقية القوى السياسية العراقية المشارِكة في الحكم تعمل جاهدة على إقامة أفضل العلاقات معها، وحقاً تُوّجت الجهود باتفاقية الإطار الاستراتيجي التي وقعت بين البلدين عام 2008.

خلال حقبة «العلاقة الذهبية» بين الزعامات العراقية من الجيل الأول والإدارات الأميركية المتعاقبة، وصولاً إلى إدارة دونالد ترمب التي قلبت الموازين، لم يكن رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني من بينهم. بيد أن السوداني، بعد فترة قصيرة من تولّيه منصب محافظ ميسان، بعد عام 2003، «استوزر» ليتولى منذ التغيير حتى تولّيه رئاسة الوزراء أواخر العام الماضي، نحو 5 وزارات.

ومع احتدام الصراع داخل الطبقة السياسية الشيعية بين الجيلين الأول والثاني، حسمت الغلبة عند اختيار رئيس الوزراء الجديد لصالح الجيل الثاني، الذي لم يعرف عنه عقد صداقات تقليدية مع الرؤساء الأميركيين؛ بمن فيهم الرئيس الحالي جو بايدن.

بايدن لم يلتقِ السوداني، كما لم يلتقِ السوداني به حين أدمن بايدن زيارة العراق لعشرات المرات منذ إسقاط نظام صدام حسين، حتى تولّيه منصب نائب الرئيس الأسبق باراك أوباما، إذ ظلّ يزور العراق بوصفه الأكثر اهتماماً بالملف العراقي.

وبعد نحو عقدين من الزمن احتكر خلالهما الجيل الشيعي الأول أهم منصب في البلاد وهو رئاسة الوزراء، جاء دور «الشاب» محمد شياع السوداني (مواليد 1970) في رئاسة الوزراء.

جاء تولّي السوداني وسط تناقضات عميقة على صعيد العلاقة مع واشنطن، فالقوى التي دعّمته هي نفسها التي ترفع لواء معاداتها.

إلا أنه بدا واضحاً وجود دعم أميركي لهذه الحكومة تمثَّل بمجموعة من الإجراءات؛ منها اتصال هاتفي للتهنئة من بايدن.

كذلك هناك زيارات لوزيري الخارجية أنتوني بلينكن، والدفاع لويد أوستن، إلى بغداد، وسلسلة لقاءات أجرتها السفيرة الأميركية إلينا رومانسكي مع السوداني، التي ربما تعدّت الـ8 لقاءات.

لكن مقابل ذلك، لم توجه، طوال الأشهر التسعة الماضية، التي تولَّى فيها السوداني السلطة، أية دعوة له لزيارة واشنطن، حاله في ذلك حالُ مَن سبقه من رؤساء الوزارات. وهكذا تجددت «نظريات المؤامرة»، وخصوصاً أن انسحاب «التيار الصدري» أدى إلى بلورة قوى معارِضة لقوى «الإطار التنسيقي الشيعي»، بدا أن رئيس الوزراء هو ضحيتها.

وفي حين تتشارك قوى «الإطار التنسيقي» مع «التيار الصدري» في رفض الوجود الأميركي والمطالبة بانسحابه، يظهر السوداني - الذي ينتمي إلى «الإطار» - في وضع حرِج لجهة الموازنة بين متطلبات منصبه الذي يتطلب علاقات دولة لدولة مع واشنطن... والضغوط النفسية والاعتبارية المتصلة بالاعتراض على الوجود الأميركي تحت أي مسمّى من المسميات.

سقوط نظرية المؤامرة

من جهة أخرى، ما إن حلّقت طائرة السوداني متجهة إلى نيويورك، للمشاركة في إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حتى تطايرت تساؤلات عما إذا كان سيحظى بلقاء مع بايدن أم لا... وهل سيكون اللقاء - في حال حصوله - لقاء بين «زعيمين»، ومن خلال وفدين رسميين، أم مجرد لقاء سريع لالتقاط الصور من منطلق أن السوداني - من وجهة نظر هؤلاء - يحتاج إلى التقاط صورة كي يبين لخصومه أنه التقى بايدن أخيراً.

المفاجأة التي لم يكن يتوقعها خصوم السوداني هي أنه ما إن وصل إلى نيويورك حتى كانت باكورة لقاءاته مع كبار المسؤولين الأميركيين، كوكيل وزارة الخزانة الأميركية، ثم أنتوني بلينكن وزير الخارجية.

رئيس الوزراء العراقي، الذي ترك وراءه الدولار الأميركي في حالة ارتفاع أمام الدينار العراقي، أكد، لوكيل الخزانة، قيامه بإجراءات للإصلاح المالي المطلوب، والذي ربما يأخذ وقتاً.

أما اللقاء مع بلينكن فكان مفاجأة بحد ذاته حين سلَّمه دعوة رسمية من الرئيس جو بايدن لزيارة واشنطن التي قد يلبّيها السوداني أواخر العام الحالي.

بايدن وفّى بالتزامه، وأوضح أنه ما كان يفكر بأية قطيعة مع رئيس الوزراء العراقي، بخلاف ترويج «نظريات المؤامرة». ومن جانبه، تحرَّر السوداني تماماً من قصة اللقاء مع بايدن في نيويورك أم لا، إذ ضمن الدعوة التي ستكون واحداً من أهم أسلحته في مواجهاته الداخلية.

ميناء خور عبد الله (أ.ب)

بين كركوك... واتفاقية خور عبد الله

> وسط انشغال الأوساط السياسية في العراق بالأوضاع في مدينة كركوك، أطلّت المفاجأة، المتمثلة بقرار «المحكمة الاتحادية العليا» في العراق بشأن «اتفاقية خور عبد الله» بين العراق والكويت.

القضيتان شغلتا الرأي العام العراقي، وطبعاً نشطت، في موازاة ذلك، «نظرية المؤامرة»، سواءً بشأن الأهداف والتوقيت والملابسات، وكيفية مواجهة القضيتين معاً، مع أن كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، فقضية كركوك قضية داخلية عراقية ترتبط بالدرجة الأساس بطبيعة الوضع السياسي، ومنطقة كركوك واحدة من المناطق التي يطلَق عليها مسمّى المناطق «المتنازع عليها»، طبقاً للدستور العراقي، ومن ثم تخضع للمادة 140 من الدستور. أما «اتفاقية خور عبد الله» فإنها تدخل فيما يمكن تسميته «خلافات حدودية» بين العراق والكويت، بوصفها جزءاً من تبِعات الغزو العراقي للكويت على عهد النظام العراقي السابق. إلا أن «نظريات المؤامرة» لاحت، مع هذا، في سياق ما قِيل داخل العراق عن صلة تلك الاتفاقية بميناء الفاو، ربطها آخرون بما يُتداول من شائعات عن تواطؤ بعض المسؤولين العراقيين وتلقّيهم رشاوى.

على أية حال، ومع أن الكويت احتجّت على قرار «المحكمة الاتحادية» بشأن ما قيل إنه «إلغاء للاتفاقية» من جانب واحد (هو الجانب العراقي)، ما كان قرار المحكمة إلغاء الاتفاقية بقدر ما هو تعليق العمل بها إلى حين تعديل القانون من قِبل البرلمان، فالمحكمة قضت بلا دستورية قانون تصديق اتفاقية الملاحة البحرية في خور عبد الله مع الكويت. والتطمينات التي حاولت قيادات عراقية عليا تقديمها للكويت لم تقلل من أهمية المخاوف الكويتية بهذا الشأن.

ما يجدر ذكره هنا أن «البرلمان العراقي» كان قد صادق على الاتفاقية بموجب القانون 42 لعام 2013، و«مجلس الأمة الكويتي» بموجب القانون الصادر رقم 4 لعام 2013، وجرى إيداعها لدى «الأمم المتحدة»، لكن قرار «المحكمة الاتحادية العليا» في العراق أعاد الأمور إلى المربع الأول.

سياسياً، وطبقاً لما يقوله الأكاديمي والباحث العراقي، الدكتور يحيى الكبيسي، لـ«الشرق الأوسط»، فإنه «أولاً، لا يمكن للحكومة العراقية إلا أن تعمل على تهدئة الأمور مع الكويت، وذلك بأن ترسل رسالة رسمية إلى الكويت والأمم المتحدة توضح أن إلغاء التصديق على الاتفاقية اتخذته المحكمة الاتحادية لأسباب تتعلق بالمرجعية القانونية للتصويت على الاتفاقية، ولا تأثير له على الاتفاقية الموقَّعة بين الحكومتين، وأن الحكومة العراقية ستعمد إلى إرسال الاتفاقية مرة ثانية إلى مجلس النواب للتصويت عليها وفقاً لقانون المعاهدات رقم 35 لسنة 2015». وأردف الكبيسي: «وثانياً، إن الحكومة العراقية تُجري، في الوقت نفسه، اتصالات ثنائية مع الكويت لتعديل الفقرات التي كانت استُخدمت ذريعة التحشيد ضد الاتفاقية... وذلك لإسكات هؤلاء المحشّدين، ومنعهم من الزعم بأن هذه الاتفاقية المتعلقة بتنظيم الملاحة لا يمكن تأويلها أو تفسيرها على أنها تتضمن ترسيماً ضمنياً للحدود البحرية بين البلدين بعد العلامة 162 جنوباً».

أما قانونياً، وكما يرى الخبير القانوني علي التميمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، فإن «قرار المحكمة الاتحادية العليا يتعلق بلا دستورية قانون تصديق الاتفاقية الخاصة بخور عبد الله مع الكويت، حيث استندت إلى أن الدستور العراقي يشترط تشريع قانون خاص للتصويت على الاتفاقيات المهمة، بما فيها ترسيم الحدود والسياسة بغالبية ثلثي عدد أعضاء البرلمان». وتابع التميمي: «قرار الاتحادية بلا دستورية التصويت لا يعني إلغاء الاتفاقية بقدر ما يعني تعليقها لحين تشريع قانون يتطلب التصويت بغالبية الثلثين... وهو ما يعني أنه في حال صادق عليها البرلمان الحالي بعد تشريع القانون بغالبية الثلثين، تعتبر شرعية وتمضي، ولكن في حال لم يصادق عليها البرلمان؛ عند ذاك تعتبر مُلغاة لكن من جانب واحد». وبيّن أن «النص الصريح في الاتفاقية، طبقاً للمادة 14، يشير إلى أن أي خلاف بين الطرفين بخصوص الاتفاقية تتم تسويته ودياً، وفي حال عدم التوصل إلى حل يُحال إلى محكمة البحار التي مقرُّها في ميونيخ، وهو ما يعني أن البرلمان العراقي، ما لم يصوِّت، تُعتبر مُلغاة من جانب واحد. وهناك مادة أخرى في الاتفاقية (المادة 16) تتضمن أنه في حالة أراد أي طرف إلغاء الإتفاقية، لا بد أن يخبر الطرف الآخر قبل 6 شهور، على أن يتم الإنهاء باتفاق الطرفين، وبعكسه يُصار إلى اللجوء إلى محكمة البحار».

داخل الصندوق

في هذه الأثناء، ومع احتدام الجدل عراقياً وكويتياً بشأن قرار «المحكمة الاتحادية»، فإن النزاع حول كركوك جرى تبريده ثانية باتجاه جولة تالية قد تُعقب انتخابات مجالس المحافظات المقرر إجراؤها نهاية العام الحالي. ومع أن كل القوى السياسية العراقية تسعى لإثبات وجودها واختبار قوتها عبر هذه الانتخابات، يتوقع أن يزداد الصراع على كركوك حِدةً أمام هشاشة التوافقات العراقية. وفي هذا السياق يرى محمود خوشناو، القيادي في «الاتحاد الوطني الكردستاني»، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشكلة تكمن في أن الجميع يفكرون داخل الصندوق لا خارجه... وكأنما نعيش منذ عقود، حين كانت الخلافات بأدوات قديمة، لكنها الآن بأدوات جديدة».

ويضيف خوشناو: «كل الأطراف متمسكة بالصيغ القديمة نفسها، حيث يطغى البعد القومي والبعد الطائفي، ويهيمن حب السيطرة والنفوذ على الذهنية السياسية في العراق، سواءً على المستوى الاتحادي أم على مستوى إقليم كردستان». ويتابع أن «الضغط الإقليمي موجود كذلك، وآخِر ذلك ما أعلنه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي وجّه رئيس الاستخبارات بشأن كركوك، وهو تدخُّل في شأن محلي عراقي». ثم يستطرد أن «الدستور لا ينفَّذ في كركوك، بدءاً من المادة 140 والمواد الأخرى، لأسباب تتعلق بالأجندات السياسية الداخلية والخارجية، وربما كركوك الآن تستخدم بوصفها منطقة رخوة لتافتعال أزمة جديدة بالعراق... وهو ما حذَّرنا منه نحن في الاتحاد الوطني؛ لأن هناك معلومات بهذا الشأن. هذا يتطلب منا جميعاً ترك الصيغ القديمة، وانتهاج صيغ جديدة للحل».

في السياق نفسه يرى الأكاديمي وأستاذ الإعلام الدكتور غالب الدعمي، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «استخدام حصة الإقليم المالية لغرض تصفية حسابات مع شعب عراقي هم الكرد، أمر غير صحيح... ومن ثم مطلوب من بغداد تسديد حصة كردستان من الموازنة المالية التي أقرّها مجلس النواب». ويوضح الدعمي أنه «في قضية كركوك، تحديداً، لا يجوز أن تكون أملاك الدولة عرضة للخلافات بين الجهات السياسية، ومن ثم يجب احترام إجراءات الدولة في هذا السياق عبر منع سيطرة الأحزاب السياسية على ممتلكات الدولة، بمن فيها تلك التي خُصّصت في النظام السابق». ويضيف الدعمي أنه «إذا كانت الأملاك في كركوك مِلكاً للدولة فيجب أن تعود للدولة... مثلما حصل في محافظات الوسط والجنوب، باستثناء ما كان خصّصه النظام السابق من مقرّات لأجهزته القمعية، يمكن أن تعود إلى كردستان أو أية جهة تدَّعي ملكيتها». ويوضح أن «المشاكل التي تحصل حالياً ليست في صالح البلاد؛ لأن الأوضاع ليست مستقرة... وهذا مؤشر سلبي ينبغي التنبه إليه، علماً بأن الحكومة ليست مسؤولة عن محاولات تقويض الاستقرار، وإن محاولات إضعاف الدولة مقصودة». جاء تولّي السوداني وسط تناقضات عميقة على صعيد العلاقة مع واشنطن... فالقوى التي دعّمته هي نفسها التي ترفع لواء معاداتها



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.