{الشرق الأوسط} ترصد آثار الحرب على عدن.. وتعمد الميليشيات تدمير معالمها الجميلة

الحياة تعود تدريجيًا إلى كبرى مدن الجنوب اليمني.. ودعوات لمشروع مارشال لإعادة الإعمار

«مجمع العرب» المدمر بفعل القصف في منطقة ساحل أبين بعدن («الشرق الأوسط»)
«مجمع العرب» المدمر بفعل القصف في منطقة ساحل أبين بعدن («الشرق الأوسط»)
TT

{الشرق الأوسط} ترصد آثار الحرب على عدن.. وتعمد الميليشيات تدمير معالمها الجميلة

«مجمع العرب» المدمر بفعل القصف في منطقة ساحل أبين بعدن («الشرق الأوسط»)
«مجمع العرب» المدمر بفعل القصف في منطقة ساحل أبين بعدن («الشرق الأوسط»)

عندما تمكن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، من الفرار من الإقامة الجبرية التي فرضها عليه الحوثيون في منزله بالعاصمة صنعاء، والوصول إلى العاصمة الاقتصادية والتجارية عدن، في 21 من فبراير (شباط) الماضي، أصبحت عدن على موعد حقيقي مع الحرب، رغم أن الاستعداد لغزو عدن وتدميرها، كان قرارا قد اتخذه الحوثيون والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، منذ وقت سابق، بحسب كثير من سكان عدن، وقد كانت الشرارة الأولى للتحضير لاستدعاء ميليشيات وقوات الانقلابيين، هي التمرد الذي قاده العميد الركن عبد الحافظ السقاف، قائد فرع قوات الأمن الخاصة في عدن (الأمن المركزي - سابقا)، على قرار الرئيس هادي بإقالته من منصبه.
وشهدت عدن، قتالا عنيفة، حيث انبرت المقاومة الشعبية للدفاع عنها، قبل أن تدخل دول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في عملية «عاصفة الحزم»، التي انطلقت في 26 من مارس (آذار)، وحتى إعلان تحرير عدن في 17 من يوليو (تموز)، في ضوء عملية «السهم الذهبي».
خلال فترة الأشهر الثلاثة، تعرضت عدن لدمار كبير على يد الميليشيات الحوثية وقوات صالح، تجده واضحا أمامك عندما تقوم بزيارة عدن، وتسير في شوارعها، منذ اللحظة الأولى لدخولك إلى المدينة عبر نقطة «دار سعد»، شمال المدينة باتجاه محافظة لحج، شوارع بكاملها مدمرة، أحد الشوارع، يسمى شارع الفنادق أو شارع عدن - تعز، شارع كافة بناياته فنادق من درجات مختلفة، دمرت تلك البنايات بالكامل، وأبرز المناطق التي شهدت قتالا ضاريا في عدن، هي «خور مكسر»، الحي الراقي، المجاور لمطار عدن الدولي والذي بات مدمرا بشكل لا يوصف. في كل منطقة من مناطق عدن وفي كل حي، هناك ذكريات أليمة للحرب التي تعرضت لها هذه المدينة الجميلة وأناسها الطيبون. هنا في عدن، دمار في ساحل أبين والمتنزهات والفنادق والمنازل، الأسواق والمتاحف والبنوك في حي «كريتر». لم تسلم المساجد والكنائس في عدن من نيران الحوثيين، الدمار واضح وباد للعيان في المناطق المذكورة، وأيضا، في المعلا وشارع مدرم الرئيسي والتواهي التي شهدت قتالا ضاريا، وهناك مآس حقيقية خلفتها هذه الحرب الظالمة.
كثير من سكان عدن، الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، أكدوا أن الحرب التي شنت على عدن، باسم محاربة «الدواعش» و«التكفيريين»، كانت حربا ظالمة بكل المقاييس وبكل ما تعنيه الكلمة، وأن مبرراتها واهية وادعاءات، أثبتت الأيام عدم صحتها.
ويؤكد سكان عدن أن الحرب كان هدفها الأساسي هو تدمير عدن، حيث يقول البعض إن عدن ليست حاضنا اجتماعيا أو سياسيا أو قبليا، ليست حاضنا من أي نوع لهذه الجماعات، التي جاءت من أقصى شمال البلاد ومن كهوف جبال محافظة صعدة وكهوف التاريخ الغابر، حسب تعبير البعض.
اليوم وبعد أن تحررت عدن، ودحرت منها الميليشيات الحوثية وقوات صالح، عادت الحياة تدب إليها من جديد، رغم الدمار الهائل ورغم انعدام الخدمات الأساسية عن كثير من مديريات المدينة وبقاء كثير من سكانها في حالة نزوح في أحياء ومديريات أخرى.
يؤكد سكان في مديرية المنصورة بعدن لـ«الشرق الأوسط» أن الأحياء السكنية في تلك المنطقة، وبينها مدينة إنماء السكنية، كانت تعج بالنازحين من المديريات الأخرى، وبالأخص، خور مكسر والمعلا والتواهي، وما زال كثير من النازحين غير قادرين على العودة إلى منازلهم بسبب الدمار التي لحق بها وبسبب انعدام خدمات الكهرباء والمياه وغيرها من الخدمات الأساسية والضرورية، إضافة إلى شظف العيش في هذه المدينة وعوز كثير من الناس وحاجتها للمال، بسبب قطع المرتبات عن الموظفين والتلاعب بها من قبل الميليشيات الحوثية في صنعاء وصرف بعضا على دفعات وبعد أن تتعرض لخصميات كبيرة بحجة دعم «المجهود الحربي». ويعلق بضع سكان عدن والجنوب عموما، على ذلك بالقول إن الحوثيين يخصمون من مرتبات المواطنين الجنوبيين لتمويل الحرب التي شنت على الجنوب وبقية المحافظات.
الآن تمر عدن بمرحلة ما بعد التحرير، وهناك ملفات كثيرة شائكة وبعضها مستعجل وضروري. ويقول محمد قاسم نعمان، رئيس مركز اليمن لحقوق الإنسان، لـ«الشرق الأوسط» إن عدن تحتاج إلى إعادة إصلاح وترميم البنى التحتية التي استهدفت في الحرب العدوانية وبالذات الكهرباء والمياه والاتصالات، مؤكدا أن الغزاة تعمدوا تدمير كل ما كان يعكس مدنية وجمال هذه المدينة، الفنادق، والمباني الرمزية والتاريخية لمدينة عدن. وأضاف نعمان أن ما تحتاجه عدن هو «مشروع مارشال لإعادة إعمارها لكن وهذا هو الأهم أن يتم تنفيذ هذا المشروع من قبل شركات عالمية وتحت إشراف مباشر من قبل الدول التي أعلنت استعدادها في تقديم هذا العون وأقصد بها هنا مجلس التعاون للخليجي.. وفي مقدمتهم السعودية والإمارات».
وضمن الملفات الشائكة، الملف الأمني، فبعد دحر الميليشيات وقوات صالح، وقعت بعض الحوادث الأمنية التي أقلقت عدن وسكانها وأقلقت الحكومة اليمنية ودول التحالف والعالم المتابع، ومنها انتشار مجاميع مسلحة، أحيانا، ومداهمة بعض الأماكن وإحراقها، كإحدى الكنائس التي أحرقت في حي كريتر على يد شبان متعصبين، في المكان الخطأ، فعدن مدينة التعايش بين الأديان والملل والمذاهب على مدى مئات السنين، كما يقول أهلها.
غير أن ما زاد من قلق المتابعين، هو قيام مجاميع، يعتقد بانتمائها لتنظيم «القاعدة» بالسيطرة على مبنى جهاز الأمن السياسي (المخابرات) في التواهي، ثم إحراقه وتفجيره، وتزايدت الشائعات عن رفع علم «القاعدة» في بعض المواقع في عدن، غير أن الواقع يكذب هذه الادعاءات، فقد قامت «الشرق الأوسط»، أمس، بجولة ميدانية في كل أو معظم مديريات وأحياء عدن، وهناك انتشار أمني محدود وواضح عبر النقاط العسكرية والأمنية للمقاومة الشعبية في عدن، التي لا تستوقف المارة والسيارات، إلا في حالات الاشتباه، نهارا، وبصورة اعتيادية وطبيعية، ليلاً. وبحسب مواطنين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، فإن الدور المؤمل كبير جدًا على دعم دول الخليج، التي التزمت بدعم عدن لتجاوز المحنة الأمنية، وذلك عبر تجهيزات عسكرية وأمنية وعبر دعم مادي كبير لإعادة الأجهزة الأمنية إلى الجاهزية والعمل مجددا، بعد التشظي الذي تعرضت له جراء الحرب، وهناك حديث عن خطة أمنية يجري التحضير لها، ستمولها الإمارات وستطبقها المقاومة الشعبية. وحسب مراقبين في عدن، فإن الملف الأمني يظل أخطر الملفات، لأن الكثير يكاد يجمع على وجود «خلايا نائمة»، زرعها علي عبد الله صالح، خلال فترة حكمه وبعد خلعه عام 2011، وذلك ليفجر الصراعات والحوادث الأمنية في الجنوب، عموما، وعدن على وجه الخصوص. ويرى مراقبون أن تنظيم «القاعدة»، هو إحدى صناعات الرئيس السابق في اليمن واختار له الجنوب كأرض واسعة يتحرك فيها، وهنا تأكيد على تقبل الإجراءات الأمنية من قبل المواطنين، في سبيل الأمن والاستقرار.
ومع وجود الحكومة اليمنية برئاسة نائب الرئيس، المهندس خالد محفوظ بحاح، في عدن، بعد عودتها، الثلاثاء الماضي، إلى عدن من الرياض، تزايد التفاؤل لدى سكان عدن، بأن يسهم ذلك في استتباب الأمن والاستقرار، ويطالب السكان بالضرب بيد من حديد، لكل من تسول له نفسه زعزعة الأمن والاستقرار والسكينة العامة في عدن.. التي بدأت، فعلا، تتعافى جراء حرب عدوانية ظالمة، دمرت مدينة جميلة وباسمة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.