المصممة أماندا وايكلي: لا أؤمن بالهزيمة.. ولا أبكي على الحليب المسكوب

مسيرة عمرها 25 عامًا.. لكنها تؤكد أن الحياة تبدأ فعلاً بعد الخمسين

أماندا وايكلي  -  من تشكيلتها لخريف وشتاء 2015
أماندا وايكلي - من تشكيلتها لخريف وشتاء 2015
TT

المصممة أماندا وايكلي: لا أؤمن بالهزيمة.. ولا أبكي على الحليب المسكوب

أماندا وايكلي  -  من تشكيلتها لخريف وشتاء 2015
أماندا وايكلي - من تشكيلتها لخريف وشتاء 2015

من تتبع مسيرة أماندا وايكلي منذ بداية التسعينات من القرن الماضي إلى اليوم يعرف أنها مثل القطة بسبع أرواح، كلما تعرضت لأزمة تقوم منها أقوى من الأول، مؤكدة لنا مقولة أن «الضربة التي لا تقتل تقوي». فقد كادت تفقد دارها منذ بضع سنوات، ومع ذلك لم تقبل بالهزيمة، ونجحت في استعادتها من دون أن يتأثر اسمها أو تفقد بريقها في مخيلة كل من شهد انطلاقتها ووقع أسير أسلوبها الأنثوي الراقي.
هذا الشهر تحتفل بعامها الـ25 كمصممة أزياء، لهذا لم يكن من الوارد بالنسبة لـ«الشرق الأوسط» أن تفوت هذه المناسبة ولا تقابلها وجها لوجه لتسبر أغوارها وتعرف كيف نجحت في تخطي مطبات قوية كان من الممكن أن تقضي على أعتى الرجال وترميهم في غياهب النسيان. في 18 من شارع «آلبيمارل» بمنطقة «مايفير» تم اللقاء في محلها الجديد، واختارت الطابق الأول لأنه هادئ ومريح. وبالفعل، فهو يشمل غرفة مربعة واسعة تتوسطها كنبات كبيرة ومرايا طويلة تعكس الضوء، الذي يخترق النوافذ العالية، لتزيد من اتساع المكان وتعكس جمال فساتين السهرة المعلقة على شماعات. ترفع عينيك إلى السقف فتبهرك ثريا ضخمة تتلوى وكأنها ترقص حول نفسها، قالت لي المصممة بفخر، عندما رأت عينيّ قد تسمرتا عليها، إنها هي التي صممتها، وإنها أرادتها أن تأخذ شكل قطعة قماش تلتف حول نفسها. وسط الغرفة توجد مدفأة لم تكن هناك حاجة لإشعالها لأن الوقت كان صيفا والطقس في الخارج مشمسا، لكن يمكن تصور حميميتها في فصل الشتاء عندما تكون نيرانها ملتهبة.
«أردت أن يكون المحل بمثابة بيت أماندا، يرحب بك بمجرد الدخول إليه»، هذا ما قالته المصممة وهي تؤكد أنها استمتعت بتصميم الديكور، استمتاعها بتصميم الأزياء، حيث راعت فيه خصوصية معماره الأصلي، مع إضافة لمسة حداثة تعكس أسلوبها الخاص.. «فكل قطع الأثاث فيه مرنة، يمكن تغييرها وتحويلها من مكان إلى آخر لتكتسب وظيفة جديدة» حسب قولها. الغرفة التي تم فيها اللقاء، مثلا، يمكن أن تتحول إلى غرفة طعام لاستقبال الأصدقاء، مع وجود مطبخ في الطابق نفسه، أو أن تتحول إلى قاعة احتفالات أو اجتماعات وهكذا.
بالفعل، كل ما في المكان يضج بالأناقة والحميمية، ويعكس إلى حد كبير شخصية أماندا وايكلي الدافئة. فعندما وصلت وهي تلهث إلى مكان اللقاء بعد أن تأخرت خمس دقائق فقط، فتحت ذراعيها تحتضنني وكأننا نعرف بعضنا منذ زمان، ثم اعتذرت ضاحكة وهي تنظر إلى حذائها بأن تقطع أنفاسها يعود إلى إسراعها في المشي بكعب عال خوفا من أن تتأخر عن موعدنا.
ما إن جلسنا حتى سألت بفضول ومن دون سابق إنذار عن أصولي، معترفة بأنها تعشق النظر إلى وجوه الناس وتخمين أصولهم والعناصر التي شكلت ملامحهم. وأضافت وكأنها تعتذر عما يمكن اعتباره في العرف الاجتماعي الإنجليزي اختراقا للخصوصية: «يمكنك إرجاع السبب إلى جيناتي الوراثية، فوالدي جراح وكذلك جدي، وهذا يعني أنهما مثلي يعملان في مجال تشريح الأجسام». وتابعت ضاحكة: «كل بطريقته طبعا، فأنا أقوم بما أقوم به، لأنني أحب أن أجعل جسم المرأة يبدو في أحسن حالاته وأجملها، وهو ما أعتبره من نقاط التشابه بيني وبينهما».
أول ما يثيرك فيها وهي تتحدث، إلى جانب حماسها، شعرها الأشقر المسترسل وطولها الفارع، إلى حد أنك تستغرب سبب ارتدائها كعبا عاليا من الأساس. وفجأة تتذكر أنها كانت في شبابها عارضة أزياء. كان ذلك لفترة قصيرة، وبدا واضحا من ردها المقتضب أنها كادت أن تنسى هذه التجربة: «لم أكن جادة أبدا في الأمر، رغم أنني لا أنكر أنني استفدت من التجربة، لأنها قدمتني إلى محيط يتنفس الجمال والأناقة، فأينما وجهت أنظاري كنت أرى أزياء رائعة تثير الخيال والرغبة فيها في آن واحد. إنها مرحلة تشبعت فيها بالكثير من الجماليات، خصوصا أنني من النوع الذي يسجل الأشياء بصريا.. أمتص الألوان والأشكال والخامات وأخزنها ثم أترجمها في ما بعد بشكل من الأشكال».
بزغ نجم وايكلي في بداية التسعينات من القرن الماضي، ولمست تصاميمها وترا حساسا بداخل النساء، بمن فيهن الأميرة الراحلة ديانا التي ظهرت بتايور من تصميمها باللون الأخضر الزيتوني في عام 1993. ولم يخف إعجاب النساء بتصاميمها لحد الآن، بدليل أنه انتقل إلى الجيل الحالي من النجمات والطبقات الارستقراطية، مثل دوقة كمبردج، كيت ميدلتون، التي ظهرت هي الأخرى بتصاميمها إلى جانب نجمات من كل الأعمار، نذكر منهن هيلين ميرن، وسكارليت جوهانسون، وكيت وينسليت، وغيرهن.
والسبب أنها لا تتبع صرعات الموضة، وتصاميمها لا تصرخ بالابتكار المجنون، بقدر ما تصرخ بالرقي الهادئ الذي لا يعترف بزمن أو عمر. وتعترف المصممة بأن الفكرة التي لا تزال مترسخة في أذهان بعض النساء أن تصاميمها كلاسيكية تخاطب المرأة الناضجة أكثر، لكنهن ما إن يدخلن المحل حتى يتفاجأن بالعكس «لهذا تسعدني كثيرا رؤية أمهات يأتين مع بناتهن، وتخرج كل واحدة منهن محملة بما يناسبها. هذا رائع بالنسبة لي، لأنه يؤكد لي أنني نجحت في مهمتي».
الآن أكثر من أي وقت سابق، تحاول وايكلي أن تركز على هذه النقطة، وتمحو فكرة أن تصاميمها تركز على فساتين السهرة الطويلة أو الكلاسيكية فقط. فهي تريد أن تبيعنا أسلوب حياة بالكامل، لهذا وبمجرد دخول المحل تتراءى تشكيلات غنية ومتنوعة من الكشمير والقطع المنفصلة لكل المناسبات، تخاطب امرأة مترفة، لكن عملية في الوقت ذاته، وهو ما تعكسه أسعارها أيضا. فـ«المنتجات الفاخرة أصبحت مستهلكة» حسب قولها.. «وأغلب الناس مهتمون الآن بالكيف وليس الكم، أي أنهم لا يريدون شراء حقائب غالية اليوم، تخسر قيمتها غدا لأنها لم تعد موضة. وهذا أصبح يتطلب الحرفية والجودة في التنفيذ فضلا عن جمال التصميم، مع الكثير من التفرد بحيث يحكي المنتج قصة مثيرة ولا يكون مملا».
نظرة سريعة إلى ما في المحل والتشكيلة التي ستقدمها في أسبوع باريس هذا الأسبوع، تؤكد أن أسلوبها لا يزال يميل إلى الترف بفنيته، لكنه ليس بعيد المنال من حيث أسعاره وتصاميمه. ففي هدوئه رقي يستهدف أن يجعل المرأة تشعر بالتميز والثقة «وهذا مهم بالنسبة لي لأنني أؤمن بأنني كلما منحت زبونتي الثقة زادت جمالا وسحرا».
عندما نطقت بهذه الكلمات صوبت عينيها، بطريقة عفوية، باتجاه فساتين السهرة المصفوفة أمامنا، ثم قامت وأمسكت بواحد منها وهي تشير إلى التفاصيل الداخلية، مشيرة إلى أنها لا تنسى أن جمال القطعة من الداخل لا يجب أن يقل عن جمالها من الخارج «لأنها كلما كانت على المقاس وتراعي أدق التفاصيل، تنساها المرأة وتستمتع بوقتها». وهذا تحديدا ما تقدره زبوناتها، فأسوأ شيء بالنسبة لأي امرأة أن تكون في مناسبة مهمة وتقضي معظم وقتها غير مرتاحة، تقاوم نزول كم من على كتفها، أو تحاول رفع ياقة «ديكولتيه» وما شابه.
الطريف أنه كلما تطور الحديث توارت صورة المصممة الفائقة الجمال، التي دخلت المحل لاهثة بشعرها الأشقر المسترسل، وحلت محلها صورة امرأة ذات عزيمة قوية، إلى حد أنه في لحظة تبادرت إلى ذهني صورة النجم آرنولد شوارزنيغر وهو ينطق بمقولته الشهيرة: «لقد عدت» (I am back).
فهي الأخرى اختفت فترة عن رادار الموضة، وعادت أقوى من الأول. الآن في جعبتها جوائز مهمة، من غرفة الموضة البريطانية ووسام «OBE» قدمه لها الأمير تشارلز في عام 2010، وهذا وحده يؤكد أن المطبات لا تقف حاجزا أمام النجاح إذا توافرت الإرادة، وقليل من الحظ.
عندما أطلعتها على صورة آرنولد شوارزنيغر التي كانت تجول بذهني، ضحكت قائلة: «أنا لا أؤمن بالهزيمة، ولا أنا من النوع الذي يبكي على الحليب المسكوب، فقد علمتني الحياة ألا أفتح الباب للندم، لأنه يمكن أن يمتص طاقة الإنسان.. ثم إن الحياة عموما ليست سهلة، لهذا أركز على المستقبل دائما، وأتذكر دائما أهمية أن نستمتع بما بين أيدينا من نعم».
بيد أنها لا تنكر أنه إلى جانب مثابرتها وقوة شخصيتها، كان للحظ دور في حياتها. في عام 2009، مثلا توفقت في استرجاع أسهم دارها، بمساعدة رفيق دربها الحالي، هيو موريسون، بعد أن كانت لا تملك سوى 20 في المائة منها ولا رأي لها في ما يجري فيها. اجتهدت في إعادة ترتيب أوراقها وجعلها قابلة للاستثمار، وهو ما أثمر في عام 2012. فقد حصلت بالفعل على استثمار مهم من شركة «AGC» الخليجية، بعد اقتناع مسؤوليها برؤيتها أن تجعل من الدار أسلوب حياة بالكامل بدل صورتها القديمة كدار متخصصة في فساتين السهرة فحسب، علما بأن علاقتها بمنطقة الشرق الأوسط ليست جديدة. فقد سبق لها أن تعاونت مع شركاء من المنطقة في السابق، لهذا توطدت علاقتها بزبونة المنطقة مع الوقت، إلى حد القول بأن الكثير من العناصر في محلها الجديد بـ«آلبيمارل» يستهدف هذه الزبونة، ليس في ما يتعلق بفساتين السهرة المطرزة فحسب، بل أيضا الإكسسوارات التي باتت مصنوعة من جلود التماسيح وإبزيمات وماسكات تحاكي الجواهر. ولا تخفي وايكلي أهمية المنطقة بالنسبة لها، وتعترف بأنها بعد زيارات متعددة لها، تعرفت على ذوق المرأة العربية «فهي امرأة تفهم معنى الحرفية وتقدرها بشكل مدهش. فقد يعتقد البعض مثلا أنها تُقبل على التطريز مثلا، فقط لأنه يلمع، والحقيقة غير ذلك تماما، فهي تتمعن في طريقة تنفيذه، وتفهم ما يحكيه من قصص فنية مثيرة، لهذا تُقبل عليه».
ومع ذلك، لا تنوي المصممة إرضاءهن على حساب جيناتها الوراثية، بل تنوي ذلك بتوسيع الخطوط التي تقدمها، مثل إضافة خط «ذي أتولييه»، الذي تعتبره الأكثر تعقيدا من ناحية التطريز إلى حد يحاكي الـ«هوت كوتير»، لا سيما أنها اكتشفت من خلال مقابلاتها المتكررة بهن أنهن لا يتوقعن منها تغيير أسلوبها. تشرح: «صحيح أن المنافسة كبيرة في السوق حاليا، خصوصا في ما يتعلق بفساتين السهرة والعرائس، لكني أؤمن بأنه على كل مصمم أن يحافظ على أسلوبه الخاص. فزبونتي، مثلا، لا تريد فستانا عليه اسمي، لكنه نسخة من إيلي صعب، مثلا، بل تريد أسلوبي، برؤيتي الخاصة».
لم تدرس أماندا وايكلي تصميم الأزياء، وكل ما تعلمته كان بالتجربة الميدانية. فقد كانت دائما مسحورة بالأزياء واللعب بالأقمشة، وفي فترة الصبا كانت تصمم فساتين، تصيب حينا وتخطئ حينا آخر، كما كانت تشتري قطعا تعجبها، تفككها ثم تعود لحياكتها من جديد. فالعملية حسب رأيها «كانت فطرية».
وأكثر ما كان يثيرها كيف تتحول قطعة قماش عادية إلى قطعة ثلاثية الأبعاد تتحرك وكأنها تتمتع بروح وكيان. عندما احترفت المهنة لم يعد بوسعها اللعب لوحدها، وكان لا بد لها من التعاون مع أشخاص يمتلكون الموهبة والخبرة في الوقت ذاته، وهو ما فعلته بتعاملها مع حرفيين لهم قدرة عجيبة على إنجاز تقنية التصميم بطريقة مائلة بنسبة 45 درجة تقريبا (The Bias Cut)، وهي التقنية التي اشتهرت بها وجعلت المرأة تقبل عليها، لما يمنحه لها هذا التصميم من رشاقة وأنوثة.
تدافع أماندا عن هذه التقنية عندما أقول لها إنها تناسب امرأة فارعة الطول ورشيقة مثلها، قائلة بأنها قد تبدو كذلك وهي معلقة على شماعة، لكن بمجرد ارتدائها تشعر المرأة كما لو أنها فصلت على مقاسها تماما، لأنها تخفي الكثير من العيوب التي تريد التمويه عنها، وتبرز أنوثتها في المقابل.. «يمكنني القول بأنها طريقة رائعة سواء في طريقة قصها أو شكلها النهائي. أما بالنسبة لطولها فإنني أتعمده لسبب منطقي وهو أنه من السهل تقصيرها مقارنة بتطويلها في حال استدعت ذلك».
2015 مهم بالنسبة لها، لأن فيه تحتفل بمسيرة 25 عاما، وهو ما تعلق عليه ضاحكة، في إشارة إلى أنها تعدت الخمسين بسنوات قليلة «أنا لا أصدق أننا بلغنا الـ25، لأن ذلك يكشف الكثير، وأنا ما زلت أشعر كما لو أنني في الثلاثين من العمر». ومع ذلك فهي تعرف أنه رقم مهم في حياتها يستحق أن تستمر الاحتفالات به طوال العام وهذا ما تنويه.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.