مختصون لـ«الشرق الأوسط»: العالم أمام مشروع نهضوي مستدام

«الممرات الخضراء» تحفز الاستثمار الأخضر وتضاعف حركة التجارة

ولي العهد السعودي خلال مشاركته في قمة العشرين (واس)
ولي العهد السعودي خلال مشاركته في قمة العشرين (واس)
TT

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: العالم أمام مشروع نهضوي مستدام

ولي العهد السعودي خلال مشاركته في قمة العشرين (واس)
ولي العهد السعودي خلال مشاركته في قمة العشرين (واس)

أكد مختصون لـ«الشرق الأوسط» أن العالم سيشهد نقلة غير مسبوقة في حركة التجارة والنقل والربط الدولي، عقب إعلان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الهند مشروع «ممرات خضراء عابرة للقارات»، وتوقيع مذكرة تفاهم بشأن ممر اقتصادي يربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا لتعزيز الترابط الاقتصادي، وتطوير وتأهيل البنى التحتية وزيادة التبادل التجاري بين الأطراف المعنية.

ورأى الرئيس التنفيذي لشركة «سكاي تورز»، إريك فانغ، أن الإعلان عن «ممرات خضراء عابرة للقارات» يعني أن العالم أمام مشروع تنموي نهضوي لا يستثني مكاناً جغرافياً في العالم، مشدداً على الأهمية الاقتصادية والسياسية للاتفاق الأميركي - السعودي في قمة الهند حول ذلك.

وقال فانغ من واشنطن لـ«الشرق الأوسط»: «انظر فقط إلى ما تم إنشاؤه، علاقة تجارية دولية عبر المسار الذي كان موجوداً منذ آلاف السنين. ومع قيادة الولايات المتحدة والمملكة باعتبارها محور الممر، فسيؤدي ذلك إلى تحسين التجارة والبنية التحتية للمنطقة وللولايات المتحدة على حد سواء».

وتوقع فانغ أن يضاعف المشروع الجديد حجم الزيادة في التجارة والنقل، وقال: «سيؤدي ذلك إلى تحسين حجم التجارة إلى 4 أضعاف الحجم الحالي إن لم يكن أكثر. هذا عدا دفع تطوير البنية التحتية للنقل الأخضر بشكل كبير وتحسين البيئة وظروف المعيشة للجميع».

مشروع تنموي نهضوي

من جهته، أكد فضل بن سعد البوعينين، عضو مجلس الشورى، أن إعلان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، عن مشروع ممرات خضراء عابرة للقارات، هو الأكثر أهمية في قمة نيودلهي، وقال إن «العالم أمام مشروع تنموي نهضوي لا يرتبط بدولة واحدة، بل بقارات تضم دولاً ستكون المستفيدة من هذا المشروع الضخم».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «إن السعودية، من خلال رؤية 2030، باتت أكثر تقدماً في طرح المبادرات والبرامج التنموية الخضراء. فبعد طرحها مبادرة الاقتصاد الدائري للكربون، والمحميات الإقليمية، في قمة الرياض، تعود اليوم لطرح مشروع الممرات الاقتصادية الخضراء العابرة للقارات، ومن خلاله تؤكد عزمها المضي قدماً للاستثمار في الاقتصاد الأخضر، وكل ما من شأنه تحقيق التنمية المستدامة، وحماية البيئة في آن».

وشدد على أن هذا المشروع الاستراتيجي المهم سيربط الهند بالشرق الأوسط بأوروبا، ويجعل المملكة محوراً للربط بين القارات والشرق الأوسط، وممراً اقتصادياً عالمياً يسهم في تدفق التجارة، وتصدير الكهرباء، والهيدروجين النظيف، وتعزيز سلاسل الإمداد، وضمان إمدادات الطاقة، وتعزيز الشراكات الدولية، وتدفق الاستثمارات، والاستثمار في البنى التحتية وسلاسل الإمداد المحلية والطاقة النظيفة.

وأوضح البوعينين أن إنشاء سكك حديدية سيعجل من تدفق السلع والبضائع إلى وجهاتها بما يقرب من 40 في المائة، مقارنة بما هي عليه اليوم، مشيراً إلى أن أهمية المشروع الاستراتيجي وانعكاساته المستقبلية على الاقتصاد العالمي، تؤكد أن المملكة أصبحت مشاركاً رئيساً في صنع القرار السياسي والاقتصادي في المنطقة والعالم، وتمكنت خلال فترة زمنية قصيرة من استثمار مقوماتها وتعزيز مكانتها ونفوذها العالمي، ما يتم تسخيره لخدمة الأمن والسلام والتنمية المستدامة.

ووفق البوعينين، سيسهم المشروع في تعزيز الشراكة مع الغرب، وتدفق الاستثمارات النوعية، وتوفير بيئة آمنة حاضنة للمشروعات العملاقة، وفي مقدمها مشروعات الطاقة النظيفة، وسيعطي المملكة قدرة أكبر على تنفيذ برامجها التنموية، وأهدافها الاقتصادية الاستراتيجية، فضلاً عن أنه سيعزز أمن الطاقة والاستثمار في الطاقة المتجددة، وتنمية الاقتصاد الرقمي عبر الربط والنقل الرقمي للبيانات من خلال كابلات الألياف البصرية، وربط السكك الحديدية والموانئ.

وتوقع أن تكون تكلفة المشروع مرتفعة، إلا أن تكاليفه ستتوزع بين دول الاتحاد الأوروبي، المستفيد الأكبر من المشروع، حيث خصص الاتحاد الأوروبي إنفاق ما يصل إلى 300 مليار يورو على استثمارات البنية التحتية في الخارج من خلال مشروع «البوابة العالمية»، للدفاع عن المصالح الأوروبية مع الشركاء التجاريين الرئيسيين.

وزاد البوعينين: «ستتحمل الولايات المتحدة جانباً مهما من التكاليف الموجهة لمساعدة الدول النامية واستكمال البنى التحتية فيها. كما أن الدول الرئيسة في المشروع ومنها الدول الغنية وفي مقدمها السعودية والإمارات ستتحمل هي الأخرى التكاليف الخاصة بها».

تنامي الاستثمارات الدولية

من جهته، توقع رجل الأعمال السعودي عبد الله بن زيد المليحي، رئيس شركة «سكاي تورز الاستثمارية» السعودية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن تتضاعف حركة التجارة البحرية في البحر الأحمر والخليج العربي، مع ارتباطها بحركة التجارة العالمية والإقليمية في البحار والمحيطات التي تربط قارات العالم قاصيها بالداني.

ورجح المليحي أن تزدهر الاستثمارات الدولية في السعودية التي تعمل في إنتاج الطاقة الخضراء والبيئة والمناخ، جراء هذا الربط العالمي، ما يمكنها من أن تحتل مركزاً متقدماً لتصدير مزيج الطاقة الجديدة في كل دول العالم، مشيراً إلى أن إعلان ولي العهد عن «ممرات خضراء عبارة للقارات» رسالة للعالم بأن المملكة داعم للاقتصاد الأخضر في الاستثمار والتطوير.

وشدد المليحي على أن هذا المشروع سيجعل منطقة البحر الأحمر مهمة للطاقة الخضراء، بينما سيوفر فرصاً ضخمة للشركات والمؤسسات السعودية العملاقة لدور متعاظم أكبر، ومتوقعاً أن تسهم مدينة الملك عبد الله الاقتصادية وميناء «نيوم» في خلق محرك رئيسي للاستثمار وجذب المستثمرين في المجالات ذات الصلة، ما يسهم في توليد فرص عمل ومكاسب طويلة الأمد لجميع الأطراف.

ولفت المليحي إلى أن شركة «سكاي تورز» من أوائل الشركات التي سعت إلى تأسيس منطقة متكاملة في مدينة الملك عبد الله للطاقة الخضراء، بجانب مركز أبحاث لتكنولوجيا الطاقة الخضراء؛ الهيدروجين والأمونيا في السعودية، ما يجعلها في مقدمة الشركات العالمية المعنية بالشراكات الاستراتيجية التي تخدم هذا الاتجاه، متوقعاً أن يكون للقارة الأفريقية دور محوري في هذه الممرات، يتمثل في العوائد الاقتصادية والاستقرار في القارة.

ووفق المليحي، فإن السعودية أظهرت قدراتها في لعب دور مهم في ما يتعلق بسلاسل الإمداد العالمية، وتسهيل عمليات التبادل التجاري بين الدول عبر مبادرة «ممرات العبور الخضراء العابرة للقارات» التي كشف عنها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، في وقت أكد فيه أن مذكرة التفاهم تدعم جهود تطوير الطاقة النظيفة.


مقالات ذات صلة

سريلانكا ترفع أسعار الوقود بـ25 % مع تصاعد حدة الحرب

الاقتصاد ينتظر الركاب وسائل النقل العام على طول طريق مهجور في كولومبو (أ.ف.ب)

سريلانكا ترفع أسعار الوقود بـ25 % مع تصاعد حدة الحرب

رفعت سريلانكا أسعار الوقود بنسبة 25 في المائة يوم الأحد، في ثاني زيادة خلال أسبوعين، استعداداً لمزيد من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (كولومبو)
الاقتصاد ناقلة منتجات نفطية تمر أمام دار أوبرا سيدني عند شروق الشمس في سيدني (أرشيفية - رويترز)

أستراليا تعلن تعطُّل وصول ناقلات رئيسية وسط توترات الشرق الأوسط

أعلن وزير الطاقة الأسترالي، كريس بوين، يوم الأحد، إلغاء أو تأجيل وصول ست سفن وقود متجهة إلى أستراليا الشهر المقبل.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)

«إسكوا»: الحرب تهدّد المنطقة العربية بخسارة 150 مليار دولار

حذَّرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) من تداعيات اقتصادية خطيرة تضرب المنطقة العربية جراء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)

الصين تتعهّد بـ«معاملة وطنية» للمستثمرين الأجانب لطمأنة الأسواق العالمية

تعهَّد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، يوم الأحد، بمواصلة انفتاح الاقتصاد وتطبيق المعاملة الوطنية للشركات الأجنبية بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شمال افريقيا الحكومة تشدد الرقابة على الأسواق لضبط الأسعار (وزارة التموين)

«الزيادة المرتقبة للرواتب» لا تبدد مخاوف المصريين من أعباء متصاعدة

يترقب المصريون زيادة جديدة بالرواتب يتوقع أن تعلنها الحكومة قريباً وسط تصاعد المخاوف من ازدياد الأعباء المعيشية في ظل الغلاء بسبب تداعيات الحرب الإيرانية

عصام فضل (القاهرة)

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.