خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح

الدولة تحاربها كلها من دون النظر إلى «لوائها».. وجميعها خرجت من «تلوّنات» عباءة «الإخوان»

خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح
TT

خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح

خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح

تواصل السلطات الأمنية في مصر ملاحقة الجماعات والتنظيمات المتطرفة التي تستهدف القوات المسلحة وقوات الأمن بجانب شخصيات في الدولة، في مناطق مختلفة من البلاد، ولا سيما في شبه جزيرة سيناء. وكانت العملية الأخيرة في الصحراء الغربية التي سقط فيها عن طريق الخطأ عدد من السياح المكسيكيين، قد كشفت جدية الإجراءات الأمنية التي تتخذها السلطات المصرية في غرب البلاد وإعلانها هناك «مناطق محظورة» لدرء خطر تسلل عناصر «داعش» والجماعات المتطرفة الأخرى من ليبيا ودول الصحراء الكبرى.

بعد أكثر من سنتين على نشاط محموم لجماعات الإرهاب المختلفة على الأراضي المصرية، التي أججتها ثورة شعبية ضد حكم جماعة الإخوان التي رفعت، بحسب مراقبين، راية خادعة تدعي الحكم تحت لواء الدين، تنوعت التنظيمات المسلحة التي تعمل ضد الدولة المصرية واختلفت تسمياتها. وظهرت «حركات» قد يصعب تصنيف انتماءاتها، وانشقت بعض عناصرها عن بعض لتعلن الولاء لجهات أخرى، ما أسفر عن تغير كبير في خريطة جماعات الإرهاب المسلح.
ومن جانبها، سعت الدولة المصرية التي تحارب كل عناصر وجماعات الإرهاب والعنف دون تفرقة أو انتظار للتصنيف، لمحاولة حصار تمدد الجماعات والكيانات المسلحة أمنيا وسياسيا، فقامت بفرض حالة الطوارئ في مربع العمليات العسكرية الذي يقع في الجزء الشمالي الشرقي من شبه جزيرة سيناء منذ أكثر من تسعة أشهر، بينما صدر قانون «مكافحة الإرهاب» مؤخرا لوضع تعريفات قاطعة لـ«الإرهاب» و«الإرهابي» و«الجماعات الإرهابية» و«الجريمة الإرهابية»، كما نص على العقوبات المستحقة بحق هذه الجرائم ومرتكبيها، في خطوة تهدف إلى تسهيل العمل القانوني والأمني في مواجهة تلك الظاهرة.
«الشرق الأوسط» استطلعت خريطة جماعات الإرهاب في مصر، مع إلقاء الضوء على نشأتها وأصولها وآيديولوجياتها السابقة والحالية، من أجل فهم أعمق للشكل الحالي لهذه الجماعات والتنظيمات، والتي شهدت تاريخيا موجات من النشاط والكمون المتوالي في مصر، تصل دوراتها إلى ذروتها العنيفة كل نحو عشرين عاما، حيث سبق أن ظهر أوج النشاط في الثلاثينات، والخمسينات، والسبعينات، والتسعينات من القرن الماضي، ثم مجددا في العقد الحالي.
ويفسر أحمد بان، الباحث والخبير المصري في شؤون الجماعات الإسلامية، لـ«الشرق الأوسط» سر هذه الدورات بالقول إن «هناك سياقا سياسيا وآخر حركيا.. الأول معلوم ومرتبط بوقائع التاريخ وظروفه الحتمية، أما السياق الحركي فيرتبط بالمراوحة بين مراحل الكمون والهجوم، وهو آلية المجموعات الإرهابية، التي تظهر وتتسلق عندما يسمح الفضاء ببروزها، وعندما تصبح مطارق الأنظمة أعنف وأقوى تدخل في كمون حتى تستكمل لياقتها للهجوم من جديد».
ومنذ تفشي موجة الإرهاب عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وفض اعتصامات مؤيديه على طرفي العاصمة المصرية، انتشرت جماعات العنف المسلح التي تعمل على الأرض المصرية، وبينها من أعلنت ولاءها لتنظيم داعش على غرار أنصار بيت المقدس، أو من أعلنت ولاءها لتنظيم القاعدة على غرار كتيبة المرابطين، بينما احتفظت حركات أخرى بولاء «معنوي» لأي من التنظيمين دون تبعية تنظيمية صريحة، وارتبطت أخرى مباشرة بتنظيم الإخوان، فيما بقيت عدة حركات غير منتظمة تعمل تحت السطح دون أن يعرف لها قائد أو لواء.
وفي محاولة لسبر أغوار ذلك التباين، عادت «الشرق الأوسط» إلى الأصول الأولى لنشأة تلك الجماعات. ووفق أحمد بان فإن «أي تقسيم لا بد أن يمر عبر الحديث عن تيارات اليمين الديني في مصر التي تأسس جذرها منذ عام 1913، بما سبق ثورة عام 1919 في مصر التي فتحت فضاء الدولة المدنية في مصر. وأتصوّر أننا منذ بداية القرن الماضي نعيش صراعا بين مفهوم الدولة الدينية ومفهوم الدولة المدنية، حيث بدأ الأمر مع تشكّل أول كيان منظم للجماعات المتشددة في مصر في عام 1913. وجاءت بعده حركة أنصار السنة المحمدية في عام 1926، وهو التاريخ الذي استبق نشأة حركة الإخوان المسلمين في عام 1928، التي أسست لنمط إسلامي حركي لمشروع ينتظر أتباعه بهدف إقامة الدولة، وهي التي أصبحت مظلة لكل التيارات الدينية منذ هذا العام، ما بين إخوانية وسلفية وجهادية، حيث اتسعت مساحتها لتضم كل هذه المجموعات أو هذا الطيف الثلاثي».
وعن تحولات بوصلة جماعة الإخوان، التي أسفرت لاحقًا عن تنوع إفرازاتها من جماعات، يوضح الباحث بان لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة انتقلت في عام 1938 من حيز «الصوفية الهادئ» الذي اختارته لحركتها لمدة عقد كامل، قبل أن ترتدي «القناع الجهادي» اتساقًا مع سياق وجود الحركات المسلحة في مصر بالتزامن مع الحرب العالمية الثانية، على غرار «القمصان الزرقاء»، وهي جماعات شبه عسكرية شكلها شباب حزب الوفد (القديم) عام 1937 حتى عام 1941، و«القمصان الخضراء»، التي أسسها بدوره حزب «مصر الفتاة» (حزب قديم اختفى من الساحة حاليًا).. وكانت الحرب العالمية الثانية قد أفرزت لجوءًا عالميًا واسعًا للحركات العسكرية المسلحة لحسم الخلافات.
وكما يصف بعض المراقبين جماعات الإسلام السياسي بالتلوّن، فإن وصف «الحرباء» كثيرًا ما استخدم في الأدبيات السياسية الدولية لوصف جماعة الإخوان، لكثرة تغييرها جلدها الاجتماعي والسياسي تماشيا مع مختلف الظروف. وهنا يقول أحمد بان إن جماعة الإخوان كانت دائمًا «تتماهى» مع المحيط الذي تجد نفسها بداخله، ففي مصر الهادئة التي تقبل التصوف، ارتدت الجماعة «القناع الصوفي»، قبل أن ترتدي «القناع الجهادي» عام 1938، وتظل على ذلك حيث أسست النظام الخاص في عام 1940 كأول ميليشيا مسلحة لممارسة العنف ضد الدولة ومؤسساتها، وطرحت نفسها كـ«دولة في مواجهة الدولة، بجيش وسمع وطاعة». وظلت هذه الصيغة مسيطرة حتى مطلع السبعينات مع وفاة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، عندما اختارت الجماعة أن ترتدي «القناع السلفي الهادئ» لتطمئن النظام الحاكم آنذاك، وتنشغل بترتيب وتقوية صفوفها وبنائها التنظيمي، بينما عهدت لمجموعات أخرى قريبة منها بالحركة في المربع الجهادي (العنيف والمسلح). وهو ما ظهر جليًا في تحقيقات حادثة «الفنية العسكرية»، وشهادة صالح سرية وكارم الأناضولي وغيرهما، كما كانت مجموعة «التكفير والهجرة» بزعامة شكري مصطفى، الذي كان بدوره إخوانيًا.
ويتابع بان: «بالتالي، خرجت من تحت عباءة الإخوان جماعات العنف المسلح، سواءً (الجهاد) أو (الجماعة الإسلامية) أو (التكفير والهجرة)، أو كل ما خرج من جماعات فيما بعد، قبل أن ترتدي جماعة الإخوان في عام 2004 القناع الليبرالي، حين قدمت مبادرة للإصلاح السياسي في نقابة الصحافيين المصرية في هذا العام، وتبنت مخرجات العمل السياسي المدني وحاولت أن تتماهى مع المحيط الذي يرفع راية التغيير والذي أطلقته حركة كفاية آنذاك، بينما ظلت باقي الأجنحة التي تسرّبت من الجماعة الأم تعمل في فضاء العنف. ثم شهدنا موجة العنف في آخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي التي تصاعدت بمقتل (الرئيس الأسبق) أنور السادات، ثم موجة العنف التي أنتجت الجماعة الإسلامية التي دخلت في صراع مع الدولة المصرية لعقد من الزمان (في التسعينات)، قبل أن تعلن مبادرة وقف العنف وسياسات المراجعات الفكرية. وأيضا ظهرت مجموعات الجهاد الصغيرة في أكثر من شكل، مثل (جماعة الجهاد المصرية) أو تنظيم (الناجون من النار) أو (طلائع الفتح) أو (الشوقيون)، وغيرهم من المجموعات الصغيرة التي كانت تحت نفس العنوان الجهادي».
ويتابع بان شرحه فيقول: «بعد التغيرات السياسية التي شهدتها مصر خلال الأعوام التي تلت ثورة 25 يناير عام 2011، من نشأة أحزاب بمرجعية دينية، وصعود أجنحة اليمين سياسيا، إضافة إلى انفجار العنف عقب عزل جماعة الإخوان، أصبحنا الآن ربما أمام مشهد يعكس أن كل مجموعات الإسلام السياسي تمحورت بين اتجاهين اثنين، اتجاه (الجهاد المسلح) الذي انضمت له جماعة الإخوان منذ أحداث رابعة العدوية.. والاتجاه (السلفي الهادئ) المهادن للنظام السياسي، والذي لا يخرج على النظام بمنطق أن (من قويت شوكته، وجبت طاعته)».
وحول حقيقة ما يمكن أن يكون موجودًا من صراع بين هذه التنظيمات على الأرض، خصوصا في حال تداخل مناطق ونطاقات عملها، يقول بان إنه لا يرى وجود صراع حقيقي «حاليًا» في مصر، مفصلاً: «إنهم الآن يتحدون على هدف واحد وهو إسقاط النظام المصري وإسقاط الدولة، تمامًا كما توحدت الفصائل الأفغانية على إسقاط الاتحاد السوفياتي، وعندما انتصروا بدأت الخلافات في الظهور، وبدأ الصراع والحروب فيما بينها واستمرت الحرب الأهلية لعشر سنوات قبل أن تسيطر حركة طالبان».
ثم يتابع بالقول: «هذا المشهد في تقديري هو (المشهد التقليدي) لمجموعات الإسلام السياسي.. بمعنى أن الخلافات فيما بينها تتوارى عند ظهور (عدو مشترك). وعندما يختفي هذا العدو، تبرز وتكبر هذه الخلافات إلى الحد الذي يدفعها إلى الاقتتال مع بعضها البعض. ولقد شهدنا في (محك صغير) في سوريا كيف تتقاتل مجموعات (جبهة النصرة) مع (داعش)، على الرغم من أن العدو المشترك - أو المعلن على أقل تقدير - لم يسقط بعد».
من ناحية أخرى، يؤكد خبراء أمنيون مصريون لـ«الشرق الأوسط» أن هناك الكثير من الدعم الذي تقدمه «جهات خارجية» إلى مجموعات الإرهاب في مصر، سواء كانت تلك الجهات تنظيمات على غرار «القاعدة» أو «داعش»، أو حركات ناشطة في قطاع غزة، أو حتى دولا وأجهزة استخبارات إقليمية.. ويشدد أحمد بان على القول إن: «لدينا مشكلة متعلقة بالتصوّر، وقد تكون هذه هي الثغرة الكبرى في مواجهة هذه المجموعات، وهي أن معظم الدول خلال مقاومة هذه المجموعات تنشغل بـ(التنظيمات)، بينما التنظيمات هي التجلي الأخير للأفكار.. دون أن تنشغل هذه الدول بشكل كاف بمقاومة الأفكار وتفنيدها بتقديم أفكار أكثر وجاهة أو نضجًا أو اتصالاً بحقائق الإسلام». ويتابع الخبير في شؤون الجماعات قائلا: «نجد مثلا أن باب الجهاد، وهو أحد فرائض الإسلام، تم تشويهه بالخلط بين جهاد الدفع وجهاد الطلب، إضافة إلى فكرة الولاء والبراء وما تستتبعه.. كل هذه الأفكار صنعت (بيئة حاضنة) لدعم هذه المجموعات، وتجسدت في أن البعض بمختلف دول العالم الإسلامي وضعوا زكاة أموالهم وصدقاتهم في هذا الباب، وهذا رافد مستمر. فضلا عن رافد متعلق بـ(التمكين) في بعض المناطق، حينما نجحت بعض هذه التنظيمات في السيطرة على حقول نفط أو مناطق أثرية أو خطف للرهائن للحصول على فدى كبيرة.. وكلها روافد تدعم وجود دعم مالي مستمر ومنتظم لهذه المجموعات».
في هذه الأثناء، على المستوى الرسمي، تواجه الدولة المصرية الحركات الإرهابية وتنظيمات العنف «أينما كانت، وأيًا كانت الراية والاسم الذي ترفعه»، بحسب تصريح لمصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط»، الذي أوضح أن «الأجهزة المصرية المختصة تحلل الموقف لحساب تبعاته، رغم أن رد الفعل سيظل واحدًا من حيث العقيدة في كل الأحوال، لكن طريقة التعامل والتفكير المضاد هي المتغير».
وتابع المتحدث أن «إعلان الحرب على الإرهاب بكل أشكاله وصوره يتضمن في جزء هام منه متابعة موارده المادية والفكرية وتطورات عمله بشكل معمق من أجل القضاء عليه»، فيما يعلن الجيش موقفًا حازمًا تمثل في تصريح مقتضب لكنه حاسم للمتحدث العسكري العميد محمد سمير في مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي، قال فيه: «لا يمكن لأي قوة على الأرض أيا كانت أن تسمح لها القوات المسلحة أن تسيطر ولو على مليمتر واحد من أرض سيناء»، وإذا كان هذا هو الحال الذي تحدث عنه الناطق باسم الجيش في سيناء التي تشهد ذروة عمل الجماعات الإرهابية، فإنه يتبعه بالتأكيد أن سيطرة هذه العناصر «محظورة» على كافة تراب أرض مصر.
وعن أثر الجهات الخارجية في الصراع المسلح بين فصائل الإرهاب، حسب رأي الباحث أحمد بان «هناك اختراق واسع من بعض أجهزة المخابرات لهذه المجموعات التي يسهل عمليا اختراقها، ولعل الولايات المتحدة عندما اخترقت مجموعات (القاعدة) وتمكنت من خلال أحد عملائها داخل التنظيم من الحصول على تقنية (القنابل البلاستيكية) التي كانت تمرّر عبر البوابات الإلكترونية دون اكتشافها، يكشف أن هذه التنظيمات مخترقة.
من ناحية أخرى، يشير خبراء استراتيجيون مصريون استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم حول مستقبل الإرهاب في مصر إلى أن التنمية الحقيقية ومكافحة منابع الفكر هي السبل الوحيدة الحقيقية لوقف سيل الإرهاب والعنف في مصر.
اللواء حسام سويلم، الخبير الاستراتيجي والعسكري المصري، قال في حديث سابق مع «الشرق الأوسط»، إن أي «عمليات عسكرية لمواجهة الإرهاب ستواجه بالفشل إذا ما جرت دون مواجهة ما تفرزه منابر التطرف يوميا من عشرات المتطرفين الجدد، دون أن يواجه ذلك من قبل مؤسسات الدولة بفكر مقابل». كما أوضح اللواء محمود خلف، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، في رؤيته أيضًا، أن «محاربة الإرهاب الحقة والتعاون الدولي السليم يستوجب أن يكون هناك معايير ومكاييل واضحة.. ويجب الاتفاق على تلك المعايير للتخلص من كل الإرهابيين في ذات الوقت وعلى كل المحاور، فيجري تتبع وتجفيف منابع التمويل مع إصلاح سياسي، في خطوات متوازية ومتوازنة في المنطقة كلها لأن الأمور كلها مترابطة، وهو ما من شأنه ذبول جذور الإرهاب، ثم اللجوء إلى ضربات إذا احتاج الأمر للقضاء على البقية الباقية على السطح».
ويتفق الباحث أحمد بان مع الرؤى التي تهدف إلى ما هو أكثر من العمليات العسكرية والأمنية وحدها لمكافحة الإرهاب، قائلاً إن «مستقبل هذه الجماعات مرتبط بمستقبل الدولة الوطنية، فعندما تجد دولة مثل الدولة الألمانية، التي كان لديها «حزب نازي» يريد أن يغزو ويحكم العالم ولديه عقيدة بأنه (أفضل الأجناس)، ثم انطوت صفحة هذا الحزب عندما نشأت دولة قوية بمشروع تحديثي واضح ومحدد المعالم بحيث إنها لم تجد حتى أن هناك حاجة لحظر الحزب، الذي ما زال باقيًا في ألمانيا لكنه لا يحظى بأي مقاعد داخل البرلمان، وليس له أي تأثير على سياسات الدولة لا الخارجية ولا الداخلية. هذا يؤكد أن خيار التنمية والتحديث هو الطريق الصحيح لكسر شوكة هذه المجموعات واستيعابها داخل إطار دولة مدنية حديثة، وعليه فكلما تراجعت الدولة ارتفعت موجة هذه المجموعات، والعكس صحيح».

أبرز الجماعات المتطرفة في مصر

* تنظيم أنصار بيت المقدس (أو ولاية سيناء): ظهر في عام 2011، وأعلن مبايعة تنظيم داعش وتغيير اسمه في نهاية عام 2014. قام بعدد من العمليات الكبرى أغلبها في داخل شبه جزيرة سيناء، والتي استهدفت عناصر الجيش والشرطة والمنشآت العسكرية، إضافة إلى سكان محليين ورجال قضاء.
* تنظيم أجناد مصر: ظهر اسمه قبل نحو سنة، ورفض مبايعة تنظيم داعش الإرهابي أو العمل تحت راية تنظيم القاعدة. نفذ الكثير من العمليات في عمق مصر بعيدا عن سيناء، أغلبها تفجيرات باستخدام عبوات ناسفة.
* كتيبة المرابطين: أسسها الضابط المفصول من الجيش المصري هشام عشماوي، بعد انشقاقه عن «أنصار بيت المقدس» اعتراضًا على مبايعة «داعش».. وتولى إمارتها وحمل كنية «أبو عمر المهاجر المصري»، معلنا ولاءه لتنظيم القاعدة. وعشماوي و«كتيبته» هما المتهم الرئيسي في عملية اغتيال النائب العام المصري المستشار هشام بركات.
* «العقاب الثوري» و«كتائب حلوان»: مجموعات غير محددة التنظيم، تتبنى أحداثا عشوائية تتصل أغلبها بالهجوم بالقنابل الحارقة (المولوتوف) على المنشآت والأفراد والاستهداف التخريبي لأبراج الكهرباء في مختلف محافظات مصر، وتنتمي آيديولوجيًا إلى جماعة الإخوان.
* «التوحيد والجهاد»: جماعة تكوّنت في سيناء عقب هروب عناصرها الإرهابية، والتي عملت سابقا تحت تسميات متعددة، من الملاحقات الأمنية في مختلف أرجاء مصر خلال عقود ماضية. مسؤولة عن عدد من عمليات استهداف الجنود وخطفهم في سيناء.
* فلول من جماعات «الناجون من النار» و«جند الإسلام» و«مجلس شورى المجاهدين» و«التكفير والهجرة»: موجودون في غالبيتهم في سيناء، وأغلبهم يوالي «القاعدة» آيديولوجيًا.. نشاطهم غير منتظم.



مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.