ماء.. من أعالي الأجواء

تقنيات لاستخلاصه من الغلاف الجوي للأرض وتأمين احتياجات المناطق الجافة

تقنيات حديثة لاستخلاص الماء من أجواء الأرض
تقنيات حديثة لاستخلاص الماء من أجواء الأرض
TT

ماء.. من أعالي الأجواء

تقنيات حديثة لاستخلاص الماء من أجواء الأرض
تقنيات حديثة لاستخلاص الماء من أجواء الأرض

حتى الآن تمكن الجنس البشري برمته من أن يحيا على نسبة 0.5 في المائة فقط من المياه المتوفرة على اليابسة، لكن هذا الأمر في طريقه إلى التغيير. فقد بدأنا نرى اتجاها متزايدا لجمع المياه من أجواء الأرض، وهو أمر شرع أجدادنا وأسلافنا السابقون بالعمل عليه منذ قرون، فقد صمم القاطنون في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا نظم الآبار الهوائية الأصلية التي تعمل على تكاثف بخار الماء الجوي - منذ 2000 سنة خلت. وبعد ذلك تمكن أفراد الإنكا من الإبقاء على حضارتهم بزيادة كمية المياه فوق معدلات مياه المطر، عن طريق جمع الندى بالقنوات، وحفظه في أحواض وصهاريج لغرض الاستخدامات اللاحقة.
ورغم أن هذه الأساليب موجودة منذ فترة طويلة من الزمن، فإن التقنية في هذا المجال لم تسجل وثبة كبيرة سوى أخيرا، عندما شرع الكثيرون يفكرون على صعيد المساكن التي تؤمن إمداداتها من المياه بذاتها، والمحاصيل التي تروى ذاتيا، وحتى المدن التي لا شبكات مياه فيها.

مياه جو الأرض

الجو الخارجي للأرض نظام أنيق لتوزيع المياه أفضل بكثير من الأنهار، والخزانات والأحواض والمياه الجوفية. وتنطوي نظمنا الحالية على المواسير ومحطات الضخ التي تتطلب كلفة عالية لتشغيلها وصيانتها جدا، والتي هي سريعة التلوث أيضا.
ولكوننا نعتمد على المطر لتأمين المياه التي نحتاجها، فماذا لو تمكنا من استخلاص هذا المطر في كل مرة نحتاج إلى ذلك، وفي المكان الذي نرغبه؟
ولهذا الهدف برز جيل جديد من المخترعين للتعامل مع هذه المسألة بالذات، فعن طريق استخدام الطاقة الشمسية، والرياح، والأشكال الأخرى من الطاقة الساكنة، ستعمل شبكات المياه في المستقبل بفعالية أفضل من أي وسيلة أخرى نتصورها اليوم.
في العام الماضي عمل معهد «إم آي تي» الأميركي، مع مؤسسة «إن بي دي نانو» لتصميم الاستخدامات المستقبلية لتقنية التكثيف المتفوقة. وكان أن تلقى هذان الطرفان نحو 81 فكرة تصميم بعضها في غاية العبقرية.
وكانت «إن بي دي نانو» قد طورت طلاء سطحيا فريدا من نوعه يتألف من نمطين، أحدهما محب للماء، والآخر كاره له، وذلك بمقاييس متناهية في الصغر. وتمكن هذان السطحان معا من زيادة قدرة تكثيف الرطوبة بمقدار كبير، وبالتالي جمع المياه من الهواء. وكانت النتيجة تتراوح بين زجاجات تملأ بالماء، وعمليات لتجفيف الرطوبة وإزالتها تماما، مرورا بمصادر كبيرة للمياه لسقاية المشاتل والدفيئات الحرارية بالتنقيط، والحصول على مياه الشرب النقية في قوارب الإنقاذ، ومطاريات الجنود، وأكثر من ذلك بكثير.
وكانت الفكرة الفائزة هي بعنوان «ذي أكواميست» (The Aquamist)، التي كانت عبارة عن تصميم بسيط خاص بصناعات الزراعة المائية الجديدة. فمثل هذه الزراعات المائية ذات النطاق الضيق تتطلب بيئات ذات رطوبة عالية، وقد تمكن تصميم «ذي أكواميست» هذا من إنتاج ما يكفي لمثل هذه الاحتياجات.

تقنيات جديدة

على صعيد آخر شرع جيل جديد من الشركات يتأسس في أرجاء العالم، لحل مشكلة المياه، عن طريق تأمينها من أجواء الأرض. وتستخدم الشركات هذه تشكيلة متنوعة من التقنيات لتخفيض الكلفة، وإليكم بعضها، كما عرضها موقع «طفيوتشوريستيك سبيكر» الإلكتروني:
* «فوغ كويست» شركة كندية لا تتوخى ربحا تستخدم تقنيات عصرية لجمع الضباب لتأمين مياه الشرب والري والقضاء على التصحر في المناطق الريفية من الدول النامية. ويمكن استخدام مثل هذه المجمعات في الأماكن الجافة، وحتى بالصحارى التي تستقبل أقل من مليمتر واحد من مياه المطر سنويا، لكنها تتطلب وجود الضباب، فضلا عن هبوب الرياح الخفيفة.
* «أوول ووتر»: جاء على الفكرة مارك بيرنت الذي كان يعيش في منطقة الكاريبي في عام 1997، وتقضي باستخدام طواحين المياه لاستخلاص المياه من الهواء. وعن طريق استثمار مالي - فرنسي نقل بيرنت شركته إلى سانت تيوليه في فرنسا لتصبح «دبليو إم إس 1000» بعد سنوات من التطوير والاختبارات، أول طاحونة هوائية تنتج 1000 لتر من المياه يوميا من الهواء. وقد جرى نقل الوحدة الأولى منها إلى أبوظبي لأغراض المزيد من الاختبارات في ظروف الجو القاسية في منطقة الشرق الأوسط.
* «أير دروب» تصميم طوره جيمس دايسون الفائز بجوائز عدة، وإدوارد لينكر لأغراض الري في الأحوال الزراعية الفقيرة أثناء الجفاف الشديد. فقد بينت الأبحاث المستفيضة أن الجفاف يسبب تبخيرا كثيفا من التربة، ومن النباتات على السواء، بسبب درجة الحرارة العالية. لكن النظام هذا يعمل عن طريق جمع الرطوبة من الهواء لري المحاصيل بشكل كفؤ جدا ينتج كميات كبيرة من التكثيف، إذ يقوم توربين بدفع الهواء إلى جوف الأرض عن طريق شبكة من الأنابيب تبرد الهواء بسرعة إلى درجة حرارة التربة حين تكون الرطوبة مائة في المائة، لإنتاج الماء الذي يخزن في خزانات جوفية لضخه بعد ذلك إلى جذور النباتات عبر خراطيم تعمل بالتنقيط.
* «إيه2 دبليو إتش» نظام طوره جو إلسورث في مدينة سياتل الذي يستخدم مجففا لامتصاص الرطوبة من الهواء. وكلما كانت الرطوبة عالية، كان مردود الامتصاص أعلى. ويستخدم النظام الطاقة الشمسية لدفع دفق الهواء لأغراض الامتصاص، وتأمين الحرارة اللازمة لاستخلاص الرطوبة من المجفف. وتقوم طبقة من اللوحات الشمسية بتأمين الطاقة الضرورية.
* «إيكولو بلو» عبارة عن جامع للمياه وتوزيعها للاستعمالات المنزلية والمكتبية، وبعضها مثل «إيكولو بلو 30» لا يتطلب سوى 300 واط لتشغيله بصورة فعالة، كما أنه مصمم للعمل مع ألواح «بي في» الشمسية والبطاريات، لكي يقوم دوما بإنتاج المياه حتى في الحالات الطارئة. ويمكنه جني غالون إلى ثلاثة غالونات من المياه يوميا، وفقا لأحوال الرطوبة وأشعة الشمس.
* «دروب نت»: غمكي هوايلر طالبة التصميم الصناعي في ألمانيا أدارت عقولا كثيرة بموضوع أطروحتها بعنوان «جامع الضباب دروب نت» الذي يستخلص قطرات مائية صغيرة من الضباب، ويحولها إلى مياه شرب بمعدل أربعة إلى خمسة غالونات يوميا.
* «ميست واتر كاناريز» نظام طور منذ خمس سنوات في جزر الكناري من قبل هيرناندو أولمو وريكاردو جيل، إذ تقوم مجموعة من الأبراج تدعى «واتر غاردنز» باستخلاص المياه بكميات كبيرة، وبنوعية جيدة من الضباب لاستعمالها في الغابات، والأحراش، والمخيمات، ولأغراض الزراعة، والاستهلاك البشري.
* زجاجة الماء الذاتية الامتلاء التي تجمع المياه من الجو لم تتحول بعد إلى منتج عملي. لكن طالب التصميم الكندي توماس رو يقدم لنا فكرة عنها. فهي عبارة أداة محمولة لاستخلاص المياه تناسب أي قنينة، والهدف منه تأمين الماء للأشخاص على صعيد يومي.
يبقى القول إن هنالك نحو 37500 تريليون غالون من المياه في الهواء في أي وقت من الأوقات. كذلك يعتبر الماء بقوامه السائل ثقيلا وصعبا ومكلفا لدى نقله من مكان إلى آخر، لكن القنان البلاستيكية جعلته أكثر سهولة للنقل، بيد أن ذلك خلف أيضا مشاكل عدة. ففي كل يوم يجري شحن ملايين من القنان البلاستيكية والأكواب والأواني في جميع أرجاء العالم، لترمى بعد ذلك في المكبات والشوارع، حيث إن غالبيتها لا تتحلل ولا تذوب.



حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»


اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
TT

اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير

في تطور علمي بارز كشف باحثون دوليون عن دور أكبر مما كان يُعتقد سابقاً للعوامل الجينية في الإصابة بمرض العصبون الحركي، وهو مرض عصبي خطير يسبب ضعفاً تدريجياً في العضلات، ويؤدي في النهاية إلى الشلل.

وتُعد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 31 مارس (آذار) 2026 هي الأكبر من نوعها حتى الآن، حيث أظهرت أن سبباً جينياً يمكن تحديده لدى نحو واحد من كل أربعة مرضى. وهذه النسبة تمثل ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى حالة واحدة فقط من كل خمسة.

تعاون دولي واسع

أُجريت الدراسة ضمن مشروع Project MinE، وهو تحالف بحثي عالمي يهدف إلى فهم الأساس الجيني لمرض العصبون الحركي. وشارك في قيادة هذا الجهد باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن King's College London وإشراف مشترك من كيفن كينا ويان فيلدينك من قسم علم الأعصاب الانتقالي مركز الدماغ المركز الطبي الجامعي جامعة أوتريخت الهولندية.

قام الفريق بتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» لأكثر من 18 ألف مريض، من بينهم نحو 2000 عينة من بنك الحمض النووي البريطاني الخاص بالمرض UK MND DNA Bank الذي يُدار بالتعاون مع مستشفى كينغز كوليدج التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.

مرض سريع التقدم

يُعد مرض العصبون الحركي المعروف اختصاراً بـMND motor neuron disease من الأمراض التنكسية التي تصيب الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في الحركة. ومع مرور الوقت يفقد المرضى القدرة على الحركة، والكلام، والتنفس، وغالباً ما يؤدي المرض إلى الوفاة خلال نحو عامين من التشخيص.

ورغم أن نحو 10 في المائه فقط من الحالات لديها تاريخ عائلي واضح، فإن النتائج الجديدة تشير إلى أن العوامل الجينية قد تكون أكثر انتشاراً مما كان يُعتقد.

اكتشاف طفرات نادرة

ما يميز هذه الدراسة هو حجمها الكبير الذي أتاح للباحثين اكتشاف طفرات جينية نادرة لم تكن معروفة سابقاً. ففي حين ركزت الدراسات السابقة على الطفرات الشائعة، أو الموروثة داخل العائلات، سمح هذا التحليل الواسع برصد تغيرات جينية نادرة عبر مجموعة كبيرة من المرضى.

وتُظهر النتائج أن 25 في المائه من المرضى يحملون تغيرات جينية مرتبطة بالمرض، سواء كان لديهم تاريخ عائلي أم لا، ما يعزز فكرة أن الجينات تلعب دوراً محورياً في تطور الحالة.

تأثير مباشر على العلاج

ولا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات على الفهم العلمي فقط، بل تمتد إلى الممارسة الطبية، إذ إن معرفة الطفرات الجينية لدى المريض يمكن أن تساعد الأطباء في تحديد مسار المرض، والتنبؤ بتطوره، بل وقد تؤثر في اختيار العلاج. كما أن بعض هذه الطفرات قد تكون موروثة، ما يجعلها ذات أهمية لأفراد العائلة، إذ يمكن أن تساعد الفحوصات الجينية في الكشف المبكر عن خطر الإصابة.

وفي هذا السياق قال أحد المشاركين في الدراسة الدكتور عمار الجلبي من قسم العلوم العصبية الأساسية والسريرية معهد موريس وول للعلوم العصبية السريرية في كينغز كوليدج إن هذه الدراسة توسّع بشكل كبير فهمنا لأسباب المرض، وتُظهر أن للعوامل الجينية دوراً مهماً لدى نحو ربع المرضى، بغض النظر عن وجود تاريخ عائلي. وهذا يعني أنه ينبغي عرض الفحص الجيني على جميع المرضى.

أمل لعلاجات موجهة

ولا يزال علاج مرض العصبون الحركي حتى الآن محدوداً للغاية. ومع ذلك شهد عام 2022 تطوراً مهماً مع ظهور دواء يستهدف طفرة محددة في جين يُعرف باسم SOD1، وهو ما يُعد أول علاج موجه لسبب جيني محدد للمرض. لكن هذا العلاج لا يفيد سوى نسبة صغيرة من المرضى تُقدّر بنحو 2 في المائه في المملكة المتحدة.

وقد تغيّر الاكتشافات الجديدة هذا الواقع، إذ توفر أهدافاً جينية جديدة يمكن تطوير علاجات موجهة لها في المستقبل على غرار ما حدث مع جين SOD1.

أهمية الفحص الجيني

تعكس هذه النتائج تحولاً متزايداً نحو الطب الشخصي، حيث يتم تصميم العلاج بناءً على الخصائص الجينية لكل مريض. ومع تقدم الأبحاث قد يصبح من الممكن في المستقبل تطوير علاجات تستهدف الطفرات الجينية المحددة لكل حالة، ما يزيد من فعالية العلاج، ويحسن جودة الحياة.

وتشير الدراسة إلى أن توسيع نطاق الفحوصات الجينية قد يكون خطوة ضرورية في إدارة المرض. فمع توفر معلومات أكثر دقة عن الأسباب الجينية يمكن تحسين التشخيص، وتقديم استشارات وراثية للعائلات، وربما الوقاية في بعض الحالات.

وفي ظل غياب علاج شافٍ حتى الآن، تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق لمرض العصبون الحركي. وبينما لا يزال الطريق طويلاً، فإن تحديد المزيد من الأسباب الجينية يفتح آفاقاً جديدة للأمل، لا للمرضى فحسب، بل أيضاً لعائلاتهم، وللعلماء الساعين إلى تحويل هذه الاكتشافات إلى علاجات تنقذ الأرواح.