رحلات السفاري في الصحراء المصرية تتعرض لانتكاسة جديدة بعد حادث المكسيكيين

تحظى بشهرة كبيرة بين السياح الغربيين.. والقلاقل الأمنية في المنطقة أصابتها بالركود

سياح غربيون في محطة من محطات السفاري في الواحات المصرية («الشرق الأوسط»)
سياح غربيون في محطة من محطات السفاري في الواحات المصرية («الشرق الأوسط»)
TT

رحلات السفاري في الصحراء المصرية تتعرض لانتكاسة جديدة بعد حادث المكسيكيين

سياح غربيون في محطة من محطات السفاري في الواحات المصرية («الشرق الأوسط»)
سياح غربيون في محطة من محطات السفاري في الواحات المصرية («الشرق الأوسط»)

تبلغ كلفة رحلة السفاري من ضاحية المعادي في القاهرة، إلى عمق الصحراء الغربية الجنوبية من البلاد، حيث الواحات وصخور الشهب السوداء والجير الأبيض، نحو 3 آلاف دولار للسائح الواحد. لكن في ظل الاضطرابات والخشية من تحركات المتطرفين عبر الحدود مع كل من ليبيا والسودان، يمكن أن يكلفك هذا النوع من الرحلات حياتك، كما حدث يوم أول من أمس، حين استهدفت السلطات المصرية عن غير قصد، قافلة سياحية مكسيكية.
وقالت وزارة الداخلية إن قوة من الشرطة والجيش قتلت 12 مصريا ومكسيكيا وأصابت عشرة آخرين عندما فتحت النار بطريق الخطأ على القافلة المكسيكية التي كانت تقوم برحلة سفاري في الصحراء الغربية بالتزامن مع مطاردة السلطات لمتشددين يختبئون في المناطق المجاورة لليبيا. تراجع السياحة هناك لا يمثل ضربة لوكلاء السفر من المصريين والأجانب، ولكن الأضرار تصل أيضا إلى صغار العمال والتجار ممن يقدمون الخدمات عبر منتجعات الصحراء الطينية ويبيعون جريد النخيل المشغول قرب التجمعات العتيقة.
وتقول بائعة جريد وقبعات أمام مجمع طيني في الصحراء يعود تاريخه للعصر المملوكي، تابع لمحافظة الوادي الجديد، وهي تستمع للأخبار في المذياع الصغير، إن حركة السياح بعد أن كانت رائجة ضعفت إلى حد كبير.. «لم أبع أي شيء منذ أسبوع. هذا يذكرني بأيام اختطاف السياح قرب حدود السودان. وقتها مرت شهور إلى أن عادت السياحة لمعدلها الطبيعي. نأمل في ألا يؤثر حادث السياح المكسيكيين، لأننا كنا ننتظر تحسن أوضاع السياحة، لا تدهورها، والعياذ بالله». وتنشط رحلات السفاري رغم تحذيرات السلطات المصرية وإجراءات التراخيص المعقدة. ويتردد عدة مندوبين من الواحات المصرية على أوروبا ودول أخرى لجلب السياح الأجانب من محبي استكشاف الصحراء في أقصى الجنوب الغربي. ويبدأ تنظيم الرحلة من خلال سفر أحد المندوبين المحليين للاتفاق مع وكلاء سياحة الصحراء في أوروبا ودول أخرى.
ويقول شريف الذي يعمل في واحة الفرافرة في هذا المجال منذ نحو 15 سنة، إن «الأجانب يحددون وقت قدومهم للرحلة بما يتوافق مع إجازاتهم السنوية من أعمالهم في بلادهم، ولهذا حين يتأخر موعد استخراج التصاريح من جانب السلطات المصرية نكون أمام أحد أمرين، إما إلغاء الرحلة، وهذا يكبدنا خسائر ويقلل من سمعتنا في السياحة في الخارج، وإما تنفيذ برنامج الرحلة بغض النظر عن موعد خروج التصاريح اللازمة».
ويضيف محمد أقبيس، وهو مندوب رحلات سفاري في واحة الباويطي المجاورة، إن «بعض التصاريح الرسمية تحدد خطوط السير في مناطق لا تشبع نهم السياح الذين يسعون للتخييم في (الصحراء البيضاء) لعدة أيام، وهي منطقة ذات مناظر خلابة، لكنها أصبحت شبه محظورة منذ أكثر من سنة». ويوضح أن «رحلة السفاري كانت تكلف الفرد الواحد نحو 10 آلاف جنيه، وذلك منذ لحظة وصوله لمصر، حتى عودته. وتقع معظم مراكز تجميع سياح السفاري في ضاحية المعادي، بعد وصولهم إلى مطار القاهرة الدولي. وتأتي سيارات الدفع الرباعي من الواحات، عبر طريق غرب الجيزة الصحراوي، إلى المعادي، ليبدأ تنفيذ برنامج الرحلة الذي يستغرق عشرة أيام في المتوسط».
ثم زادت الكلفة على السائح الواحد إلى 15 ألف جنيه خلال أيام الفوضى الأمنية في أعوام 2011 و2012 و2013، إلا أن نشاط التنظيمات المتطرفة في البلاد وفي دول الجوار، جعل تنظيم السفاري محفوفا بالمخاطر، وارتفع السعر منذ العام الماضي إلى أكثر من 20 ألف جنيه. ومعظم السياح يأتون من أوروبا وأميركا، وكان من أشهر من زاروا هذه المناطق نجم هوليوود، الممثل روبرت دي نيرو. لكن حظر الكثير من الدول الغربية على رعاياها السياحة في مصر، جعل مندوبي السفاري المصريين يتجهون إلى دول أخرى منها أميركا اللاتينية حيث جرى جلب المجموعة التي تعرضت للقصف عن طريق الخطأ يوم أول من أمس.
وبعض السياح المقتدرين، مثل الفنان دي نيرو، ورجال أعمال من بريطانيا وفرنسا، يسددون ألوف الدولارات لتمضية أسبوع يشمل ركوب الجمال والخيول وقيادة سيارات الدفع الرباعي في الكثبان المتحركة الصفراء، إذ ينتقلون أولا بالطائرة من القاهرة إلى مطار مدينة «الخارجة» في محافظة الوادي الجديد، الواقعة جنوب الصحراء البيضاء. ومن هناك تنطلق بهم سيارات الدفع الرباعي إلى عمق البيداء القاحلة. ويوجد لمثل هذه الشريحة من السياح بيوت طينية مبنية قرب مستنقعات ملحية، ومجهزة تجهيزا بسيطا، لكن يتوفر فيها التقنيات الحديثة للاتصال والترفيه بما في ذلك كثير من عزف الموسيقى.
ويضيف الشاب رزق، وهو أحد أدلة رحلات السفاري هنا، أن «بعض السياح الفرنسيين كانوا يلحون للوصول إلى الكهوف القريبة من الحدود المصرية السودانية التي توجد فيها رسومات يعتقد أنها الأقدم في تاريخ البشرية على الإطلاق.. رسوم ملونة يظهر فيها ثيران وغزلان. ونقوش بديعة لنباتات». ويضيف أن «معظم عشاق رحلات السفاري بمن فيهم المكسيكيون لديهم خلفية غنية عن طبيعة الواحات والصحراء الغربية بمصر من الشمال للجنوب، ويحرصون أيضا على زيارة المدن القديمة مثل مدينة القصر الطينية التي تقع على بعد نحو مائتي كيلومتر شمال عاصمة محافظة الوادي الجديد».
ومن شأن حادث القافلة المكسيكية أن يقضي على آخر محاولات إنعاش سياحة السفاري على أيدي القطاع الخاص الذي تضرر بشدة في غالبية أنحاء منطقة الشرق الأوسط عقب ثورات ما يسمى بـ«الربيع العربي». ورفض المندوب السياحي في واحة الباويطي، عبد السلام، الكشف أيضا عن اسمه كاملا، وهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن المصاعب التي أصبح يواجهها عدة مئات من المصريين ممن يعتمدون على سياحة السفاري للأجانب بين الواحات النائية كمصدر رئيسي للدخل منذ أكثر من عشرين سنة.
ويقول إنه حتى أواخر عام 2010 تمكن القطاع الخاص من وضع هذه المنطقة على خريطة سياحة السفاري الدولية، وبدأ يخوض منافسة مع وكلاء من دول في شمال ووسط أفريقيا، وجنوب شرقي آسيا، إلى أن أصبح يفد إلى الصحراء الغربية بمصر سنويا ما لا يقل عن خمسين ألف سائح.. «ليس عبر مطار القاهرة فقط، ولكن بعض السياح كانوا يأتون عبر منفذ السلوم البري مع ليبيا، والدخول للصحراء دون دخول المدن الكبرى كالإسكندرية والجيزة، لكن الفوضى في ليبيا قضت على هذا المصدر».
ويضيف عبد السلام أن «هذا العدد تراجع مع استمرار المشكلات الأمنية وأصبح لا يزيد سنويا على ألفين أو ثلاثة آلاف، ويضطر معظمهم للقبول بالرحلات القصيرة دون الوصول إلى عمق الصحراء أو الاقتراب من الحدود الليبية أو السودانية».
وتوجد في كهوف جنوب غربي البلاد نقوش ورسوم ملونة لحيوانات على الجدران يعود عمرها لأكثر من 10 آلاف سنة. ويعتقد بعض السياح أن الشهب المحترقة هي مصدر قديم للون الأسود للصخور والحجارة الصلدة المبعثرة في أرجاء تلك المنقطة. ومن بين السياح الأجانب من يؤمن بخرافات تتعلق بالاتصال بالعالم الآخر والأرواح، وذلك حين يلف تلك المنطقة الظلام المطبق وتمتلئ السماء بالأضواء الفضية لملايين النجوم المرتعشة.
وتحظى الصحراء البيضاء التي تتكون من صخور جيرية وتمتد لعدة عشرات من الكيلومترات المربعة، بين واحتي «الباويطي» و«الفرافرة» بشهرة واسعة بين رواد السفاري الأجانب، إلى درجة تشكيل جمعية من مصريين وأجانب مقرها في أوروبا ومهمتها الوحيدة المرور على هذه الصحراء كل سنة لتنظيفها من مخلفات السياح، أي من علب العصائر والمشروبات الفارغة والحطب المحترق وأعقاب السجائر.
وتعرضت السياحة في هذه الصحراء لانتكاسة كبيرة مرتين بسبب التطورات الأمنية والسياسية بالمنطقة. الأولى عقب خطف نحو عشرين سائحا في عام 2008 على أيدي متمردين من السودان تسللوا إلى داخل الحدود المصرية الجنوبية، قرب جبل عوينات، وجرى وقتها استعادتهم على يد الجيش المصري. والمرة الثانية بعد حادث الهجوم الإرهابي على نقطة تمركز «واحة الفرافرة» التابعة للجيش في تلك المنطقة العام الماضي، مما أسفر عن مقتل 23 ضابطا ومجندا.
ويمتد نشاط رحلات السفاري في الصحراء الغربية لمصر، من مدينة الباويطي (نحو 400 كيلومتر غرب القاهرة) إلى حدود جبل عوينات القريب من السودان على بعد نحو 800 كيلومتر جنوب غربي العاصمة)، ويتطلب التجول في هذه الرقعة الصحراوية التي تجتذب بطبيعتها الفريدة، السياح من مختلف دول العالم، الحصول على تصاريح وتراخيص من السلطات، والإبلاغ عن خطوط السير، وذلك «لمعرفة السياح من المهربين والمتطرفين».
وأصبح إنجاز هذه الإجراءات يتطلب وقتا طويلا يتعارض أحيانا مع برنامج الزيارة المتفق عليه سلفا مع السياح الأجانب، القادمين من أوروبا وأميركا ودول أميركا اللاتينية، كما يقول عبد السلام، الذي يملك مع أشقائه ثلاث سيارات دفع رباعي مجهزة بأدوات التخييم وبأجهزة تحديد المواقع (جي بي إس). ويضطر منظمو رحلات السفاري في كثير من الأحيان إلى تنفيذ برنامج الرحلة حتى قبل إنهاء الإجراءات اللازمة التي من بينها موافقة حرس الحدود وشرطة السياحة والأمن الوطني والمخابرات، كما يقول مصدر أمني حدودي.
وفرضت السلطات المصرية هذه الشروط وزادت فيها بشكل تدريجي طوال السنوات الست الأخيرة، مما أدى إلى تراجع هذا النوع من السياحة وإصابة العاملين فيه بخسائر فادحة.. ويقول مسؤول أمني في الصحراء الغربية إنه «منذ اختطاف السياح عام 2008 بدأ التنبيه على منظمي رحلات السفاري للالتزام بالتعليمات وعدم المغامرة بالخروج في الصحراء إلا بعد إذن كتابي من الجهات المختصة ومرافقة مندوب أمني للقافلة منذ خروجها حتى عودتها».



تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
TT

تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)

تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع عودة التصعيد العسكري للحوثيين، بالتزامن مع تداعيات استئناف الحرب على إيران، التي بدأت تلقي بظلالها على حركة التجارة وإمدادات السلع إلى البلاد، في وقت حذّرت فيه الأمم المتحدة من اتساع رقعة الجوع وتراجع قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة بسبب النقص الحاد في التمويل.

وقالت مصادر حكومية وأخرى تجارية لـ«الشرق الأوسط» إن موردي السلع يواجهون صعوبات متزايدة في إيصال الشحنات إلى البلاد، مع استمرار الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة في المنطقة.

وأوضحت المصادر أن مئات الحاويات لا تزال عالقة في موانئ إقليمية منذ أشهر نتيجة تعطل خطوط الشحن المرتبطة بمضيق هرمز، في حين تتصاعد المخاوف من تأخر وصول شحنات جديدة وارتفاع إضافي في تكاليف النقل.

وينعكس هذا الوضع مباشرة على أسعار السلع، في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية، في وقت يعاني فيه السكان أصلاً تراجع القدرة الشرائية وانهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر.

الحوثيون يصعّدون رغم التحذيرات الدولية من تفاقم الأزمة الإنسانية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، ارتفعت أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الجولة الأولى من الحرب بأكثر من 20 في المائة، في حين كانت الزيادات أكبر في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد فرض الجماعة رسوماً جمركية مرتفعة على شحنات القمح والدقيق الواردة عبر الموانئ الخاضعة للحكومة، تجاوزت 100 في المائة، ما أدى إلى زيادة أسعار الدقيق، وهو الغذاء الرئيسي لمعظم السكان، ولا سيما في المحافظات الجبلية.

تحذيرات أممية

وتأتي هذه التطورات بينما تؤكد الأمم المتحدة أن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية واتساع انعدام الأمن الغذائي.

ووفق تقرير أممي حديث، فإن استمرار النزاع، وتراجع التمويل، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع تكلفة الواردات، عوامل تدفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أشد من الفقر والجوع، ما لم تتوفر موارد إضافية تضمن استمرار برامج الإغاثة.

وأشار التقرير إلى أن 18.3 مليون شخص يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع توقع انتقال مزيد من المديريات إلى مرحلة الطوارئ الغذائية، ووصول بعض المناطق إلى مستويات كارثية من الجوع.

كما أوضح أن 22.3 مليون شخص -يمثلون أكثر من ثلثي سكان اليمن- سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، بينهم 5.2 مليون نازح داخلياً، إضافة إلى المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

تمويل متراجع

وحذّرت الأمم المتحدة من أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه أزمة تمويل غير مسبوقة، إذ لم يتجاوز ما جرى توفيره حتى نهاية مايو (أيار) 12.7 في المائة من إجمالي 2.16 مليار دولار تحتاج إليها خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، الأمر الذي دفع وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها وحصر تدخلاتها بالحالات الأشد احتياجاً.

الأطفال والنساء يظلون الأكثر تضرراً من سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأكد التقرير أن الأطفال والنساء يظلون الفئة الأكثر تضرراً في اليمن، مع توقع إصابة 2.2 مليون طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 500 ألف يعانون سوء التغذية الوخيم، إلى جانب 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة معرضات لسوء التغذية.

وأضاف التقرير الأممي أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية في اليمن أصبحت خارج الخدمة كلياً أو جزئياً، في وقت يزيد فيه استمرار تفشي الكوليرا والحصبة والدفتيريا، إلى جانب تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، من احتمالات وقوع أزمات صحية واسعة، في حين يحتاج 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والإصحاح البيئي.


العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
TT

العاصمة المصرية الجديدة... زخم رسمي وإشغال لا يزال محدوداً

«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)
«مونوريل» شرق النيل يسير بجوار مبانٍ شاهقة داخل العاصمة المصرية الجديدة (وزارة النقل المصرية)

يوماً بعد يوم، تكتسب العاصمة المصرية الجديدة زخماً سياسياً من خلال فعاليات تعزز مكانتها رسمياً وشعبياً، وإن ظل الإشغال السكني محدوداً.

وحسب تصريحات رسمية لرئيس شركة «العاصمة الإدارية الجديدة»، خالد عباس، فإن «عدد السكان المقيمين في المدينة حالياً تجاوز 30 ألف مواطن، مع زيادة يومية في أعداد المنتقلين إلى العاصمة».

وتوقع عباس، في تصريحات تلفزيونية الشهر الماضي، وصول عدد السكان المقيمين بنهاية العام الحالي إلى ما بين 50 و60 ألف شخص، استناداً إلى طلبات تركيب عدادات الخدمات التي تلقتها شركة «العاصمة».

ويعود تاريخ مشروع العاصمة الجديدة إلى مارس (آذار) 2015، حين بدأ بوصفه محاولة لتخفيف الضغط عن القاهرة عبر إنشاء مدينة جديدة على مساحة نحو 700 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 170 ألف فدان، تُنفذ على 3 مراحل. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى نحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، بما يعادل تقريباً نصف مساحة القاهرة، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان.

من افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وكان من المقرر بدء تشغيلها فعلياً عام 2020، لكن جائحة «كوفيد-19» وما تبعتها من توترات جيوسياسية في المنطقة والعالم، أدّتا إلى تأجيل التشغيل الرسمي للمدينة إلى عام 2024، حين بدأ نقل الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، تلا ذلك انتقال البرلمان ومؤسسات الدولة الرسمية.

ورغم تنفيذ الدولة مشروعات للطرق وخطوط المواصلات، لا يزال حجم الإشغال السكني محدوداً مقارنة بحجم الإشغال الحكومي الرسمي، لا سيما في ظل كثرة الفعاليات الرسمية الهادفة إلى تعزيز مكانة العاصمة، وكان آخرها افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

لكن الخبير العقاري أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر»، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «نسبة الإشغال طبيعية رغم محدوديتها»، موضحاً أن «المدن الجديدة عادة ما يكون الإشغال السكني فيها تدريجياً مع زيادة الخدمات والأحداث».

وأضاف: «قبل سنوات، كان الناس يعدّون مدناً مثل القاهرة الجديدة وأكتوبر بعيدة، لكن اليوم يجري التسويق للعقارات بمستوى قربها من الجامعة الأميركية بالتجمع الخامس بوصفها وسط البلد الحالية».

وفي تصريحاته، دافع رئيس شركة «العاصمة» عن نسب الإشغال، مؤكداً أنها «ليست قليلة»، وقال إن «مساحة المرحلة الأولى تعادل 4 أضعاف مساحة مدينة الشيخ زايد أو مدينة الشروق». وأضاف: «العاصمة ليست مجرد مبانٍ محدودة وسط الصحراء، كما يتصور البعض»، مشيراً إلى اكتمال أعمال البنية التحتية للمرحلة الأولى بالكامل، وبيع نحو 70 في المائة من أراضي العاصمة لمطورين عقاريين.

وتعول مصر على العاصمة الجديدة بوصفها «خطوة محورية تُعيد تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا»، حسب التصريحات الرسمية.

وتستضيف العاصمة الجديدة حالياً الاجتماعات الرسمية للحكومة والمؤتمرات الصحافية لمختلف الجهات الرسمية، إضافة إلى المقابلات الرسمية للمسؤولين. وأخيراً خصصت منطقة مجهزة لمتابعة مباريات كأس العالم، سُميت «الفان زون»، إضافة إلى استضافتها مؤتمرات رسمية عدة.

وفي إطار تسهيل الوصول إلى العاصمة، بدأت مصر أخيراً تشغيل خط «مونوريل» شرق النيل، ليربط القاهرة بالعاصمة الجديدة.

وقال عبد الفتاح إن «نسب الطلب على حجز الوحدات السكنية في العاصمة لا تزال أقل من الطلب على وحدات مماثلة في القاهرة الجديدة، وإن كان الطلب عليها في تزايد»، موضحاً أن «مشروعات العاصمة لا تزال في مرحلتي التخطيط والإنشاء، وأن كثيرين يسعون إلى حجز وحدات بتسهيلات لتكون مقراً سكنياً لهم في المستقبل».

مقر «القيادة الاستراتيجية» بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

وأضاف: «يبلغ متوسط سعر المتر السكني للشقق في العاصمة نحو 50 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً)، ويرتفع إلى 85 ألفاً في الفيلات»، مشيراً إلى أن «الأسعار في العاصمة أقل مقارنة بالقاهرة الجديدة، بسبب اختلاف مستوى الخدمات واكتمال تنفيذ المشروعات». وأكد عبد الفتاح أن «العاصمة تُمثل مستقبل السكن في السوق العقارية»، متوقعاً «زيادة الإقبال عليها خلال الفترات المقبلة».

وتستهدف العاصمة الجديدة نحو نصف مليون نسمة في مرحلتها الأولى. لكن عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الخبير الاستراتيجي، الدكتور عبد المنعم سعيد، يتوقع أن يصل تعداد السكان في العاصمة إلى مليون نسمة بحلول 2030، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الزخم الرسمي الذي اكتسبته العاصمة الجديدة بالافتتاحات الأخيرة ونقل الوزارات والمؤسسات الرسمية، عزز من وجودها»، لافتاً إلى أحداث ومؤتمرات زادت من شعبيتها.

وأضاف: «حجم الإشغال طبيعي، لا سيما مع كونها جديدة»، متوقعاً زيادة تدريجية في السكان وفي الدور الرسمي والسياسي مع مرور الوقت، أسوة بتجارب دول أخرى بما عواصم جديدة.


كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
TT

كيف تعاملت الحكومة اليمنية مع تصعيد إيران بشأن مطار صنعاء؟

القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)
القوات المسلحة اليمنية تبنت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية (إ.ب.أ)

لم تتعامل القيادة اليمنية مع أزمة الطائرة الإيرانية التي حاولت الهبوط في مطار صنعاء، الاثنين الماضي، على أنها حادثة طيران يمكن التغاضي عنها منعاً لمزيد من التصعيد، بل نظرت إليها بوصفها اختباراً مباشراً لسيادة الدولة، ومحاولة لفرض واقع سياسي وعسكري جديد خارج مؤسساتها الشرعية، في توقيت إقليمي يشهد توتراً غير مسبوق.

وعلى خلاف أزمات سابقة اتسمت بردود فعل أقل ثباتاً، جاءت إدارة الأزمة هذه المرة عبر منظومة متكاملة جمعت بين القرار العسكري المحسوب، والتحرك السياسي المنظم، والجهد القانوني والدبلوماسي، مع الحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة أوسع كانت الحكومة ترى أن طهران تسعى إليها لتحويل اليمن مجدداً ساحةَ صراع إقليمي.

وبرزت خلال الأزمة رسالة مركزية حرصت القيادة اليمنية على تثبيتها منذ الساعات الأولى، هي أن الدفاع عن السيادة لا يتعارض مع التمسك بخيار السلام، وأن الدولة قادرة على فرض القانون دون التخلي عن مسؤوليتها في حماية المدنيين أو المحافظة على فرص التسوية السياسية.

العليمي خلال اجتماع لمجلس الدفاع الوطني اليمني (إعلام حكومي)

ولذلك؛ لم يكن استهداف مدرج مطار صنعاء- لمنع هبوط الطائرة الإيرانية- سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الإجراءات السياسية والقانونية التي سبقت استخدام القوة، بعد أن قالت الحكومة إنها استنفدت جميع المبادرات لتشغيل المطار عبر القنوات الرسمية، وأتاحت بدائل تضمن استمرار الرحلات المدنية بواسطة «الخطوط الجوية اليمنية» بوصفها الناقل الوطني المخول قانوناً.

ولعل ما ميّز أداء الحكومة اليمنية خلال الأزمة أنها لم تكتف بالرد على الحدث، بل سعت إلى إدارة الرواية السياسية المصاحبة له، فمنذ اللحظة الأولى ركزت البيانات الرسمية على أن الخلاف ليس مع تشغيل مطار صنعاء أو سفر المواطنين، وإنما مع محاولة انتزاع إحدى أهم صلاحيات الدولة السيادية، وهي التحكم في المجال الجوي والمنافذ الدولية.

ولهذا كررت القيادة اليمنية في كل بياناتها أن المشكلة لا تكمن في الطائرة بحد ذاتها، وإنما في تشغيل رحلات دولية دون موافقة السلطات الشرعية، في مخالفة لـ«اتفاقية شيكاغو للطيران المدني» ولقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة باليمن.

جانب من قصف مدرج مطار صنعاء لمنع وصول الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

كما أظهرت الحكومة أنها قدمت حلولاً عملية قبل التصعيد، بينها نقل الوفد الحوثي من طهران عبر طائرة تستأجرها «الخطوط الجوية اليمنية»، وهو عرض قالت إن الجماعة رفضته، بما عزز روايتها أمام المجتمع الدولي بأنها لم تلجأ إلى القوة إلا بعد استنفاد الخيارات الأخرى.

وفي الوقت نفسه، حرص رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، على تأكيد أن الأولوية كانت حماية أرواح المدنيين والممتلكات العامة، وعدم توسيع دائرة المواجهة لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه إيران بزج اليمن في صراعات إقليمية، وهي رسالة استهدفت طمأنة الداخل، وإظهار أن القرار العسكري ظل خاضعاً لحسابات سياسية دقيقة، وليس لردود فعل انفعالية.

كما عكست حالة الانعقاد الدائم للحكومة، وتشكيل فريق وطني لإدارة الأزمة، انتقال مؤسسات الدولة إلى نمط إدارة موحد يجمع بين الجوانب العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية، مما منح الأداء الرسمي قدراً أكبر من الانسجام مقارنة بأزمات سابقة.

التأييد الداخلي والدولي

في ظل الأزمة، يرى مراقبون أن الحكومة اليمنية نجحت أيضاً في تحويلها من مواجهة ثنائية بينها وبين الحوثيين إلى قضية تتعلق باحترام سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.

فعلى المستوى الداخلي، سارع مجلسا النواب والشورى وهيئة التشاور والمصالحة، والتكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، إلى إعلان تأييدهم الكامل الإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي، وعَدّ ما جرى انتهاكاً للسيادة اليمنية وليس مجرد خلاف سياسي.

وأهمية هذا الاصطفاف أنه جاء من المؤسسات الرسمية والحزبية التابعة للشرعية، بما منح القيادة غطاءً سياسياً في مواجهة أي محاولات لتصوير أن الشرعية تفتقد التوافق بين مكوناتها في مواجهة الأزمة.

نائبة المندوب الأميركي خلال جلسة مجلس الأمن التي ناقشت انتهاك إيران سيادة اليمن (الأمم المتحدة)

أما خارجياً، فقد بدا واضحاً أن التحرك الدبلوماسي اليمني سبق انعقاد جلسة مجلس الأمن، بعدما تمكنت الحكومة من دفع عدد من الدول الكبرى إلى تبني خطاب قريب من الرواية الرسمية.

فقد وصفت الولايات المتحدة الهبوط الإيراني بأنه انتهاك لسيادة اليمن، وربطته باحتمال نقل خبراء ومعدات عسكرية إلى الحوثيين، عادّةً أن ذلك يمثل خرقاً لقرارات مجلس الأمن، في حين أكدت بريطانيا أن أي رحلات تجري دون موافقة الحكومة الشرعية تُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي، وطالبت بالتحقيق عبر آليات الأمم المتحدة.

كما ذهبت فرنسا إلى أبعد من ذلك عندما ربطت الحادثة بالسلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، وجددت مطالبتها بوقف نقل المعدات العسكرية إلى الحوثيين، مع تأكيدها التمسك بوحدة اليمن وسيادته.

ورغم أن الأمم المتحدة حافظت على خطابها التقليدي الداعي إلى خفض التصعيد، فإنها شددت أيضاً على احترام وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، مما منح الحكومة سنداً سياسياً إضافياً في الدفاع عن موقفها.

رسائل متعددة

يمكن قراءة إدارة أزمة الطائرة الإيرانية من قبل الشرعية اليمنية بوصفها محاولة لإيصال 3 رسائل متوازية؛ الرسالة الأولى إلى إيران، ومفادها بأن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة لفرض الوقائع عبر الرحلات الجوية أو المنافذ السيادية، وأن أي محاولة لتجاوز مؤسسات الدولة ستواجه بإجراءات عملية، حتى مع استمرار التمسك بخيار السلام.

أما الرسالة الثانية فكانت موجهة إلى الحوثيين، ومضمونها أن استخدام معاناة المدنيين أو مطار صنعاء ورقةً سياسيةً لن يؤدي إلى انتزاع اعتراف بسلطات موازية للدولة، وأن الحكومة لن تسمح بتكريس أي صلاحيات سيادية خارج مؤسساتها.

صورة للطائرة الإيرانية التي هبطت في مطار الحديدة بعد منع وصولها إلى صنعاء (إ.ب.أ)

توازياً، حملت الرسالة الثالثة بعداً دولياً؛ إذ دعت الحكومة مجلس الأمن إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الردع، عبر التطبيق الصارم للعقوبات وقرارات المجلس، خصوصاً القرارين «2140» و«2216»، عادّةً أن استمرار التغاضي عن الانتهاكات يشجع على تكرارها.

لكن على الرغم من المكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققتها الشرعية اليمنية، فإن الأزمة لم تنته عملياً، إذ ما زالت مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على ترجمة مواقف الإدانة إلى إجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الحوادث، وتفرض احترام سيادة الدولة اليمنية على جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية.

كما أن استمرار تحركات المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، بالتوازي مع المواقف الدولية الداعمة خفض التصعيد، يعكس إدراكاً متنامياً بأن الحفاظ على الهدنة الهشة يتطلب معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمها إنهاء الانقلاب الحوثي، ومنع استخدام الملفات الإنسانية والمنافذ السيادية أدواتٍ للصراع.

وبالنسبة إلى الحكومة اليمنية- يرى مراقبون- أن الأزمة مثلت اختباراً سياسياً أكبر منه عسكرياً، وقد سعت من خلاله إلى ترسيخ معادلة جديدة عنوانها أن الدفاع عن السيادة لا يتناقض مع السعي إلى السلام، وأن الدولة قادرة على الجمع بين ضبط النفس والحزم، وبين احترام القانون الدولي وفرض هيبتها.