حاكم «مصرف لبنان» بالإنابة: لن أستخدم أموال الناس لإقراض الدولة... حتى بقانون

وسيم منصوري قال لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان لا يستطيع أن يتطور من دون علاقات مع محيطه العربي والخليجي

وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
TT

حاكم «مصرف لبنان» بالإنابة: لن أستخدم أموال الناس لإقراض الدولة... حتى بقانون

وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)

قد لا يكون منصفاً مقارنة 30 سنة قضاها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في إدارة السياسة المالية بـ30 يوماً قضاها نائبه وسيم منصوري في الموقع، بعد إعلان القوى السياسية اللبنانية عجزها عن تعيين بديل لسلامة الذي يواجه إجراءات قضائية في لبنان وأوروبا وعقوبات أميركية ترتبط كلها بطريقة إدارته للملفات المالية.

لكن منصوري، الآتي إلى عالم المال من خلفية حقوقية، بدأ سريعاً بـ«هدم» السياسات المالية للحاكم السابق، في مواجهة عوامل متناقضة، فكان أمام امتحان ضبط سعر صرف الليرة مقابل الحرص على تمويل الدولة بالعملة الصعبة، وهو ما بدا أنه نجح فيه إلى حد كبير، مع ملاحظة لافتة تتعلق بشفافية الأرقام التي بدأت تظهر في بيانات المصرف نصف الشهرية.

ونجح منصوري في ضبط سعر صرف الليرة الذي كان البعض يتوقع أن يشهد انهياراً لافتاً مع رحيل سلامة، لكن هذا النجاح مؤقت، ويحتاج إلى تدعيم بإجراءات حكومية ونيابية تسهم في إعادة التوازن إلى المالية العامة للدولة. ويعمل منصوري حالياً على إكمال منصة جديدة «أكثر شفافية» لتحويل العملات، فيما يستبشر كثيرون بالتجاوب الخارجي مع سياساته وأكثرها تعبيراً عودة كثير من المصارف المراسلة إلى التعامل مع مصرف لبنان، بعد أن أحجمت عن ذلك في الفترة السابقة، بينها مصرفا «سيتي بنك» و«مورغان ستانلي».

أول إجراءات منصوري كانت بحق الدولة اللبنانية التي كانت تغرف من أموال مصرف لبنان بداية، ثم من احتياطاته النقدية العائدة للمودعين في المصارف اللبنانية، ما تسبب بانهيار مالي كبير في أواخر عام 2019 لم تخرج البلاد منه حتى اليوم.

فترة سماح

في المؤتمر الصحافي الأول، الذي عقده منصوري قبل يوم من نهاية ولاية سلامة، قال إنه مستعد لإعطاء فترة سماح للدولة للانتقال، كي لا يقطع التمويل عنها نهائياً. اقترح منصوري إعطاء الدولة قرضاً لـ3 أو 6 أشهر للمرة الأخيرة، ضمن آلية لتسديد القرض، لكن الحكومة والقوى السياسية لم تتجاوب بإصدار قوانين بهذا الإطار، فلجأ منصوري إلى خطة بديلة، فهذا الشهر سدد مصرف لبنان رواتب القطاع العام بالدولار بشراء الدولارات من السوق بليرات حولتها الحكومة إلى مصرف لبنان، وبالتالي لم يطبع أموالاً إضافية، ولا اضطر لاحقاً لسحب أموال الاحتياطي لإعادة الهدوء إلى السوق، كما كان يحصل سابقاً.

كانت الفكرة تغطية العجز مقابل الإصلاحات على قاعدة إعطاء الحكومة وقتاً لتحصل على الأموال من صندوق النقد أو أي مصدر آخر تقترحه الدولة، فيما يؤمن مصرف لبنان الانتظام المالي في مقابل تأمين القوانين الإصلاحية والضمانات للمودع.

لكن منصوري يجزم بأنه «طالما لم تؤمن كل تلك المطالب، فلن أقرض أحداً». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن لا رجوع إطلاقاً عن وقت تمويل الدولة، «لأنني أسعى لإعادة الانتظام لمالية الدولة. هذا القرار حاسم وليس سهلاً لكنني لن أتراجع عنه». ويذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بتأكيده أنه «حتى لو صدر قانون بمجلس النواب بالاستدانة، ولم تكن هناك قوانين إصلاحية في مقابلها، لن أصرف الأموال. هذا حقي بالقانون. لا قانون يلزمني بالدفع. هناك قانون يجيز لي استخدام أموال الناس لإقراض الدولة، لكنني لن أستخدم أموال الناس. أرفض استخدامها لسبب بسيط، لأنه إذا لم تقترن بالإصلاحات نكون نرميها في الهواء».

في الواقع، لا يمكن إعادة الانتظام لمالية الدولة دون الاعتماد على مصادر التمويل الخارجية. المشكلة أنه في المرات الماضية، كانت الدولة تعتمد على أموال مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لتغطية عجز الموازنة. والمشكلة الكبرى أن حجم الاعتماد كان كبيراً لدرجة أنه استنزف مخزون المركزي من العملة الصعبة إلى درجة النضوب، وفي المرحلة الأخيرة كان هذا المخزون للمودعين وليس للمصرف المركزي، وهو أوصل إلى فجوة مالية كبيرة جداً تقتضي العمل على معالجتها.

معالجات الموازنة العامة للدولة لعام 2023 حتى هذه اللحظة، خرجت بعجز معلن قدره 46 تريليون ليرة، أي 500 مليون دولار، رغم أنه يفترض أن تكون متوازنة. ويرى منصوري أن العجز سيتجاوز ذلك.

وينقل زوار منصوري عنه قوله إن هذا العجز يجب أن تتم تغطيته، وهنا تكمن المشكلة الكبيرة. هذه المعضلة - كما ينقل عن الحاكم بالإنابة - لا تُعالج إلا بإطار قانون جديد مختلف عن إطار المعالجة السابقة، حيث يجب أن يتم العمل على الموازنة بشكل جدي لتكون بلا عجز، حتى لو تأخرنا بذلك لفترة معينة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان ثمة استحالة لإنجاز موازنة من دون عجز، في حين أن مصرف لبنان اتخذ قراراً نهائياً بعدم تغطية أي عجز، فكيف ستتم تغطيته؟ الجواب البديهي أن هذا العجز لا يمكن تغطيته إلا من خلال برنامج مع صندوق النقد الدولي بعد إنجاز الإصلاحات المطلوبة من قبله، لأنه من دونها، لا انتظام لمالية الدولة ولا أمل للمودع بتحصيل وديعته. أو من خلال مورد خارجي آخر، وهذا من شأن الحكومة إيجاده لا مصرف لبنان.

وفي ملف أموال المودعين، يشدد منصوري على أنه «لا يمكن معاملة الناس كما يعاملون الآن. هذه قلة احترام للناس، وقلة قيمة للدولة». ويقول كما ينقل عنه زواره: «في أموال المودعين، تجب مصارحة الناس بالملف، والعمل بجد لإيجاد حلول جدية، وهذا الأمر لا يتم إلا بموجب القوانين التي أطالب بها. القوانين الإصلاحية، وهي (الكابيتال كونترول)، وإعادة هيكلة المصارف، وقانون التوازن المالي. هذه القوانين الثلاثة مع الموازنة التي تخفف العجز إلى أقصى حد، إذا أنجزت، يمكن إيجاد توازن».

وسيم منصوري (د.ب.أ)

الاقتصاد النقدي ومخاطره:

منذ بدء الأزمة واحتجاز أموال المودعين في المصارف، فقد اللبنانيون الثقة بهذا القطاع، وذهبوا نحو اقتصاد نقدي له كثير من المخاطر. يقول منصوري لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاقتصاد النقدي الذي يعيشه البلد، لا يمكن ولا يجب أن يستمر. أنا كمصرف مركزي لا يمكن أن أستمر بشراء الدولار من السوق إلى ما لا نهاية. ويجب أن أتأكد من كل مصادرها. بالنهاية، الاقتصاد النقدي، سيقضي على البلد. نحن بحاجة لمساعدة. لكن إذا لم نساعد أنفسنا، فمن سيساعدنا؟».

وفي محاولة للخروج من هذه الأزمة، قام مصرف لبنان بإصدار التعميم رقم 165 الذي أتاح فتح حسابات «فريش» بالدولار والليرة، لنقل السوق الموازية إلى القطاع المصرفي، بما يتيح لمصرف لبنان المراقبة والتأكد من مصدر الأموال في البلد وتفعيل إجراءات مكافحة تبييض الأموال. لكن إذا لم تحصل أي حلول قانونية جذرية، تتيح للقطاع المصرفي العمل بفاعلية، فستبقى ضمن اقتصاد الكاش. الأمور كلها مترابطة، يقول منصوري: «تنجز القوانين الإصلاحية، تنتظم مالية الدولة، المودع يعرف كيف ومتى سيحصل على أمواله، تستعاد الثقة بالمصارف، عندها تدفع هذه الثقة الناس لإعادة جزء من أموالها إلى المصارف، وهو ما يتيح لمصرف لبنان، كمنظم للقطاع المصرفي، أن يضع شروطاً أقوى للحد من اقتصاد الكاش والعودة للعمل عبر المصارف». ويحذر منصوري من أن «الاقتصاد النقدي يمثل خطراً على الدولة ككل».

العلاقات مع الخارج

يجزم منصوري لزواره بأن «لبنان لا يستطيع أن يستمر ويتطور من دون علاقات مع محيطه العربي والخليجي الطبيعي. كل ما تسمعه من الدول الصديقة للبنان، يدعونا لإيجاد حل سياسي، وسيجدوننا إلى جانبهم. هذا الملف ليس بيدي، لكن من واجباتي دعوتهم لإنجاز القوانين المتصلة بالنقد والإصلاحات لإعادة بناء الاقتصاد. أعتقد أنه إذا هذا القطاع تم بناؤه، باقي الأمور ستحل».

منصة جديدة

من سياسات منصوري المختلفة، وقف العمل بمنصة «صيرفة» التي اعترى عملها كثير من الشوائب، مقابل آلية جديدة يتم إنجازها مع وكالة «بلومبرغ» العالمية، وسيتم من خلالها تبادل العملات الأجنبية والمحلية بصيغة أكثر شفافية ووضوحاً. «صيرفة» أصلاً لم تعد متاحة للتجار ورجال الأعمال الذين حققوا مكاسب كبيرة منها، وباتت فقط لموظفي الدولة. يوم الأربعاء ستكون منصة التداول الجديدة بنداً على جدول مجلس الوزراء لإقرارها، وبعدما سجل 13 مصرفاً عليها، ستبدأ المصارف الأخرى التسجيل عليها للدخول إلى سوق تداول.

هذه الآلية عندما تتكامل، ستصبح لدينا منصة تحدد سعر صرف الدولار، وتحقق انتظاماً لسعر صرفه. يؤكد منصوري أنه من الناحية النقدية وحجم الكتلة النقدية بالليرة يمكن القول إن سعر الصرف مضبوط في المدى المنظور. ويقول: «طالما أنني أضبط الكتلة النقدية في المركزي، فلا خوف من انفلات بسعر صرف الدولار».

إجراءات منصوري لضبط العملة بدأت بالإحجام عن «التغول في شراء الدولارات من السوق، مقابل خفض حجم الكتلة النقدية التي انخفضت من 80 إلى 60 تريليون ليرة في أول أغسطس (آب) الماضي (نحو نصف مليار دولار). بالتوازي تقوم القوى الأمنية بضبط المضاربين بالسوق، وباتت تعرفهم. أي متلاعب بالسوق يتم القبض عليه. كما أن مصرف لبنان طلب من المصارف بألا تصرف أكثر من 50 مليار ليرة باليوم الواحد لزبائنها. أما وزارة المال فلا تضخ ليرة بالسوق قبل التنسيق مع مصرف لبنان، علماً بأن وزارة المالية جمعت في أغسطس وحده نحو 20 تريليون ليرة، بينها ما يفوق 11 تريليون نقداً».

السؤال الكبير: هل تستطيع الحكومة تدبير أمورها بالمبلغ الذي يؤمنه لها مصرف لبنان؟ يقول منصوري: «هنا السؤال الكبير، وإذا لم ننجز الإصلاحات، فلا نستطيع أن نستمر بهذا الوضع مع عودة التلاميذ إلى المدارس وتراجع عرض الدولارات في السوق».

يجزم منصوري بأن «الوضع النقدي مضبوط على أسس علمية». ويقول: «ما أقوم به هو وسائل نقدية تقليدية لا تكلف المصرف المركزي سنتاً واحداً»، ولعل هذا الأمر يشكل فارقاً كبيراً عما كان يحصل من قبل.

حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة (أ.ب)

ورداً على اتهامات تساق لمنصوري وبقية نواب الحاكم، بأنهم كانوا جزءاً من سياسات رياض سلامة، فقد أصبح من الواضح بالرجوع إلى ما أصبح معلوماً من مداولات المجلس المركزي أن أعضاء المجلس المركزي لمصرف لبنان كانوا يعترضون على كثير من الإنفاق الحاصل، لكن القانون يعطي الحاكم سلطة تنفيذية واسعة مستقلة عن المجلس المركزي، وبالتالي كان نواب الحاكم يعترضون على إقراض الدولة، وأصدر المجلس قراراً أُبلغ للحكومة في عام 2021، أن كل دولار يُطلب هو من الاحتياطي، لكن للأسف استمر الدفع. وقد نشر في الإعلام بعض من هذه المراسلات.



وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
TT

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي» الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، وأبلغ الوفد رئيس الحكومة نواف سلام بملاحظاته على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف واسترداد الودائع.

وتتزامن الزيارة مع مناقشة اللجان البرلمانية لمشروع قانون «الفجوة المالية» واسترداد الودائع العالقة في المصارف منذ 2019، وهو مشروع قانون أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب لدراسته. كما تأتي الجولة عقب إقرار قانون الموازنة العامة للعام الحالي.

لقاء مثمر

وبحث الوفد في بيروت، الخطوات التي تؤدي إلى اتفاق مع صندوق النقد، سبق أن تعثر إبرامه في ربيع عام 2022. واستقبل رئيس الحكومة نواف سلام الوفد برئاسة إرنستو راميريز ريغو.

وأكد سلام أن اللقاء «كان إيجابياً ومثمراً، حيث تم البحث في ملاحظات الصندوق على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف، إضافةً إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع». وأشارت رئاسة الحكومة اللبنانية في بيان إلى أن البحث «تناول الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق».

كذلك، زار الوفد رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ويتابع وفد الصندوق الخطوات التشريعية لقانون «الفجوة المالية» الذي يرى مسؤولون ماليون لبنانيون أن ثغرات قانونية وإجرائية في المشروع الحكومي، «تتنافى مع توصيات الصندوق»، ولا سيما ما يخص تطوير خطة «قيد الخسائر وتوزيعها، واستعادة قوة القطاع المصرفي بما يتناغم مع المعايير الدولية واعتبارات حماية صغار المودعين واستدامة القدرة على تحمل الدين العام».


قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
TT

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)
سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول القطاعات الإنتاجية اللبنانية والصادرات إلى الدول العربية وقطاع النقل البري، فضلاً عن انعكاسات سلبية على تكلفة التبادل التجاري، والقطاعات الإنتاجية في البلدين، لا سيّما الزراعة والصناعات الغذائية.

كانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا أصدرت الأحد قراراً جديداً ينظّم حركة الشحن عبر المنافذ البرية والمرافئ البحرية، متضمناً قيوداً على دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية، ويقضي بإلزامها بتفريغ حمولتها داخل الساحات الجمركية ونقلها إلى شاحنات سورية، واستثنى القرار الشاحنات العابرة بنظام «الترانزيت».

تحركات لبنانية

وعُقِدَ اجتماع موسّع في المديرية العامة للنقل البري والبحري، ضمّ ممثلين عن اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، والمصدّرين والوكلاء البحريين ووسطاء النقل، إضافة إلى ممثل عن وزارة الزراعة ورئيس مصلحة النقل البري طوني عساف، خُصّص لبحث تداعيات القرار.

مشاركون في اجتماع المديرية العامة للنقل البري والبحري في بيروت لمناقشة القرار السوري (الوكالة الوطنية)

وأجمع الحاضرون على أنّ القرار «انعكس سلباً على قطاع النقل البري اللبناني وشركات الشحن والترانزيت، وعلى السائقين والعاملين في هذا القطاع، إضافة إلى المصدّرين اللبنانيين، لا سيّما في ما يتعلّق بالمواد الغذائية والسلع القابلة للتلف»، محذّرين من تراجع حجم وانسيابية حركة التبادل التجاري بين الجانبين.

كما رأى المجتمعون أنّ المسار الدبلوماسي لم يفضِ، حتى الآن، إلى معالجة تضمن التوازن في حركة النقل البري بين البلدين، رافضين تحميل القطاع اللبناني أعباء إضافية ناتجة عن إجراءات أحادية الجانب. ودعوا وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إلى اتخاذ إجراءات تحمي القطاع، بما فيها اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل إلى حين إعادة تطبيق أحكام الاتفاقية النافذة.

سوريا متنفس أساسي

في قراءة اقتصادية أوسع، قال رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد لـ«الشرق الأوسط»، إنّه يتمنّى أن تكون الإجراءات المتّخذة «مؤقّتة وقابلة للإزالة، بما يسمح بعودة الأمور إلى طبيعتها»، مذكّراً بأنّ سوريا تشكّل «متنفّساً أساسياً للبنان، سواء لجهة الصناعة أو الزراعة».

وأوضح أنّ «هناك مساعي وإجراءات قيد البحث لمعالجة التداعيات»، معرباً عن أمله في أن تتمّ المعالجة «من خلال سياسة واضحة للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين لبنان وسوريا، تقوم على الشفافية الكاملة، وتراعي مصالح البلدين على حدّ سواء».

وأكد عربيد أنّ «أي قرار من هذا النوع يترك انعكاسات مباشرة، لا سيّما على تصدير الخضار والفاكهة وسائر المنتجات»، معتبراً أنّ ذلك «يضغط أكثر على قطاع إنتاجي يعاني أساساً من أوضاع صعبة»، وشدد على أنّ لبنان «بحاجة ماسّة إلى تسهيل التصدير، وتسهيل العبور والنقل، بوصفها ركائز أي مقاربة جديّة للتبادل التجاري بين بلدين جارين تربطهما علاقات اقتصادية تاريخية».

تكلفة مرتفعة

في المقابل، قدّم مدير «المعهد اللبناني لدراسات السوق»، الدكتور باتريك مارديني، قراءة تقنية - اقتصادية للقرار، موضحاً أنّه «سيؤدي إلى ارتفاع التكلفة، ولا سيما على المستهلك السوري». ولفت إلى أنّ «السلطات السورية منعت الشاحنات الأجنبية من تفريغ أو تحميل بضائعها داخل سوريا، ما فرض اعتماد نظام (باك تو باك)، حيث تُفرغ الشاحنات حمولتها عند الحدود لتتسلّمها شاحنات سورية، والعكس صحيح».

سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا خلال اعتصام رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

ورأى مارديني أنّ «هذا النظام يزيد التكلفة والوقت، ويعقّد العمليات اللوجستية، الأمر الذي ينعكس سلباً على المستهلك السوري، في بلد خارج من حرب ويعتمد بشكل كبير على الاستيراد، سواء للمواد الغذائية أو للأدوية وسائر السلع الأساسية».

وأشار إلى أنّ «المرحلة السابقة شهدت تسهيلاً لعمليات الاستيراد والتصدير في سوريا، ما أدّى إلى انخفاض ملحوظ في أسعار السلع الاستهلاكية بعد كسر الاحتكارات الداخلية، وهو ما استفاد منه المستهلكون، لا سيّما الفئات الأكثر فقراً»، معتبراً أنّ «القرار الجديد يُعيد تعزيز هذه الاحتكارات، إذ يخفّف من رغبة الدول المجاورة في التصدير إلى سوريا أو الاستيراد منها، بسبب ارتفاع التكلفة وزيادة الوقت والمخاطر، خصوصاً بالنسبة للمنتجات الزراعية القابلة للتلف».

وفي ما يتعلّق بالأرقام، أكّد مارديني أنّه «لا توجد بعد تقديرات رسمية للخسائر أو للانعكاسات الاقتصادية على لبنان»، معتبراً أنّ «الوقت لا يزال مبكراً لإعطاء أرقام دقيقة»، مشيراً إلى أنّ «تجارب سابقة أظهرت أنّ تغيّر سلاسل الإمداد قد يكلّف ما بين مليونين وعشرة ملايين دولار، تبعاً لسرعة معالجة الأزمة وكيفية تطبيق الإجراءات».

إنعاش قطاع النقل السوري

وعن خلفيات القرار، أوضح أنّ «هناك رغبة لدى الحكومة السورية في إعادة إنعاش قطاع النقل الذي تضرّر خلال الحرب، من خلال اعتماد نوع من سياسات الحماية»، إلا أنّه شدّد على أنّ «هذه السياسة، وإن هدفت إلى دعم قطاع النقل، تؤدي عملياً إلى الإضرار بالاقتصاد السوري ككل، وبالمصدرين السوريين، نتيجة ارتفاع التكلفة وطول مدة النقل، ما يضعف قدرتهم التنافسية إقليمياً». كما أشار إلى «محاولة موازية لإعادة تنشيط المرافئ السورية، في ظل اعتماد السوق السورية حالياً على مرافئ خارجية، مثل مرفأ بيروت أو المعابر عبر الأردن».

وأكد أنّ «تأثير القرار على القطاعات الإنتاجية، سواء الزراعية أو الصناعية، هو تأثير متبادل، إذ تزداد أكلاف تصدير المنتجات اللبنانية إلى سوريا، كما ترتفع أكلاف تصدير المنتجات السورية إلى لبنان»، معتبراً أنّ هذه السياسات تمثّل «خسارة للطرفين» من الناحية الاقتصادية.

خسائر فورية

بدوره، وصف رئيس «الاتحاد الوطني للفلاحين في لبنان» إبراهيم الترشيشي القرار بأنّه «مرتبك، ولا يستند إلى أي دراسة عادلة أو مدروسة»، لافتاً إلى أنه «أدّى إلى إرباك كبير وأضرار جسيمة».

وأوضح أنّ «التنفيذ الفوري ألحق خسائر مباشرة بأصحاب الشاحنات وبالتجّار والمزارعين، مع تلف بضائع زراعية حساسة، لا سيّما الموز، وارتفاع تكلفة الشاحنة المبرّدة بما يتراوح بين 500 و600 دولار إضافية، فضلاً عن أعباء التنزيل والتحميل والتأخير».

وأشار إلى أنّ لبنان «يصدّر يومياً ما بين 10 و15 شاحنة موز إلى سوريا، إضافة إلى سلع صناعية وغذائية أخرى باتت تتحمّل الأعباء نفسها، ما ينعكس خسائر على المنتج والمستهلك في آنٍ واحد». وشدّد على أنّ لبنان «ليس المقصود بهذا القرار»، رافضاً منطق المعاملة بالمثل، ومؤكداً أنّ «لبنان كان وسيبقى مع أشقائه العرب»، وحذّر من تداعيات هذا الإجراء، معتبراً أنّه «سيرفع تكلفة النقل وتكلفة الإنتاج، ما سينعكس سلباً على كلٍّ من المنتج والمستهلك في آنٍ واحد»، مؤكّداً أنّ «أي تصعيد من هذا النوع بين دولتين لا يصبّ في مصلحة الشعب، ولا يخدم الإنتاج الوطني».

Your Premium trial has ended


تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
TT

تحقيقات العراق مع سجناء «داعش» بدأت «من الصفر»

قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)
قافلة تحمل «دواعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، الثلاثاء، حرص بلاده على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها، مشدداً على أن قرار نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين في السجون والمعتقلات السورية إلى العراق جاء «بقرار عراقي سيادي»؛ يهدف إلى حماية الأمن الوطني والإقليمي والدولي، في حين أكد مسؤول أمني بارز أن تحقيقات العراق مع السجناء «بدأت من الصفر».

وجاءت تصريحات السوداني خلال استقباله سفير الأردن في بغداد، ماهر سالم الطراونة، حيث ناقش الجانبان تطورات الملف الأمني الإقليمي، إلى جانب سبل تعزيز التعاون الثنائي والثلاثي بين العراق والأردن ومصر، بما يسهم في دعم الاستقرار بالمنطقة.

وأعرب السفير الأردني عن شكر بلاده للعراق على «دوره المحوري في حفظ أمن المنطقة واستقرارها»، مؤكداً استعداد عمّان للتعاون في ملف نقل سجناء «داعش» وتعزيز إجراءات الأمن الإقليمي.

تحقيقات قضائية

ووفق بيانات أمنية عراقية، فقد بلغ إجمالي عدد عناصر تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من السجون والمعتقلات السورية إلى العراق حتى الآن 4583 عنصراً، من أصل ما بين 7 و8 آلاف معتقل، ينتمون إلى 42 دولة عربية وأجنبية.

وقال رئيس «خلية الإعلام الأمني» في «قيادة العمليات المشتركة»، الفريق سعد معن، إن عمليات النقل ما زالت مستمرة «جواً وبراً، وعلى شكل دفعات»، ووفق إجراءات أمنية مشددة، وصولاً إلى «أماكن احتجاز مؤمنة بالكامل»، مؤكداً أنه «لا مجال لحدوث أي خروقات».

وأوضح معن، في تصريحات متلفزة، أن نقل المعتقلين جاء نتيجة «ثقة المجتمع الدولي بالعراق»، إضافة إلى «حق العراقيين في الكشف عن حجم الجرائم والظلم الذي تعرضوا له»، مشيراً إلى أن التحقيقات القضائية مع المعتقلين بدأت منذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، وأنه يشرف عليها قضاة كبار في محكمة تحقيق بغداد - الكرخ.

حافلات تنقل «دواعش» من سوريا إلى العراق بمدينة القامشلي السورية (رويترز)

قيادات خطرة

وكشفت التحقيقات الأولية، وفق المسؤول الأمني، عن وجود «عناصر شديدة الخطورة وقيادات كبيرة في تنظيم (داعش)»، بعضهم متورط في جرائم مباشرة ضد العراقيين منذ عام 2014، فيما أظهرت التحقيقات أن عدداً منهم استخدم أسلحة كيمياوية في تنفيذ هجمات داخل العراق.

وأكد معن أن القضاء العراقي باشر التحقيق «من الصفر» رغم امتلاك الأجهزة الأمنية معلومات واسعة عن كثير من المتهمين، متوقعاً أن تستمر التحقيقات «أشهراً عدة»، وأن تسفر عن نتائج مهمة لتحديد المسؤوليات الجنائية بدقة.

وأشار إلى أن الجانب السوري لم يُجرِ محاكمات بحق عناصر التنظيم؛ مما يتيح للعراق محاكمتهم وفق قانون العقوبات العراقي وقانون مكافحة الإرهاب، وبما يتناسب مع الاختصاص المكاني والجرائم المرتكبة، لافتاً إلى أن المعتقلين يمثلون العراق وسوريا إلى جانب عشرات الدول الأخرى.

«قنبلة موقوتة»

ووصف رئيس «خلية الإعلام الأمني» عناصر «داعش» المنقولين من سوريا بأنهم «قنبلة بشرية موقوتة لو كانوا خارج السجون»، مؤكداً أن احتجازهم في سجون عراقية مؤمنة «جنّب المنطقة أخطاراً جسيمة».

وشدد على أن العراق بات «رأس حربة في محاربة الإرهاب»، ويتمتع بتنسيق وتعاون أمني مستمر مع مختلف دول العالم، إلى جانب جهود داخل السجون لتفكيك الفكر المتطرف عبر لجان حكومية ومستشاري الأمن القومي.

في موازاة ذلك، أكد معن أن العمليات العسكرية والاستخبارية ضد خلايا «داعش» النائمة مستمرة، وأن القوات العراقية تنفذ عمليات استباقية وضربات دقيقة، مشيراً إلى أن الشريط الحدودي مع سوريا «مؤمّن بشكل كامل» بقوات قتالية وتحصينات واسعة، وأن لدى العراق «رؤية شاملة لما يجري خارج حدوده»، على حد تعبيره.