حاكم «مصرف لبنان» بالإنابة: لن أستخدم أموال الناس لإقراض الدولة... حتى بقانون

وسيم منصوري قال لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان لا يستطيع أن يتطور من دون علاقات مع محيطه العربي والخليجي

وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
TT

حاكم «مصرف لبنان» بالإنابة: لن أستخدم أموال الناس لإقراض الدولة... حتى بقانون

وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)
وسيم منصوري حاكم مصرف لبنان بالإنابة في مؤتمر صحافي (أ.ب)

قد لا يكون منصفاً مقارنة 30 سنة قضاها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في إدارة السياسة المالية بـ30 يوماً قضاها نائبه وسيم منصوري في الموقع، بعد إعلان القوى السياسية اللبنانية عجزها عن تعيين بديل لسلامة الذي يواجه إجراءات قضائية في لبنان وأوروبا وعقوبات أميركية ترتبط كلها بطريقة إدارته للملفات المالية.

لكن منصوري، الآتي إلى عالم المال من خلفية حقوقية، بدأ سريعاً بـ«هدم» السياسات المالية للحاكم السابق، في مواجهة عوامل متناقضة، فكان أمام امتحان ضبط سعر صرف الليرة مقابل الحرص على تمويل الدولة بالعملة الصعبة، وهو ما بدا أنه نجح فيه إلى حد كبير، مع ملاحظة لافتة تتعلق بشفافية الأرقام التي بدأت تظهر في بيانات المصرف نصف الشهرية.

ونجح منصوري في ضبط سعر صرف الليرة الذي كان البعض يتوقع أن يشهد انهياراً لافتاً مع رحيل سلامة، لكن هذا النجاح مؤقت، ويحتاج إلى تدعيم بإجراءات حكومية ونيابية تسهم في إعادة التوازن إلى المالية العامة للدولة. ويعمل منصوري حالياً على إكمال منصة جديدة «أكثر شفافية» لتحويل العملات، فيما يستبشر كثيرون بالتجاوب الخارجي مع سياساته وأكثرها تعبيراً عودة كثير من المصارف المراسلة إلى التعامل مع مصرف لبنان، بعد أن أحجمت عن ذلك في الفترة السابقة، بينها مصرفا «سيتي بنك» و«مورغان ستانلي».

أول إجراءات منصوري كانت بحق الدولة اللبنانية التي كانت تغرف من أموال مصرف لبنان بداية، ثم من احتياطاته النقدية العائدة للمودعين في المصارف اللبنانية، ما تسبب بانهيار مالي كبير في أواخر عام 2019 لم تخرج البلاد منه حتى اليوم.

فترة سماح

في المؤتمر الصحافي الأول، الذي عقده منصوري قبل يوم من نهاية ولاية سلامة، قال إنه مستعد لإعطاء فترة سماح للدولة للانتقال، كي لا يقطع التمويل عنها نهائياً. اقترح منصوري إعطاء الدولة قرضاً لـ3 أو 6 أشهر للمرة الأخيرة، ضمن آلية لتسديد القرض، لكن الحكومة والقوى السياسية لم تتجاوب بإصدار قوانين بهذا الإطار، فلجأ منصوري إلى خطة بديلة، فهذا الشهر سدد مصرف لبنان رواتب القطاع العام بالدولار بشراء الدولارات من السوق بليرات حولتها الحكومة إلى مصرف لبنان، وبالتالي لم يطبع أموالاً إضافية، ولا اضطر لاحقاً لسحب أموال الاحتياطي لإعادة الهدوء إلى السوق، كما كان يحصل سابقاً.

كانت الفكرة تغطية العجز مقابل الإصلاحات على قاعدة إعطاء الحكومة وقتاً لتحصل على الأموال من صندوق النقد أو أي مصدر آخر تقترحه الدولة، فيما يؤمن مصرف لبنان الانتظام المالي في مقابل تأمين القوانين الإصلاحية والضمانات للمودع.

لكن منصوري يجزم بأنه «طالما لم تؤمن كل تلك المطالب، فلن أقرض أحداً». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن لا رجوع إطلاقاً عن وقت تمويل الدولة، «لأنني أسعى لإعادة الانتظام لمالية الدولة. هذا القرار حاسم وليس سهلاً لكنني لن أتراجع عنه». ويذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بتأكيده أنه «حتى لو صدر قانون بمجلس النواب بالاستدانة، ولم تكن هناك قوانين إصلاحية في مقابلها، لن أصرف الأموال. هذا حقي بالقانون. لا قانون يلزمني بالدفع. هناك قانون يجيز لي استخدام أموال الناس لإقراض الدولة، لكنني لن أستخدم أموال الناس. أرفض استخدامها لسبب بسيط، لأنه إذا لم تقترن بالإصلاحات نكون نرميها في الهواء».

في الواقع، لا يمكن إعادة الانتظام لمالية الدولة دون الاعتماد على مصادر التمويل الخارجية. المشكلة أنه في المرات الماضية، كانت الدولة تعتمد على أموال مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لتغطية عجز الموازنة. والمشكلة الكبرى أن حجم الاعتماد كان كبيراً لدرجة أنه استنزف مخزون المركزي من العملة الصعبة إلى درجة النضوب، وفي المرحلة الأخيرة كان هذا المخزون للمودعين وليس للمصرف المركزي، وهو أوصل إلى فجوة مالية كبيرة جداً تقتضي العمل على معالجتها.

معالجات الموازنة العامة للدولة لعام 2023 حتى هذه اللحظة، خرجت بعجز معلن قدره 46 تريليون ليرة، أي 500 مليون دولار، رغم أنه يفترض أن تكون متوازنة. ويرى منصوري أن العجز سيتجاوز ذلك.

وينقل زوار منصوري عنه قوله إن هذا العجز يجب أن تتم تغطيته، وهنا تكمن المشكلة الكبيرة. هذه المعضلة - كما ينقل عن الحاكم بالإنابة - لا تُعالج إلا بإطار قانون جديد مختلف عن إطار المعالجة السابقة، حيث يجب أن يتم العمل على الموازنة بشكل جدي لتكون بلا عجز، حتى لو تأخرنا بذلك لفترة معينة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان ثمة استحالة لإنجاز موازنة من دون عجز، في حين أن مصرف لبنان اتخذ قراراً نهائياً بعدم تغطية أي عجز، فكيف ستتم تغطيته؟ الجواب البديهي أن هذا العجز لا يمكن تغطيته إلا من خلال برنامج مع صندوق النقد الدولي بعد إنجاز الإصلاحات المطلوبة من قبله، لأنه من دونها، لا انتظام لمالية الدولة ولا أمل للمودع بتحصيل وديعته. أو من خلال مورد خارجي آخر، وهذا من شأن الحكومة إيجاده لا مصرف لبنان.

وفي ملف أموال المودعين، يشدد منصوري على أنه «لا يمكن معاملة الناس كما يعاملون الآن. هذه قلة احترام للناس، وقلة قيمة للدولة». ويقول كما ينقل عنه زواره: «في أموال المودعين، تجب مصارحة الناس بالملف، والعمل بجد لإيجاد حلول جدية، وهذا الأمر لا يتم إلا بموجب القوانين التي أطالب بها. القوانين الإصلاحية، وهي (الكابيتال كونترول)، وإعادة هيكلة المصارف، وقانون التوازن المالي. هذه القوانين الثلاثة مع الموازنة التي تخفف العجز إلى أقصى حد، إذا أنجزت، يمكن إيجاد توازن».

وسيم منصوري (د.ب.أ)

الاقتصاد النقدي ومخاطره:

منذ بدء الأزمة واحتجاز أموال المودعين في المصارف، فقد اللبنانيون الثقة بهذا القطاع، وذهبوا نحو اقتصاد نقدي له كثير من المخاطر. يقول منصوري لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاقتصاد النقدي الذي يعيشه البلد، لا يمكن ولا يجب أن يستمر. أنا كمصرف مركزي لا يمكن أن أستمر بشراء الدولار من السوق إلى ما لا نهاية. ويجب أن أتأكد من كل مصادرها. بالنهاية، الاقتصاد النقدي، سيقضي على البلد. نحن بحاجة لمساعدة. لكن إذا لم نساعد أنفسنا، فمن سيساعدنا؟».

وفي محاولة للخروج من هذه الأزمة، قام مصرف لبنان بإصدار التعميم رقم 165 الذي أتاح فتح حسابات «فريش» بالدولار والليرة، لنقل السوق الموازية إلى القطاع المصرفي، بما يتيح لمصرف لبنان المراقبة والتأكد من مصدر الأموال في البلد وتفعيل إجراءات مكافحة تبييض الأموال. لكن إذا لم تحصل أي حلول قانونية جذرية، تتيح للقطاع المصرفي العمل بفاعلية، فستبقى ضمن اقتصاد الكاش. الأمور كلها مترابطة، يقول منصوري: «تنجز القوانين الإصلاحية، تنتظم مالية الدولة، المودع يعرف كيف ومتى سيحصل على أمواله، تستعاد الثقة بالمصارف، عندها تدفع هذه الثقة الناس لإعادة جزء من أموالها إلى المصارف، وهو ما يتيح لمصرف لبنان، كمنظم للقطاع المصرفي، أن يضع شروطاً أقوى للحد من اقتصاد الكاش والعودة للعمل عبر المصارف». ويحذر منصوري من أن «الاقتصاد النقدي يمثل خطراً على الدولة ككل».

العلاقات مع الخارج

يجزم منصوري لزواره بأن «لبنان لا يستطيع أن يستمر ويتطور من دون علاقات مع محيطه العربي والخليجي الطبيعي. كل ما تسمعه من الدول الصديقة للبنان، يدعونا لإيجاد حل سياسي، وسيجدوننا إلى جانبهم. هذا الملف ليس بيدي، لكن من واجباتي دعوتهم لإنجاز القوانين المتصلة بالنقد والإصلاحات لإعادة بناء الاقتصاد. أعتقد أنه إذا هذا القطاع تم بناؤه، باقي الأمور ستحل».

منصة جديدة

من سياسات منصوري المختلفة، وقف العمل بمنصة «صيرفة» التي اعترى عملها كثير من الشوائب، مقابل آلية جديدة يتم إنجازها مع وكالة «بلومبرغ» العالمية، وسيتم من خلالها تبادل العملات الأجنبية والمحلية بصيغة أكثر شفافية ووضوحاً. «صيرفة» أصلاً لم تعد متاحة للتجار ورجال الأعمال الذين حققوا مكاسب كبيرة منها، وباتت فقط لموظفي الدولة. يوم الأربعاء ستكون منصة التداول الجديدة بنداً على جدول مجلس الوزراء لإقرارها، وبعدما سجل 13 مصرفاً عليها، ستبدأ المصارف الأخرى التسجيل عليها للدخول إلى سوق تداول.

هذه الآلية عندما تتكامل، ستصبح لدينا منصة تحدد سعر صرف الدولار، وتحقق انتظاماً لسعر صرفه. يؤكد منصوري أنه من الناحية النقدية وحجم الكتلة النقدية بالليرة يمكن القول إن سعر الصرف مضبوط في المدى المنظور. ويقول: «طالما أنني أضبط الكتلة النقدية في المركزي، فلا خوف من انفلات بسعر صرف الدولار».

إجراءات منصوري لضبط العملة بدأت بالإحجام عن «التغول في شراء الدولارات من السوق، مقابل خفض حجم الكتلة النقدية التي انخفضت من 80 إلى 60 تريليون ليرة في أول أغسطس (آب) الماضي (نحو نصف مليار دولار). بالتوازي تقوم القوى الأمنية بضبط المضاربين بالسوق، وباتت تعرفهم. أي متلاعب بالسوق يتم القبض عليه. كما أن مصرف لبنان طلب من المصارف بألا تصرف أكثر من 50 مليار ليرة باليوم الواحد لزبائنها. أما وزارة المال فلا تضخ ليرة بالسوق قبل التنسيق مع مصرف لبنان، علماً بأن وزارة المالية جمعت في أغسطس وحده نحو 20 تريليون ليرة، بينها ما يفوق 11 تريليون نقداً».

السؤال الكبير: هل تستطيع الحكومة تدبير أمورها بالمبلغ الذي يؤمنه لها مصرف لبنان؟ يقول منصوري: «هنا السؤال الكبير، وإذا لم ننجز الإصلاحات، فلا نستطيع أن نستمر بهذا الوضع مع عودة التلاميذ إلى المدارس وتراجع عرض الدولارات في السوق».

يجزم منصوري بأن «الوضع النقدي مضبوط على أسس علمية». ويقول: «ما أقوم به هو وسائل نقدية تقليدية لا تكلف المصرف المركزي سنتاً واحداً»، ولعل هذا الأمر يشكل فارقاً كبيراً عما كان يحصل من قبل.

حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة (أ.ب)

ورداً على اتهامات تساق لمنصوري وبقية نواب الحاكم، بأنهم كانوا جزءاً من سياسات رياض سلامة، فقد أصبح من الواضح بالرجوع إلى ما أصبح معلوماً من مداولات المجلس المركزي أن أعضاء المجلس المركزي لمصرف لبنان كانوا يعترضون على كثير من الإنفاق الحاصل، لكن القانون يعطي الحاكم سلطة تنفيذية واسعة مستقلة عن المجلس المركزي، وبالتالي كان نواب الحاكم يعترضون على إقراض الدولة، وأصدر المجلس قراراً أُبلغ للحكومة في عام 2021، أن كل دولار يُطلب هو من الاحتياطي، لكن للأسف استمر الدفع. وقد نشر في الإعلام بعض من هذه المراسلات.



تحركات سورية وإسرائيلية لتهدئة التوتر

الشيباني والمبعوث الأميركي توم برَّاك يتوسطهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو في باريس (سانا)
الشيباني والمبعوث الأميركي توم برَّاك يتوسطهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو في باريس (سانا)
TT

تحركات سورية وإسرائيلية لتهدئة التوتر

الشيباني والمبعوث الأميركي توم برَّاك يتوسطهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو في باريس (سانا)
الشيباني والمبعوث الأميركي توم برَّاك يتوسطهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو في باريس (سانا)

التقى مسؤولون إسرائيليون وسوريون رفيعو المستوى، اليوم (الأحد)، في مسعى لخفض حدة التوتر بين البلدين، عقب قصفٍ حديثٍ استهدف قاعدة أبو الظهور الجوية، وذلك وفقاً لمصدرين مطلعين على الأمر تحدثا لموقع «أكسيوس» الأميركي، ولم يحدد المصدر مكان الاجتماع.

عُقد الاجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ومدير جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) رومان غوفمان، بعد أيام من غارة إسرائيلية على قاعدة جوية سورية أدت إلى تصعيد حاد في التوتر بين البلدين.

وامتنع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التعليق، كما لم يرُد المتحدث باسم الشيباني على الفور على طلب للتعليق.

وفي هذا الإطار، صرح مصدر مطلع لقناة i24NEWS بأن إسرائيل وسوريا عقدتا اجتماعاً رفيع المستوى بهدف تخفيف التوترات، واصفاً المحادثات بأنها «جيدة».

وفي مقابلة بدمشق مع وكالة «رويترز» نُشرت اليوم، بعد أيام من قصف إسرائيل لقاعدة أبو الظهور الجوية السورية، أكد الشيباني أيضاً أن أولوية دمشق هي وقف الهجمات الإسرائيلية، قائلاً إن من الضروري اتخاذ خطوات لبناء الثقة في هذا الاتجاه.

طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبو الظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)

وقال وزير الخارجية السوري، إن دمشق تتوقع استئناف المفاوضات قريباً مع إسرائيل، بشأن اتفاق أمني تأمل ​في أن يؤدي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية، وحث إسرائيل على اغتنام «فرصة تاريخية»، مؤكداً أن الباب مفتوح أمام الدبلوماسية.

وقال الشيباني: «بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية تجمدت المفاوضات... ونتمنى أن تعود هذه المفاوضات في الفترة القريبة حتى نستكمل هذا الأمر».


عمليات عسكرية إسرائيلية تمهّد لمعركة في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون ينظرون باتجاه الأراضي اللبنانية من نقطة مشرفة في شمال إسرائيل (رويترز)
جنود إسرائيليون ينظرون باتجاه الأراضي اللبنانية من نقطة مشرفة في شمال إسرائيل (رويترز)
TT

عمليات عسكرية إسرائيلية تمهّد لمعركة في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون ينظرون باتجاه الأراضي اللبنانية من نقطة مشرفة في شمال إسرائيل (رويترز)
جنود إسرائيليون ينظرون باتجاه الأراضي اللبنانية من نقطة مشرفة في شمال إسرائيل (رويترز)

تأخذ التوغلات والغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان طابعاً تمهيدياً لمعركة عسكرية؛ حيث تعمل على استهداف المرتفعات المشرفة على مناطق تواجدها في البلدات المحتلة، كما تستهدف المسالك والممرات باتجاه العمق، خصوصاً محيط مدينة بنت جبيل، حسبما قالت مصادر أمنية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط».

دبابات إسرائيلية تتحرك في وادي السلوقي على المسلك الغربي نحو مدينة بنت جبيل (إ.ب.أ)

وتتركز العمليات والغارات الإسرائيلية على ثلاثة محاور؛ ففي القطاع الشرقي، تستهدف الغارات والقصف المدفعي محيط مرتفعات «علي الطاهر الاستراتيجية» الواقعة شرق مدينة النبطية، والتي تسعى القوات الإسرائيلية للسيطرة عليها منذ 10 أسابيع. وفي القطاع الأوسط، تستهدف التوغلات والغارات أربع بلدات تُعدّ الممر إلى مدينة بنت جبيل، وأخيراً تحركات مشابهة وتفجيرات في بلدتي مجدل زون والمنصوري القريبتين من الساحل في جنوب غرب لبنان.

عزل «علي الطاهر»

قالت المصادر الأمنية في الجنوب إن هذه التحركات والتفجيرات والقصف «تبدو أنها تمهيد لعملية عسكرية في وقت لاحق»، بالنظر إلى أن الغارات «تستهدف كامل المرتفعات المحيطة بتلة (علي الطاهر)، وخصوصاً تلة الدبشة وتلة الطهرة»، وهما تلتان كانتا خاضعتين لسيطرة إسرائيلية قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000.

وأشارت المصادر إلى أن التركيز على التلال وتدمير المنازل في محيط «علي الطاهر»، يعني أن القوات الإسرائيلية «تحاول عزل المرتفع الاستراتيجي بالكامل عن محيطه، وتمنع الحركة في أطرافه، وتحاول إحداث مدى جغرافي لأكثر من ثلاثة كيلومترات بين المرتفع والمناطق الحيوية التي عاد إليها بعض السكان».

استهداف المنشآت

على مدى أسبوع، استهدفت غارات جوية متكررة المنازل قيد الإنشاء والقصور الواقعة في دوحة كفررمان (شمال علي الطاهر) والنبطية الفوقا (جنوب غرب المرتفع)، إضافة إلى مواصلة نسف وتفجير المنازل في بلدة كفرتبنيت الواقعة مباشرة غرب المرتفع. وبالموازاة، تواظب القوات الإسرائيلية على قصف المرتفع الذي يمتد من الجنوب إلى الشمال على مسافة 1.5 كيلومتر، بالقذائف المدفعية والفوسفورية، فضلاً عن إسقاط المتفجرات عليه عبر المحلقات وتفجيرها.

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت جنوب لبنان (رويترز)

وأفادت وسائل إعلام لبنانية الأحد، بأن قصفاً مدفعياً إسرائيلياً استهدف أطراف ميفدون بالتزامن مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة، كما نفذ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ فجراً، سلسلة غارات على مرتفع علي الطاهر عند أطراف النبطية الفوقا ودوحة كفررمان، بالتزامن مع قصف مدفعي متقطع لمحيط دوحة كفررمان وتلة الدبشة.

القطاع الأوسط

على الرغم من أن الأضواء تتركز على مرتفع «علي الطاهر» في ضوء التصريحات السياسية والعسكرية حوله، فإن العمليات الإسرائيلية تشمل منطقة القطاع الأوسط أيضاً؛ إذ تنفذ القوات الإسرائيلية توغلات في أربع بلدات لم تكن محتلة عند دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يونيو (حزيران) الماضي، وهي بيت ياحون وبرعشيت وحداثا وعيتا الجبل، وهي مسالك وطرقات رئيسية باتجاه مدينة بنت جبيل المحتلة، وتقع على خط القرى الثالث انطلاقاً من المدينة باتجاه العمق اللبناني في الجنوب.

دبابة وجرافة إسرائيليتان في وادي السلوقي كما تظهران من بلدة شقرا بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت المصادر إن التحركات الإسرائيلية في القطاع الأوسط تحمل مخاطر من أن لا تقتصر أي عملية إسرائيلية في الجنوب، على مرتفعات «علي الطاهر» كما يقول الإعلام الإسرائيلي، بل «تؤشر إلى استعدادات لمعركة أوسع على أكثر من محور ومن ضمنه القطاع الأوسط»، مشيرة إلى أن التحركات في المنطقة «تمتد لنحو خمسة كيلومترات من برعشيت إلى حداثا، وذلك في محاولة لاستحداث منطقة عازلة أيضاً على تلك المساحة التي تتضمن مرتفعات، والإشراف منها على الوديان القريبة مثل وادي السلوقي».

23 موقعاً داخل الأراضي اللبنانية

لا تثبت القوات الإسرائيلية أي مواقع عسكرية في تلك المنطقة، بل استحدثت المواقع في العمق وبلغ عددها 17 موقعاً منذ استئناف الحرب في 2 مارس (آذار) الماضي، وتُضاف إلى 6 مواقع كانت استُحدثت داخل الأراضي اللبنانية بعد حرب عام 2024.

وإلى جانب التوغلات والغارات، يواظب الجيش الإسرائيلي على استهداف المنطقة بالقصف المدفعي وغارات المسيرات، إلى جانب تحليق متواصل للمسيّرات الإسرائيلية في المنطقة.

وأفادت وسائل إعلام لبنانية السبت، عن تحركات عسكرية بين بلدتي بيت ياحون وبرعشيت، فيما نفذ سلاح الجو الإسرائيلي غارات استهدفت بلدات صربين ورشاف وحاريص، إلى جانب تمشيط بالرصاص استهدف بلدة حداثا. ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلتين صوتيتين في اتجاه جرافة في بلدة ياطر.

أما في القطاع الغربي، فقد نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية تفجير في مشاع بلدة المنصوري في قضاء صور، وألقت مسيرة قنبلة بين بلدتي الحنية والقليلة، بالتزامن مع استهداف دبابة «ميركافا» لبلدة المنصوري.


مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «فتح» تلغي اجتماعاً مع «حماس» في مصر حول الانتخابات

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت منطقة المغازي وسط غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت منطقة المغازي وسط غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
TT

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «فتح» تلغي اجتماعاً مع «حماس» في مصر حول الانتخابات

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت منطقة المغازي وسط غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية استهدفت منطقة المغازي وسط غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

أكدت 3 مصادر من «حماس» تلقي الحركة إفادة بإلغاء حركة «فتح» اجتماعاً كان سيعقد في مدينة العلمين المصرية، لبحث ملفات عدة أهمها ملف الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في الثامن والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وقالت المصادر الثلاثة في إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماعاً ثنائياً تم الترتيب له بجهود مصرية لعقده يوم غد الاثنين، إلا أنه تم إلغاؤه بطلب من حركة «فتح»، ولم تقدم المصادر تفسيرات واضحة لأسباب الإلغاء.

وكان وفد قيادي من حركة «فتح» قد توجه السبت إلى القاهرة للقاء مسؤولين مصريين، وبشكل خاص لقاء مسؤولين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، لبحث ملف الانتخابات التشريعية. ويضم الوفد نائب رئيس حركة «فتح»، نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، إلى جانب عضو اللجنة المركزية ماجد فرج، ورئيس المجلس الوطني روحي فتوح.

نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ خلال مسيرة لإحياء ذكرى النكبة في رام الله بالضفة الغربية المحتلة يوم الثلاثاء (رويترز)

ووفقاً لمصدر قيادي بارز من «حماس»، فإن مسؤولين مصريين هم من أبلغوا قيادة حركته بإلغاء اللقاء بشكل مفاجئ، من دون تقديم توضيحات. فيما قال مصدر آخر من الحركة إن «فتح» منذ بداية الحرب على قطاع غزة تراجعت عن عقد لقاءات مماثلة كان تم التنسيق لها عدة مرات سابقاً.

وعبر مصدران من «حماس» عن أن الحركة ما زالت مستعدة للقاء والتوصل إلى تفاهمات بشأن الانتخابات التشريعية المقبلة بما يضمن مشاركة كل الفصائل الفلسطينية على «قاعدة الشراكة السياسية».

فتح: اللقاء لم يكن مدرجاً

لكن منذر الحايك، المتحدث باسم حركة «فتح»، قال في تصريح لإذاعة محلية فلسطينية، إن اللقاء مع حركة «حماس» لم يلغَ؛ لأنه لم يكن من الأساس مدرجاً ضمن أجندة اللقاءات التي ستعقد في القاهرة، مؤكداً أن اللقاء مع جميع الفصائل ممكن ويبقى الباب مفتوحاً أمام ذلك، كما أن الوفد سيبحث في القاهرة بشكل أساسي إنجاح العملية الانتخابية بغزة.

وشدد الحايك على أن القاعدة الجماهيرية لحركة «فتح» ترغب في أن تكون للحركة قائمة رئيسية واحدة دون تحالف، وأنها ترفض رفضاً قاطعاً التحالف مع «حماس».

فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها بالمؤتمر الثامن للحركة في جامعة الأزهر بمدينة غزة يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

وقال أحد المصادر من «حماس» إن التحالف الانتخابي الفصائلي الذي يضم «الجهاد الإسلامي» و«التيار الإصلاحي الديمقراطي» الذي يتزعمه محمد دحلان، و«لجان المقاومة»، لا يهدف إلى إقصاء أي طرف فلسطيني؛ وإنما يهدف إلى «توسيع أكبر كتلة وطنية ستخوض الانتخابات بشخصيات من الكفاءات والأكاديميين مدعومةً ببعض الشخصيات السياسية الوطنية»، وفق قوله.

وحتى إعداد التقرير ما زالت الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين تفضلان العمل معاً أو ضمن تحالف ديمقراطي، مع إمكانية دراسة انضمامهما للتحالف التنظيمي.

وفعلياً ما زالت حركة «الجهاد الإسلامي» تدرس إمكانية دخول الانتخابات التشريعية أو دعم قائمة التحالف عن بعد، فيما ما زال يدرس «تيار دحلان» عدة خيارات، ولم يحسم مشاركته الأكيدة ضمن التحالف الانتخابي. كما علمت «الشرق الأوسط» من مصدرين في الفصيلين.

قائمة واحدة لـ«فتح»

ومن المقرر أن يلتقي وفد حركة «فتح» الذي يقوده حسين الشيخ، بمسؤولين مصريين، وكذلك ممثلين عن فصائل فلسطينية بينهم «الجبهة الشعبية»، وكذلك «تيار دحلان»، إلى جانب إمكانية عقد لقاءات أخرى مع فصائل إضافية.

وأكد الشيخ في لقاء مع الصحافيين الفلسطينيين برام الله قبل مغادرته إياها إلى القاهرة، أن هناك اتصالات مع عدة فصائل وجهات، ومنها «تيار دحلان» لإعادته إلى الحركة، مشدداً على أن «فتح» ستخوض الانتخابات بقائمة واحدة تحمل اسمها.

ورأى الشيخ أنه لا يحق لحركة «حماس» المشاركة في الانتخابات باسمها الحالي أو بشخصياتها القيادية المعروفة، وقال إن هذا ما أكدته الحركة للمسؤولين الأميركيين و«مجلس السلام» خلال التفاهمات الأخيرة بالقاهرة.

غير أن المصدر القيادي من «حماس» قال لـ«الشرق الأوسط» إن المعلومات التي قدمها الشيخ حول عدم خوضها الانتخابات «غير دقيقة»، مؤكداً حقها في ممارسة العمل السياسي والمشاركة في العملية الانتخابية، مشيراً إلى أن هناك «خيارات عدة لدى حركته للمشاركة في الانتخابات، منها بقائمة تحت مسمى معين كما جرى في انتخابات عام 2006 باسم قائمة «التغيير والإصلاح»، أو من خلال قائمة وطنية واسعة كما تم الاتفاق على ذلك مع بعض الفصائل».

عباس أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله مايو الماضي (إ.ب.أ)

وتأتي هذه التطورات السياسية الفلسطينية على وقع استمرار التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة الذي يخشى معه السكان إفشال أي عملية سياسية مستقبلية بشأن القطاع.

وأغارت طائرة مسيرة إسرائيلية، الأحد، على شاب كان يسير على قدميه في منطقة دير البلح وسط القطاع، ما أدى إلى مقتله على الفور، فيما قصفت طائرات حربية لاحقاً مخزناً طلبت إخلاءه ببلدة الزوايدة وسط القطاع، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين المتجمهرين، قبل أن يعلن عن مقتل طفل متأثراً بجروحه. وقتل ناشط ميداني في «كتائب القسام»، يوم السبت، في غارة استهدفته في فناء منزله ببلدة الزوايدة وسط القطاع.