أزمة اللاجئين تكشف عن صراع بين أوروبا أصولية وأخرى علمانية

«كراهية الأجانب» أم التطرّف الديني هاجس «القارة العجوز»

أزمة اللاجئين تكشف عن صراع بين أوروبا أصولية وأخرى علمانية
TT

أزمة اللاجئين تكشف عن صراع بين أوروبا أصولية وأخرى علمانية

أزمة اللاجئين تكشف عن صراع بين أوروبا أصولية وأخرى علمانية

إصرار بعض القوى الحزبية اليمينية الأوروبية على التصريح على رؤوس الأشهاد بأنها ترحب بـ«لاجئين مسيحيين فقط» من منطقة الشرق الأوسط، كشف النقاب من جديد عن النفوذ الكبير الذي تتمتع به بعض الجماعات المسيحية الأصولية المتشددة داخل أحزاب السلطة في عدد من الديمقراطيات الغربية. هذه الحقيقة السلبية تضيف إلى المناخ العنصري، الذي طغت عليه لفترة مسحة التميّز العرقي أكثر التمييز على أساس الدين في أوروبا الغربية، ولا سيما، أن القوى المعارضة للهجرة خلال العقدين الأخيرين كانت لها مواقف سلبية من العمالة المسيحية الرخيصة الوافدة من دول أوروبا الشرقية الشيوعية سابقًا، ومنها دول كاثوليكية كبولندا وسلوفاكيا والجمهورية التشيكية.

حُكمًا تحتفظ ذاكرة التاريخ بصور ومشاهد تاريخية على ألمها ووجعها للضمير الإنساني. صور تتعلق باللاجئين المطاردين في البحر حتى الغرق، وعلى حدود الدول الأوروبية مُهانين، مطرودين ومجروحين في كرامتهم وإنسانيتهم. وفي كل الأحوال ستضحى الصورة الحزينة جزءًا من «عار العالم» الذي صم آذانه عن المأساة السورية، ومن قبلها صمت إزاء المأساة العراقية، ومدعاة لعلامات استفهام كثر في مقدمتها «ألم يكن الأجدى، بل الأنفع والأرفع وقف سيل الدماء في الشرق الأوسط بدايةً، كي لا تكون هناك حاجة لاحقًا لمواجهة استحقاقات المأساة الأكبر في القرن الحادي والعشرين حتى الساعة؟»
مهما يكن من أمر الجواب، فالمجال هنا ليس مجال مناقشة الأزمة من ناحية سياسية، أو تحليل الأزمة لجهة توجهاتها عسكريًا على الأرض، بل جل الغاية في هذه القراءة هو الإشارة إلى «الإشكالية» الأبعد التي كشفت عنها هذه المأساة بالنسبة للقارة الأوروبية، تلك التي عانت طويلاً من مرارة الآيديولوجيات الشمولية المتطرفة كالنازية والفاشية. ومن ثم، كان المهرب المثالي هو التوجه إلى العلمانية، بمعنى الفصل بين مفهومي «الدولة» و«الدين»، ولو بدرجة مبالغ فيها أحيانا حتى دفعت البعض للشكوى أن «العلمانية الجافة» باتت هي التي تحكم المشهد الأوروبي برمته، في عملية إزاحة شبه كاملة للدين بمعناه ومبناه.
غير أن أصوات عريضة القاعدة ارتفعت في أوروبا خلال العقدين الأخيرين حملت رؤى يمينية متطرفة، حيال الأجانب عامة، وتجاه العرب والمسلمين بصفة خاصة. ولاحقًا، نحا البعض منها مسارًا أكثر أصولية.. مستغلاً مأساة اللاجئين البؤساء للتكلّم عن «أوروبا ذات الجذور المسيحية التي لا يجوز لها استقبال اللاجئين المسلمين كونهم يهددون هويتها الدينية والاجتماعية». وهذا الأمر طرح ويطرح الآن الكثير من الأسئلة الجوهرية حول صحة وجدية هذا الطرح من جهة، ومدى إجماع الأوروبيين عليه من جهة ثانية.
في أوائل شهر أغسطس (آب) الحالي، خلال مؤتمر صحافي عقد في العاصمة البلجيكية (والأوروبية) بروكسل وضم عددًا من المسؤولين، جدّد فيكتور أوروبان، رئيس وزراء المجر، رفضه السماح للمهاجرين (كثرة منهم من السوريين) بالعبور إلى ألمانيا عبر بلاده من دون تسجيل أسمائهم حسبما تنص عليه «اتفاقية دبلن». ولأن أوروبان معروف بسياسته اليمينية المتطرفة ورفضه التعاضد الإنساني، ما كان مفاجئًا للراصد رفضه الفج تقديم يد الإنسانية التي تضع البلسم على جراح اللاجئين، لكن ما كان مفاجئًا لكثيرين بالفعل مغالاته ومضيه قدمًا في طريق إثارة النعرة الدينية في أوروبا. إذ أشار أوروبان إلى أن غالبية هؤلاء اللاجئين من غير المسيحيين، أي أنهم يمثلون ثقافة مختلفة في العمق، وهذه مسألة تمس جذور الهوية الأوروبية».
الواضح أن أوروبان قد حاول الترويج لدعواه بالعزف على أوتار أزمة تحلل وتفكك إيماني داخلي تعيشها أوروبا التي صرّح ريجيس دوبريه، أحد كبار مثقّفيها ومناضليها، أخيرًا في كتابه «الأنوار التي لا تعمي» بالقول: «لا نريد أصولية قاتلة ولا علمانية مسطّحة تستبعد الدين كليًا من الحياة». هنا كان أوروبان يثير قلق الأوروبيين وهواجسهم بحجة أن الثقافة الأوروبية المسيحية بالكاد قادرة على الحفاظ على القيم المسيحية لأوروبا.
والمؤكد أنه على الرغم من أن دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، قد أحار جوابًا شديد الموضوعية على أوروبان في الجلسة ذاتها حين ردّ عليه بالقول: «أن يكون المرء مسيحيًا يعني أنه مستعد للتضامن دون النظر إلى عرق أو دين». لكن جذور المسألة تتجاوز ما قاله أوروبان، إلى دائرة القلق من اليمين الأوروبي المتطرّف، الكاره للأجانب والرافض لاندماج العرب والمسلمين في مجتمعات أوروبا، والأمثلة هنا أكبر من أن نسردها في هذه الرؤية السريعة، لكن يتحتّم علينا الإشارة إلى البعض منها وتحليل مواقفها، ليتبيّن المرء إلى أين تمضى أوروبا؟
خذ على سبيل المثال إريك زمّور، الكاتب والإذاعي الفرنسي، صاحب الكتاب الشهير «الانتحار الفرنسي» Le Suicide Francais، الذي ذهب البعض إلى القول إنه يحاول تقليد صامويل هنتنغتون في طرحه التصادمي غير الخلاق عن «صراع الحضارات». زمّور - وهو من أصل يهودي أمازيغي جزائري – صبّ في حوار له مع صحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية جام رفضه على «وجود المسلمين في أوروبا»، فعنده أن «مسلمي فرنسا على سبيل المثال لهم قانونهم الخاص، وهو القرآن، وهم يعيشون فيما بينهم في الضواحي بعدما اضطر الفرنسيين للرحيل».
ولا تتوقّف مطالبات زمّور عند هذا الحد، بل تصل إلى مستوى غير مقبول عقلاً أو عدلاً، إذ يؤيّد فكرة طرد خمسة ملايين مسلم فرنسي. وهذا أمرٌ لا يدهشه، «فمن قبل، رحل مليون مستوطن عن الجزائر عام 1940 وعادوا إلى فرنسا»، ثم يتخذّ من عودة الألمان الشرقيين إلى الجانب الغربي من البلاد مثالاً على إمكانية ترحيل هؤلاء المسلمين من فرنسا.
مثال آخر لا يزال يلعب على المتناقضات بأكثر من عزفه على الأوتار، يتمثّل بالسياسي اليميني الهولندي خيرت فيلدرز، المعروف بتعصبه وكراهيته، وهو لا يرى في العرب والمسلمين سوى جماعة من المتطرفين المتعصبين، ويعمل على ترويج هذه الصورة المشوهة لا في أوروبا فحسب، بل عبر المحيط الأطلسي، في القارة الأميركية أيضًا.
في أوائل مايو (أيار) المنصرم علا صوت فيلدرز الموجّه إلى الولايات المتحدة الأميركية، محذّرًا من أن الهجرة إلى أميركا من قِبل مواطني الدول الإسلامية، تطوّر يهدّد أمنها، وواضعًا مقاربة «مغلوطة» مفادها: «ما يحصل في أوروبا اليوم، ستجري به المقادير عندكم في الغد». وانطلق من هذه النقطة ليشبه بين الهجرة من العالم الإسلامي و«حصان طروادة»، مدعيًا أن من خلال هذه الهجرة سيظهر المسلمون الإرهابيون بين ظهراني الأميركيين المتحدرين من أصول أوروبية، مشيرًا إلى أن ما حصل في أوروبا جعل البعض يتساءل هل هذه هجرة لاجئين أم هجرة إرهابيين ستعود علينا بالوبال؟
هل وباء العنصرية والتطرّف اليميني الأوروبي، الذي يحاول في بعض لقطاته وصوره أن يتستر بعباءة جذور أوروبا المسيحية يقف عند حدود فرنسا وهولندا فقط.. أم أنه كالجرثومة الخبيثة ينتشر في الجسد الأوروبي كله؟
لعل من تابع الانتخابات البرلمانية والتشريعية في بعض دول أوروبا خلال السنوات القليلة الماضية يدرك أن الأزمة بالفعل حقيقية. وأنها لم تضرب أطنابها في الدول المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط وحدها، بل تخطتها حتى إلى عدد من الدول الإسكندنافية العريقة في ديمقراطيتها وتسامحها كذلك. ولكن المفارقة هنا أن أول من سيدفع ثمن نزعة «رفض الآخر» هم الأوروبيون أنفسهم، ما يعني أن مستقبل الاتحاد الأوروبي بذاته وفكرته الأصلية باتا في خطر.
على سبيل المثال، إبان الانتخابات الأخيرة التي أجريت في فنلندا حصد حزب «الفنلنديون الحقيقيون» عددًا وافرًا من مقاعد البرلمان والحكومة، والمثير أن شعار حملة هذا الحزب ذي الميول الانعزالية، بل العنصرية، كان «نحن لا نفهم لماذا ندفع (المال) للبرتغال»، وفعلاً حصد الحزب اليميني هذا نحو 20 في المائة من الأصوات. أما في السويد فقد شق الحزب اليميني الشعبوي المدعو «السويديون الديمقراطيون» طريقه للبرلمان للمرة الأولى في تاريخ البلاد البعيدة عن ظاهرة «كراهية الأجانب / أو التخوف منهم» (الزينوفوبيا). وفي النرويج يبقى الهجوم الإرهابي الدامي الذي نفذه المجرم إندرياس بريفيك بدوافع يمينية عنصرية متطرفة في صيف 2011، شاهدًا على التطور الخطير للأصولية العلمانية الأوروبية.
حتى بلجيكا، ذلك البلد المتميز والتعددي والحضاري الراقي، لم توفّره موجات صعود اليمين المتطرف، إذ غدا حزب «فلامس بيلانغ» (الخارج من رحم جماعة «فلامس بلوك») اليميني الشعبوي والعنصري خلال السنوات العشرين الماضية أحد أقوى الأحزاب السياسية الثلاثة التي تسيطر على المشهد السياسي في بلجيكا.
إن المقطوع به أن الحديث عمّن يمكن أن نطلق عليهم تسمية «المتطرّفون الجدد» في أوروبا بحاجة إلى قراءة مطوّلة ومعمّقة، لا سيما من جهة البحث عن الأسباب الحقيقية وراء هذا التنامي للتطرف. على أن السؤال المهم جدًا الآن هو «هل أضحت أوروبا عن بكرة أبيها موطن للكراهية والظلامية ورفض الغريب اللاجئ المتألم؟
يبدو أن المشهد ليس كذلك بالمرة، وثمة كلام كثير يقال في هذا الشأن، مبتدأه، الرد على الزعيم المجري أوروبان وأنداده، ومن المنطلق ذاته الذي يتحدثون به ويحاججون من خلاله. ذلك أنه إذا كانت جذور أوروبا مسيحية بالفعل، فهذا يقتضي عودة إلى شريعة السيد المسيح (عيسى بن مريم - ع -)، وهي باختصار غير مخل، يمكن إيجازها فيما ورد على لسان المسيح نفسه في إنجيل القديس متى - الإصحاح الخامس والعشرين، الآية الخامسة والثلاثين: «لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريبًا فأويتموني»... هل في أوروبا من فهم هذه الروح الحقيقية من المسؤولين العلمانيين، قبل رجال الدين أو الأكليروس والمؤسسات الدينية الكبرى في أوروبا؟
ذلك كذلك بالفعل، وفي المقدمة من الأمثلة المليئة قلوبها بالمحبة وضمائرها بالمصالحة، يوها سيبيلا، رئيس وزراء فنلندا، الذي عرض منزله الخاص لاستضافة طالبي اللجوء، ودعا الشعب الفنلندي إلى التضامن مع الباحثين عن أوطان بديلة لتلك التي دمرتها الحروب. فلقد نقلت قناة محلية تصريحات له قال فيها إنه سيفتح أبواب منزله لاستضافة طالبي اللجوء بدءًا من العام الجديد، مبديًا أمله في أن تكون فنلندا بلدًا يحتذى به من قبل كل الفنلنديين، لإظهار التضامن مع اللاجئين المتجهين إلى أوروبا.
ويتوقف المرء كذلك عند موقف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من أزمة المهاجرين، ولا يغيب عن البال عند تقييم المشهد أن ميركل هي ابنة قس بروتستانتي لوثري، بمعنى أنها عميقة الجذور في المسيحية. ومبكرًا، قبل أزمة اللاجئين المظلومين والمعذبين في البر والبحر، تحدثت المستشارة الألمانية عن الإسلام في ألمانيا، وبدا من حديثها أنها تبعد كثيرًا عن روح الفراق والتنازع. وكان من أبرز أقوالها وأجملها «أننا لا نعاني من وفرة في الإسلام، بل نعاني من قلة في المسيحية»، وهذا اعتراف حقيقي في أوروبا بقضها وقضيضها عليها أن تتوقف أمامه اليوم، وتتأمله مليًا. فالخوف لا يجب أن يكون من الإسلام - «الغازي» كما يحلو لبعض العنصريين تصويره - بل من حالة في أوروبا عامة وألمانيا خاصة تقول عنها ميركل إنها «لا توجد فيها نقاشات جدية حول الرؤية المسيحية للإنسانية».
أيضًا، رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، الوجه المشرق لفرنسا، ذات الجذور الكاثوليكية والهوية العلمانية، دافع عن الطابع «العالمي» لحق اللجوء الذي يمنع اختيار اللاجئين على أساس انتمائهم الديني، وقد جاء موقفه ردًا على رئيس بلدتين فرنسيتين أبديا استعدادها لاستضافة لاجئين شرط أن يكونوا مسيحيين.
وأخيرًا، ولكن ليس آخرًا، الموقف الذي يستحق الاحترام والتقدير والذي يعبر عن رأي المؤسسة الدينية الرسمية لأوروبا والعالم المسيحي برمته، هو موقف بابا الفاتيكان فرنسيس الأول، الذي أعطى إشكالية اللاجئين والمهاجرين نصيبًا وافرًا من تصريحاته ووثائقه الرسولية، ناهيك من زياراته لجزيرة لامبيدوسا الصغيرة قِبلة المهاجرين لإيطاليا. إذا وصف البابا فرنسيس كارثة المهاجرين القتلى «جريمة تسئ إلى الإنسانية»، وطالب المسؤولين الأوروبيين، بألاّ يتعاملوا مع هؤلاء من «البشر المساكين» كما يتعاملون مع البضائع والحقائب.
وفي أوائل سبتمبر (أيلول) الحالي، أطلق البابا صيحة ودعوة تعبر عن الجذور الإيمانية والإنسانية، أينما وجد الإنسان، لا في أوروبا فقط، جوهرها رفض التشنج إزاء اللاجئين المسلمين والتخوف من التغيرات الديموغرافية التي يمكن أن يحدثوها في الجسد الأوروبي، كما يدعي العنصريون. وفي هذا السياق دعا أساقفة أوروبا لاستقبال اللاجئين، مشددًا على أنه يتوجب على كل أسقفية وجماعة دينية ودير وملجأ في أوروبا إيواء أسرة واحدة، مضيفًا أنه سيبدأ مع أبرشيته في روما، وتعهد بأن رعيتي الفاتيكان ستستقبلان خلال الأيام المقبلة عائلتين لاجئتين. وفي كلمته اعتبر أن دعوته هذه بمثابة الخلاص من الصمم والأنانية والصمت والتراجع.
هل باتت أوروبا منقسمة على ذاتها بين كراهية وعنصرية أوروبان وفيلدزر في مواجهة مسيحية حقيقية لميركل وفرنسيس؟ ربما غيّرت أو حرّكت صورة الطفل الكردي «إيلان» الغارق على سواحل تركيا، ضمائر الأوروبيين، وربما ألهبت فيهم جذوة المحبة والمغفرة والصفح المرابطة بعيسى بن مريم (ع) مقابل صليبية منحولة عرفها العالم عبر الحروب الاستباقية.
في مطلق الأحوال يمكن القطع بأن أوروبا أمام منعطف حقيقي، فإما يتهدد بناؤها الفكري والروحي إن هي مضت في طريق العنصرية والتطرف، أو تعود مثالاً ناصعًا للتعددية، والاعتراف بالغير، كسمة جوهرية ملازمة لهويتها.
يمكن لأزمة المهاجرين واللاجئين أن تكون فرصة لإنقاذ النموذج الأوروبي وإبقائه نموذجًا عالميًا يحتذى، لأنه يجعل من الاعتراف بالتنوع في مجموعة مشتركة تنظمها مبادئ المساواة سمة إيجابية، ومن هنا يتعين على أوروبا الانعطاف نحو التعددية.
وحسنًا فعل جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، عندما حث في خطاب ألقاه أمام البرلمان الأوروبي في مطلع الشهر الحالي، دول الاتحاد الأوروبي إلى تحاشي التمييز بين اللاجئين الذين يودون استقبالهم بناء على ديانتهم أو معتقداتهم، مشددًا على أن لا ديانة أو معتقدًا أو فلسفة حين يتعلق الأمر باللاجئين، بقوله: «نحن لا نميز، وعلينا التصرف بجرأة».
الفيلسوف الفرنسي هنري بينا يعزو رجوع العصبيّات الدينية أو السياسية إلى ظاهرة فقدان الأمل من العولمة الرأسمالية المتوحشة، هادمة الحقوق الاجتماعية والخدمات العمومية التي تخصخص كل شيء، وترى أن هذه التحولات قضاء وقدر. والأمل الآن في أن يكون الأوروبيون قد دخلوا حقًا المعركة الفكرية بين الانفتاح والانغلاق، وبعمق، بعد مأساة اللاجئين التي فتحت عيون قلوبهم على أن المتعصب لا يضع أية مسافة بين كيانه وبين معتقداته.
ختامًا، الحقيقة المؤكدة هي أن الفكر الأوروبي، مهما شهد من معارك، لا يخشى معه المرء انتصارًا طويل الأمد للتطرف، وذلك لوجود «حالة توازن» بين الأصولية والعلمانية. كما أنه يحتوي على الترياق المضاد لهذا الانقسام المانوي الخطير، الذي بشر به جورج بوش الابن في سبتمبر 2001، «من هو معنا ومن هو ضدنا». ذلك أن الفكر الأوروبي قائم على قبول التعددية، لا باعتبارها إرثًا تاريخيًا معيقًا ومعطلاً ينوء المرء بتحمله، بل كمبدأ أساسي للمستقبل وكمؤهلات بناءة وركائز رئيسية في طريق أنسنة الإنسان.



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.