الغضب... لماذا يُعدّ الشعور مفيداً؟ وكيف تتعامل معه؟

الغضب أداة مهمة يجب أن نتعلم كيفية استخدامها بطريقة صحية ومثمرة (رويترز)
الغضب أداة مهمة يجب أن نتعلم كيفية استخدامها بطريقة صحية ومثمرة (رويترز)
TT

الغضب... لماذا يُعدّ الشعور مفيداً؟ وكيف تتعامل معه؟

الغضب أداة مهمة يجب أن نتعلم كيفية استخدامها بطريقة صحية ومثمرة (رويترز)
الغضب أداة مهمة يجب أن نتعلم كيفية استخدامها بطريقة صحية ومثمرة (رويترز)

مَن منا لا يشعر بالغضب أو الإرهاق العاطفي من حين لآخر؟ ورغم أن معظمنا يظن أن هذه المشاعر سلبية إلى أقصى حد، فإنها قد تكون مفيدة نوعاً ما.

قالت الدكتورة بريت فورد، الأستاذة المشاركة في علم النفس بجامعة تورونتو، إن الغضب نوع معين من الحالة العاطفية التي يمكن أن تتلقى كثيراً من الأحكام من أنفسنا ومن الآخرين. وأضافت: «قد تكون تجربة هذه المشاعر مزعجة، وقد تكون محبطة ثقافياً، لكننا نحتاج إلى الغضب»، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وتوضح خايمي ماهلر، المعالجة واختصاصية الصدمات النفسية المقيمة في نيويورك: «أعتقد أن التجربة الفعلية لاعتبار الغضب سيئاً هي في الواقع واحدة من أكبر العوائق أمام معالجتنا العاطفية... إنك تتعامل مع مشاعر مفيدة جداً، وتسحقها وتقمعها، وتقول إنها لا تهم».

وقالت فورد إن الأدلة تشير إلى أن الأقليات والنساء يواجهن ضغوطاً ثقافية خاصة لإخماد غضبهن.

وأشارت إلى أن العواطف تميل إلى أن تكون لها توقعات أو نصوص اجتماعية. وأضافت فورد: «والغضب يميل إلى أن يكون له نصوص وأعراف قوية للغاية ومحظورة».

في حين أن كثيراً من الناس قد يشعرون بالحاجة إلى مقاومة غضبهم أو إخفائه، فإن خبراء الصحة العقلية يحثون على العكس، ويقولون إن الغضب أداة مهمة يجب أن نتعلم كيفية استخدامها بطريقة لطيفة وصحية ومثمرة.

وقالت ديبورا أشواي، مستشارة الصحة العقلية السريرية المرخصة ومقرها في نيو برن بولاية نورث كارولينا، إنه رغم أن هذا الشعور غير سار، فإن عواقب إنكاره قد تكون أسوأ.

تابعت أشواي: «إذا كبرت وتعلمت أنه من غير المسموح لك بالتعبير عن الغضب، فبعد فترة، ينقلب الأمر على نفسه... وهذا يتحول إلى الشعور بالذنب».

الغضب يمكن أن يعلمك ويحميك

الغضب ليس كله عذاباً وكآبة، وفق ما تقوله أشواي، وتوضح أن «عواطفنا هي أعلى توجيهات لدينا، كما تعلمون، وهي متاحة لنا... الغضب يأتي تحذيراً بأن هناك شيئاً ما يحدث».

وأضافت أن تدفق الغضب هذا يمكن أن ينبهنا إلى انتهاك قيمنا، أو الشعور بالخطر، أو بالإهمال.

و«الغضب عاطفة وقائية»، كما تقول ماهلر، مؤلفة كتاب «تعافي العلاقات السامة: دليلك لتحديد الشركاء السامين وترك الديناميكيات غير الصحية وعلاج الجروح العاطفية بعد الانفصال».

وقالت أشواي إنه عند التعبير عن الغضب بطريقة بنّاءة، يمكن أن يدفع ذلك الناس إلى الدفاع عن احتياجاتهم وآرائهم للتأكد من الاهتمام بهم.

وأفادت: «يساعدنا الأمر على وضع الحدود والحفاظ على الذات. إنه يساعدنا على أن نكون حازمين وندافع عن أنفسنا... كما أنه يساهم في حل النزاعات، إذا تمت إدارته بشكل مناسب».

وأكدت فورد أن هذا الشعور يمكن أن يدفعنا أيضاً إلى اتخاذ إجراءات بشأن الأشياء التي نغضب منها، سواء كان ذلك إجراء محادثة صعبة مع صديق أو اتخاذ خطوة سياسية. وتابعت: «إذا كان هناك شيء ما يعيق طريقنا ونحتاج إلى التغلب على نوع ما من العوائق، فإن الغضب قد يساعدنا في توفير الدافع للقيام بذلك».

كيف تعالج غضبك؟

تشرح فورد أن هناك أدلّة على أن الغضب المزمن والمكثف يمكن أن يؤدي إلى تدهور الصحة البدنية والعقلية. وهذا يعني أن اجترار الغضب أو تركه يتفاقم يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية.

وهذه العواطف في الواقع ليس المقصود منها أن تدوم طويلاً. وقالت: «تهدف إلى مساعدتنا في إدارة لحظة معينة في بيئتنا».

وأشارت فورد إلى إن هذا هو السبب وراء أهمية البقاء مع هذا الشعور ومعالجته بشكل كامل.

وقالت ماهلر: «لا يمكنك حقاً تبرير شعور شخص ما بالذعر، كل ما عليك فعله هو تهدئة جسده... نفس الشيء مع الغضب. عليك فقط تهدئة الجسد وإيصال نفسك إلى حالة وعي أفضل. ومن هناك، يمكنك البدء في معالجة المشاعر».

تشرح أشواي: «ابدأ بالسماح له بالدخول والجلوس معك... بدلاً من السماح له بالضغط عليك... تعرف على مشاعرك دون إصدار أحكام وراقبها. حتى لو كان ذلك يعني ضبط 5 دقائق لهذه الفترة، فسوف تسمح لنفسك بالشعور بالغضب. المرحلة التالية هي محاولة فهم سبب ظهور الغضب في هذا الموقف بالذات... ما الذي قد يعيق طاقتك أو أفكارك؟ ما الذي تحمي نفسك منه؟ ما الذي تحتاج إليه ولم تتم تلبيته؟».

وتابعت: «بمجرد أن تدرك ذلك، يمكنك التحكم فيه...لم يعد الأمر يسيطر عليك الآن»، مضيفة أن هذا هو المكان الذي يمكنك من خلاله أن تقرر كيفية المضي قدماً.


مقالات ذات صلة

كيف تتحكَّم في شهيتك بسهولة؟ 7 حيل فعَّالة يومية

صحتك حجم أدوات المائدة يلعب دوراً مهماً في تحديد الكمية التي تتناولها (بيكسلز)

كيف تتحكَّم في شهيتك بسهولة؟ 7 حيل فعَّالة يومية

التحكم في كمية الطعام لا يعني بالضرورة اتباع حميات قاسية ولا الشعور المستمر بالجوع؛ بل يمكن تحقيقه من خلال عادات بسيطة وذكية تُساعدك على تقليل السعرات الحرارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الكربوهيدرات تُعتبر أحد المغذيات الكبرى الثلاثة إلى جانب البروتين والدهون (بيكسلز)

هل تناول الكربوهيدرات باردة يُساعد فعلاً على إنقاص الوزن؟

انتشرت في الآونة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي فكرة مفادها بأن تناول الكربوهيدرات بعد تبريدها قد يُسهم في تقليل السعرات الحرارية، وتسهيل فقدان الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تنبع التأثيرات الوقائية للقهوة من مركباتها الطبيعية (رويترز)

فوائد صحية جمة... ماذا يحدث للكبد عند شرب القهوة كل يوم؟

قد تكون القهوة واحدة من أكثر المشروبات الصديقة للكبد وفقاً للبيانات، حيث تشير دراسات واسعة النطاق إلى أن شرب القهوة بانتظام يرتبط بانخفاض مشاكل الكبد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك شحم البقر يُستخرج من الدهون الصلبة التي تتكون حول أعضاء الأبقار (بيكسباي)

ما تأثير تناول شحم البقر على مستويات الكوليسترول بالدم؟

شحم البقر هو نوع من الدهون المستخدمة في الطهي التقليدي، ورغم أن له قيمة غذائية في بعض طرق الطهي، لكنه قد يؤثر سلباً على الصحة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تجدد المخاوف من ظهور تمساح بدلتا مصر

بحيرة ناصر بمحافظة أسوان (فيسبوك)
بحيرة ناصر بمحافظة أسوان (فيسبوك)
TT

تجدد المخاوف من ظهور تمساح بدلتا مصر

بحيرة ناصر بمحافظة أسوان (فيسبوك)
بحيرة ناصر بمحافظة أسوان (فيسبوك)

تجددت المخاوف من ظهور تمساح في إحدى قرى محافظة المنوفية (دلتا مصر) بعد نشر صور تفيد برصده في أحد المصارف المائية بقرية بير شمس بمركز الباجور، تحركت على أثر ذلك السلطات المحلية لفحص هذه الشكاوى، والتأكد من صحتها، خصوصاً مع شيوع أخبار ووقائع سابقة بهذا الصدد في محافظات بشمال مصر، وأثارت الذعر بين الأهالي.

وفور شيوع الأخبار قامت السلطات المحلية، بالتنسيق مع مديرية الطب البيطري، والجهات المعنية، بالانتقال إلى مكان البلاغ لتمشيط المصرف المائي، وتشكيل فرق رصد متخصصة للوقوف على حقيقة ظهور التمساح من عدمه، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

من جانبه قال حسين أبو صدام، الخبير الزراعي، ونقيب عام الفلاحين، إنه فور انتشار الإشاعة بظهور التمساح في مجرى مائي بقرية بير شمس بمحافظة المنوفية، وجه المحافظ لجنة لموقع البلاغ للتحقق من صحته ضمن السياسة العامة للدولة بالتعامل الفوري مع أي خطر محتمل. لافتاً إلى أنه بعد فترة طويلة من البحث، وتمشيط المنطقة لم يعثر على أثر للتماسيح في المنطقة المشار إليها، مما يؤكد أن هذه الإشاعة غير صحيحة.

وشدد نقيب الفلاحين في حديثه لـ«الشرق الأوسط» على «ضرورة توخي الحذر، وعدم تداول الإشاعات قبل التأكد من صحتها، والاعتماد على البيانات الرسمية فقط في مثل هذه الحالات».

كما نصح «بالحذر، والابتعاد عن المجاري المائية المشار إليها، وخاصة التي تنمو فيها الحشائش المائية، مع عدم النزول أو الاستحمام بها لحين إصدار بيان رسمي، والتأكد من خلو المياه من أي زواحف ضارة».

العثور على تمساح قبل شهور في محافظة الشرقية (محافظة الشرقية)

وأكد أبو صدام أن «أي تماسيح قد تظهر بالمجاري المائية خارج بحيرة ناصر قد يكون مصدرها أحد الأشخاص المربين لهذه الزواحف لتجارة غير مشروعة نظراً لتجريم القانون المصري بيع التماسيح».

وسبق أن تم الإبلاغ عن وجود تمساح بأحد المصارف في محافظة الشرقية بدلتا مصر، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مما أثار ذعر الأهالي، وأكد مسؤولون وقتها اتخاذ إجراءات الرصد اللازمة،

وأعلنت وزارة البيئة المصرية عن نجاح وحدة صيد التماسيح بالإدارة العامة للمحميات الطبيعية في الإمساك بالتمساح الذي أُبلغ عن ظهوره في مصرف بلبيس العمومي بمنطقة الزوامل في محافظة الشرقية.

وتبين أن التمساح يبلغ طوله نحو 25 سنتيمتراً، وعمره لا يتجاوز عامين، وينتمي للتماسيح النيلية، وفق بيان الوزارة الذي أضاف أنه ستُتّخذ إجراءات قانونية لإعادة التمساح إلى بيئته الطبيعية في بحيرة ناصر.


جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)
أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)
TT

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)
أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها، بينما حصدت السينما المصرية جوائز عدة، منها جائزتا «أفضل فيلم» عن «كولونيا» للمخرج محمد صيام، وهو الفيلم نفسه الذي حصد بطله أحمد مالك جائزة «أفضل ممثل»، وهي الجائزة نفسها التي نالها بالنسخة الماضية من «مهرجان الجونة السينمائي».

تدور أحداث «كولونيا» الذي يتشارك في بطولته مع أحمد مالك كلٌّ من الفنان الفلسطيني كامل الباشا ومايان السيد ودنيا ماهر حول ليلة طويلة تشهد مواجهات حادة بين أب وابنه يستدعيان فيها ذكرياتهما وخلافاتهما القديمة والصورة السيئة التي يحملها كل منهما تجاه الآخر.

الخلافات بين الأب ونجله تأتي قبل ساعات فقط من وفاة الأب العائد لبيته بعد غيبوبة مرضية استمرت 6 أشهر، فيما تتنقل الأحداث عبر «الفلاش باك» التي تكشف المزيد من التفاصيل حول عمق العلاقة بين الأب والابن.

وحصد الفيلم السوداني «ملكة القطن» للمخرجة سوزانا مرغني جائزة «لجنة التحكيم الخاصة لأفضل فيلم»، الذي تدور أحداثه في قرية سودانية تشتهر بزراعة القطن حيث نشأت نفيسة على قصص بطولية ترويها لها جدتها عن محاربة المستعمرين، لكن عندما يصل رجل أعمال شاب من الخارج بخطة تنمية جديدة وقطن مُعدل وراثياً، تنطلق قوة نفيسة وتتصدى لإنقاذ حقول القطن السوداني وتجد في ذلك إنقاذاً لنفسها من الضياع.

أحمد مالك خلال الحديث على المسرح بعد تسلم الجائزة (إدارة المهرجان)

الفيلم الذي شاركت في إنتاجه 7 دول، وعرض في النسخة الماضية من «مهرجان البندقية» ضمن فعاليات «أسبوع النقاد» هو الأول لمخرجته، ومن بطولة مهاد مرتضى، ورابحة محمد محمود، وطلعت فريد، وحرم بشير، ومحمد موسى، وحسن محيي الدين.

أما الفيلم المصري «القصص» فحصل على جائزة التصوير لمدير التصوير النمساوي وولفجانج ثالر، وهو الفيلم الذي استلهم مخرجه أبو بكر شوقي أحداث قصة حب والديه عبر 5 حكايات تنطلق من صيف عام 1967 وسبق عرضه في النسخة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي».

وضمت عضوية لجنة تحكيم المهرجان المخرج الجنوبي أفريقي نتشافهيني والورولي، ومن بوركينا فاسو المخرج داني كوياتي، والفنانة المصرية بسمة، والمخرج المصري سعد هنداوي، إلى جانب المخرج المغربي جمال سويسي، فيما شهد حفل الختام تكريم الثلاثي سهير المرشدي، ومحسن محيي الدين، وسيف عبد الرحمن ضمن برنامج «تكريم نجوم سينما يوسف شاهين» احتفالاً بمئوية ميلاد المخرج الراحل التي تضمنت عدة فعاليات لأعماله خلال المهرجان.

أما جوائز مسابقة الفيلم القصير، فجاءت لتبرز تنوعاً لافتاً في التجارب الأفريقية، حيث مُنحت تنويهات خاصة لكل من فيلم «لا توقظ الطفل النائم» للمخرج كيفن أوبير من السنغال، وفيلم «حكايتي مع شارع جيبّا» للمخرج كاجو إيدهيبور من نيجيريا. وفي فئة أفضل إسهام فني، ذهبت الجائزة إلى فيلم «همسات من الريح» للمخرج ريمي ريوموجابي من رواندا، إلى جانب فيلم «عائشة» للمخرجة سناء العلوي من المغرب، الذي حصد قناع توت عنخ آمون الفضي. بينما تُوّج فيلم «أحلام دندرة» للمخرجة صابرين الحسامي من مصر بجائزة قناع توت عنخ آمون الذهبي.

صورة تذكارية للفائزين (إدارة المهرجان)

ونال الفيلم الجنوب أفريقي «قضاء الرب» للمخرج مايكل جيمس جائزة أفضل فيلم يتناول قضية أفريقية، وتدور أحداثه في مدينة ديربان، حيث يعيش عدد من الرجال المشردين داخل مبنى متهالك يجمعهم تضامن هش في مواجهة عالم قاسٍ تسوده اللامبالاة.

وقال الناقد السينمائي طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»، إنه بالرغم من سابقة احتفالات عدة مهرجانات منها «الجونة السينمائي» بمئوية شاهين فإن الحدث نفسه يتجاوز فكرة السبق بتقديم أفكار مختلفة في الاحتفال، مشيراً إلى أن المهرجان يتفرد بكونه الحدث السينمائي الأهم المرتبط بالسينما الأفريقية بشكل رئيسي.

وأضاف الشناوي أن المهرجان شهد عرض مجموعة من أبرز الأفلام المصرية التي تميزت خلال الفترة الماضية، وجميعها عرضت للمرة الأولى في الأقصر، نظراً لكون المدينة لا تملك أي شاشة عرض سينمائية حتى الآن، وهو ما أتاح فرصة مشاهدة الأفلام لجمهور المدينة.


«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
TT

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)
لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)

يمكن في السودان أن تختفي لوحة كاملة دون أن تترك أثراً، لا يرتبط ذلك بقيمتها الفنية، بل بغياب المسار الذي يوصل إليها، فالأعمال موزعة بين بيوت خاصة، ومراسم، وصور قديمة، وذاكرة شفهية، دون نظام يربطها أو يتيح قراءتها ضمن سياق أوسع، هذه الفجوة لا تتعلق بالحفظ فقط، بل بإمكانية فهم التاريخ البصري الذي يعتمد على مصادر متفرقة وغير مكتملة.

من هذا الفراغ، يتشكل مشروع «أرشيف السودان للفن التشكيلي» كمحاولة لبناء مرجع منظم يغطي ما يقارب نصف قرن من الإنتاج البصري. في صيغته الحالية، يعمل المشروع على توثيق الأعمال خلال المدة من 1975 إلى 2025، مع الإشارة إلى أن مراحل البحث الأولى امتدت إلى ما قبل ذلك، وصولاً إلى خمسينات القرن الماضي، لفهم الجذور التي تشكلت منها المدارس الفنية الحديثة في السودان.

بالإضافة إلى جمع الأعمال، يعمل المشروع على تصنيفها وربطها بسياقاتها، من خلال قاعدة بيانات تفصيلية تشمل الفنانين والأعمال والمؤسسات، بهدف تحويل الإنتاج الفني من مواد متفرقة إلى مادة قابلة للبحث والتحليل، بما يسمح بقراءة التحولات البصرية عبر الزمن، وربطها بالسياقات السياسية والاجتماعية التي أثرت فيها.

يتحرك المشروع ضمن نطاق محدد يشمل «الرسم والتلوين، التصوير، النحت والطباعة»، مع تركيز على بناء هيكل منهجي يمكن التوسع منه لاحقاً، هذا التحديد يعكس إدراكاً لصعوبة التعامل مع المشهد ككتلة واحدة، ويضع أولوية لإنشاء قاعدة منظمة، بدلاً من إعادة إنتاج التشتت داخل الأرشيف نفسه.

أطلق المشروع من القاهرة العام الماضي (الشرق الأوسط)

على المستوى التقني، يعمل المشروع على تطوير منصة رقمية تتيح إدخال البيانات عبر نماذج مخصصة، تخضع للمراجعة قبل النشر، مع اعتماد نظام تخزين يضمن حماية المواد واستمرارية الوصول إليها، ويتم توثيق كل عمل ضمن بيانات تشمل تاريخ الإنتاج، الخامات، والسياق المرتبط به؛ ما يسمح بقراءة الأعمال ضمن شبكة من العلاقات، وليس كعناصر منفصلة.

كما يفتح المشروع باب المساهمة أمام الفنانين والباحثين، سواء عبر رفع الأعمال أو تقديم معلومات إضافية، في محاولة لتوسيع قاعدة البيانات بشكل مستمر، هذه المقاربة تنقل الأرشيف من كونه مشروعاً مغلقاً إلى مساحة تفاعلية تعكس تعددية المشهد الفني، وتحد من مركزية السرد، وتمنح المشاركين دوراً مباشراً في بناء المحتوى.

تأتي هذه الجهود في سياق سياسي واجتماعي ضاغط، لا سيما بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، التي أدت إلى فقدان واسع للأعمال الفنية والوثائق. هذا الواقع أعاد طرح الأرشفة كأولوية، ليس فقط لتنظيم ما هو موجود، بل أيضاً لحماية ما تبقى من إرث مهدد بالاختفاء، في ظل غياب بنية قادرة على احتوائه.

تقول مديرة المشروع ريم سيف الجعيلي إن الفكرة نشأت من داخل الممارسة اليومية للعمل الفني، عبر مؤسسة «ذا ميوز ملتي استوديوز» التي تأسست عام 2019، وركزت على تنظيم المعارض والورش والإقامات الفنية، إلى جانب البرامج الثقافية المرتبطة بالمشهدين الثقافي والفني في السودان.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الاحتكاك المباشر بالفنانين والباحثين كشف مبكراً نقصاً واضحاً في التوثيق، وصعوبة الوصول إلى مصادر يمكن الاعتماد عليها، وهو ما انعكس على طبيعة العمل الثقافي نفسه، وجعل من الصعب بناء مشاريع تستند إلى معرفة دقيقة بتاريخ الفن السوداني»، لافتة إلى أن هذه الملاحظة قادت إلى بلورة فكرة الأرشيف في عام 2021، بوصفه محاولة لبناء منصة يمكن من خلالها قراءة الفن السوداني ضمن صورة شاملة، وليس كمجموعة أعمال متفرقة، مع التركيز على تقديم بنية تسمح بالفهم وليس الحفظ فقط.

وأوضحت أن «مرحلة التفكير استغرقت وقتاً قبل الانتقال إلى التنفيذ في 2022، حيث بدأ العمل على بناء قاعدة بيانات بالتعاون مع باحثين، بهدف جمع المعلومات الأساسية حول الفنانين داخل السودان وخارجه، وتحديد نطاق العمل بشكل أكثر دقة»، مشيرة إلى أن المشروع اعتمد على تحديد إطار زمني واضح يبدأ من خمسينات القرن الماضي كخلفية بحثية، بينما يركز التوثيق المنهجي في مرحلته الأولى على المدة بين 1975 و2025، بما يتيح قراءة التحولات الفنية ضمن نطاق يمكن التحكم فيه وتحليله.

وفيما يتعلق بفريق العمل، قالت إن المشروع يعتمد على نواة أساسية من 5 أفراد ضمن المؤسسة، إلى جانب فريق موسع يصل إلى نحو 10 أشخاص يعملون بشكل مباشر على الأرشيف، مع الاستعانة بخبرات متخصصة في مجالات الفن والنقد، مؤكدة حرصهم على مراعاة حقوق الملكية الفكرية عبر موافقة الفنانين وذويهم وهو ما جعلهم اليوم يسجلون بيانات أعمال نحو 40 فناناً بصرياً سودانياً مع استمرار العمل لإضافة آخرين خلال المرحلة المقبلة.