متى تستثمر أفريقيا ثرواتها وتقود العالم؟

تمتلك نصف احتياطي الذهب في العالم و12% من النفط و32% ثروة معدنية

عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
TT

متى تستثمر أفريقيا ثرواتها وتقود العالم؟

عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)

تتلقى القارة الأفريقية الضربة تلو الأخرى من الخارج والداخل، لتكون الأكثر تأثرا بالأحداث والتغيرات العالمية التي تتسارع حول العالم، سواء كان ذلك جيوسياسياً أو اقتصادياً، مما وضعها كأفقر قارة في العالم.

تعاني الدول الأفريقية كثيراً مع كل تغير إقليمي أو عالمي، كان آخرها تفشي جائحة «كورونا»، مع تأثر سلاسل الإمدادات العالمية، والتي زادت نسبة الجوع في أفريقيا بنحو 20 في المائة إلى 230 مليونا يعانون من سوء التغذية في القارة، وفق برنامج الغذاء العالمي.

بينما يرى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أكبر شبكة إنسانية في العالم، أن أفريقيا، تشهد واحدة من أكثر الأزمات الغذائية إثارة للقلق منذ عقود، ووصفتها بأنها «هائلة من حيث شدّتها ونطاقها الجغرافي». وتقول عبر موقعها: «يعاني حوالي 146 مليون شخص من انعدام حاد للأمن الغذائي، وهم بحاجة إلى مساعدة إنسانية طارئة».

ومع اختلاف عدد الجوعى في القارة وتضارب الأرقام، إلا أن الجميع يتفق على أن هناك أزمة حقيقية، ناتجة من عوامل محلّية وعالمية عدّة أوصلت إليها، بما في ذلك انعدام الأمن والنزاع المسلّح، والأحداث الجويّة القاسية، والتقلّب المناخي، والآثار السلبية على الاقتصاد الكلّي.

كل هذا رغم أن أفريقيا، البالغ عدد دولها 54 دولة، تمتلك نحو 60 في المائة من مساحة الأرض الزراعية الصالحة للزراعة في العالم، وتمثل حرفة الزراعة والري 80 في المائة من حرف شعوب القارة، بالإضافة إلى العمل في الغابات والثروة الطبيعية.

يصل حجم السوق الأفريقية إلى نحو 1.3 مليار نسمة، وهي سوق استهلاكية بالدرجة الأولى، 60 في المائة من ثروتها البشرية في سن الشباب، مما تعد فرصة حقيقية للشركات والمصانع والقطاعات الإنتاجية بكل أنواعها.

تمتلك دول القارة نحو نصف احتياطي الذهب في العالم، الذي يتركز في السودان وغانا وزامبيا ونيجيريا وزيمبابوي ومصر، ونحو 12 إلى 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، بالإضافة إلى 32 في المائة من احتياطي الثروة المعدنية في العالم.

ووفقاً للأمم المتحدة، فإن أفريقيا موطن لنحو 8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. كما تمتلك أفريقيا ثلث جميع المعادن في العالم، وأنتجت في عام 2019 ما يقرب من مليار طن من المعادن بقيمة 406 مليارات دولار.

تعطي هذه المعطيات والبيانات المقتضبة عن القارة إجابات شافية عما يحدث في القارة داخلياً، ومحاولات التدخل خارجياً. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: متى تنتهز القارة الأفريقية الفرصة وتستقل بقراراتها وتستثمر مواردها وتعيش برفاهية لا سيما مع تسارع الدول الغربية، أميركا وأوروبا والصين، لحجز نصيب لها في موارد القارة؟

مع الإشارة هنا إلى أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة كثيراً بوصفها لاعبا اقتصاديا في أفريقيا. فهي أكبر شريك تجاري ثنائي الاتجاه لأفريقيا، حيث بلغ حجم التجارة بينهما 254 مليار دولار في عام 2021، متجاوزة بذلك بأربعة أضعاف حجم التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا. كما أن الصين هي أكبر مزود للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تدعم مئات الآلاف من الوظائف الأفريقية.

مؤخراً، حصلت تغيرات جيوسياسية في أفريقيا، السودان ثم مالي ثم النيجر والغابون، وكلها ستؤثر على العالم الخارجي لا محالة، إذ إن أي تغيرات داخلية من شأنها أن ترفع أسعار المعادن والموارد الطبيعية التي تصدرها هذه الدول بأسعار تحددها الدول الأجنبية مسبقاً، وتستوردها في شكلها الخام. وقد تساهم في إبقاء معدلات التضخم مرتفعة لفترة من الزمن حتى يعود الاستقرار من جديد.

موارد القارة الأفريقية الطبيعية

-الذهب: تمتلك القارة 40 - 50 في المائة من احتياطي الذهب في العالم، الذي يتركز في السودان وغانا وزامبيا ونيجيريا وزيمبابوي ومصر.

ووفق دراسات، فإن خرائط مناجم الذهب في أفريقيا، كشفت عن صراعات محلية ودولية سُميت بالوريد الصحراوي للذهب، المكتشف عام 2012، والممتد من السودان شرق القارة إلى موريتانيا في أقصى غربها.

ومالي، التي شهدت انقلاباً عسكرياً مؤخراً، هي ثالث منتج للذهب في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وغانا. ووفقا لإحصاءات رسمية، فإن أغلب عمليات استخراج الذهب تقوم بها شركات متعددة الجنسيات.

زاد الإنتاج الصناعي للذهب في مالي بنسبة 4 في المائة عام 2022 ليصل إلى 66.2 طن، مقابل 63.4 طن في عام 2021، ووفق وزارة المناجم، فإن المعدن الأصفر يدر 400 مليون يورو سنويا، وهو ما يمثل 75 في المائة من صادراتها و25 في المائة من موازنتها.

-اليورانيوم: أفريقيا لديها رواسب معدنية كبيرة، بما في ذلك اليورانيوم.

والنيجر، التي شهدت هي الأخرى انقلاباً عسكرياً مؤخراً، هي سابع أكبر منتج لليورانيوم في العالم، وفقا للجمعية النووية العالمية.

والمعدن المشع هو الوقود الأكثر استخداماً للطاقة النووية. كما أنه يستخدم في علاج السرطان، للدفع البحري، وفي الأسلحة النووية.

وقد أنتجت النيجر، التي تمتلك أعلى خامات اليورانيوم في أفريقيا، 2020 طناً مترياً من اليورانيوم في عام 2022، أي حوالي 5 في المائة من إنتاج التعدين العالمي، وفقاً للجمعية النووية العالمية. وانخفض هذا من 2991 طناً في عام 2020.

ولدى النيجر عملية تعدين رئيسية واحدة في الشمال تديرها «أورلاندو» المملوكة لفرنسا، وهو منجم رئيسي آخر أغلق في عام 2021، مع واحد قيد التطوير.

-الكوبالت: تحتوي جمهورية الكونغو الديمقراطية على كميات ضخمة من الكوبالت، ومنها يتم إنتاج 50 في المائة على الأقل من خام الكوبالت الموجود في أسواق العالم.

ويحظى هذا المعدن بأهمية كبيرة لاستخدامه في بطاريات الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية والسيارات الكهربائية، كما يستعمل في اللوحات الرقمية.

وقد بات محط اهتمام كبريات الشركات التقنية في العالم، إذ يرتبط به مستقبل قطاع الاتصالات.

-الكروم: جنوب أفريقيا هي موطن للغالبية العظمى من رواسب الكروم في العالم، وهي أكبر منتج للفيروكروم والكروم. ويعتمد الكثير من البلدان على جنوب أفريقيا لواردات الكروم.

وقد أنتجت جنوب أفريقيا 18 مليون طن متري من الكروم في عام 2022، وارتفع إنتاج البلاد بشكل كبير منذ عام 2020 حين كان يبلغ 13.2 مليون طن متري، ويستمر في التغلب على بقية منتجي الكروم في العالم بهامش واسع.

والكروم هو معدن رمادي صلب وهش مع نقطة انصهار عالية ومقاومة للتآكل، وهذه الخصائص تجعله عنصراً أساسياً في إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ.

ويبيع منتجو الكروم حوالي 60 في المائة من إنتاجهم لصناعة الصلب في الأساس، ويتم استخدام الكروم لإنتاج الفيروكروم، والذي يستخدم بعد ذلك في صناعة الفولاذ.

وتعد الصين أكبر مستهلك للكروم في العالم، وكذلك أكبر منتج للفولاذ المقاوم للصدأ. ولدى الصين أيضا خيارات محدودة فيما يتعلق بواردات الكروم، يظهر أحدث تقرير للمسح الجيولوجي الأميركي عن الكروم أن خمس دول فقط أنتجت المعدن في عام 2022.

-المنغنيز: تعتبر جنوب أفريقيا أكبر منتج للمنغنيز في العالم، حيث تمثل 33.5 في المائة من الإنتاج العالمي. ويبلغ إنتاجها السنوي من المنغنيز 6.2 مليون طن، وتتركز غالبية تعدين المنغنيز في صحراء كالاهاري، التي يعتقد أنها تمتلك أكثر من 70 في المائة من الاحتياطيات العالمية.

يستخدم المنغنيز، وهو مادة خام مهمة في صناعة الحديد والصلب، في تقوية الفولاذ ومنعه من الصدأ.

كما يستخدم في بطاريات الخلايا الجافة، وفي تشكيل كثير من السبائك، وفي الصناعات الكيميائية والزجاجية والكهربائية.

-التعدين: أفريقيا هي القارة الثانية في صناعة التعدين، فمساحة القارة تقدّر بـ 30 مليون كيلومتر مربع؛ مما يعني وجود كميات كبيرة من المواد الخام.

تهيمن كل من جنوب أفريقيا وموريتانيا والجزائر على إنتاج خام الحديد في أفريقيا.

وتنتج القارة نحو 12 - 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، أبرزها نيجيريا والغابون، التي شهدت انقلابا عسكريا الأربعاء.

جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة

يرى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، الدكتور يسري الشرقاوي، أن فلسفة إدارة الاقتصاد العالمي تضع القارة الأفريقية في مكانة محدودة بالنظر إلى مواردها الطبيعية الغنية، وهو الأمر الذي يثير حفيظة شعوب القارة، التي بدأت بعض دولها تنتفض من حيث زيادة عدد المتعلمين والمطالبين بالتغيير.

قال الشرقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن «جزءاً من خطة وضعتها بعض الدول المتقدمة، تعتمد منهجيتها على الحصول على موارد القارة الأفريقية بأسعار زهيدة، وهو ما يتطلب إبقاء الوضع الاقتصادي لهذه الدول على ما هو عليه، لأنه ببساطة في حال استثمرت الدول الأفريقية مواردها وبدأت تصديرها في شكل منتج نهائي وليس في صورة خام، فسترتفع الأسعار على الدول المتقدمة ويزيد التضخم، وتقل رفاهيتهم، فرفاهية الدول المتقدمة تعتمد على فقر أفريقيا».

وعن مدى إمكانية استمرار هذه السياسات، أوضح الشرقاوي: «صعب... لبنة التغيير في القارة بدأت...».


مقالات ذات صلة

وساطة تركية - غربية لحلحلة العقدة السياسية في الصومال

شمال افريقيا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وساطة تركية - غربية لحلحلة العقدة السياسية في الصومال

يقود وسطاء دوليون جولة جديدة بين فرقاء السياسة في الصومال للمرة الثانية خلال أقل من شهرين، وسط أجواء غير مسبوقة من الصراع والخلافات على الانتخابات.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات الشهر الماضي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

الجيش الإثيوبي يدعم الوصول لمنفذ بحري... خطاب للداخل أم تصعيد؟

تواصل إثيوبيا التأكيد على حقها في منفذ على البحر الأحمر، ودخل الجيش على الخط بتشديده على «أهمية الحفاظ على الجاهزية العالية لتأمين الوصول لهذا الحق».

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

أزمة التمويل تُهدد بعثة حفظ السلام في الصومال... و3 سيناريوهات محتملة

تعاني بعثة حفظ السلام الجديدة في الصومال أزمات تمويلية منذ تشكيلها قبل نحو عام، غير أن أفق عمل تلك القوات ينتظر تهديداً وجودياً أكبر مع تحركات أميركية جديدة.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)

66 عاماً على استقلال الصومال... الفيدرالية تواجه «خطر الانقسام»

تحل الأربعاء ذكرى مرور 66 عاماً على استقلال الصومال واتحاد شمالها مع جنوبها، بينما تتعرض الحكومة الفيدرالية لضغوط عديدة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقبال السفير الصومالي بالقاهرة في مايو الماضي (الخارجية المصرية)

شروط تسليم الفدية ومخاوف التدخل الأمني تعرقل تحرير البحارة المصريين في الصومال

تقترب أزمة البحارة المصريين المختطفين على متن ناقلة نفط قبالة السواحل الصومالية من إتمام شهرها الثاني، بينما تبدو المفاوضات مع الخاطفين أقرب للحسم من أي وقت.

علاء حموده (القاهرة)

الإنتاج الصناعي السعودي يرتد صعوداً بـ3.2 % في شهر بدفع من الأنشطة النفطية

مصنع تابع لشركة «سبكيم» السعودية لإنتاج وتسويق الكيميائيات والبوليمرات (الشركة)
مصنع تابع لشركة «سبكيم» السعودية لإنتاج وتسويق الكيميائيات والبوليمرات (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يرتد صعوداً بـ3.2 % في شهر بدفع من الأنشطة النفطية

مصنع تابع لشركة «سبكيم» السعودية لإنتاج وتسويق الكيميائيات والبوليمرات (الشركة)
مصنع تابع لشركة «سبكيم» السعودية لإنتاج وتسويق الكيميائيات والبوليمرات (الشركة)

أظهرت القراءة الإحصائية الحديثة الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء ارتداداً إيجابياً ملموساً في وتيرة الإنتاج المحلي للسعودية على أساس شهري؛ إذ سجل مؤشر الرقم القياسي العام للإنتاج الصناعي في المملكة نمواً بنسبة 3.2 في المائة خلال شهر مايو (أيار) 2026 مقارنة بشهر أبريل (نيسان) من العام نفسه. وجاء هذا التعافي الشهري مدفوعاً بشكل رئيسي بانتعاش الأنشطة النفطية التي حققت صعوداً بمعدل 4.3 في المائة، إلى جانب الأداء المستقر للأنشطة غير النفطية التي نمت هي الأخرى بنسبة 1.3 في المائة في شهر واحد.

وعلى الرغم من هذا الانتعاش على المدى القصير، يواجه المؤشر العام ضغوطاً هبوطية عند مقارنته بالفترة المماثلة من العام الماضي؛ حيث كشفت البيانات الرسمية عن تراجع سنوي إجمالي بنسبة 18.7 في المائة مقارنة بشهر مايو من عام 2025، متأثراً بشكل أساسي بأساس المقارنة المرتفع في قطاعي التعدين والصناعات التحويلية.

حركة الأنشطة الرئيسة

كشفت البيانات الرسمية الموزعة حسب طبيعة الأنشطة الاقتصادية الرئيسة عن ملامح هذا التباين الإحصائي؛ إذ يعكس الأداء الشهري حركة تصحيحية سريعة داخل القطاعات الإنتاجية الحيوية للمملكة، في حين يترجم الأداء السنوي التعديلات مقارنة بالعام الماضي.

وفقاً للتقرير، سجل مؤشر الرقم القياسي للأنشطة النفطية في شهر مايو لعام 2026 انخفاضاً بنسبة 26.3 في المائة على أساس سنوي. وفي المقابل، أبدت الأنشطة غير النفطية مرونة واضحة؛ إذ لم يتجاوز تراجعها السنوي نسبة 0.6 في المائة، مما يعكس استقرار القطاعات الإنتاجية المتنوعة في المملكة ودورها في تخفيف حدة التقلبات المرتبطة بقطاع الطاقة.

أداء قطاع التعدين والصناعات التحويلية

توزعت الحركة الإنتاجية للقطاعات الأربعة الرئيسية المستهدفة في تقرير الهيئة العامة للإحصاء لتعكس قدرة النمو الشهري على مقاومة التحديات السنوية. ففي قطاع التعدين واستغلال المحاجر، ورغم التراجع السنوي الذي بلغت نسبته 28.6 في المائة تحت وطأة ظروف السوق مقارنة بالعام السابق، نجح القطاع في قيادة الارتداد الإيجابي على أساس شهري مسجلاً نمواً قوياً بنسبة 3.9 في المائة مقارنة بأداء شهر أبريل (نيسان) 2026، مدفوعاً بزيادة كميات الإنتاج الفورية.

أما قطاع الصناعة التحويلية، فقد سجَّل نمواً شهرياً بنسبة 1.6 في المائة مقارنة بأبريل الماضي، بالرغم من انخفاض المؤشر السنوي للقطاع بنسبة 6.2 في المائة. وجاء الدعم الشهري مدفوعاً بقفزة في نشاط صنع فحم الكوك والمنتجات النفطية المكررة بنسبة 5.9 في المائة شهرياً (رغم تراجعه سنويّاً بنسبة 16.7 في المائة)، ونشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية الذي استقر محققاً زيادة شهرية طفيفة بنسبة 0.2 في المائة.

قطاعات البنية التحتية والمرافق الحيوية

على صعيد قطاعات المرافق العامة والخدمات البيئية، أظهرت البيانات أداءً لافتاً في معدلات التغير السنوية والشهرية المصاحبة لتغير مستويات الطلب المحلي. إذ قفز المؤشر الفرعي لنشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء بنسبة قوية بلغت 15.8 في المائة على أساس شهري مقارنة بشهر أبريل 2026 نتيجة للطلب الموسمي المتنامي، على الرغم من تسجيله انخفاضاً سنويّاً طفيفاً بنسبة 1.4 في المائة مقارنة بمايو من العام السابق.

وفي غضون ذلك، واصل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها قيادة معدلات النمو السنوية الإيجابية محققاً ارتفاعاً بنسبة 5.7 في المائة مقارنة بمايو 2025 م، مع الحفاظ على وتيرة مستقرة شهرياً بنمو بلغ 0.2 في المائة.


تباطؤ التضخم في مدن مصر للشهر الثالث على التوالي

الشمس خلف خطوط نقل الطاقة الكهربائية ذات الجهد العالي وأبراج الكهرباء على طول نهر النيل على مشارف القاهرة (رويترز)
الشمس خلف خطوط نقل الطاقة الكهربائية ذات الجهد العالي وأبراج الكهرباء على طول نهر النيل على مشارف القاهرة (رويترز)
TT

تباطؤ التضخم في مدن مصر للشهر الثالث على التوالي

الشمس خلف خطوط نقل الطاقة الكهربائية ذات الجهد العالي وأبراج الكهرباء على طول نهر النيل على مشارف القاهرة (رويترز)
الشمس خلف خطوط نقل الطاقة الكهربائية ذات الجهد العالي وأبراج الكهرباء على طول نهر النيل على مشارف القاهرة (رويترز)

تباطأ معدل التضخم في مدن مصر للشهر الثالث على التوالي في يونيو (حزيران)، بدعم من تراجع أسعار بعض أنواع الأغذية، في إشارة إلى قدرة الاقتصاد على استيعاب جانب من الضغوط الناجمة عن الحرب في إيران، التي دفعت تكاليف الطاقة والشحن إلى الارتفاع في المنطقة.

وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.3 في المائة في يونيو، مقارنة بـ14.6 في المائة في مايو (أيار)، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة يوم الخميس.


تضخم أسعار المنتجين في الصين يقفز إلى أعلى مستوى في 4 سنوات

نساء يحضرن دورة في مجال الكهرباء بمدينة هانغتشو في مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين (أ.ف.ب)
نساء يحضرن دورة في مجال الكهرباء بمدينة هانغتشو في مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين (أ.ف.ب)
TT

تضخم أسعار المنتجين في الصين يقفز إلى أعلى مستوى في 4 سنوات

نساء يحضرن دورة في مجال الكهرباء بمدينة هانغتشو في مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين (أ.ف.ب)
نساء يحضرن دورة في مجال الكهرباء بمدينة هانغتشو في مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين (أ.ف.ب)

قفز تضخم أسعار المنتجين في الصين إلى أعلى مستوياته منذ 4 سنوات في شهر يونيو (حزيران) الماضي، ما زاد من الضغوط على هوامش أرباح المصنعين في ظل ضعف الطلب المحلي الذي يحد من قدرتهم على تحديد الأسعار.

ويشهد الاقتصاد الصيني حالياً ديناميكية ثنائية المسار؛ حيث تؤدي طفرة الصادرات العالمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي إلى انتعاش قطاع التصنيع المتقدم، في حين يواصل ضعف الإنفاق الاستهلاكي، وتراجع الاستثمار، والركود العقاري كبح النشاط المحلي.

ارتفاع مؤشر أسعار المنتجين

أظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء، يوم الخميس، أن مؤشر أسعار المنتجين (PPI) ارتفع بنسبة 4.1 في المائة على أساس سنوي، مسجلاً أعلى مستوى له منذ يوليو (تموز) 2022، وهو ما تطابق مع توقعات استطلاع رأي أجرته وكالة «رويترز»، ليسجل الارتفاع صعوداً للشهر الرابع على التوالي. وكان المؤشر، الذي سجل نمواً بنسبة 3.9 في المائة في مايو (أيار)، قد كسر سلسلة انكماش أسعار استمرت لسنوات في شهر مارس (آذار) الماضي إثر قفزة أسعار الطاقة في أعقاب الحرب الإيرانية.

ويعزى النمو المتسارع في أسعار السلع عند بوابة المصنع جزئياً إلى انخفاض أساس المقارنة في العام السابق، رغم أن المحللين أشاروا إلى أن ضعف الطلب المحلي يعني أن ضغوط انكماش الأسعار لم تنحسر بشكل ملموس بعد.

وقال جوليان إيفانز بريتشارد، رئيس قسم الاقتصاد الصيني في مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس»، إن «التصعيد الأخير في التوترات الأميركية الإيرانية قد يفرض بعض الضغوط التصاعدية المتجددة على التضخم في المدى القريب، لكن هذا سيبقى محدوداً في قطاعات ضيقة، ومن المتوقع أن يعود التضخم إلى ما يقارب الصفر بمجرد عودة إمدادات الطاقة إلى طبيعتها».

ووفقاً للمكتب الوطني للإحصاء، كانت الارتفاعات في قطاعات تعدين الفحم، والآلات الكهربائية، والإلكترونيات، والمعادن الحديدية من بين العوامل الرئيسية المساهمة في زيادة أسعار المنتجين، بينما تراجعت الأسعار في قطاعات أخرى شملت المشروبات الكحولية وتصنيع السيارات.

وعلى أساس شهري، انخفض مؤشر أسعار المنتجين بنسبة 0.3 في المائة في يونيو، وذلك في أعقاب الهبوط الحاد لأسعار النفط العالمية بعد اتفاق أميركي إيراني على وقف إطلاق النار. وفي المقابل، سجلت بعض الصناعات عالية التقنية والتحول الأخضر، مثل معدات الواقع الافتراضي، والأجهزة القابلة للارتداء، والمواد النانوية الكربونية، مكاسب سعريّة شهرية.

طلب محلي ضعيف

على الرغم من أن تحسّن الأسعار قد عزز أرباح بعض قطاعات الإنتاج الأولي والتكنولوجيا المتقدمة، فإن المصنعين الأكثر اعتماداً على السوق المحلية يواجهون صعوبة كبيرة في نقل التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين. ويسلط هذا المشهد الضوء على العقبات التي تواجه صناع السياسات في جهودهم لدعم سوق العمل وتحفيز الطلب المحلي الذي لا يزال ضعيفاً.

وتجلت الأدلة على تراجع الطلب المحلي بوضوح في مبيعات السيارات الصينية، التي انخفضت للشهر التاسع على التوالي في يونيو، مما دفع شركات تصنيع السيارات إلى التوجه نحو الأسواق الخارجية.

تباطؤ مؤشر أسعار المستهلكين

أظهرت البيانات الخاصة بأسعار المستهلكين، التي صدرت بالتزامن مع مؤشر أسعار المنتجين، بعض التباطؤ؛ حيث ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 1.0 في المائة الشهر الماضي على أساس سنوي، متراجعاً من نمو بلغ 1.2 في المائة في مايو، وهو ما جاء دون التوقعات التي كانت تشير إلى ارتفاع بنسبة 1.1 في المائة، وذلك بسبب تباطؤ زيادة أسعار السلع الاستهلاكية الصناعية، بما في ذلك المجوهرات الذهبية والبنزين.

وعلى أساس شهري، تراجع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.3 في المائة، مقارنة بتوقعات انخفاض بنسبة 0.2 في المائة وتراجع بنسبة 0.1 في المائة في مايو.

أما مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، الذي يستثني تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 1.0 في المائة، وهي أبطأ وتيرة له منذ يناير (كانون الثاني)، بينما انخفضت أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.6 في المائة على أساس سنوي.

وقال لين سونغ، كبير اقتصاديي منطقة الصين الكبرى في بنك «آي إن جي»: «البيانات تتحرك من مرحلة قريبة من انكماش الأسعار إلى تضخم إيجابي منخفض. هذا المستوى من التضخم ليس من المرجح أن يمنع بنك الشعب الصيني من اتخاذ إجراءات السياسة النقدية إذا رأى ذلك ضرورياً».

حملات حكومية لمواجهة حروب الأسعار

جددت الجهات التنظيمية للسوق في الصين حملتها ضد منافسة «الإنفولوشن» (الالتفاف الداخلي أو التنافس الهدام البائع للمصالح الجانبية)؛ حيث تمضي قدماً في حملة لكبح حروب الأسعار الشرسة التي غذت الضغوط الانكماشية.

وقد أدت المنافسة المفرطة إلى تقليص هوامش أرباح الشركات عبر قطاعات متعددة، بما في ذلك السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، وبطاريات الليثيوم، والصلب، والأسمنت، وخدمات توصيل الطعام.

ويرى المحللون أن التدخل الأقوى في السياسات يظل أمراً ضرورياً لإعادة توازن الاقتصاد الذي يتسم بفائض في القدرة الإنتاجية وضعف في الطلب المحلي، في حين سمحت طفرة الصادرات لصناع القرار بتأجيل اتخاذ تدابير تحفيزية أكثر حسماً.

وقال جاو بنغ شينغ، كبير الخبراء الاستراتيجيين للشأن الصيني في مجموعة «إيه إن زد» المصرفية، إن «الحملة المناهضة للمنافسة الهدامة وتأثيرات قاعدة المقارنة المنخفضة من شأنها أن تنعش التضخم مجدداً في الربع الأول من عام 2027». وأضاف: «آفاق التضخم الحالية تتيح لصناع السياسات الحفاظ على صبرهم والإبقاء على قرار خفض أسعار الفائدة قيد الانتظار خلال عام 2026».