متى تستثمر أفريقيا ثرواتها وتقود العالم؟

تمتلك نصف احتياطي الذهب في العالم و12% من النفط و32% ثروة معدنية

عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
TT

متى تستثمر أفريقيا ثرواتها وتقود العالم؟

عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)
عامل في أحد مناجم تعدين الذهب في زامبيا (غيتي)

تتلقى القارة الأفريقية الضربة تلو الأخرى من الخارج والداخل، لتكون الأكثر تأثرا بالأحداث والتغيرات العالمية التي تتسارع حول العالم، سواء كان ذلك جيوسياسياً أو اقتصادياً، مما وضعها كأفقر قارة في العالم.

تعاني الدول الأفريقية كثيراً مع كل تغير إقليمي أو عالمي، كان آخرها تفشي جائحة «كورونا»، مع تأثر سلاسل الإمدادات العالمية، والتي زادت نسبة الجوع في أفريقيا بنحو 20 في المائة إلى 230 مليونا يعانون من سوء التغذية في القارة، وفق برنامج الغذاء العالمي.

بينما يرى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أكبر شبكة إنسانية في العالم، أن أفريقيا، تشهد واحدة من أكثر الأزمات الغذائية إثارة للقلق منذ عقود، ووصفتها بأنها «هائلة من حيث شدّتها ونطاقها الجغرافي». وتقول عبر موقعها: «يعاني حوالي 146 مليون شخص من انعدام حاد للأمن الغذائي، وهم بحاجة إلى مساعدة إنسانية طارئة».

ومع اختلاف عدد الجوعى في القارة وتضارب الأرقام، إلا أن الجميع يتفق على أن هناك أزمة حقيقية، ناتجة من عوامل محلّية وعالمية عدّة أوصلت إليها، بما في ذلك انعدام الأمن والنزاع المسلّح، والأحداث الجويّة القاسية، والتقلّب المناخي، والآثار السلبية على الاقتصاد الكلّي.

كل هذا رغم أن أفريقيا، البالغ عدد دولها 54 دولة، تمتلك نحو 60 في المائة من مساحة الأرض الزراعية الصالحة للزراعة في العالم، وتمثل حرفة الزراعة والري 80 في المائة من حرف شعوب القارة، بالإضافة إلى العمل في الغابات والثروة الطبيعية.

يصل حجم السوق الأفريقية إلى نحو 1.3 مليار نسمة، وهي سوق استهلاكية بالدرجة الأولى، 60 في المائة من ثروتها البشرية في سن الشباب، مما تعد فرصة حقيقية للشركات والمصانع والقطاعات الإنتاجية بكل أنواعها.

تمتلك دول القارة نحو نصف احتياطي الذهب في العالم، الذي يتركز في السودان وغانا وزامبيا ونيجيريا وزيمبابوي ومصر، ونحو 12 إلى 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، بالإضافة إلى 32 في المائة من احتياطي الثروة المعدنية في العالم.

ووفقاً للأمم المتحدة، فإن أفريقيا موطن لنحو 8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. كما تمتلك أفريقيا ثلث جميع المعادن في العالم، وأنتجت في عام 2019 ما يقرب من مليار طن من المعادن بقيمة 406 مليارات دولار.

تعطي هذه المعطيات والبيانات المقتضبة عن القارة إجابات شافية عما يحدث في القارة داخلياً، ومحاولات التدخل خارجياً. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: متى تنتهز القارة الأفريقية الفرصة وتستقل بقراراتها وتستثمر مواردها وتعيش برفاهية لا سيما مع تسارع الدول الغربية، أميركا وأوروبا والصين، لحجز نصيب لها في موارد القارة؟

مع الإشارة هنا إلى أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة كثيراً بوصفها لاعبا اقتصاديا في أفريقيا. فهي أكبر شريك تجاري ثنائي الاتجاه لأفريقيا، حيث بلغ حجم التجارة بينهما 254 مليار دولار في عام 2021، متجاوزة بذلك بأربعة أضعاف حجم التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا. كما أن الصين هي أكبر مزود للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تدعم مئات الآلاف من الوظائف الأفريقية.

مؤخراً، حصلت تغيرات جيوسياسية في أفريقيا، السودان ثم مالي ثم النيجر والغابون، وكلها ستؤثر على العالم الخارجي لا محالة، إذ إن أي تغيرات داخلية من شأنها أن ترفع أسعار المعادن والموارد الطبيعية التي تصدرها هذه الدول بأسعار تحددها الدول الأجنبية مسبقاً، وتستوردها في شكلها الخام. وقد تساهم في إبقاء معدلات التضخم مرتفعة لفترة من الزمن حتى يعود الاستقرار من جديد.

موارد القارة الأفريقية الطبيعية

-الذهب: تمتلك القارة 40 - 50 في المائة من احتياطي الذهب في العالم، الذي يتركز في السودان وغانا وزامبيا ونيجيريا وزيمبابوي ومصر.

ووفق دراسات، فإن خرائط مناجم الذهب في أفريقيا، كشفت عن صراعات محلية ودولية سُميت بالوريد الصحراوي للذهب، المكتشف عام 2012، والممتد من السودان شرق القارة إلى موريتانيا في أقصى غربها.

ومالي، التي شهدت انقلاباً عسكرياً مؤخراً، هي ثالث منتج للذهب في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وغانا. ووفقا لإحصاءات رسمية، فإن أغلب عمليات استخراج الذهب تقوم بها شركات متعددة الجنسيات.

زاد الإنتاج الصناعي للذهب في مالي بنسبة 4 في المائة عام 2022 ليصل إلى 66.2 طن، مقابل 63.4 طن في عام 2021، ووفق وزارة المناجم، فإن المعدن الأصفر يدر 400 مليون يورو سنويا، وهو ما يمثل 75 في المائة من صادراتها و25 في المائة من موازنتها.

-اليورانيوم: أفريقيا لديها رواسب معدنية كبيرة، بما في ذلك اليورانيوم.

والنيجر، التي شهدت هي الأخرى انقلاباً عسكرياً مؤخراً، هي سابع أكبر منتج لليورانيوم في العالم، وفقا للجمعية النووية العالمية.

والمعدن المشع هو الوقود الأكثر استخداماً للطاقة النووية. كما أنه يستخدم في علاج السرطان، للدفع البحري، وفي الأسلحة النووية.

وقد أنتجت النيجر، التي تمتلك أعلى خامات اليورانيوم في أفريقيا، 2020 طناً مترياً من اليورانيوم في عام 2022، أي حوالي 5 في المائة من إنتاج التعدين العالمي، وفقاً للجمعية النووية العالمية. وانخفض هذا من 2991 طناً في عام 2020.

ولدى النيجر عملية تعدين رئيسية واحدة في الشمال تديرها «أورلاندو» المملوكة لفرنسا، وهو منجم رئيسي آخر أغلق في عام 2021، مع واحد قيد التطوير.

-الكوبالت: تحتوي جمهورية الكونغو الديمقراطية على كميات ضخمة من الكوبالت، ومنها يتم إنتاج 50 في المائة على الأقل من خام الكوبالت الموجود في أسواق العالم.

ويحظى هذا المعدن بأهمية كبيرة لاستخدامه في بطاريات الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية والسيارات الكهربائية، كما يستعمل في اللوحات الرقمية.

وقد بات محط اهتمام كبريات الشركات التقنية في العالم، إذ يرتبط به مستقبل قطاع الاتصالات.

-الكروم: جنوب أفريقيا هي موطن للغالبية العظمى من رواسب الكروم في العالم، وهي أكبر منتج للفيروكروم والكروم. ويعتمد الكثير من البلدان على جنوب أفريقيا لواردات الكروم.

وقد أنتجت جنوب أفريقيا 18 مليون طن متري من الكروم في عام 2022، وارتفع إنتاج البلاد بشكل كبير منذ عام 2020 حين كان يبلغ 13.2 مليون طن متري، ويستمر في التغلب على بقية منتجي الكروم في العالم بهامش واسع.

والكروم هو معدن رمادي صلب وهش مع نقطة انصهار عالية ومقاومة للتآكل، وهذه الخصائص تجعله عنصراً أساسياً في إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ.

ويبيع منتجو الكروم حوالي 60 في المائة من إنتاجهم لصناعة الصلب في الأساس، ويتم استخدام الكروم لإنتاج الفيروكروم، والذي يستخدم بعد ذلك في صناعة الفولاذ.

وتعد الصين أكبر مستهلك للكروم في العالم، وكذلك أكبر منتج للفولاذ المقاوم للصدأ. ولدى الصين أيضا خيارات محدودة فيما يتعلق بواردات الكروم، يظهر أحدث تقرير للمسح الجيولوجي الأميركي عن الكروم أن خمس دول فقط أنتجت المعدن في عام 2022.

-المنغنيز: تعتبر جنوب أفريقيا أكبر منتج للمنغنيز في العالم، حيث تمثل 33.5 في المائة من الإنتاج العالمي. ويبلغ إنتاجها السنوي من المنغنيز 6.2 مليون طن، وتتركز غالبية تعدين المنغنيز في صحراء كالاهاري، التي يعتقد أنها تمتلك أكثر من 70 في المائة من الاحتياطيات العالمية.

يستخدم المنغنيز، وهو مادة خام مهمة في صناعة الحديد والصلب، في تقوية الفولاذ ومنعه من الصدأ.

كما يستخدم في بطاريات الخلايا الجافة، وفي تشكيل كثير من السبائك، وفي الصناعات الكيميائية والزجاجية والكهربائية.

-التعدين: أفريقيا هي القارة الثانية في صناعة التعدين، فمساحة القارة تقدّر بـ 30 مليون كيلومتر مربع؛ مما يعني وجود كميات كبيرة من المواد الخام.

تهيمن كل من جنوب أفريقيا وموريتانيا والجزائر على إنتاج خام الحديد في أفريقيا.

وتنتج القارة نحو 12 - 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، أبرزها نيجيريا والغابون، التي شهدت انقلابا عسكريا الأربعاء.

جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة

يرى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، الدكتور يسري الشرقاوي، أن فلسفة إدارة الاقتصاد العالمي تضع القارة الأفريقية في مكانة محدودة بالنظر إلى مواردها الطبيعية الغنية، وهو الأمر الذي يثير حفيظة شعوب القارة، التي بدأت بعض دولها تنتفض من حيث زيادة عدد المتعلمين والمطالبين بالتغيير.

قال الشرقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن «جزءاً من خطة وضعتها بعض الدول المتقدمة، تعتمد منهجيتها على الحصول على موارد القارة الأفريقية بأسعار زهيدة، وهو ما يتطلب إبقاء الوضع الاقتصادي لهذه الدول على ما هو عليه، لأنه ببساطة في حال استثمرت الدول الأفريقية مواردها وبدأت تصديرها في شكل منتج نهائي وليس في صورة خام، فسترتفع الأسعار على الدول المتقدمة ويزيد التضخم، وتقل رفاهيتهم، فرفاهية الدول المتقدمة تعتمد على فقر أفريقيا».

وعن مدى إمكانية استمرار هذه السياسات، أوضح الشرقاوي: «صعب... لبنة التغيير في القارة بدأت...».


مقالات ذات صلة

اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

أفريقيا أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)

اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

بعد شهور من المناوشات، تتجه «جبهة تحرير تيغراي» إلى فصل جديد من المعارك مع الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا عززها انضمام قوى أخرى عبر تدشين تحالف مسلح.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

من أمهرة إلى إريتريا... لماذا تتسع دائرة خصوم آبي أحمد؟

دخلت الأزمة الإثيوبية مرحلة جديدة مع إعلان سبع قوى مسلحة، بينها جبهة تيغراي، تشكيل تحالف لإنهاء حكم رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية شاملة.

محمد الريس (القاهرة)
أفريقيا حمّالون إثيوبيون يدفعون عرباتهم اليدوية على طول شارع في ميكيلي بمنطقة تيغراي الإثيوبية يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

سكان إقليم تيغراي الإثيوبي يخزّنون الغذاء والنقد خشية «حرب كبرى»

سارع سكان إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا، اليوم (الخميس)، إلى تخزين المواد الغذائية والنقد والسلع الأساسية، خشية أن يؤدي تجدُّد القتال إلى اشتعال حرب كبرى جديدة.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

«اضطرابات تيغراي»... هل تُغير معادلة الصراع في إثيوبيا؟

عادت اضطرابات إقليم تيغراي الإثيوبي الذي استبعدته حكومة آبي أحمد من الانتخابات العامة الأخيرة، في فصل جديد من المواجهات.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

توترات الداخل الإثيوبي تهدد بإرباك توازنات القرن الأفريقي

لم تعد الاضطرابات التي تواجهها حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد محصورة داخل حدود أقاليم متنازعة مع المركز.

فتحية الدخاخني (القاهرة )

ثقة المستهلكين الأميركيين تتراجع إلى أدنى مستوى في 4 أشهر خلال سبتمبر

مواطن يتسوق لشراء مواد غذائية في مدينة نيويورك (رويترز)
مواطن يتسوق لشراء مواد غذائية في مدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلكين الأميركيين تتراجع إلى أدنى مستوى في 4 أشهر خلال سبتمبر

مواطن يتسوق لشراء مواد غذائية في مدينة نيويورك (رويترز)
مواطن يتسوق لشراء مواد غذائية في مدينة نيويورك (رويترز)

أظهر مسح نُشر يوم الجمعة تراجع ثقة المستهلكين الأميركيين إلى أدنى مستوى في أربعة أشهر خلال سبتمبر (أيلول)، وسط مخاوف من أن يؤدي ارتفاع التضخم إلى تآكل القوة الشرائية للأسر.

وقالت جامعة ميشيغان، التي تجري مسوحات دورية لآراء المستهلكين، إن مؤشر ثقة المستهلك انخفض في قراءته النهائية لهذا الشهر إلى 48.1 نقطة، مقارنة مع 51.7 نقطة في أغسطس. ومع ذلك، جاءت القراءة أعلى من التقدير الأولي البالغ 47.8 نقطة، كما تجاوزت توقعات خبراء الاقتصاد الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، والبالغة 47.6 نقطة.

وتراجع المؤشر بنسبة 15 في المائة منذ يناير (كانون الثاني). وأشارت جامعة ميشيغان إلى انخفاض بنحو 10 في المائة في تقييم المستهلكين لأوضاعهم المالية الحالية وتوقعاتهم المالية للعام المقبل، في ظل استمرار تصاعد المخاوف بشأن ارتفاع الأسعار.

وقالت جوان هسو، مديرة مسوحات المستهلكين: «بشكل عام، تكشف المقابلات عن اتفاق واسع النطاق عبر مختلف الأطياف السياسية على أن التوقعات الاقتصادية قد ضعفت منذ بداية العام».

وأضافت: «بعد الانخفاضات الكبيرة بشكل خاص في مستوى الثقة هذا الشهر، أصبحت ثقة الجمهوريين الآن أقل بنسبة 20 في المائة مما كانت عليه في يناير، فيما تراجعت ثقة الديمقراطيين بنسبة 13 في المائة خلال الفترة نفسها».

وارتفع مقياس المسح لتوقعات المستهلكين بشأن التضخم خلال العام المقبل إلى 4.6 في المائة، مقارنة مع 4 في المائة في أغسطس (آب). وقفزت توقعات التضخم للأشهر الاثني عشر المقبلة من 3.4 في المائة في فبراير (شباط)، أي قبل بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران.

كما ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى السنوات الخمس المقبلة قليلاً إلى 3.4 في المائة، بعدما استقرت عند 3.3 في المائة لثلاثة أشهر متتالية.


تراجع النفط يخفف ضغوط السندات ويدعم استقرار «وول ستريت»

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

تراجع النفط يخفف ضغوط السندات ويدعم استقرار «وول ستريت»

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

أسهم تراجع أسعار النفط يوم الجمعة في تخفيف بعض الضغوط التي تراكمت في «وول ستريت»، ما دفع الأسهم الأميركية إلى الارتفاع بشكل طفيف، في وقت ساعد فيه انخفاض أسعار الخام على استقرار عوائد سندات الخزانة.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، متعافياً من سلسلة خسائر استمرت ثلاثة أيام اتسمت بتقلبات حادة، بفعل الارتفاع في عوائد سوق السندات. ولا يزال المؤشر الرئيسي للأسهم الأميركية قريباً من أعلى مستوى قياسي سجله الشهر الماضي، كما يتجه إلى إنهاء أول أسبوع من المكاسب بعد أسبوعين متتاليين من التراجع، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وصعد مؤشر «داو جونز» الصناعي 179 نقطة، أو 0.3 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، فيما ارتفع مؤشر «ناسداك» المجمع 0.4 في المائة.

وتلقت الأسهم دعماً من تراجع سعر خام برنت 1.6 في المائة إلى 98.63 دولار للبرميل. وكانت أسعار النفط قد شهدت تقلبات حادة في ظل حالة عدم اليقين بشأن موعد استئناف تدفقات النفط بحرية من الشرق الأوسط، على خلفية الحرب مع إيران. وتنخفض الأسعار مع تزايد الآمال في التوصل إلى اتفاق قد يتيح إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام ناقلات النفط، قبل أن تعاود الارتفاع مع تجدد الشكوك.

وفي وقت سابق من الأسبوع، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى دفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 5.20 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007. وساعد تراجع أسعار الخام يوم الجمعة على استقرار العائد عند 5.18 في المائة، وهو المستوى الذي سجله في أواخر جلسة الخميس.

وأدى استقرار العوائد إلى تخفيف بعض الضغوط على الأسواق، إذ إن ارتفاع تكاليف الاقتراض يمكن أن يحد من النشاط الاقتصادي، كما يضغط على أسعار الأسهم وغيرها من الاستثمارات. كما أثارت الزيادة في عوائد السندات عالمياً اضطرابات في الأسواق المالية، وسط مخاوف بشأن ارتفاع التضخم، وضخامة أعباء الديون الحكومية، واستمرار قوة الاقتصاد، إلى جانب عوامل أخرى.

وكان عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات يبلغ 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب مع إيران. وأثرت العوائد المرتفعة بشكل خاص على الأسهم التي تُتداول عند تقييمات مرتفعة، كما ضغطت على أسهم قطاع الذكاء الاصطناعي الذي شهد طفرة خلال السنوات الماضية مدفوعاً بالحماس تجاه هذه التكنولوجيا.

وارتفع سهم «إنفيديا» 0.9 في المائة، بعد انخفاضه 0.4 في المائة في الجلسة السابقة، في أكبر ضغط منفرد على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خلال تلك الجلسة.

وقفز سهم «أكاماي تكنولوجيز» 12.5 في المائة، مسجلاً أحد أكبر مكاسب السوق، بعدما أعلنت شركة الحوسبة السحابية اتفاقية متعددة السنوات بقيمة 11.6 مليار دولار مع «أنثروبيك»، الشركة المطورة لروبوت الدردشة المدعوم بالذكاء الاصطناعي «كلود».

كما ارتفع سهم «كوستكو هولسيل» 1.3 في المائة، بعدما أعلنت الشركة أرباحاً تجاوزت توقعات المحللين في الربع الأخير، رغم إشارة بعض المحللين إلى تباطؤ نمو عدد أعضائها خلال الفترة نفسها.

وفي أسواق الأسهم العالمية، تباين أداء المؤشرات الأوروبية بعد تحركات أكبر في الأسواق الآسيوية. وارتفع مؤشر «نيكي 225» الياباني 1.3 في المائة، في حين تراجع مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ 1 في المائة.


محافظ بنك إنجلترا: ارتفاع أسعار الطاقة يصعّب إبقاء الفائدة دون تغيير

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

محافظ بنك إنجلترا: ارتفاع أسعار الطاقة يصعّب إبقاء الفائدة دون تغيير

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

قال محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي يوم الجمعة، إن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة سيجعل من الصعب على البنك المركزي إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، في تحذير يعكس تحولاً في لهجته مؤخراً نحو تشديد السياسة النقدية وارتفاع تكاليف الاقتراض.

ويأتي هذا التحذير في توقيت صعب لرئيس الوزراء آندي بيرنهام ووزير ماليته جون هيلي، اللذين يسعيان إلى الحد من ضغوط تكاليف المعيشة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نبرة إيجابية بشأن الاقتصاد قبل عرض الموازنة المقرر في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، وفق «رويترز».

وعلى خلاف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، لم يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة منذ اندلاع حرب إيران.

لكنّ عدداً من مسؤولي البنك، بينهم بيلي، أشاروا الأسبوع الماضي إلى تزايد مخاوفهم من الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة الناجم عن الحرب، والذي لم تظهر مؤشرات تذكر على انحساره.

وجدد بيلي هذه الرسالة يوم الجمعة، قائلاً خلال مؤتمر الاقتصاد النقدي الذي تستضيفه جامعة أكسفورد: «سيصبح الحفاظ على هذا الموقف أكثر صعوبة كلما استمرت أسعار الطاقة المرتفعة لفترة أطول».

وأضاف أن بنك إنجلترا لا يستطيع تحمل الانتظار حتى تتوافر أدلة كاملة على كيفية انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى توقعات التضخم.

تحول في لهجة لجنة السياسة النقدية

وصف بيلي الأدلة المتاحة حتى الآن بأنها «محدودة نسبياً»، لكنه كرر أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على نطاق أوسع من الأسعار.

وكان بيلي ضمن أغلبية من 6 أعضاء، مقابل 3 في لجنة السياسة النقدية، صوتوا الأسبوع الماضي لإبقاء أسعار الفائدة عند 3.75 في المائة، إلا أن تحولاً واضحاً ظهر في لهجة اللجنة، بعدما أثار بيلي و3 نواب لمحافظ البنك احتمال رفع الفائدة.

وأشارت اثنتان منهم؛ سارة بريدن وكلير لومبارديلي، مجدداً يوم الخميس، إلى اقترابهما من التصويت لصالح زيادة تكاليف الاقتراض، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وما يفرضه من مخاطر على استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف.

وقال بنك إنجلترا الأسبوع الماضي، إن التضخم «سيصل الآن إلى أعلى قليلاً من 4 في المائة في أوائل عام 2027»، أي أكثر من ضعف مستهدفه البالغ 2 في المائة. وقد تجاوز التضخم هذا المستوى المستهدف في جميع الأشهر تقريباً خلال السنوات الخمس الماضية.

وكان بيلي قد قال الأسبوع الماضي إن آفاق الاقتصاد لا تزال شديدة التقلب، بحيث لا يمكن الجزم بما إذا كانت الأسواق محقة في تسعير ما يقرب من 4 ارتفاعات في أسعار الفائدة خلال العام المقبل، مضيفاً أن لجنة السياسة النقدية لم تناقش هذا السيناريو.

لكن المستثمرين سعّروا يوم الجمعة احتمالاً يقارب 80 في المائة لرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة في نوفمبر (تشرين الثاني)، فيما تضمنت منحنى أسعار الفائدة توقعات بأكثر قليلاً من 4 ارتفاعات، بواقع ربع نقطة مئوية لكل منها خلال العام المقبل.

وقال بيلي إن الأوضاع النقدية والمالية في الاقتصاد البريطاني قد أصبحت أكثر تشدداً نتيجة إبقاء بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير خلال الأشهر الأخيرة، مقارنة بالتوقعات التي كانت سائدة قبل حرب إيران، والتي كانت تشير إلى خفض أسعار الفائدة مرتين خلال عام 2026.