«يوميات رحالة»... نظرة جديدة في الاستشراق

البريطاني ديزموند ستيوارت ينتقد النزعة الاستعلائية تجاه الآخر

«يوميات رحالة»... نظرة جديدة في الاستشراق
TT

«يوميات رحالة»... نظرة جديدة في الاستشراق

«يوميات رحالة»... نظرة جديدة في الاستشراق

لا يمكن قراءة كتاب «يوميات رحالة» التي صدرت ترجمته عن «دار العربي» بالقاهرة للمستشرق البريطاني ديزموند ستيوارت (1924 - 1981)، دون وضعه في سياق أشمل يتجاوز مجرد مذكرات رجل تنقل في الشرق الأوسط ما بين بيروت وبغداد والقاهرة، وهو ما يتماس مع الاستشراق كإطار ملتبس يتفاوت ما بين الحماس والحذر في علاقة الشرق بالغرب.

ظهر الاستشراق، حسب المؤرخ الفرنسي مكسيم رودنسون، عام 1779 بإنجلترا ليشير إلى حركة ثقافية شاملة بدأتها الدول الأوروبية الكبرى لدراسة وفهم كل ما يتعلق بالشرق عموماً، والشرق العربي بخاصة، لا سيما على صعيد الثقافة والفكر والمجتمع والفنون والآداب. وقد يتم تعريفه بأنه «أسلوب للتفكير يرتكز على التمييز المعرفي والعرقي والآيديولوجي بين الشرق والغرب»، وأحياناً يكون المقصود بالاستشراق «ذلك العلم الذي يتناول المجتمعات الشرقية بالدراسة والتحليل من قبل علماء الغرب وباحثيه».

ويذهب المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (1935 - 2003) في كتابه الرائد «الاستشراق» إلى أن هذا المفهوم ينطوي على مبالغة في الاختلاف، وفرضية تؤكد تفوق الغرب، وتطبيق نماذج التحليل النمطية عن العالم الشرقي المتصور. بشكل عام، يُعد الاستشراق مصدر التصوير الثقافي غير الدقيق، أي أصول الأفكار والتصورات الغربية عن الشرق، خصوصاً منطقة الشرق الأوسط.

وحسب سعيد، تتمثل السمة الأساسية في الاستشراق بأنه «تحيُّز خفي ومستمر محوره تفوق الحضارة الأوروبية ضد الشعوب العربية الإسلامية وثقافتها»، تُشتق تلك النظرة من التصورات الغربية عما يمثله الشرق واختزال الشرق إلى جوهر خيالي «للشعوب الشرقية». وتصف تلك التصورات الثقافية الشرق بـ«البدائي، اللاعقلاني، العنيف، المتطرف، الاستبدادي، أنه أدنى من الغرب، وبالتالي لا سبيل إلى (التنوير) إلا باستبدال القيم (الرجعية) بالأفكار (المعاصرة التقدمية)، التي إما أن تكون غربية أو متأثرة بالغرب».

تخرج ديزموند ستيورات في جامعة أكسفورد عام 1948 لكنه عاش معظم حياته العملية في البلاد العربية، حيث أتقن اللغة العربية. انتقل أولاً إلى بيروت ثم غادرها إلى بغداد حيث كان يدرس الإنجليزية بكل من «دار المعلمين العليا» وكلية الآداب ويترجم الشعر العراقي. وحين استقر في القاهرة، عمل مراسلاً لعدد من الصحف البريطانية، وأخذ يؤلف الكتب عن الشرق مثل «القاهرة الكبرى: أم الدنيا» و«لورانس العرب» و«الإسلام المبكر» و«الأهرام وأبو الهول». وكان واسع الاطلاع على الأدب العربي حتى أنه ترجم إلى الإنجليزية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي و«الرجل الذي فقد ظله» لفتحي غانم.

وفي كتابه «يوميات رحالة» (262 صفحة من القطع المتوسط)، ترجمة سمير محفوظ بشير، يبدو ستيورات متحرراً إلى حد بعيد من تلك النظرة الاستشراقية الاستعلائية إلى الآخر، ويكتب بعين محبة عن مشاهداته في العالم العربي والتاريخ المصري الحديث منذ الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت 1798 حتى قيام ثورة 1952، كما يفرد مساحة للحديث عن الرئيس جمال عبد الناصر الذي أجرى أكثر من حوار معه، وبدا لافتاً أنه يصفه بـ«الصديق».

بين بغداد والقاهرة

ويصور ستيورات، بغداد، على أنها جزيرة ناعسة محاطة باللون الأخضر كما تبدو على الخريطة لكنه يعاني من هدوئها الشديد الذي يأخذ أحياناً شكل الرتابة كأنه هو نفسه لون الأرض البيضاء وجذوع النخيل النحيلة. من هنا، فوجئ لدى أيامه الأولى من إقامته بأحد الفنادق القاهرية بسيدة تصرخ بإنجليزية متقنة في جمع من النساء: يجب أن نذهب إليهم ونقضي على الأزمة ولو بالقوة! ولم تكن السيدة التي بدت مثل قائد عسكري رغم رقتها وملابسها الفخمة سوى إحدى سيدات الطبقة الأرستقراطية اللواتي قررن تغيير الواقع إلى الأفضل من خلال تنظيم رحلات جماعية إلى الريف والقرى في الوجهين البحري والقبلي للوقوف على مشكلات البسطاء على أرض الواقع. وحين اشتبك المؤلف في حوار معها فيما بعد عرف أنها كانت تقصد تحرير الفلاحين من خطر انتشار الحشيش والمواد المخدرة بينهم. والمدهش أنه لا يتفق معها في الرأي، حيث يرى أنه الأولى محاربة الفقر والتهميش لدى هؤلاء القرويين لاستعادة إنسانيتهم ثم الحديث بعد ذلك عن إنقاذهم من الإدمان، أي أن الحشيش وأخواته بالنسبة له عرض وليس جوهر المرض.

ويصف المؤلف، القاهرة، بأنها مدينة رائعة إذا ما قورنت بالعاصمة اليونانية أثينا أو مدينة نابولي الإيطالية اللتين يعدهما «مخيبتين للآمال». وهو يعترف بأن لحضور الملوك في الشرق سطوة على القادمين من الغرب. ويضرب مثلاً بمواطن صديق له أكد أن رؤيته لمشهد ولي عهد العراق وهو يداعب غزالة كان أكثر مشهد أثر في وجدانه على مدار حياته.

مصر من الداخل

ينصف المؤلف الفلاح المصري ويبدو متعاطفاً معه قبل وبعد قدوم محمد على مؤسس الدولة الحديثة في مصر. ويؤكد أنه كان ينظر لهذا الفلاح على أنه البقرة الحلوب التي تترقب مصير جثمانها مجموعة من النمل الأسود الشرس. ورغم البنية الجسمانية القوية للفلاح التي يتم استخدامها في أعمال تقترب من العبودية، كانت تُفرض عليه الضرائب والمكوس التي تثقل ظهره لكنه كان صبوراً مجبولاً على التحمل طويلاً قبل أن تأتي لحظة الانفجار. وينتقد مشروع محمد علي للنهضة حيث أدخل المحاصيل الزراعية الحديثة التي لم تعرفها البلاد من قبل وشق الترع والمصارف، وتوسع في الأرض المنزرعة، كما أقام الجيش الوطني، وأسس الأسطول وفتح المصانع، ولكن كل ذلك كان بهدف زيادة ثراء «الباشا» وامتلاء خزائنه من الذهب دون أن يستفيد الفلاح من تلك النهضة أو يناله خير من ذلك الازدهار.

وحول إشكالية «الأصالة والمعاصرة» التي رافقت رحلة الحداثة في مصر على امتداد القرن العشرين، يُرجع ستيوارت أصل المشكلة إلى عهد محمد على الذي انصرف خلاله عن تطوير التعليم التقليدي وتعزيز دوره في تطوير المجتمع. ففي مقابل ذلك، بذل كل جهده ليفصل كل ما هو تقليدي عن كل ما هو حديث، وسعى لتثبيط الهمم في الأزهر بقطع الهبات والمخصصات عنه، ثم أرسل الطلاب إلى فرنسا لكى يدرسوا العلوم الحديثة، وبذلك أسس انقساماً استمر طويلاً في مصر ما بين الذين تعلموا بالطريقة التقليدية ومن نهلوا من المعارف الأجنبية.

ويتطرق المؤلف إلى أثر تدخل القوى الأجنبية على مسار الحداثة في مصر، حيث يرى أن خضوع مصر للاحتلال العثماني كان بمثابة ثغرة دخلت منها كل القوى الأجنبية الخارجية، وأنه فيما كانت مصر في عهد محمد علي على وشك مواصلة مشروع تقدمي حقيقي، فإن عرقلتها جاءت بسبب الهيمنة وفشل مشروع التصنيع بعد العداء الشديد من الرأسمالية الأوروبية.

ويطرح ديزموند ستيورات نقطة مثيرة للجدل حين يذكر أن اللورد كرومر، المندوب السامي لبريطانيا في مصر وممثل الاحتلال «فعل الكثير لكي يحسن من مبادئ العدالة في مصر»، وأنه أجهد نفسه في مهمته الأساسية كمشرف عام على مالية البلاد حتى ينجح في هذا الشأن، وأنه وصل والمصريون فقراء وتركهم وهم بالكاد أغنياء!


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً