الأزمة الليبية تفجر صراعاً بين «الموساد» والخارجية في إسرائيل

وزير سابق: لدينا علاقات مع جميع الأطراف السياسية في ليبيا

وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين يضع سماعته لسماع الترجمة في مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية المولدوفي 8 أغسطس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين يضع سماعته لسماع الترجمة في مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية المولدوفي 8 أغسطس (إ.ب.أ)
TT

الأزمة الليبية تفجر صراعاً بين «الموساد» والخارجية في إسرائيل

وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين يضع سماعته لسماع الترجمة في مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية المولدوفي 8 أغسطس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين يضع سماعته لسماع الترجمة في مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية المولدوفي 8 أغسطس (إ.ب.أ)

بينما يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لملمة جراح الأزمة التي أحدثها الكشف الإسرائيلي عن اللقاء مع وزيرة الخارجية الليبية، نجلاء المنقوش، نشب صراع داخلي بين جهاز المخابرات الخارجية (الموساد) في تل أبيب، ووزارة الخارجية، وتبادل الطرفان الاتهامات حول التسريب.

وقال مصدر في الخارجية، إن «الموساد»، الذي يريد أن يحتكر العلاقات مع العالم العربي، غضب من عقد اللقاء، فأقدم على تسريب الأخبار للصحافة. وأضاف المصدر، أن «الخارجية عملت كل ما في وسعها للإبقاء على سرية اللقاء، لدرجة أنها لم تبلغ الموساد بأمره. لكن عندما علم الموساد، بدلاً من أن يبارك الخطوة، التي جاءت لخدمة مصالح الدولة، اختار التخريب علينا».

بالمقابل، دحض «الموساد» موقف الخارجية، ووجّه مسؤولون فيه انتقادات شديدة لسلوك وزير الخارجية، إيلي كوهين، الذي تسبّب وفق ما يرون، في أضرار جسيمة للعلاقة بين إسرائيل وليبيا.

وبحسب «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي، فإن «هناك غضباً مزدوجاً في الموساد؛ بسبب التصرف الصبياني للوزارة، فأولاً تسبب هذا التصرف في ضرر سيكون من الصعب ترميمه، وثانياً تُواصل الوزارة إلقاء التهمة على غيرها».

حرق صور وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين ونظيرته الليبية نجلاء المنقوش في طرابلس الأحد الماضي (أ.ب)

وقال مسؤول في «الموساد»، ذكرت القناة أنه «مطلع على التفاصيل»، من دون أن تسمّيه، إن سلوك الوزير تسبب في أضرار جسيمة للعلاقة التي تمت صياغتها «بهدوء وحذَر في السنوات الأخيرة، وأحرق الجسْر الذي بنيناه بين البلدين، وإنه من الصعب التعويض عن ذلك، لافتاً إلى أنها ليست المرة الأولى، وأن كوهين والمدير العام للوزارة الذي رافقه إلى روما، يواصلان إحداث الضرر؛ لأنهما يعقدان مثل هذه اللقاءات، ليس مع وزيرة خارجية ليبيا، فحسب، بل مع مسؤولين من دول أخرى، دون التنسيق مع الموساد».

من جهة ثانية، خرج وزير الاتصالات والتعاون الإقليمي الأسبق، أيوب قرا، بتصريحات كشف فيها أن الاتصالات بين إسرائيل وليبيا قائمة منذ سنوات طويلة جداً، وأنها تمت مع جميع الجهات السياسية في ليبيا. وأكد أنه شخصياً شارك في عديد من هذه اللقاءات بمعرفة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو.

وقال قرا، إن أحد أهم أسباب النجاح في هذه العلاقات، «حرص الطرفين على إبقائها سرية». وأعرب عن استغرابه لإقدام الخارجية الإسرائيلية على النشر. وقال: «لا أدري مَن له المصلحة بأن يكشف أمر هذه الجلسة. لسنوات شاركنا في لقاءات على مستوى عالٍ وأقل أحياناً. لدينا علاقات مع كل القيادة الليبية ولا نتحدث عن هذا الأمر».

وتساءل، أيٌّ من الطرفين، كوهين أم الدبيبة، رغب في الكشف عن الموضوع. فالدبيبة المعين من قبل أميركا والمقبل على انتخابات وشيكة، له مصلحة في أن يقدم مصالحه حتى تحصل حكومته على تمديد ولايتها. «وما من شك في أن لإسرائيل دوراً، فهي حليفة رقم واحد لأميركا».

احتجاجات في طرابلس بليبيا (الاثنين) على اللقاء بين وزيرة الخارجية ونظيرها الإسرائيلي (أ.ب)

وروى قرا، أن الليبيين الذين التقاهم، يحبون الجالية اليهودية الليبية التي تركت البلاد، ويهمهم أن تعود وتقيم العلاقات مع ليبيا من جديد. كما أن الليبيين يرون بإيجابية أثر الاتفاقات الإبراهيمية التي اتخذت الإمارات والبحرين موقع الريادة فيها. ويعدّون أن الحل للخروج من الضائقة الاقتصادية التي تعاني منها ليبيا، عبر مد العلاقات مع إسرائيل، ويقولون ذلك بصوت عالٍ.

وأكد قرا أنه التقى شخصيات ووزراء وأشخاصاً أرادوا الوصول إلى رئاسة ليبيا. وأنه واثق تماماً من أن أية حكومة ستقوم في ليبيا بعد تجاوز الأزمة الحالية، ستقيم علاقات مع إسرائيل. وأضاف: «لا شك عندي بذلك. أنا أعرف الأصوات في ليبيا. وستكون هناك مفاجأة. فأول أمر سيحدث عقب انتخاب الشعب حكومة، هو التطبيع مع إسرائيل».

وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في اجتماع وزراء الخارجية العرب بطرابلس يناير 2023 (أ.ف.ب)

من جهة ثانية، ذكرت مصادر سياسية في تل أبيب، أن الموقف الحاد الذي اتخذته إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن من التصرف الإسرائيلي في كشف لقاء كوهين مع المنقوش، اضطر نتنياهو للخروج عن صمته في الموضوع. وقالت هذه المصادر، إن واشنطن اتهمت إسرائيل بالمسؤولية عن زعزعة الاستقرار الجزئي في ليبيا «الذي عملنا على بنائه بطلوع الروح»، فضلاً عن «قتل قناة المحادثات مع ليبيا، وجعل جهودنا للدفع (بجهود) التطبيع مع الدول الأخرى، أكثر صعوبة بكثير».

ورفضت واشنطن التفسيرات والتبريرات الإسرائيلية، وقالت إنها تشكّ في رواية كوهين للأحداث. وبحسب موقع «واللا»، نقلاً عن مسؤول أميركي، أنه «حتى لو كان هناك تسريب، كان بإمكان الخارجية الإسرائيلية أن تقول (لا تعليق)، لا أن تصدر بياناً رسمياً يؤكد عقد اللقاء، وتتفاخر به».

وقد أبلغ نتنياهو البيت الأبيض، بأنه أصدر تعليمات للوزراء والمسؤولين جميعاً، بأنه من اليوم فصاعداً، سيتطلب أي نشر لاجتماع سري «موافقة شخصية من رئيس الوزراء».

وقد أثار هذا الموقف سخرية في وسائل الإعلام الإسرائيلية، إذ إن نتنياهو هو الأب الروحي للسلوك الذي اتبعه وزير خارجيته. وقد كان هذا السلوك سبباً في تخريب عديد من العلاقات الخارجية.



مقتل 14 عنصراً من «الحرس الثوري» الإيراني جراء انفجار بقايا قنابل

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)
TT

مقتل 14 عنصراً من «الحرس الثوري» الإيراني جراء انفجار بقايا قنابل

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)

قُتل 14 جندياً إيرانياً، خلال عمليات تفكيك ذخائر غير منفجرة في محافظة زنجان بشمال غربي إيران، وفق ما أفادت وسائل إعلام محلية، الجمعة.

ونقلت وكالة «فارس» عن «الحرس الثوري» قوله: «عقب غارات جوية للعدو باستخدام قنابل عنقودية وألغام جوية، تلوّثت أجزاء من محافظة زنجان، بما في ذلك نحو 1200 هكتار من الأراضي الزراعية، بالقنابل».

وأضافت أن خبراء من «الحرس الثوري» كانوا يعملون على تنظيف هذه المناطق، وتمكّنوا من إبطال مفعول أكثر من 15 ألف قطعة ذخيرة.

وأشارت إلى أنه «خلال إحدى هذه المهمات، اليوم، استُشهد 14 وأُصيب اثنان بجروح».

واتهمت إيران، في وقت سابق، الولايات المتحدة وإسرائيل باستخدام ذخائر عنقودية، وهي قنابل تنفجر في الجو وتُطلق ذخائر صغيرة قد لا ينفجر بعضها، ما يخلّف خطراً قد يستمر لعقود.

في المقابل، اتهمت إسرائيل إيران باستخدام هذا النوع من الذخائر في ضرباتها الصاروخية على مدن إسرائيلية.

ولم تنضمّ إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى أكثر من 100 دولة وقّعت اتفاقية عام 2008 تحظر استخدام الذخائر العنقودية ونقلها وإنتاجها وتخزينها.


خيارات ترمب بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً: اختبار دستوري وصراع مستمر

ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

خيارات ترمب بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً: اختبار دستوري وصراع مستمر

ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

دخلت المواجهة الأميركية - الإيرانية مرحلة أكثر التباساً من الحرب نفسها. فبعد أكثر من شهرين على الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، لم يعد السؤال في واشنطن مقتصراً على ما إذا كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب قادرة على فرض شروطها على طهران، بل بات يشمل أيضاً ما إذا كانت قادرة على مواصلة الضغط العسكري والبحري من دون تفويض جديد من الكونغرس.

فمهلة الستين يوماً التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب، تحولت إلى اختبار دستوري وسياسي، بينما تحاول الإدارة تقديم وقف إطلاق النار باعتباره فاصلاً قانونياً يوقف العدّاد، أو نهاية لمرحلة قتالية يمكن بعدها إطلاق عملية جديدة باسم آخر.

لكن محللين يرون أن هذا التخريج لا يلغي جوهر الأزمة: الحرب لم تنته سياسياً، ومضيق هرمز لا يزال مغلقاً أو معطلاً، والحصار البحري مستمر، والمفاوضات لا تتقدم. وبين من يرى أن النظام الإيراني لن يتراجع إلا بضربة عسكرية جديدة، ومن يعتقد أن ترمب فقد اهتمامه بالحرب ويفضل خنق طهران اقتصادياً بعيداً عن العناوين اليومية، تبدو الخيارات الأميركية مفتوحة على 3 مسارات: إعادة تسمية العملية، تثبيت الحصار، أو استئناف الضربات.

وقف النار كحيلة قانونية

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تقول إدارة ترمب إن وقف إطلاق النار الذي بدأ في 7 أبريل (نيسان)، ثم جرى تمديده، يعني عملياً أن الأعمال القتالية التي بدأت في 28 فبراير قد انتهت. وبذلك، لا ترى الإدارة نفسها ملزمة بطلب تفويض فوري من الكونغرس أو بتقديم مبررات لتمديد العمليات 30 يوماً إضافية.

وزير الحرب بيت هيغسيث، ذهب أبعد من ذلك، حين قال أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ إن فهمه هو أن وقف إطلاق النار «يوقف أو يعلّق» ساعة الستين يوماً.

هذا الطرح أثار اعتراضاً حاداً من الديمقراطيين وتشكيكاً من بعض الجمهوريين. فالمسألة، في نظر المعارضين، ليست ما إذا كانت القنابل تسقط يومياً، بل ما إذا كانت القوات الأميركية لا تزال منخرطة في أعمال عدائية.

والحصار البحري، وفق القانون الدولي، عمل حربي. لذلك اعتبر السيناتور الديمقراطي تيم كين، أن وقف إطلاق النار لا يعني غياب الأعمال العدائية، ما دامت البحرية الأميركية تمنع السفن من دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها.

أما السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي انضمت إلى جهود تقييد صلاحيات ترمب، فشددت على أن مهلة الستين يوماً «ليست اقتراحاً، بل مطلباً».

إزاء ذلك، يبدو أن البيت الأبيض لا يريد مواجهة تصويت صريح على الحرب، لكنه لا يريد أيضاً أن يظهر كمن تراجع. ولذلك يحاول تحويل النزاع من حرب مفتوحة إلى عملية ضغط مستمرة، بما يسمح له بالقول إن المرحلة الأولى انتهت، من دون أن يتخلى عن أدوات القوة.

تسمية جديدة

رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين في جلسة استماع بالكونغرس 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أحد الخيارات المطروحة داخل الدوائر الجمهورية هو إطلاق عملية جديدة باسم جديد، منفصلة عن «الغضب الملحمي»، بحسب ريتشارد غولدبيرغ، الذي شغل منصب مدير مكافحة أسلحة الدمار الشامل الإيرانية في مجلس الأمن القومي خلال ولاية ترمب الأولى.

الفكرة هنا ليست شكلية فقط، فإذا أعلنت الإدارة أن الحرب الأولى انتهت بوقف إطلاق النار، فيمكنها أن تقدم أي تحرك لاحق باعتباره مهمة جديدة لـ«الدفاع عن النفس» أو لاستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، لا استمراراً للحرب السابقة.

يقول مراقبون إن هذا المسار يمنح ترمب مساحة مناورة قانونية وسياسية. فهو يستطيع القول إن الهدف لم يعد إسقاط القدرات الإيرانية أو فرض استسلام نووي شامل، بل فتح ممر دولي حيوي ومنع طهران من ابتزاز سوق الطاقة العالمية.

لكن هذا الطرح يحمل أخطاراً واضحة: الكونغرس قد يرى في تغيير الاسم محاولة التفاف على قانون صلاحيات الحرب، لا تحولاً حقيقياً في طبيعة المهمة. فإذا كان الحصار مستمراً، وإذا كانت القوات الأميركية تشتبك أو تستعد للاشتباك، فإن تغيير اللافتة لا يغير مضمون الصراع.

مع ذلك، يرى هؤلاء أن البيت الأبيض قد يجد في هذه الصيغة مخرجاً مناسباً. فهي تسمح بتهدئة الجبهة القانونية مؤقتاً، وتخفف الضغط على الجمهوريين المترددين، وتمنح الإدارة فرصة لإعادة تعريف أهدافها بعد أن تبين أن الحرب السريعة لم تنتج استسلاماً إيرانياً، ولا فتحت هرمز، ولا أسقطت النظام.

الحصار بحراً أقل كلفة سياسياً

السفينة الأميركية القتالية «غابرييل غيفوردز» (أرشيفية - أ.ب)

الخيار الأكثر انسجاماً مع ترمب هو الحصار. فالرئيس الأميركي طالما فضّل أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات والخنق المالي، على الحروب الطويلة ذات الكلفة البشرية والسياسية. وهنا يكتسب تعليق باراك بارفي، الباحث في معهد «نيو أميركا» أهمية خاصة.

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «عندما تصمت المدافع لفترة طويلة يصبح من الصعب إحياؤها. ترمب لا يزيد القوات، بل يسرّحها. لقد فقد الاهتمام بالحرب. لكنه وجد عصا يضرب بها إيران في شكل الحصار. خنق خصومه اقتصادياً أكثر جاذبية من قصفهم، وينقل الصراع خارج العناوين».

هذا التقدير يضيء جانباً مهماً في تفكير الإدارة؛ فالحصار يضغط على إيران يومياً، ويكلفها مئات ملايين الدولارات، ويمنح ترمب ورقة تفاوضية، من دون أن يفرض عليه الظهور كرئيس ينزلق إلى حرب شرق أوسطية جديدة. كما أنه يسمح له بالقول إنه لا يشن حرباً، بل يحمي حرية الملاحة ويمنع إيران من إعادة بناء قوتها.

لكن الحصار وحده قد لا يكفي؛ فالنظام الإيراني أثبت في تجارب سابقة قدرته على تحمّل كلفة اقتصادية عالية إذا كان بقاؤه السياسي على المحك. كما أن إطالة الحصار قد تضرب الاقتصاد العالمي، وتبقي أسعار الطاقة تحت الضغط، وتزيد غضب الحلفاء إذا فشلت واشنطن في فتح هرمز.

وهنا يصبح الحصار أداة استنزاف مزدوجة: يرهق إيران، لكنه يرهق أيضاً الإدارة الأميركية إذا لم ينتج تسوية.

العودة إلى الضربات

مشهد للأضرار التي لحقت بمبنى سكني إثر تعرضه لقصف في طهران 29 مارس (د.ب.أ)

لذلك، يدفع بعض الصقور في الإدارة الأميركية نحو استئناف العمليات العسكرية، وحجتهم أن النظام الإيراني لا يتفاوض تحت الضغط الاقتصادي فقط، وأن الحصار لا يهدد بقاءه بما يكفي.

ووفق مارك ثيسن، كبير كتّاب الخطابات الأسبق للرئيس جورج دبليو بوش، تحتاج واشنطن إلى «جولة أخيرة» من الضربات تستهدف من تبقى من القيادة العسكرية والقدرات الصاروخية والبحرية، قبل إعادة فتح مضيق هرمز من موقع قوة.

ويرى محللون أن هذا الطرح يبدو جذاباً لمن يريد «نصراً حاسماً»، لكنه محفوف بالأخطار. فإذا استأنف ترمب الضربات من دون تفويض واضح، فسيعمّق الأزمة الدستورية مع الكونغرس. وإذا ردت إيران باستهداف منشآت الطاقة في الخليج أو القوات الأميركية، فقد تتوسع الحرب مجدداً.

وإذا فشلت الضربات في إجبار طهران على التراجع، فستجد الإدارة نفسها أمام حرب أطول مما وعدت به، وكلفة مالية وسياسية أكبر.

لذلك قد يكون الخيار المرجح مزيجاً من المسارات الثلاثة: إعلان قانوني بانتهاء الأعمال القتالية الأولى، إطلاق مهمة جديدة لحماية الملاحة، وتوسيع الحصار مع إبقاء التهديد العسكري قائماً.

وبهذا يستطيع ترمب تجنب تفويض صعب في الكونغرس، ومواصلة الضغط على إيران، والحفاظ على صورة الرئيس الذي لم يتراجع.


حرب إيران... بين التصعيد وطاولة التفاوض

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

حرب إيران... بين التصعيد وطاولة التفاوض

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران، يوم الجمعة، فيما يتواصل التصعيد على الأرض في ظل الحشود العسكرية واستمرار الحصار البحري وإغلاق مضيق هرمز.

وقالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا): «قدّمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، مساء الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية». كما أشارت مصادر إلى وجود مؤشرات على تقدم المفاوضات رغم استمرار حالة الغموض.

وأفاد موقع «أكسيوس» بأن إيران سلّمت الوسطاء في باكستان مقترحاً جديداً لعرضه على واشنطن. كما نقلت شبكة «سي إن إن» الأميركية عن مصادر باكستانية، أن إيران قدّمت مقترحاً معدلاً للسلام، موضحة أن الوسطاء الباكستانيين طلبوا من إيران مقترحاً جديداً بعدما رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب المقترح السابق الذي ركّز على فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري، وتأجيل قضية النووي إلى مرحلة لاحقة.

من جانبها، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن باكستان ستبقى الوسيط الرسمي للمحادثات مع أميركا. وأضاف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أنه من غير الواقعي توقع نتائج سريعة من المحادثات، مشيراً إلى أن طهران تسعى إلى الوصول إلى مسار يمكن من خلاله «التأكيد على انتهاء خطر الحرب بشكل كامل».

ترمب: إيران تريد اتفاقاً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب على أسئلة الصحافة خلال حفل توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وفي واشنطن، أكد الرئيس الأميركي أن «إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق» مع الولايات المتحدة، معتبراً أن «الإيرانيين يتفاوضون من موقف ضعف، وأن القيادة الإيرانية في وضع سيئ للغاية». وقال ترمب لصحافيين في البيت الأبيض إن «الحصار على إيران يخنقها... فهي لا تجني أي أموال من النفط نتيجة الحصار، وإن الاقتصاد الإيراني ينهار».

وأضاف ترمب: «لدينا مشكلة لأنه لا أحد يعرف من هم القادة في إيران... نحن نتعامل مع الصف الثالث في طهران بعد مقتل قادة الصفين الأول والثاني. أنا وعدد قليل من يعلم تفاصيل المحادثات مع إيران».

وفي مقابلة مع «نيوز ماكس»، أكد ترمب أن بلاده انتصرت بالفعل في إيران، لكنها تريد الفوز بفارق كبير، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن المكاسب العسكرية غير كافية وحدها، وأنه يجب الحصول على ضمانات من طهران بعدم امتلاك النووي أبداً. كما جدد الرئيس الأميركي التأكيد على أن إيران باتت ضعيفة للغاية عسكرياً واقتصادياً، وستحتاج نحو 20 عاماً لإعادة البناء.

خطط عسكرية طموحة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

وبالموازاة، قال مسؤولان أميركيان لموقع «أكسيوس» إن الرئيس الأميركي تلقى إحاطة حول خطط عسكرية جديدة ضد إيران. وأوضح المسؤولان أن قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة قدّما لترمب لمدة 45 دقيقة، تفاصيل عن الخطط الجديدة المحتملة لعمليات في إيران.

ومع انتهاء مهلة الستين يوماً التي حددها البيت الأبيض، كشفت تقارير مطلعة عن عزم إدارة الرئيس ترمب المضي قدماً في خطة عسكرية واقتصادية طموحة لتوسيع نطاق الحصار البحري في منطقة الخليج، في خطوة تهدف إلى ممارسة «الألم الأقصى» لإجبار طهران على قبول شروط وقف إطلاق النار، وفقاً لشبكة «سي إن إن» الأميركية.

وتتمحور الاستراتيجية الجديدة حول تحويل «الاعتراض الجزئي» للسفن إلى إغلاق تام ومستدام «لمضيق هرمز أمام الملاحة الإيرانية، مع التركيز على توسيع نطاق الحظر الذي لن يقتصر على ناقلات النفط فحسب، بل تشير الخطط إلى نية واشنطن اعتراض كافة السفن التجارية المتجهة من الموانئ الإيرانية وإليها، لضمان قطع شريان الإمدادات بالكامل.

من جهة أخرى، أعلن رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجئي، يوم الجمعة، أن طهران لا تزال منفتحة على إجراء محادثات مع الولايات المتحدة، لكنها لن تقبل أن «تملى» عليها سياسات تحت التهديد. وقال إيجئي في مقطع فيديو نشره موقع ميزان، التابع للسلطة القضائية: «لم تتهرب الجمهورية الإسلامية قط من المفاوضات... لكننا قطعاً لا نقبل الإملاءات». وأضاف: «نحن لا نريد الحرب بأي شكل من الأشكال. لا نريد الحرب، ولا نريد استمرارها»، لكنه شدّد على أن إيران «ليست مستعدة على الإطلاق للتخلي عن مبادئها وقيمها في مواجهة هذا العدو الخبيث من أجل تجنب الحرب أو منع استمرارها».

وشدّد محسني إيجئي على أن الولايات المتحدة لم تحقق «أي شيء» خلال الحرب، مضيفاً أن طهران لن «تتنازل» في المفاوضات. وأتى موقف رئيس السلطة القضائية غداة الرسالة التي كتبها المرشد مجتبى خامنئي، التي قال فيها إن الولايات المتحدة تكبدت «هزيمة مخزية» في الحرب. وأضاف خامنئي أن القدرات «النووية والصاروخية» للجمهورية الإسلامية تشكل «ثروة وطنية يجب حمايتها».

التخلي عن «الشروط العشرية»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

وتراهن واشنطن على أن توسيع الحصار سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من البنية التحتية التجارية الإيرانية، خاصة في ظل انقطاع الاتصالات والأزمات الاقتصادية الداخلية، ما سيجعل طهران مضطرة للتخلي عن شروطها في «الخطة العشرية» التي قدّمتها إلى واشنطن في جولة المفاوضات السابقة، وقبول المطالب الأميركية المتعلقة بالبرنامج النووي والنشاط الإقليمي.

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.

في الأثناء، أعلن مسؤول كبير ​في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت متأخر من مساء ‌الخميس، ​أن ‌الأعمال القتالية ⁠بين ​الولايات المتحدة ⁠وإيران، التي بدأت في فبراير قد «انتهت»، وذلك ⁠لأسباب تتعلق بقانون ‌صلاحيات ‌الحرب. وقال المسؤول، شارحاً وجهة نظر الإدارة: «فيما يتعلق بقانون صلاحيات الحرب، فإن الأعمال ‌القتالية التي ‌بدأت يوم السبت 28 فبراير قد ​انتهت».

مسيرات فوق إيران

دخان قصف يتصاعد في سماء طهران يوم الأول من أبريل (أ.ف.ب)

قالت السلطات الإيرانية إن أنظمة دفاعها الجوي تصدّت، فوق العاصمة طهران، مساء الخميس لمسيّرات وطائرات صغيرة لم يُعلن عن مصدرها، وذلك عشية انتهاء مهلة الستين يوماً التي يتوجّب بعدها نظرياً أن يطلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تفويضاً من الكونغرس لمواصلة الحرب.

وقال وكالتا «تسنيم» و«فارس» الإيرانيتان إن «أصوات الدفاع الجوي توقفت بعد نحو 20 دقيقة من التصدي لأجسام جوية صغيرة».

من جهة أخرى، أفاد مسؤول أميركي ومصادر مطلعة بأن إيران تستغل وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة لإخراج أسلحتها المخبأة. وذكرت المصادر أن النظام كثّف جهوده لاستخراج الصواريخ والذخائر الأخرى التي كان قد أخفاها تحت الأرض، أو تلك التي طمرت تحت الأنقاض جراء الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، وفقاً لما ذكرت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية. وتعتقد الولايات المتحدة أن النظام يسعى لإعادة بناء قدراته في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ سريعاً، ليكون مستعداً لشن هجمات في أنحاء الشرق الأوسط في حال قرّر الرئيس ترمب استئناف العمليات العسكرية.

وكان وزير الدفاع الأميركي، بيت هيجسيث، قد قال في وقت سابق، إن لدى واشنطن مؤشرات على محاولات إيرانية لترميم قدراتها العسكرية، موجهاً حديثه لطهران من البنتاغون: «نحن نعلم ما هي الأصول العسكرية التي تنقلونها، وإلى أين تنقلونها».