مشاهدات يابانية: السعودية واليابان.. 60 سنة تؤسس لشراكة مستقبلية

علاقات تاريخية أرساها عملاقا النفط والتكنولوجيا

مشاهدات يابانية: السعودية واليابان.. 60 سنة تؤسس لشراكة مستقبلية
TT

مشاهدات يابانية: السعودية واليابان.. 60 سنة تؤسس لشراكة مستقبلية

مشاهدات يابانية: السعودية واليابان.. 60 سنة تؤسس لشراكة مستقبلية

أنهى ولي العهد السعودي، الأمير سلمان بن عبد العزيز، زيارة رسمية إلى اليابان، أكدت عمق العلاقات التي تربط بين المملكة العربية السعودية واليابان، العملاق الاقتصادي والصناعي والثقافي، ليس على مستوى آسيا فحسب، بل على مستوى العالم بأسره.
تتمتع اليابان، التي يبلغ عدد سكانها اليوم نحو 130 مليون نسمة، بمكانة اقتصادية عالمية رفيعة، إذ يبلغ حجم ناتجها المحلي الإجمالي في حساب القدرة الشرائية 4.866 تريليون دولار أميركي (الرابعة في العالم)، والحجم الاسمي 5.960 تريليون دولار (المرتبة الثالثة عالميا)، مع احتلالها المرتبة بين 22 و23 في معدل دخل الفرد. ثم إن اليابان التي تضم 778 جامعة ومعهد تعليم عال، يدرس فيها نحو ثلاثة ملايين طالب وطالبة، تتبوأ موقعا بارزا في طليعة دول العالم على صعيد الأبحاث العلمية المتقدمة.
وكان هذان الجانبان بين ما أشار إليه الأمير سلمان، في كلمة القاها في جامعة واسيدا, حين قال: «..إن العلم والمعرفة هما الأساس الذي تقوم عليه نهضة الأمم، وهما عماد الاقتصادات الحديثة. بلادنا تبعد عنكم آلاف الكيلومترات. صحيح أننا اقتربنا من بعضنا البعض بفضل التقنية المدهشة، التي كان لكم يد في ازدهارها بالطبع، إلا أنني أدعوكم للاقتراب منا أكثر, الاقتراب من ثقافتنا الإسلامية والعربية.. فلدينا الكثير مما نود إطلاعكم عليه، لتكتشفوا الكثير من المبادئ والتعاليم والقيم التي نشترك فيها معا. نحتاج لمن هم في علمكم، وإلى مثلكم لفهم ثقافتنا. فنحن نعاني من تصورات خاطئة تضعنا، أحيانا، في قوالب جاهزة. نفخر بطلابنا السعوديين الذي يدرسون في معاهد وجامعات اليابان».

تعود العلاقات السعودية - اليابانية إلى عام 1938، حين لبت الحكومة اليابانية دعوة رسمية وجهها الملك عبد العزيز، عبر مندوبه الشيخ حافظ وهبة، وأوفدت وزيرها المفوض في سفارة اليابان في القاهرة ماسايوكي يوكوياما. وقد دون الدبلوماسي الياباني رحلته تلك، منذ لحظة نزوله في ميناء جدة متوجها إلى مدينة الرياض للقاء الملك عبد العزيز في قصره بالبديعة. ومما روي عن تلك الفترة ما كتبه ايجيرو ناكانو، بعد رحلة قام بها إلى الجزيرة العربية عام 1938، يصف فيها تلك الحياة التي كانت قائمة في تلك الفترة.
علاقات تاريخية
في مارس (آذار) 1938، اكتُشف حقل كبير للنفط في السعودية، بواسطة شركة «كاليفورنيان أرابيان ستاندارد أويل» الأميركية، من كاليفورنيا، وهي إحدى شركات «سوكال». وفي مايو (أيار) 1938، زار الوزير السعودي في لندن الشيخ حافظ وهبة اليابان، لحضور حفل افتتاح مسجد طوكيو. وأثناء وجوده في العاصمة اليابانية أبلغ مدير المكتب الأوروبي الآسيوي في وزارة الخارجية اليابانية، إينويو، بأن الحكومة السعودية مستعدة لتقديم امتيازات نفطية لليابان. ثم ذهب الوزير الياباني في القاهرة، ماسايوكي يوكوياما، برفقة اثنين من المسؤولين هما تي متسوشي (جيولوجي)، وإي ناكانو (مترجم للغة العربية)، إلى الرياض، حيث جرت مباحثات خاصة ببحث الامتيازات النفطية، بين الوزير الياباني والشيخ يوسف ياسين (السكرتير الخاص للملك عبد العزيز)، استمرت من 1 - 6 أبريل (نيسان) 1939. ثم استؤنفت في جدة، في 13 من الشهر عينه. وفي المرتين، لم يتم التوصل إلى اتفاق. وبحسب كي إس تويتشل، فعلى الرغم من أن شروط اليابان كانت «مغرية لأنها كانت رائعة»، قررت السلطات السعودية ألا تمنح اليابان أي امتياز، آخذة بنصيحة تقول «إن اليابانيين سياسيين وليسوا تجاريين».
فهل كان تفسير تويتشل دقيقا؟
في البداية، أعد السعوديون مقترحا لليابان لامتياز يخص المنطقة حول صحراء الدهناء ووادي السرحان، وكذلك المنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية. وقد تم استبدال الأخيرة، خلال المباحثات السعودية اليابانية التي جرت في جدة، بالنصف الغربي من صحراء الربع الخالي. لكن اليابانيين كانوا يرغبون في المنطقة المحايدة فقط، فقد كانوا مقتنعين بأنه لن يكون هناك نفط في المناطق الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن مسموحا لهم بالسفر داخل المملكة، لإجراء مسوحات أولية لتلك المناطق. كما طُلب منهم التوقيع على اتفاق امتياز، ودفع رسم امتياز أولي إلى الحكومة السعودية، يساوي مبلغ 200 ألف جنيه إسترليني من الذهب. لم يكن بوسع الوزير الياباني أن يقبل الشرط ببساطة، ورد العرض السعودي.
كانت الحكومة السعودية آنذاك مدينة لشركات أجنبية عدة، بما يقارب 152 ألف جنيه إسترليني، منها «جيلاتلي»، و«هانكي وشركاه»، و«إتش سنتجون فيابي وشركاه». علاوة على ذلك عانت السعودية من مواسم حصاد فقيرة، في شتاء عامي 1936 - 1937 و1937 - 1938، بسبب شح الأمطار. وعلى الرغم من أن الحكومة حصلت مقدما، عام 1938، على دفعة من شركة «سوكال»، تساوي قيمتها خمسين ألف جنيه ذهبي، فإنها كانت بحاجة أكبر للمال.
في تلك الظروف كان السعوديون تواقين للحصول على أفضل الشروط الممكنة لامتيازات النفط، حيث كانوا يتفاوضون مع جهات أخرى تسعى للحصول على الامتيازات. لذلك طلبوا من يوكوياما التكتم على سرية المناطق والشروط التي نوقشت خلال المباحثات في الرياض وجدة.
بالفعل كانوا سريعين في استغلال الوضع وتحقيق مكاسب من المباحثات المجهضة. وبحسب موسلي، فقد أخبر الملك الأميركيين بأنه رد جميع طالبي امتيازات النفط الأجانب «بما في ذلك اليابانيون الذين عرضوا عليه عرضا هائلا» (الأقواس من عندنا). من الممكن أن يكون تويتشل صدّق ببساطة قصة ابن سعود. ونجحت «سوكال» في الحصول على امتياز جديد للمناطق المحايدة بين المملكة والكويت، وبين المملكة والعراق، في 31 مايو 1939. وفي سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، اندلعت الحرب العالمية الثانية في أوروبا، ولم تتعرض تجارة اليابان للاضطراب مباشرة. لكن بمجرد سقوط فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، انضمت إيطاليا إلى ألمانيا بإعلانها الحرب على الحلفاء، وامتدت الحرب العالمية الثانية لتصل إلى الشرق الأوسط. في ذلك الحين أغلقت قناة السويس أمام الملاحة اليابانية، ولم يكن هناك سوى كميات محدودة من البضائع اليابانية يمكن تصديرها إلى مناطق متفرقة من المنطقة، عبر ميناء البصرة.
إضافة إلى ذلك، قطعت كل من مصر والعراق وإيران عام 1941 علاقاتها الدبلوماسية مع اليابان. في ظل تلك الظروف، اضطرت المكاتب التمثيلية للشركات التجارية اليابانية إلى الغلق واحدة تلو الأخرى. فأغلقت شركة «إم تي سي»، على سبيل المثال، مكاتبها في بيروت وبغداد وطهران والإسكندرية، خلال الفترة من سبتمبر 1940 إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1941. وعلى الرغم من أن شركة «نيبون مينكا» رفعت وضع مكتبها التمثيلي إلى مستوى الفرع، فإنها اضطرت إلى غلقه في يوليو (تموز) 1941.
لذلك يمكن القول، إنه حتى لو كانت اليابان مُنحت امتيازا نفطيا، فهي لم تكن قادرة على استخدامه خلال فترة الحرب. على الرغم من ذلك، من الجدير بالملاحظة أنه حتى في تلك الفترة المبكرة من عام 1939 قامت اليابان بمسعى كبير في المملكة التي لم تكن بعيدة عنها وحسب، بل ولم تكن لديها علاقات دبلوماسية معها.

* اليابان والشرق الأوسط
* على امتداد قرون، ارتكز أمن الطاقة في اليابان على العلاقة مع دول الخليج، حيث تستورد معظم النفط الخام من السعودية (تعتبر أكبر مستورد للنفط الخام من السعودية على مستوى العالم). كما أن اليابان تعد أكثر المشترين للغاز الطبيعي من قطر. وفي ضوء تعليق برنامجها النووي المدني، ستعتمد اليابان بشكل أكبر على صادرات الطاقة من هذه الدول. وعلاوة على ذلك، سعت الشركات اليابانية، بما فيها شركات صناعة السيارات، إلى الدخول في الأسواق الواسعة في المنطقة بحثا عن عملاء جدد.
من جهة أخرى، تعتبر اليابان موردا رئيسا للمساعدات الإنسانية التي يحصل عليها لاجئو الحرب الأهلية السورية. فقد قدمت المنظمات اليابانية ما يزيد على 100 مليون دولار من المساعدات إلى مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين ووكالات الإغاثة في دول المنطقة، التي تحاول التخفيف من التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة التي يواجها اللاجئون السوريون.

* اليابان: مركز المنح الدراسية للطلاب
* إلى ذلك، توفر الجامعات اليابانية للطلاب من الشرق الأوسط برامج دراسية رائعة. وتعد جامعة طوكيو واحدة من هذه الجامعات. وبالإضافة إلى ذلك، يضم معهد اقتصاديات الطاقة الياباني سجلا رائعا من المنح الدراسية في الاقتصاد السياسي لدول المنطقة. ويضم السلك الدبلوماسي الياباني عددا كبيرا من الدبلوماسيين الذين يتحدثون اللغة العربية بطلاقة. وعلاوة على ذلك، يدرس بعض الطلاب اليابانيين في إيران. وسافر تاكاشي هياشي - الذي يعد واحدا من أبرز العلماء اليابانيين في المنطقة - إلى السعودية مرات عدة. ويعمل الأكاديمي النشط، نومي تسوجيغامي، أستاذ كرسي السلطان قابوس لدراسات الشرق الأوسط، في جامعة طوكيو.
تائه في عشر سنوات ضائعة
منذ انفجار فقاعة أسعار الأصول في بداية التسعينات، وتأثره جراء الأزمة المالية التي هزت العالم عام 2008، فقد الاقتصاد الياباني قدرته على التعافي على مدى عقدين. ولا تزال معدلات البطالة مرتفعة (4 في المائة). وشهد عام 2013 عجزا في الميزان التجاري، بلغ رقما قياسيا وصل إلى 11.5 تريليون ين. كما تمتلك اليابان في الوقت الراهن أثقل عبء ديون في العالم (كوادرليون ين). وفشلت سياسات رئيس الوزراء، شينزو آبي، الاقتصادية في إنعاش الاقتصاد في عام 2014.
نتيجة لهذا الأداء المتردي، خفضت مؤسسة «كريدي سويس» التوقعات الاقتصادية لليابان لعام 2014، من 2.2 إلى 1.6 في المائة. فشهد يناير (كانون الثاني) وحده عجزا تجاريا بلغ 2.79 تريليون ين. وانخفض مؤشر بورصة «توبكس» في الوقت الراهن، 7 في المائة. وعلى الرغم مما قدمه انخفاض قيمة الين الياباني مقابل الدولار الأميركي العام الماضي بنسبة 18 في المائة، من مساعدة لشركات السيارات اليابانية، فإنه رفع، في المقابل، تكلفة واردات المنتجات على الأسر اليابانية المتوسطة الدخل. كما يواجه المستهلك الياباني أيضا ضريبة مبيعات جديدة، ستدخل حيز التنفيذ في أبريل المقبل، (لترفع الضريبة من 5 في المائة إلى 8 في المائة). ومن المتوقع أن يتأثر العجز التجاري لليابان سلبا، في ظل الاعتماد المتزايد على النفط الخام (ارتفعت واردات النفط الخام بنسبة 28 في المائة خلال شهر يناير/ كانون الثاني).
تولى شينزو آبي مقاليد السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2012، بفضل برنامجه الاقتصادي الجديد، «أبينومكس»، لإعادة إنعاش الاقتصاد الياباني، ووقف 15 عاما من الانكماش. وارتكز برنامجه على ثلاثة محاور أساسية هي الحوافز المالية، والتيسير الكمي، وإصلاحات هيكلية محدودة.
رفع «أبينومكس» الآمال في بادئ الأمر، وارتفعت في مايو 2013 ثقة المستهلك إلى أعلى مستوى لها خلال ست سنوات. لكن هذه الثقة، بدأت في التراجع بعد ذلك، نتيجة للتوقعات بتراجع نمو الدخل، وتراجع مشتريات السلع المعمرة، وتباطؤ نمو أسعار الأصول. وكان يناير 2014 الشهر الأدنى من حيث ثقة المستهلكين في السياسات الاقتصادية منذ تولي شينزو منصبه، حيث انخفضت الأجور الأساسية بنسبة 0.6 في المائة في ديسمبر من العام الماضي. وبلغت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي، في الربع الرابع من العام الماضي، واحدا في المائة فقط. وقد نشرت وكالة «بلومبرغ» تقريرا لمجموعة من الاقتصاديين الذي توقعوا متوسط نمو يصل إلى 2.8 في المائة.
على الرغم من هذه الإحصاءات الكئيبة فإن آبي ما زال ماضيا في سياسته الاقتصادية. فقدم بنك اليابان المركزي يوم الثلاثاء الماضي حوافز جديدة لزيادة القروض المصرفية. ويتوقع أن يستمر في محاولاته لتحفيز الاقتصاد بمزيد من التيسير الكمي، لكن ضريبة المبيعات التي طرحها رئيس الوزراء تهدد بتقويض هذه السياسة النقدية.
* إصلاح الفجوة بين الجنسين
* تعاني اليابان من فجوة كبيرة بين الجنسين في سوق العمل. وعلى الرغم من أن عدد النساء في الجامعات يفوق عدد الرجال فإن نسبتهن في قوة العمل تقف عند 25 في المائة. ووضع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي عن الفجوة بين الجنسين اليابان في المرتبة 102 بين 135 دولة. إضافة إلى ذلك، تعاني اليابان من أسوأ فجوة على مستوى الأجور بين الجنسين أيضا، بحسب منظمة التعاون والتنمية. فالمرأة اليابانية لا تحصل إلا على 72 في المائة، مما يحصل عليه الرجال عن العمل نفسه. وترجع أسباب هذه الفجوة إلى التقاليد الثقافية، والسياسات الضريبية، وساعات العمل، ورعاية الأطفال. ولمعالجة هذه الفجوة، سعى آبي إلى زيادة مشاركة النساء في سوق العمل، من خلال عدد من السياسات. ووعد بتوفير 200 ألف مكان رعاية نهارية بحلول عام 2015، و200 ألف أخرى بحلول عام 2017. كما طالب الشركات بمد إجازة رعاية الطفل إلى ثلاث سنوات. وطالب أيضا بأن تشغل النساء 30 في المائة من المناصب القيادية في الشركات والحكومة، بحلول عام 2020. ويدرس آبي أيضا طرح إصلاحات ضريبية لتحفيز النساء على العمل. وقال أخيرا، إنه يرغب في تقديم برامج تدريبية جديدة للنساء.

* تركيبة سكانية تثير القلق
* نظرا لما تتمتع به من معدل أعمار هو الأعلى في العالم، وأدنى معدل للولادة، تواجه اليابان أزمة في عدد السكان. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تنخفض القوة العاملة في اليابان بنسبة 40 في المائة بحلول عام 2050، كما يتوقع أن تتجاوز أعمار 38 في المائة من سكان اليابان سن الخامسة والستين، وأن تصل نسبة السكان العاملين إلى السكان المسنين 1:1. وسينخفض عدد سكان اليابان بحلول عام 2060 إلى 87 مليون نسمة. ولعل أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت آبي لتعزيز مشاركة المرأة في قوة العمل هو زيادة نسبة عدد السكان العاملين، لأن تراجع أعداد القوة العاملة سيتطلب دفع معاشات تقاعدية لكبار السن. ويأمل آبي في أن تسهم ضريبة المبيعات الجديدة في دفع تكاليف عبء المعاشات المتزايدة في بلاده.
ناطحات السحاب في خطوط التصدعات الأرضية
لم تكن الزلازل التي تسببت، في بعض مراحل تاريخها، في حدوث أضرار كبيرة لبعض المناطق، غريبة عن اليابان. وخلف تسونامي الذي ضرب البلاد عام 2011، وما صاحبه من زلزال، دمارا هائلا. وعلى الرغم من هذا، وتزايد الهجرة من الريف للعيش في طوكيو (يعيش 30 في المائة من سكان اليابان في العاصمة والمناطق المحيطة بها)، توفر ناطحات السحاب خيار معيشة عمليا. وقد ساعد النمو الاقتصادي القوي لليابان، الذي بلغ ذروته في الثمانينات، في تحول المدن الكبرى إلى مدن ناطحات سحاب براقة، أبرزها طوكيو. وعلى الرغم من تراجع النمو الاقتصادي فإن مشروعات ناطحات السحاب الجديدة، بما في ذلك الفنادق والشقق السكنية، لا تزال مستمرة في طوكيو، بما في ذلك تطوير وسط المدينة الجديد.

* تكنولوجيا العولمة
* كانت الشركات اليابانية في طليعة الابتكار التكنولوجي، حيث غيرت منتجاتها من أسلوب حياتنا وتفاعلنا في عالم تحول إلى قرية صغيرة. وقد جعلت شركات السيارات، مثل «تويوتا»، وشركات الأجهزة الإلكترونية الشخصية، مثل «باناسونيك» و«سوني»، التكنولوجيا أكثر جاذبية، وحولتها إلى جزء لا غنى عنه في حياتنا اليومية. فغيرت بذلك من طريقة تفاعلنا مع بعضنا البعض، ورفعت من نوعية حياتنا وجودتها أيضا. وقد كانت الثورة التكنولوجية في اليابان أحد العوامل الرئيسة في العولمة. ولولا مثل هذه التكنولوجيا لما وصل الكثير من العالم النامي إلى ما وصل إليه اليوم.

* طوكيو 2020: «الألعاب الأوليمبية»
* فازت اليابان أخيرا بشرف استضافة فعاليات دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية، المزمع إقامتها في طوكيو في عام 2020. والجدير بالذكر أن العاصمة اليابانية كانت قد استضافت أول دورة ألعاب أوليمبية صيفية في عام 1964. وبهذا ستكون اليابان الدولة الآسيوية الوحيدة التي تستضيف تلك الألعاب مرتين. وستقوم المعمارية العالمية زها حديد بتصميم الملعب الأوليمبي الوطني الجديد.
ويأمل آبي في أن تسهم دورة الألعاب الأوليمبية في استعادة اليابان صورتها المتألقة مجددا. وقال في تصريح له في سبتمبر 2013 «لدينا فرصة عظيمة لجعل صورة طوكيو واليابان متألقة وبراقة. أريد التغلب على مشكلة الانكماش الاقتصادي المستمر منذ 15 عاما. وسيكون لاستضافة فعاليات الألعاب الأوليمبية وأولمبياد المعاقين تأثير جيد على نطاق واسع من القطاعات، مثل البنية التحتية والسياحة».
ويأمل آبي أيضا في أن تسهم الألعاب الأوليمبية في تحفيز الاستثمار الاقتصادي، وزيادة ثقة العملاء في اليابان. وتتوقع الحكومة اليابانية أن يحقق الناتج المحلي الإجمالي للبلاد رواجا بنسبة 0.3 في المائة، من خلال الناتج المحلي الإجمالي لتلك الألعاب. ويشير بعض المحللين الاقتصاديين إلى هذا الأمر على أنه العنصر الرابع الوارد في السياسات الاقتصادية الخاصة بآبي. وستؤدي دورة الألعاب الأوليمبية أيضا إلى المساعدة في تحقيق انتعاش في مجال الإنشاءات في طوكيو لإعدادها لاستضافة فعاليات هذه الدورة. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الألعاب تثير مخاطر زيادة ديون البلاد. وفي ضوء الإصلاحات الاقتصادية التي يطرحها آبي، يمكن لتلك المعدلات أن تأتي دون المتوقع.

* حديث السياسة
* خلال الزيارة التي تواصلت لأيام، جرى لقاء في طوكيو، مع ناتسو ياماغوتشي، رئيس حزب «نيو كوميتو»، وهو واحد من أكبر الأحزاب السياسية في اليابان. تحدث ياماغوتشي عن علاقته بالشرق الأوسط، وقال إنه زار السعودية خلال حرب الخليج. وعرض صورة التقطها من الطائرة بعد تحرير الكويت في فبراير (شباط) 1991 من احتلال جيش صدام حسين الذي استمر قرابة أربعة أشهر. ووصف لحظة التقاطه للصورة بقوله إن الطائرة التي أقلته حلقت فوق سحب كثيفة من الدخان المتصاعد من آبار النفط المشتعلة. في تلك اللحظة، كان يفكر في الكويتيين الذي لا بد أنهم كانوا يحتفلون بتحررهم، على الرغم من الثمن الغالي الذي دفعوه.
وأضاف ياماغوتشي أنه كان عائدا من السعودية يشاهد التحولات التي تجري في المنطقة من ارتفاع عال في السماء. وتذكر الأوقات الطيبة التي قضاها في مدينة الخبر حتى وقت قصير قبل مغادرته البلاد، وما تركت زيارته للمملكة من انطباعات إيجابية، واستمتاعه الكبير بالوقت الذي قضاه متنقلا فيها.
* موقف ياباني أفضل
* اللقاء مع أحد مستشاري رئيس الحكومة (فضل عدم الإفصاح عن اسمه) بدأ بحوار حول الوضع السوري. وقد تحدث المستشار كمن يعتذر عن موقف بلاده من الأزمة. وقال إنه يتوجب على اليابان أن تأخذ موقفا إضافيا من الوضع هناك. لقد جرت محاولات للوقوف على الحياد، والاكتفاء بتقديم مساعدات إنسانية. غير أن ما يجري في سوريا يتطلب موقفا أخلاقيا أيضا. كان التدخل في الأزمة صعبا على طوكيو، بسبب عدم شرعية التدخلات الخارجية عموما. وقد عبر المستشار بوضوح عن قلقه من التصعيد الحاصل في سوريا، قائلا إن اليابانيين يأملون في حل الأمور هناك بشكل ودي.
وحين وصل الحديث إلى الملف الإيراني انتقد المستشار الوضع بشدة، والاتفاق الأميركي مع إيران. وقال إن بإمكان بلاده المساعدة في هذا المجال، وتقديم خدمات مختلفة. لكنها لا تثق كثيرا في المسؤولين الإيرانيين الذين يريدون علاقات أفضل مع بلاده لكنهم يرفضون بشدة كل ما تطرحه. لا نريد التفريط في أصدقائنا وحلفائنا في دول الخليج، لكننا نتعرض لضغوط من الجانب الإيراني بسبب هذه العلاقات. نأمل أن ينجح مشروع الاتفاق النووي.
ومقارنة بما جرى مع كوريا الشمالية، التي سعت واشنطن إلى التقارب معها، وزارتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، مادلين أولبرايت سنة 2000، والتقت زعيمها، كيم إيل جونغ، وطالبها الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بالتخلي عن نشر أسلحة الدمار الشامل، إذا كانت ترغب في إقامة علاقات تجارية واقتصادية متميزة مع بلاده، فإن الأمور لم تصل إلى ما كانت ترجوه واشنطن، فبيونغ يانغ لم تزل تتجاهل النصائح، وتتصرف بطرق تؤدي إلى توتير الوضع الأمني في المنطقة.
* بعيدا عن طهران
لم يغب الموضوع الإيراني عن الحديث مع مدير شركة التنقيب عن النفط أيضا. تناول بداية العلاقات التجارية مع السعودية، التي اعتبرها شريكا تجاريا مهما. وقال إن هناك عددا من المشروعات السعودية التي تعبر عن هذه الشراكة. أما في الشأن الإيراني فقال إن الاتفاق الأميركي الإيراني قلل رغبة بلاده في العلاقة مع طهران. فهناك برأيه سباق أميركي - أوروبي محموم نحو إيران. «أما نحن، فقررنا الانسحاب، لأن لدينا عقدا للتنقيب عن النفط، مدته عشر سنوات، لم يحقق لنا أي أرباح، بل لم نتمكن من استرداد رأس المال المستثمر». أما الإيرانيون فيحاولون الجلوس معنا.

* عاشق الأوبرا
* أما رئيس شركة «ميتسوبيشي» اليابانية، ومديرها التنفيذي شونيتشي مياناغا، فكان من أكثر اليابانيين الذين جرت لقاءات معهم ظرفا. جرى اللقاء على هامش العشاء التكريمي الذي أقامه رئيس وزراء اليابان، على شرف الأمير سلمان، ولي العهد السعودي، في مقر رئاسة الوزراء القديم، المعروف بـ«سوري كوتيي»، الذي أقيم عام 1929، قبل أن يلحق به مبنى جديد عام 2002، أصبح مقرا لرئيس الوزراء، وعدد من مستشاريه. وتعقد في المبنى الجديد الاجتماعات الوزارية المهمة، ويستقبل قادة الدول الأجنبية. كان اللقاء حميما، والحديث شيقا ومميزا. ودار حديث حول الوضع الاقتصادي والمشكلات التي تعاني منها اليابان. فقال إن بلاده لم تتعاف بعد، لكن ثمة مؤشرات في هذا الاتجاه. وأضاف «لدينا ثقة بأن اليابان إذا واصلت إصلاحاتها فإنها تستطيع تحسين أوضاعها». واعتبر مياناغا السعودية سوقا مهمة بالنسبة لشركة «ميتسوبيشي» التي يرأسها، تعد من ضمن أهم سبع أسواق في العالم.
خلال الحديث المميز هذا، كشف مياناغا عن عاشق كبير للموسيقى الكلاسيكية والأوبرا. تحدث عن مبنى الأوبرا الجديد الذي أقيم في طوكيو، لكنه قال إنه لم يزل زائرا للمبنى القديم، مواظبا على عروضه الجميلة. ثم تناول رحلته إلى السعودية، فقال إن رحلته التي قام بها خارج الرياض مما لا ينسى، وقد ظلت عالقة بذاكرته.
يذكر أن شركة «ميتسوبيشي»، ومقرها طوكيو، توظف أكثر من سبعين ألفا، وهي واحدة من بين أكبر خمسمائة شركة في العالم، حيث تأتي في المرتبة 327 من حيث القيمة السوقية.
سفراء متطوعون
في ختام جولته، وجه الأمير سلمان، ولي العهد، تحية إلى الطلبة السعوديين الدارسين في جامعات طوكيو، الذين بالإضافة إلى اجتهادهم الدراسي والأكاديمي تولوا العديد من الترتيبات وقاموا بالترجمة خلال العديد من اللقاءات والحوارات الجانبية، مما أثلج قلوب الجميع فعلا. لقد تبرع هؤلاء الطلاب بتقديم خدمات عظيمة للوفد السعودي الزائر.
كانت زيارة الأمير سلمان، الذي تكرم بمنحة الطلاب، مهمة في التواصل معهم. وقد قال كلمة مهمة ومؤثرة لدى استقباله لهم. قال إنهم وجه مشرف وسفراء للبلد



هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟
TT

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

عندما يحين وقت إجراء محادثة صعبة مع مريض يحتضر، حول تركيب أنبوب تغذية في جسمه، يتدرب الدكتور جوناثان تشين، طبيب الباطنية في جامعة ستانفورد، أولاً مع برنامج دردشة آلي. فهو يطلب من البرنامج أن يلعب دور الطبيب بينما يتقمص هو دور المريض، ثم يعكس الأدوار.

براعة الذكاء الاصطناعي الفائقة

يشعر الدكتور تشين بعدم الارتياح حيال ذلك، فبرنامج الدردشة الآلي بارعٌ في إيجاد طرق للتواصل مع المرضى. كما يعلم الأطباء أيضاً براعته في التشخيص وقراءة الصور والفحوص – بل إنه أفضل من كثير من الأطباء – وكذلك في الإجابة عن أسئلة المرضى عبر البوابات الإلكترونية وكتابة طلبات الاستئناف لشركات التأمين عند رفض دواء أو إجراء طبي.

ما هي وظيفة الطبيب؟

إذن، ما هي وظيفة الطبيب؟ يجيب تشين بأن برامج الذكاء الاصطناعي باتت تُشكل «تهديداً وجودياً» للأطباء؛ فهي «تُهدد هويتهم ورسالتهم».

ويتفق الدكتور هارلان كرومولز، طبيب القلب في جامعة ييل ومستشار برنامج OpenEvidence، وهو برنامج ذكاء اصطناعي للأطباء، مع هذا الرأي.

ويضيف كرومولز، وهو أيضاً أحد مؤسسي شركتين ناشئتين تستخدمان الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والبيانات الرقمية: «إن قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير والتشخيص تتجاوز بالفعل قدرات الأطباء».

الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء

وقد عمل الكثير من الأطباء الذين فكروا ملياً في دور الذكاء الاصطناعي في الطب، مع شركات متخصصة في هذا المجال. وتشين واحد من هؤلاء الأطباء، ويقول إنه والكثير من زملائه يضطرون إلى التساؤل: «متى سيحين الوقت أمامهم للتخلي عن التدخل وترك الأمور للحاسوب؟».

ويقول الباحثون إن برنامجاً مطوراً منظراً مثل «دكتور تشات بوت» Dr. Chatbot ليس جاهزاً تماماً لاستقبال المرضى الآن. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء ونوعية المرضى الذين يعالجونهم.

أولوية الرعاية... بيد الطبيب

يقول الدكتور روبرت كاليف، طبيب القلب بجامعة ديوك والمفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، إن الذكاء الاصطناعي يتولى ما وصفه بـ«بعض الأعمال الروتينية» التي يقوم بها الأطباء حالياً، مثل تدوين ملاحظات حول زيارات المرضى. ولكن حتى مع وجود كم هائل من المعرفة الطبية في خوادمه، فقد لا يكون ذلك كافياً للسماح للروبوتات بتولي رعاية المرضى. وكان كاليف عمل لدى شركة «ألفابت» لمدة ست سنوات، ويقدم استشاراته لشركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي لوصف الأدوية. ويضيف كاليف: «هناك كم هائل من المعلومات، إلا أن كيفية إجراء التفكير النقدي فيها أمر معقد».

رصد الحالة المرضية بدقة

من جهته، يقدم الدكتور لي شوام، طبيب الأعصاب والعميد المساعد للاستراتيجية الرقمية والتحول في كلية الطب بجامعة ييل، مثالاً على ذلك.

يقول المريض: «استيقظتُ أمس وأنا أشعر بدوار. كانت ذراعي مخدرة، وواجهتُ صعوبة في الكلام». ماذا يعني «الدوار» تحديداً؟ قد يعني أن المريض يشعر بدوار خفيف وعلى وشك الإغماء. أو قد يعني أن الغرفة تدور من حوله.

قد يكون المقصود بـ«الذراع الميتة» هو التنميل لا الضعف. قد يصف شخص مصاب بشلل جزئي في ذراعه شعوره بالتنميل. لكن المريض قد يشعر بوخزة إبرة إذا وخزه الطبيب شوام.

هل أصيب المريض بجلطة دماغية؟ هل هذه حالة طبية طارئة؟ يقول شوام إن لديه سنوات من التدريب تُساعده على تحديد المرضى، ومن لا داعي للقلق بشأنه، ومن يجب إدخاله إلى المستشفى... لقد تعلم قراءة العلامات الدقيقة واستخلاص المعلومات التي يصعب التعبير عنها بوضوح والتي نادراً ما تُدوّن.

ويضيف شوام أنه «يستطيع استخدام المنطق في ظل معلومات محدودة أو غير كاملة لاختيار التشخيصات الأكثر ترجيحاً لمزيد من التقييم، مع الموازنة بين الدقة والواقعية».

المصابون بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني

إن هذا العمل ليس من اختصاص برامج الدردشة الآلية. لذا؛ كما يقول شوام: «إنها بارعة في مطابقة الأنماط والتنبؤ... لكن لا يمكنها فعل ذلك إلا بناءً على البيانات المُعطاة لها عن المريض. ليس لديها أي وسيلة لاستخلاص تلك المعلومات بنفسها». ويضيف أن المصابين بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني. ويتابع: «في النهاية، فإنك تريد أن تنظر في عيني المريض»، وأن تشرح له ما إذا كان أمامه عشر سنوات ليعيشها أم ستة أشهر فقط.

الأدوات الذكية تخفف عمل الأطباء الاختصاصيين

لكن شوام لا يستبعد قدرات برامج الدردشة الآلية، التي يُقرّ بأنها قادرة على توسيع نطاق وصول الأطباء وتغيير بنية نظامنا الصحي. ويقول إن الذكاء الاصطناعي يتفوق بالفعل على الأطباء في بعض الحالات، مثل قراءة تخطيط كهربائية القلب. فهو قادر على تشخيص أمراض القلب من خلال رصد أنماط لا يستطيع أطباء القلب رؤيتها، والتي تتطلب عادةً إجراء تخطيط صدى القلب المكلف. وهذا يعني أن أطباء الأسرة يمكنهم الآن القيام ببعض مهام أطباء القلب.

كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف عبء العمل على بعض الاختصاصيين الطبيين، بحيث لا يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى خبرتهم إلى الانتظار أسابيع أو شهوراً للحصول على موعد.

برامج لرصد أعراض الارتجاع المريئي

هذا ما يحدث بالفعل في عيادة الدكتور جون إريك باندولفينو، اختصاصي الارتجاع المرييي المعدي (GERD) في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن.

كان معظم المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء ينتظرون أسابيع للحصول على موعد معه. وأوضح أن «نسبة كبيرة من الحالات» كانت أقل خطورة ولا تتطلب رعايته.

*رصد الحالات المرضية. ابتكر باندولفينو حلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلق عليه اسم GERDBot. يقوم النظام بفرز المرضى، وتوجيه من لا يحتاجون فعلاً إلى زيارة الطبيب إلى مقدمي رعاية صحية آخرين. والهدف هو تسريع علاج من يعانون أعراضاً أكثر خطورة.

يبدأ المرضى بالإجابة عن أسئلة النظام الآلي. ومن تظهر عليهم أعراض تشير إلى مشكلة خطيرة، يخضعون للفحص فوراً. أما الباقون، فيتلقون اتصالاً خلال أسبوع من ممرضة ممارسة أو مساعد طبيب، يُطمئنهم ويصف لهم الأدوية اللازمة، إن لزم الأمر.

ويستقبل باندولفينو، الذي رخص نموذج ذكاء اصطناعي آخر من ابتكاره لشركة الأجهزة الطبية «ميدترونيك»، الآن عدداً أقل من المرضى، لكنهم هم من يحتاجون إلى خبرته. ويقول: «معظم الناس يُقدّرون حقيقة أن علاجهم قد ابتدأ بالفعل، وحصولهم على المعلومات فوراً، وإذا لم يستجب علاجهم أو ظهرت عليهم علامات تحذيرية، فانهم يُحالون إلى الطبيب».

ويُقرّ بأن قلة قليلة تشعر بأنها تُحال إلى رعاية أقل جودة. لكن الطريقة القديمة - التي كانت تتطلب انتظاراً يصل إلى ستة أشهر للحصول على موعد - كانت أسوأ بكثير لمن يرغبون في المساعدة والطمأنينة.

* رصد الأعراض الحادة. وكانت الخطوة التالية تخفيف العبء عن المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء الحادة. وقد طوّر باندولفينو خوارزمية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم «إيزو-إنستين» Eso-Instein (Eso اختصاراً لكلمة «مريء»)، التي ستساعد اختصاصي الجهاز الهضمي الأقل تخصصاً على تحديد التشخيص الأرجح بناءً على أعراض المريض، ونتائج التنظير الداخلي، والفحوص الفيزيولوجية. ثم تُخبر الخوارزمية الطبيب بكيفية علاج المريض وتوقعات سير المرض.

ويقول باندولفينو: «في نهاية المطاف، عندما تتفوق الخوارزمية على الإنسان، سأضطر إلى البحث عن عمل آخر». ويضيف: «سيجعل الذكاء الاصطناعي أمثالي أقل أهمية تدريجياً».

كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي ابتكرها باندولفينو قد تُتيح للاختصاصيين إحالة الكثير من مرضاهم إلى أطباء الرعاية الأولية، يُؤمل أيضاً أن تُسهم هذه الاستراتيجية نفسها في زيادة توافر أطباء الرعاية الأولية من خلال إسناد بعض مهامهم إلى ممرضين متخصصين. إذ إن هناك نقصاً حاداً في أعداد أطباء الرعاية الأولية، لا في المناطق الريفية فحسب، بل حتى في المدن الكبرى التي تضم كثيراً من المستشفيات وكليات الطب الكبيرة.

ارتقاء دور الممرضين... بفضل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المرضى، كما قال الدكتور آدم رودمان، طبيب باطني في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، بفرز المرضى وتمكين الممرضين الممارسين من القيام بجزء أكبر من عمل طبيب الرعاية الأولية؛ ما يتيح للطبيب معاينة المزيد من المرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بالاختيار بين طبيب لا يستقبل مرضى جدداً أو طبيب يحيل المرضى إلى ممرض ممارس أو مساعد طبيب، فمن المرجح أن يتقبل المرضى هؤلاء المتخصصين الطبيين الآخرين.

مع ذلك، يُقرّ رودمان وباحثون آخرون بوجود مخاطر تتمثل في إمكانية أن تُعيد برامج الدردشة الآلية إنتاج التحيزات الموجودة بالفعل في المؤسسات الطبية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أنها قد تُولي اهتماماً أقل لامرأة أو لشخص يرتكب أخطاءً إملائية أو نحوية.

مخاوف الخبراء من قصور النظام الطبي

تدفع هذه المخاوف بعض الخبراء إلى التحذير من عدّ الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً للنظام الطبي. يقول الدكتور ليو أنتوني سيلي، مدير الأبحاث السريرية في مختبر علم وظائف الأعضاء الحاسوبي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «إن القلق الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه لتحسين نظام معيب بشدة بدلاً من إعادة تصوره». ويضيف سيلي: «قد لا يُدرك مرضى اليوم مدى قصور النظام الحالي في تلبية احتياجاتهم».

وتشاركه زميلته، مرضية قاسمي من مجموعة التعلم الآلي الصحي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مخاوف مماثلة؛ إذ قالت إن الذكاء الاصطناعي يمتلك «إمكانات هائلة»، لكن يبدو أنه يُستخدم حالياً في الغالب لزيادة أرباح الأنظمة الطبية من خلال «رفع ثمن الفواتير، واستبدال كوادر الرعاية الصحية الأولية للمرضى المحتاجين، أو الترويج للأدوية:».

وقال رودمان، إن على الأنظمة الطبية ومرضاها أن يكونوا على دراية بهذه المشكلات. وأضاف: «لكن هذا ليس سبباً للتخلي عن هذه التقنية». وهو يأمل أن يتمكن الباحثون، بفضل الذكاء الاصطناعي، من توثيق التحيزات والحد منها. أما مع البشر، الذين لديهم التحيزات نفسها، «فمن الصعب جداً التخفيف منها»، كما قال رودمان.

وأضاف رودمان أن الذكاء الاصطناعي، على الأقل في بعض المهام، سيكون أفضل من الأطباء. سيكون أكثر دقة في الالتزام بإرشادات الفحص وتقديم المشورة للمرضى بشأن عادات نومهم وغذائهم، على سبيل المثال.

آخر ما نريده: «طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالكامل»

ويعلق يقول الدكتور جيفري أ. ليندر، اختصاصي الطب الباطني في جامعة نورث وسترن. على ذلك بأن «هذه هي الجوانب الروتينية في مهنة الطب».

ويضيف: «هناك الكثير من المهام التي نقوم بها في الرعاية الصحية الأولية والتي تبدو وكأنها مجرد إجراءات شكلية». ولكنه أعرب عن قلقه من أن يعتمد بعض الأطباء بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، ويقول: «آخر ما نريده هو طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل»، حيث «أُعطّل عقلي وأترك الذكاء الاصطناعي يملي عليّ ما يجب فعله طوال الوقت».

لكن المشكلة تكمن في أنه بينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مثالياً، فإن النظام الطبي الحالي ليس كذلك أيضاً. ويتضح جلياً أن دور الطبيب سيشهد تحولاً جذرياً.

الدور المهم للأطباء

لكن لا يزال للأطباء أدوار مهمة يؤدونها. ويقول ليندر: «الطب الباطني تخصصٌ يعتمد على التعامل المباشر مع المرضى. إنك تتعرف على مرضاك بمرور الوقت، وتعرف قيمهم، وتعرف عائلاتهم».

ويوافق الدكتور جوشوا شتاينبرغ، طبيب الرعاية الأولية في جامعة ولاية نيويورك الطبية في بينغهامتون، نيويورك، على ذلك. ويقول: «حتى لو قرأ الذكاء الاصطناعي جميع المراجع الطبية، سأظل أنا الخبير في حالة مرضاي». ويضيف: «أعتقد أن دورنا كأطباء قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، لكنني سأظل جالساً على كرسي متحرك صغير، أتحدث مع المريض».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مونديال 2026: كلاب روبوتية ستساعد الشرطة المكسيكية على مكافحة الجريمة

الروبوتات الرباعية الأرجل صُمِّمت للدخول إلى مناطق خطرة (أ.ف.ب)
الروبوتات الرباعية الأرجل صُمِّمت للدخول إلى مناطق خطرة (أ.ف.ب)
TT

مونديال 2026: كلاب روبوتية ستساعد الشرطة المكسيكية على مكافحة الجريمة

الروبوتات الرباعية الأرجل صُمِّمت للدخول إلى مناطق خطرة (أ.ف.ب)
الروبوتات الرباعية الأرجل صُمِّمت للدخول إلى مناطق خطرة (أ.ف.ب)

خصّصت السلطات المكسيكية مجموعة من الكلاب الروبوتية لمساعدة الشرطة على مكافحة الجريمة خلال كأس العالم 2026 لكرة القدم المقررة الصيف المقبل، وفق ما ذكرته، الاثنين.

وصُمّمت الروبوتات الرباعية الأرجل للدخول إلى مناطق خطرة وبثّ لقطات فيديو مباشرة إلى قوات الأمن، ليتمكّن رجال الشرطة من مراقبة المشهد قبل التدخل في أثناء النهائيات.

ويقام الحدث العالمي الذي يمتد من 11 يونيو (حزيران) حتى 19 يوليو (تموز)، في المكسيك بالشراكة مع الولايات المتحدة وكندا.

الروبوت واجه رجلاً مسلحاً وأمره عبر مكبر صوت بإنزال سلاحه (أ.ف.ب)

وتعود هذه الروبوتات الشبيهة بالحيوانات إلى مجلس بلدية غوادالوبي، الواقعة ضمن منطقة مونتيري الكبرى التي تحتضن أحد ملاعب كأس العالم، بعد شرائها مقابل 2.5 مليون بيزو مكسيكي (نحو 145 ألف دولار أميركي).

وأظهر فيديو نشرته الحكومة المحلية أحد الروبوتات وهو يمشي على أربع أرجل داخل مبنى مهجور ويتسلق الدرج، وإن كان ذلك بصعوبة بعض الشيء.

كما يظهر الروبوت في أثناء نقل صور مباشرة إلى مجموعة من ضباط الشرطة الذين يسيرون خلفه بحذر.

وفي التجربة، واجه الروبوت رجلاً مسلحاً وأمره عبر مكبر صوت بإنزال سلاحه.

وقال هكتور غارسيا، رئيس بلدية غوادالوبي، إن «الغرض من الكلاب الروبوتية هو دعم عناصر الشرطة في التدخلات الأولية... لحماية سلامتهم الجسدية».

وأضاف: «سيتم نشرها في حال وقوع أي مواجهة».

وسيستضيف ملعب «بي بي في إيه»، المعروف باسم «استاديو مونتيري»، أربع مباريات خلال كأس العالم.


«الفيصل» يعتمد دمج الفروسية والبولو في اتحاد سعودي واحد

يهدف الدمج إلى دعم تطوير وتنظيم الرياضات الأولمبية والبارالمبية (الاتحاد السعودي)
يهدف الدمج إلى دعم تطوير وتنظيم الرياضات الأولمبية والبارالمبية (الاتحاد السعودي)
TT

«الفيصل» يعتمد دمج الفروسية والبولو في اتحاد سعودي واحد

يهدف الدمج إلى دعم تطوير وتنظيم الرياضات الأولمبية والبارالمبية (الاتحاد السعودي)
يهدف الدمج إلى دعم تطوير وتنظيم الرياضات الأولمبية والبارالمبية (الاتحاد السعودي)

أعلنت اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، اليوم (الثلاثاء)، اعتماد الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل، قراراً بدمج الاتحاد السعودي للبولو والاتحاد السعودي للفروسية، ليكون تحت مسمى الاتحاد السعودي للفروسية والبولو، برئاسة الأمير عبد الله بن فهد بن عبد الله.

يأتي هذا القرار استناداً إلى ما استُكملت بشأنه المتطلبات والإجراءات التنظيمية المعتمدة، وضمن إطار الحوكمة المؤسسية المعمول بها، وذلك في سياق سعي اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية إلى تعزيز الاستدامة المالية، ورفع كفاءة الأداء الإداري في القطاع الرياضي بوجه عام، ورياضة الفروسية والبولو على وجه الخصوص.

ويهدف الدمج إلى دعم تطوير وتنظيم الرياضات الأولمبية والبارالمبية في مختلف مناطق المملكة، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أفضل الممارسات التشغيلية، ووضع اللاعبين واحتياجاتهم الفنية والتنظيمية في صميم أولويات المنظومة الرياضية.