تحديات الطفولة وتراجع النقد

أحكام القيمة توارت إما لأنها اضمحلت تماماً أو لأنها صارت ضمنية

تحديات الطفولة وتراجع النقد
TT

تحديات الطفولة وتراجع النقد

تحديات الطفولة وتراجع النقد

وقفتا أمامي تمسكان بورقتيهما المليئتين بالخطوط والألوان، رسمتين لم أتبين ما فيهما إلا بعد التدقيق. قالت لمى ذات الخمسة أعوام: أي رسمتينا أفضل، رسمتي أم رسمة نوف، تشير إلى أختها الأصغر (3 سنوات). كانت كل واحدة من حفيدتيَّ الصغيرتين قد رفعت لوحتها الورقية أمامي باعتزاز واضح. ثم أضافت لمى: «عليك أن تختار واحدة وتحدد أيهما أفضل». كنتُ منهمكاً في العمل على طاولة قريبة وبعض أفراد الأسرة يجلسون بالقرب مشغولين عنا. انتبهت إلى السؤال، وأفقت إلى ما فيه من حرج، كنت كمن يصحو من غفوة.

ومع إلحاح لمى أن أختار واحدة فقط من الرسمتين كان الحرج يزداد والوضع يتأزم. عيناي تتنقلان ما بين اللوحتين ثم ما بين الوجهين الطفوليين. أنظر إلى جدية لمى وأسمع إصرارها، وأنقل بصري إلى وجه نوف الأصغر وقامتها الأقصر والبراءة الآسرة في ملامحها وهي ترفع لوحتها تنتظر النطق بالحكم، وإن دون إلحاح.

أُسقط في يدي.

رحتُ أستجمع ما أعرفه من نظريات في النقد وأساليب الحكم على الأعمال، فلم يسعفني شيء، ثم توجهت إلى ذكائي وقدرتي على التخلص من المأزق للخروج سليماً معافى من هذه الورطة النقدية الجمالية الكبرى فلم أجد الكثير من الذكاء. لم أجد سوى إجابات مرفوضة بتاتاً من قبل لمى.

«كلتا الرسمتين جميلة».

«لا... لازم تختار».

«صعبة يا ابنتي، لأن كل واحدة منكما رسامة ممتازة».

تطلعت إلى مَن حولي أستغيث، متطلعاً إلى مَن يخرجني من المأزق فلم يكن لدى أحد سوى نفس الإجابات المستهلكة. لمى تريد حسماً نقدياً لمسألة جمالية بحتة: أي الرسمتين أجمل، ولن تقبل بالإجابات الدبلوماسية لإرضاء كل الأطراف، لا، لأنصاف الحلول التي من الواضح أنها تهرب من الأمر الواقع.

كانت رسمة لمى أفضل من حيث هي تمثيل للواقع: أشجار على شكل زهور وسماء وشمس بألوان واقعية جداً، لوحة واقعية ومتقنة مِن طفلة في سنها. بينما كانت رسمة نوف أقرب إلى السريالية الطفولية، إن وُجد شيء من ذلك القبيل: خطوط متقاطعة بألوان متداخلة لا تستطيع تبيّن شيء من عالمها المتشابك.

كان الحكم واضحاً: رسمة لمى أفضل أو أجمل، لكن مَن يستطيع الوقوف أمام سطوة البراءة في وجه نوف وهي ترفع لوحتها؟ أي نقد جمالي أو فني يستطيع تجاوز تلك الطيبة في عينين غارقتين في طفولة 3 سنوات وتنتظران حكماً سيكون قاسياً برفض لوحتها؟

لم أكن ذلك الناقد، ولا ذلك الشجاع.

كنت أتراجع، وأرى كل أحكام القيمة تتراجع معي.

تذكرت النابغة الذبياني وهو يحكم بين الأعشى والخنساء في عكاظ: «لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك لقلتُ إنك أشعر مَن أنشد اليوم»، أو كما قال.

لم أكن النابغة، بل كان النبوغ أبعد ما يكون عني في تلك اللحظة، وأمام عيني لمى الغاضبتين وإصرارها البريء أيضاً على شجاعة الحكم.

نشأت لدينا، أنا ومَن اشترك معي في الورطة، رغبة في كسر حدة الإصرار لدى لمى، رغبة لا تخلو من مكر، فقلنا: «قد تغضبين لو قلنا رأيَنا». قالت: «لا، لن أغضب». مع أننا كنا متأكدين أن غضبها السريع المعروف سيكون جاهزاً لو غامرنا بحكم لا يرضيها.

توصلت والدتهما إلى رأي أدهشني وذكرني إلى حد ما بمحاولة الذبياني التخلص من غضب الخنساء: «لوحتك يا لمى أجمل من حيث هي واضحة ودقيقة، ولوحة نوف أجمل لأن فيها الكثير من الخيال». قالت ذلك بلغة أكثر مباشرة وتبسيطاً، لكن لمى وصلت الآن إلى درجة الغليان، لأنها بدأت تدرك أن هناك تهرباً من قول الحقيقة وهي أن لوحتها أفضل. وكانت محقة في توقعها، ليس لأن لوحتها أفضل فعلاً، وإنما لأنها سمعت ثناء كثيراً في الماضي ورأَتْ لوحةً لها في صفحتي على «إنستغرام» ثم في اختيار أحد المطاعم مؤخراً لوحتها لتوضع على المنصة التي يراها الداخلون إلى المطعم.

بكت لمى، ونظرتُ إلى نوف فلم أجدها مكترثة كثيراً لما يحدث. براءة حقيقية.

أردت مواساة لمى، فقلت: «سأضع لوحتك هذي على صفحتي في (إنستغرام)»، وفعلتُ وأريتُها إياها، وبدا أنها رضيت بذلك التفضيل الضمني. لم أختر لوحة نوف، وأظن أن ذلك طمأن أختها إلى مواهبها وتفوقها في الرسم.

ذكرني ذلك الموقف بوضع النقد الأدبي والجمالي في مشهدنا المعاصر، بأحكام القيمة التي توارت إما لأنها اضمحلت تماماً، أو لأنها صارت ضمنية لا تسفر عن نفسها، وإن فعلَتْ فعلى استحياء. صار من الصعب أن يقول أحد لشاعر إن عمله ضعيف، أو لروائي إن روايته ليست جديرة بالنشر. كنتُ مع أحد الأصدقاء المعنيين بالأدب ونقده نستمع إلى شاعر على المنصة، شاعر كان له شأن في يوم ما، لكنه تحول إلى شبه شاعر في سنواته الأخيرة، ناظم أكثر منه شاعراً. وكلانا تربطه به معرفه وثيقة على المستوى الشخصي وعلى مستوى أعماله وحضوره الذي كان مدوياً ذات يوم. لكن أحداً منا لم يجرؤ أن يقول له رأياً صريحاً بعد أن تواضع نتاجه وصار إلى ما صار إليه. وواضح أنني حتى هذه اللحظة لا أجرؤ على ذكر اسمه.

كان الدكتور شكري عياد يقول إنه يتجنب الكتابة عن الأعمال الرديئة، ويرى أن في ذلك تعويضاً عن الحكم عليها أو هو بمثابة حكم عليها، وصرتُ لسنوات أردد رأيه لأنني رأيت فيه مخرجاً من أحكام القيمة حين تضعنا أمام أعمال ليست جديرة بأن تنشر على الناس ونشعر بالحرج في الحديث حولها. لكني حين تأملت ذلك الرأي وجدته إشكالياً على أبعد تقدير، لأنه يعني ببساطة وضمنياً أن كل ما لا يتناوله الناقد ضعيف أو غير جدير بالكتابة عنه، وهذا غير صحيح طبعاً؛ فمَن الذي يدعي معرفة كل ما ينشر وله رأي فيه. بل إن فيه تجنياً على كثير من الأعمال المهمة التي لم نطلع عليها وقد لا نستطيع الاطلاع عليها لكثرتها وقصور قدرتنا على الإحاطة بكل ما يصدر.

لقد عرف النقد العربي القديم الكثير من أحكام القيمة في طبقات للشعراء وفي مختارات مفضلية وأصمعية وحماسات وغيرها بل لعل ذلك النمط من النظر كان المهيمن على رؤية النقاد وهم الذين عرف أحدهم النقد بأنه تمييز جيد العملة من رديئها، ومع أن المختارات لم تغب تماماً في عصرنا، فإن من الواضح لي أنها توارت ضمن آراء تنحو منحى منهجياً أو نظرياً؛ كأن يختار الناقد الشكلاني ما يراه مناسباً لرؤيته التي ترفع من شأن الشكل وتبعده عن الواقع، وينتقي الماركسي لدراسته ما يراه أصدق تمثيلاً للواقع أو للواقعية الاشتراكية، والنفسي لما يتصل بالوعي واللاوعي وهكذا. وحين أقدم البعض على عمل مختارات، فإن نظرتهم ذهبت إلى التراث الشعري والنثري، أكثر منه إلى المعاصر، بل إن المعاصر يكاد يغيب تماماً. فمن الملاحظ قلة أو ندرة المختارات في الأدب العربي الحديث وكثرتها في المقابل في أقسام اللغة العربية والدراسات الشرق أوسطية في الغرب، ربما لأسباب بيداغوجية أو تعليمية حين تتصل بالأدب العربي. لكن المختارات بارزة ومهيمنة في المكتبة النقدية الغربية عامة. والمؤكد أن المختارات تتكئ على أحكام قيمة لا مراء فيها.

لا شك أن من المخاطر المحتملة لأحكام القيمة الغرق في الذائقة الشخصية وتحكيم معايير انطباعية أو لا صلة لها بالأدب، وقد حدث ذلك وسيحدث، وفي كل اختيار حكم شخصي وربما موقف آيديولوجي أيضاً، لكن تواري تلك الأحكام تماماً ليس في مصلحة المشهد الثقافي عامة والأدبي والفني بصفة خاصة. نحن بحاجة إلى التقييم، أو التقويم، شريطة أن يكون ذلك على أسس منهجية واضحة قدر الإمكان، فقد نستطيع بذلك أن نتجاوز مأزق الحكم على جمال الرسومات والقصائد وأهمية الروايات والمسرحيات.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.