الكتاب العربي المسموع... هل يتجاوز نظيره الورقي؟

بعد انتشار منصات كثيرة تدعم حضوره

الناشر محمود عبد النبي
الناشر محمود عبد النبي
TT

الكتاب العربي المسموع... هل يتجاوز نظيره الورقي؟

الناشر محمود عبد النبي
الناشر محمود عبد النبي

يشكل الكتاب الصوتي الضلع الثالث في مثلث النشر العربي حالياً، فإلى جانب المطبوع ورقياً والمنشور إلكترونياً، يأتي «الكتاب الصوتي» كوافد جديد على الثقافة العربية محملاً بمزايا حصرية وتحديات متنوعة. قصائد شعر تسمعها مراهقة في الشرفة، أو رواية يتفاعل معها أربعيني وهو يقود سيارته، أو سردية تاريخية مشوقة تنصت إليها ربة المنزل وهى تقوم بمهامها اليومية المعتادة. هكذا يتحول القارئ إلى «مستخدم» بالتعبير الرقمي كما يتحول فعل القراءة هنا إلى «استماع»، مما يعني حرية أكثر وطابعاً عملياً أبرز حيث يمكن الجمع بين أكثر من شيء في وقت واحد. منصات عديدة انتشرت مؤخراً تدعم الوافد الجديد، لكن ما هي فرص انتشاره الحقيقية، وإلى أي حد يمكن أن يتأثر سلبا بالمشكلات المتنوعة التي تواجهه؟

يقول أحمد رويحل، مدير تطوير الأعمال بقسم الشرق الأوسط بمنصة «ستورتيل»:

«هناك ما يقرب من 10 آلاف كتاب! هذا هو الرقم التقريبي الذي تجمع عليه معظم المصادر حين يتعلق الأمر بحجم الإنتاج العربي السنوي من الكتب الصوتية. ففي السنوات الأخيرة، نجحت تطبيقات ومنصات عديدة في جعل هذه النوعية من الكتب تشغل حيزاً من اهتمام القراء العرب». ومن أبرز تلك التطبيقات «ستوريتل» في مصر والإمارات، «ضاد» في السعودية، «الراوي» في البحرين، «راوي الكتب» في قطر، و«مسموع» في الأردن.

الناشر أحمد رويحل

عالمياً، يعود بدء ظهور تلك الكتب إلى عام 1932 مع إنشاء «المؤسسة الأميركية للمكفوفين» استوديو بغرض تسجيل كتب على أسطوانات أو أشرطة كاسيت، بهدف مساعدة فاقدي البصر على القراءة السمعية. وفي العام التالي أقر الكونجرس الأميركي تعديلاً سمح لمكتبة الكونجرس بالشروع في إنتاج تلك النوعية من الكتب.

و تُظهِر الإحصائيات نمواً مزدهراً لسوق الكتب المسموعة في دول مختلفة مؤخراً. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، ارتفعت مبيعات الكتب الصوتية في عام 2019 بنسبة 18 في المائة، مقارنة بعام 2018، مُسجِّلة 1.2 مليار دولار. وفي كندا، شكَّلت مبيعات الكتب الصوتية عام 2019 نسبة 5 في المائة من إجمالي مبيعات الكتب، مقارنة بنسبة 3.6 في المائة في عام 2018، أما المملكة المتحدة فقد سجَّلت الفارق الأكبر بزيادة معدلها 43 في المائة في مبيعات الكتب الرقمية لعام 2019، وقُدِّرت أرباح هذه الكتب بنحو 69 مليون جنيه إسترليني.

الناشر شريف بكر

لكن ماذا عن السوق العربية؟

يشير رويحل إلى أن الكتاب الصوتي العربي مشروع قائم منذ قرابة العشرين عاماً، وذلك من خلال مشروع بادر به مجمع اللغة العربية بأبوظبي، لكن نظراً لعدم وجود وسائط إعلامية وتطبيقية سهلة وسلسة الاستخدام في ذلك التوقيت لم ينتشر المشروع بالشكل المطلوب.

وكانت السوق على موعد مع طفرة حقيقية تزامناً مع انتشار تطبيقات الهواتف المحمولة لتبدأ منصة «كتاب صوتي» أول مشروع قائم على استثمارات حقيقية لبناء سوق الكتب الصوتية العربية. وتبعها في بناء السوق الشركة الرائدة عالمياً في هذا المجال «ستورتيل»، التي قامت بالاستحواذ على «كتاب صوتي» عام 2020. ويقدر من «يستمعون» إلى الكتب اليوم بعشرات الآلاف من المستمعين العرب من مختلف الدول العربية، ولكن تظل مصر والسعودية في المقدمة باختلاف سلوك المستمعين في البلدين، فعلي سبيل المثال «المستخدم» المصري يستمع لعدد ساعات أكثر من نظيره السعودي بينما عدد «المستخدمين» في السعودية أكثر من نظرائهم في مصر.

الناشر شريف بكر

وفيما يتعلق بالفئات العمرية من مستمعي الكتب، يشير أحمد رويحل إلى أن الأكثر إقبالاً تتراوح أعمارهم من سن 18 إلى 35 سنة ويفضل هؤلاء «المستخدمون» باختلاف أعمارهم وجنسياتهم العربية الاستماع إلى الرواية، لا سيما رواية الإثارة والجريمة والرعب، يليها الرواية الرومانسية والاجتماعية ثم الرواية التاريخية. وتلي فئة الرواية كتب التنمية الذاتية وإدارة الأعمال ثم كتب السير الذاتية والكتب ذات المحتوى الخاص مثل الفلسفة والصحة النفسية.

ويشير«رويحل» إلى أن أبرز التحديات التي تواجه انتشار الكتب المسموعة تتمثل في محدودية الوصول إلي تلك النوعية من الكتب، فالكتاب الصوتي اليوم متواجد فقط على عدد محدد من المنصات. وهذا ما يفسر العدد البسيط من الكتب الصوتية مقارنة بالكتب المطبوعة والإلكترونية، فلنا أن نتخيل أن إجمالي عدد الكتب الصوتية العربية لا يتجاوز العشرة آلاف كتاب صوتي منشور بشكل قانوني ورسمي. وهناك أيضاً مشكلة ضعف الشمول المالي في بعض الدول على نحو يؤثر بدوره على قابلية الدفع الإلكتروني لاشتراكات التطبيقات.

الكاتب مصطفى عبيد

شرائح قرائية جديدة

دار «المعارف» إحدى دور النشر المصرية التي اتجهت بقوة إلى النشر الصوتي حيث تجاوز إنتاجها في هذا المجال المائة عنوان تنوعت ما بين الإبداع الأدبي والتراث وكتب الأطفال، فماذا كانت مبررات التوجه لهذا المجال الجديد؟ طرحنا السؤال على سعيد عبده، رئيس اتحاد الناشرين المصريين ورئيس مجلس إدارة الدار فأجاب: «النشر الصوتي يجتذب شرائح جديدة من القراء و يعد رافداً مهماً للناشر ومورداً جديداً يعينه على استمرار عمله».

ويضيف عبده: «نقوم حالياً بعمل استوديوهات مجهزة من أجل إنتاج المزيد من الكتب الصوتية علماً بأن هذا الاتجاه الجديد مكلف مادياً ويتطلب قدرات اقتصادية لا تملكها كل دور النشر».

الناشر سعيد عبده

ويؤكد شريف بكر، مدير دار «العربي»، أن إنتاج الكتب الصوتي يأتي بعد الكتب المطبوعة من حيث التكلفة الاقتصادية وقد يتجاوز الكتاب المسموع نظيره الورقي إذا لجأ الناشر إلى فنان معروف كي يقوم بتسجيل النص بصوته. من هنا يتوقع بكر المزيد من الانتشار للكتاب الصوتي بالتزامن مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث سيتم اللجوء إلى صوت إلكتروني وليس صوتاً بشرياً لقراءة العمل لخفض التكلفة وسرعة الإنجاز، لكن هذا يتطلب ضبط النص من حيث تشكيل الكلمات كي تُنطق بشكل صحيح، كما ستكون هناك مشكلة تتمثل في خلو هذا الصوت الإلكتروني المحايد من أي مشاعر أو انفعالات أثناء القراءة.

* العلاقة بالتكنولوجيا

- ويرى محمود عبد النبي، مدير دار «إيبيدي» أن انتشار الكتب الصوتية يراهن على قوة علاقة الجيل الجديد من الشباب تحت الثلاثين بالتكنولوجيا حيث إن تلك الفئة العمرية تمثل القوة الشرائية الأكبر في السوق وتستوعب جيداً عالم التطبيقات الرقمية التي لا بد منها كي تقوم بتحميل كتاب ما والاستماع إليه.

وينفي عبد النبي أي احتمال لأن يهدد «الصوتي» نظيره «الورقي»، مستشهداً بما حدث في الولايات المتحدة عام 2016 حيث أنتجت 51 ألف كتاب صوتي ومع ذلك لم يتأثر الكتاب المطبوع الذي يستفيد في حقيقة الأمر من الكتاب المسموع بوصفه مجرد أداة تنشيطية تدعم الكتاب الورقي. ويضيف: «الأجيال التي نشأت على الكتاب المدرسي وروايات الجيب لا يمكن أن تفرط بسهولة في الكتاب الورقي وتستبدل به وسائل أخرى مهما كانت الإغراءات».

لكن ماذا عن موقف المؤلف أو الكاتب نفسه؟ كيف ينظر إلى الكتاب الصوتي؟

الروائي والباحث مصطفى عبيد تحولت روايته «جاسوس في الكعبة» و كتابه «ضد التاريخ» إلى النشر الصوتي، فكيف يرى التجربة؟

يقول عبيد: «الكتاب الصوتي لا يدخل صراعاً صفرياً يقوم على الإقصاء مع الكتاب المطبوع فكلاهما يكمل الآخر والعلاقة بينهما قائمة على التكامل والدعم المتبادل. ويأتي دور الكتاب المسموع ليعوض نقص أو صعوبة التعامل مع الورقي في حالات كثيرة، مثل ضعف النظر ووجود مشكلات صحية في العين لا تسمح بمطالعة الصفحات المطبوعة لساعات طويلة. أيضاً هناك كبار السن الذين يعانون مشاكل في العمود الفقري ولا يستطيعون القراءة لفترات ممتدة. كما تبين أن هناك قراء للعربية في أوروبا والأميركتين لا تصلهم الكتب بسهولة نتيجة ارتفاع تكلفة الشحن، وبالتالي تصبح النسخة الصوتية من الكتاب بديلاً مناسباً في حالة تعذر وجود نسخة إلكترونية».



محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ