«سطّار» من الحلبة السعوديّة إلى العالم... عبر «نتفليكس»

الفيلم السعودي على رأس قائمة المشاهدات في أول أيام عرضه على المنصة

بدأت منصة «نتفليكس» بعرض الفيلم السعودي «سطّار» في 24 أغسطس (تلفاز 11)
بدأت منصة «نتفليكس» بعرض الفيلم السعودي «سطّار» في 24 أغسطس (تلفاز 11)
TT

«سطّار» من الحلبة السعوديّة إلى العالم... عبر «نتفليكس»

بدأت منصة «نتفليكس» بعرض الفيلم السعودي «سطّار» في 24 أغسطس (تلفاز 11)
بدأت منصة «نتفليكس» بعرض الفيلم السعودي «سطّار» في 24 أغسطس (تلفاز 11)

من الحلبة السينمائية السعودية طار المصارع «سطّار» ليحطّ على الحلبة العالميّة «نتفليكس»، فيصبح مادّةً ترفيهيّة متوفرة لمشاهدي المنصة حول العالم.

انطلق الفيلم السعودي «سطّار»: عودة المخمّس الأسطوري» من مهرجان البحر الأحمر في جدّة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ثم بدأ رحلته في صالات المملكة والخليج وبريطانيا مطلع العام الحالي، أما اليوم فهو يحلّ ضيفاً مرحَّباً به على «نتفليكس». فبموازاة تخصيص المنصة حملة ترويجيّة لفيلم التشويق الكوميدي على صفحات التواصل الاجتماعي، تمكّن «سطّار» من أن يحصد عدداً كبيراً من المشاهدات بعد ساعات على انطلاق بثّه يوم 24 أغسطس (آب).

أوسع من حدود الحلبة السعودية

هذه التجربة الشابة المتزامنة مع نهضة لافتة يشهدها القطاع السينمائي في المملكة لم تكن عابرة على شبّاك التذاكر السعودي. استطاع «سطّار» أن يحقق أعلى مبيعات في تاريخ السينما السعودية، فيما لم يكن قد مضى أسبوعان على انطلاق عرضه.

ومع بدء بثّه على «نتفليكس»، لن يكون من المستغرب أن تتّسع دائرة متابعيه الجغرافيّة لتتخطّى الحدود السعوديّة والخليجيّة. فصحيح أن قصة الفيلم وشخصياته طالعة من المجتمع السعودي، إلا أنّ ما يميّز «سطّار» هو سلاسة الحبكة وفحوى الرواية التي قد يجد أي مشاهدٍ، وأينما حلّ في العالم العربي والعالم، انعكاساً له فيها. ثم تأتي الكوميديا لتعزّز تلك السلاسة، من دون أن يطفح بها العمل السينمائي، فهي لا تذهب إلى حدّ المبالغة ولا تسرق من وهج عناصر الفيلم البنيويّة الأخرى.

يحاكي الفيلم كل مَن صدّقوا أحلامهم الكبيرة وتمسّكوا بها، بعد أن كانوا قد تناسَوها أو تعثّروا بجنونها. تجول كاميرات المخرج الكويتي عبد الله العراك في شوارع الرياض، وتدخل إلى منزل المصارع الحالم وخفيف الظلّ سعد «سطّار» وإلى مكان عمله في شركة تأمين سعوديّة، ثم تنزل إلى دهاليز المصارعة الحرّة تحت الأرض.

الأماكن سعوديّة، وكذلك اللهجة والمزاج العام والموسيقى، لكنّ تلك المحلّيّة لا تقف حاجزاً في وجه المعاني التي يمكن أن تجد لها صدىً في أي مجتمعٍ كان. ولعلّ أبرز العناصر المكوّنة لخلطة الفيلم السحريّة هي بساطته العفويّة والصادقة، والخالية من التكلّف والصخب الطامحَين إلى مقاييس هوليووديّة.

أصابت الجهة المنتجة «أفلام الشميسي»، وهي إحدى شركات «ستوديو تلفاز 11»، في رهانها على الطاقم الشبابي الذي حمل الفيلم على أكتافه؛ من ورشة كتّاب إلى ممثّلين وتقنيّين وموسيقيين.

«سعد» والحظّ العاثر

كان من الممكن أن يتربّى «سعد» على حبّ كرة القدم أو سباق السيارات كسائر الأولاد، لكنّ جدّه شاء أن يزرع فيه عشق المصارعة. عاش الجدّ ليشهد على حلمٍ يكبر في رأس حفيده وفي مخيّلته، ويصغر ضمن إمكانيّاته الجسديّة والحياتيّة.

سعد، الذي يؤدّي دوره ببراعة الممثل السعودي إبراهيم الحجّاج، محكومٌ بوظيفة لا يحبّ مديرها، وبحماةٍ مستقبليّة متطلّبة تعكّر صفوَ خطوبته ورومانسيّتها. لكنه كلّما واجهَ مشكلة خلال يوميّاته المُرهقة في العمل والعائلة، هرب من الواقع مسافراً في خياله إلى حلبة المصارعة حيث يجد نفسه دائماً المنتصر.

حتى عندما صمّم على الاقتراب خطوة من حلمه، متخذاً قرار المشاركة في تصفيات بطولة المصارعة الرسميّة، اصطدم سعد بواقع عدم جاهزيّته البدنيّة والرياضيّة. ثم وقع ما هو أسوأ، فتعرّض لحملة تنمّر على أدائه ووزنه الزائد، جعلت منه أضحوكة على وسائل التواصل الاجتماعي ووسط أهله وزملائه.

الملصق الرسمي لفيلم «سطّار» (تلفاز 11)

من سعد إلى «سطّار»

تتراكم العثرات على درب سعد، وتطوّقه السخرية والتنمّر من كل صوب، إلى أن يرنّ هاتف داعياً إيّاه إلى «طريق المجد». يسأله الصوت المموّه: «تبي تصير مصارع؟»، فلا يجد سعد سوى الـ«نعم» جواباً.

كماردٍ طالعٍ من الفانوس، يطلّ عبد العزيز الشهري بشخصيّة «علي هوجن» الفريدة بغرابتها وظُرفها. لا شيء فيه يوحي بأنه قادر على تحقيق الأماني. يدّعي أنه مدير أعمال أهمّ المصارعين، وبأنّه سيأخذ على عاتقه نثر الورود على درب سعد. غير أنّ غرفته خرابة، وصوره مع المصارعين مركّبة ومزيّفة، ومن الواضح أنه غارقٌ في مشاكل مادّية كبيرة.

لكن انتظروا حتى يصطحبكم إلى «الحفرة» أو العالم السفلي المتخفّي تحت ورشة للسيارات، وإلى مجتمعٍ موازٍ من المصارعين. في هذه الدائرة المشبوهة حيث تزدهر الرهانات غير الشرعية، يتحوّل سعد إلى «سطّار» ويخترع له «هوجن» هنداماً جديداً وقناعاً يخفي ملامح المصارع المهزوم الذي سخر منه الجميع.

عبد العزيز الشهري بدور هوجن- مدير أعمال سطّار (نتفليكس)

معنى كلمة «سطّار» هو «الكفّ المخمّس»، لكن بين سطّار المستحدث والقبضة الحديديّة سنواتٌ ضوئيّة تستدعي إخضاعه لتدريباتٍ قاسية على يد المصارع الباكستاني «عبد الخالق»، والذي يؤدّي دوره إبراهيم الخيرالله. يحمل عبد الخالق الاحتراف لسطّار، ومعه مفاجآتٍ كثيرة تأخذه إلى نهائيات بطولة «الحفرة» وأبعد...

انتصار الحبّ

رغم سيطرة «الآكشن» والتشويق والكوميديا، يفرد الفيلم مساحةً للرومانسيّة من خلال العلاقة التي تجمع سطّار بخطيبته «فلوة»، والتي تؤدّي دورها الممثلة السعوديّة الصاعدة شهد القفاري. تضفي هذه القصة اللطيفة رغم تعقيداتها إنسانيةً على الفيلم.

ترضخ فلوة لمشيئة أمّها رغم تعلّقها الشديد بخطيبها فتنفصل عنه، غير أنّ الحب ينتصر؛ وفي مشهدٍ مؤثّر يتردّد صوت الحبيبة في أذني سطّار وهو على الحلبة... «ما راح انساك يا حبيبي وادعمك من كل قلبي. الله يوفقك ونشوفك أكبر مصارع».

الممثلة شهد القفاري في تجربتها السينمائية الأولى بدور فلوة (إنستغرام)

«شيلة سطّار»

من أولى لقطات الفيلم، يتّضح أن التقنيات المستخدمة في تصويره هي على قدرٍ عالٍ من الحداثة والتطوّر، من دون أن يطغى هذا الأمر على البساطة التي تميّز الصورة. إضافةً إلى ذلك، يبدو واضحاً الجهدُ التدريبيّ الذي بُذل مع الممثلين، لا سيّما مع إبراهيم الحجّاج. فقد خضع الأخير وزملاؤه لدورةٍ تدريبيّة محترفة في المصارعة امتدّت 4 أشهر، على يد فريق سعوديّ متخصّص في تلك الرياضة.

في «سطّار» ليست الموسيقى التصويريّة عنصراً مكمّلاً، بل هي جزء أساسي من العمل السينمائي. خرج الفيلم بألبوم متكامل (Original Soundtrack) يضمّ 8 أغنيات تتنوّع ما بين الراب، والهيب هوب، والفولكلور السعودي ومن ضمنه الشيلات، إضافةً إلى النغمات الهنديّة والباكستانيّة. وتبقى «شيلة سطّار» علامة حماسيّة فارقة في الفيلم.


مقالات ذات صلة

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

يوميات الشرق مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

مغامرة «Peaky Blinders» في العرض الأخير: فيلم من بطولة كيليان مورفي على «نتفليكس».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق آل كينيدي يحتفلون بعيد ميلاد جوزيف كينيدي الأب في سبتمبر 1963 (مكتبة جون كينيدي)

لعنة آل كينيدي وأسرارهم من الأجداد إلى الأحفاد... قريباً على «نتفليكس»

تصوّر «نتفليكس» حالياً الموسم الأول من مسلسل «كينيدي» الذي يروي سيرة إحدى أكثر العائلات إثارةً للفضول والجدل. وعلى غرار «ذا كراون» يمتدّ المسلسل على مواسم عدة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)

للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

وكأنّ سيناريو «بريدجرتون 4» كُتبَ للحالمين حصراً، لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الحب الحقيقي قادرٌ على تحطيم القيود التي كبّله بها المنطق والمجتمع.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثل إريك داين (يسار) وبراد فالتشوك في إحدى حلقات سلسلة «الكلمات الأخيرة الشهيرة» (أ.ب)

«نتفليكس» تبث مقابلة للممثل الأميركي إريك داين يخاطب فيها ابنتيه قبل وفاته

خاطب الممثل الأميركي إريك داين ابنتيه بكلمات مؤثرة في مقابلة ضمن سلسلة وثائقية على منصة «نتفليكس» للترفيه، والبث المباشر، وذلك قبل وفاته بأشهر قليلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.