سير ذاتية عربية من خمسينات القرن الـ20 حتى الألفية الجديدة

تحية عبد الناصر تردها إلى أصولها في التراث العربي واختلاطها بأجناس أخرى

طه حسين
طه حسين
TT

سير ذاتية عربية من خمسينات القرن الـ20 حتى الألفية الجديدة

طه حسين
طه حسين

طه حسين، لطيفة الزيات، إدوارد سعيد، آسيا جبار، صنع الله إبراهيم، محمود درويش، عالية ممدوح، مريد البرغوثي، نجلاء سعيد، رضوى عاشور، منى برنس... أدباء وأديبات من مصر والجزائر وفلسطين والعراق كتبوا جميعاً سيَرهم الذاتية على نحو يراوح بين التسجيل الوثائقي والثوب القصصي. وهم في ذلك امتداد لأعمال من الماضي القريب ومن التراث العربي سجلت، عبر القرون، خبرات مؤلفيها والتحامهم بعصرهم وعلاقاتهم برجاله ونسائه.

الأدباء المذكورون أعلاه موضوع كتاب باللغة الإنجليزية عنوانه «السيرة الذاتية الأدبية والنضال القومي العربي» من تأليف الدكتورة تحية عبد الناصر، حفيدة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وأستاذ مساعد الأدب الإنجليزي والمقارن بالجامعة الأميركية في القاهرة، ومؤلفة كتاب «الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية» الذي استعرضناه في هذه الصفحة في 6 فبراير(شباط) 2023.

مريد البرغوثي

ترد المؤلفة فن السيرة الذاتية إلى أصوله في التراث العربي واختلاطه بأجناس أدبية أخرى كالسير وكتب الرحلات وكتب الدين والأخبار والسجلات ومعاجم الأدباء (ترد هنا على الذاكرة أسماء الغزالي، وأسامة بن منقذ، وابن جبير، والمقدسي، وغيرهم). ويغطي كتابها الفترة ما بين النصف الثاني من القرن العشرين والألفية الجديدة في 3 لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية. ومسارح السير التي تعالجها متعددة: قرى الريف، وصحن الأزهر، والسجن، والجبال التي كان يعتصم بها ثوار الجزائر، وشقة في فلسطين، وشقة محاصرة في بيروت، والقاهرة في عهد الاحتلال البريطاني، ونيويورك، وغرفة مستشفى، وميدان.

أشهر هذه السير الذاتية بلا جدال كتاب «الأيام» بأجزائه الثلاثة للدكتور طه حسين (1889 - 1973) وهو، كما يقول بيير كاكيا، أول كتاب في الأدب العربي الحديث يكتسب اعترافاً دولياً، ويترجم إلى لغات عدة. ونشر الكتاب أولاً مسلسلاً على صفحات مجلة «الهلال»، وفيه يتحدث المؤلف عن نفسه بضمير الغائب. في الجزء الأول نشهد طرفاً من طفولة الصبي الكفيف في صعيد مصر واختلافه إلى كُتّاب القرية وإرساله إلى القاهرة كي يتلقى تعليمه في الأزهر. وفي الجزء الثاني نرى سنوات دراسته في الأزهر وشعوره الحاد بالعزلة وهو يعيش في القاهرة. أما الجزء الثالث (وقد نُشر قبل رحيل المؤلف في أكتوبر 1973 بستة أشهر) فيسجل ارتباطه بالجامعة المصرية وانفتاحه على ثقافة الغرب حين سافر في بعثة دراسية إلى فرنسا ليعد رسالته للدكتوراه في جامعة السوربون ثم يعود إلى مصر أستاذاً للتاريخ القديم، ويثير عواصف في الحياة العقلية بأفكاره ومحاضراته وكتبه مثل «في الشعر الجاهلي» و«مستقبل الثقافة في مصر» وغيرهما.

لطيفة الزيات

ويتكامل ما تقوله تحية عبد الناصر هنا مع كتابات سابقة عن طه حسين، منها الكتاب الرائد (1956) لبيير كاكيا عن الأستاذ العميد وموقعه من النهضة الأدبية المصرية، وكتاب سوزان طه حسين «معك»، وكتاب «العمى والسيرة الذاتية» (1988) للباحثة فدوى ملطى – دوجلاس. وتجتمع هذه الكتابات على رسم صورة متكاملة للفتى النابغ الضرير الذي كان، على حد تعبير لويس عوض، «إمام الثائرين والراشدين معاً».

وتتحدث تحية عبد الناصر عن كتاب «حملة تفتيش: أوراق شخصية» (1992) للروائية وأستاذة الأدب الإنجليزي الدكتورة لطيفة الزيات (1923 - 1996). يسجل القسم الأول من الكتاب ذكريات الزيات مناضلة ضد الاحتلال البريطاني في أربعينات القرن الماضي (وقد سُجنت آنذاك في الإسكندرية عام 1949) ومشاركتها في الحركة الطلابية بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن) عام 1942. أما القسم الثاني فيسجل تجربة سجنها في سجن القناطر عام 1981. ومن الأحداث الأخرى التي يسجلها الكتاب زواجها ثم طلاقها من الدكتور رشاد رشدي الناقد الأدبي والكاتب المسرحي وأستاذ الأدب الإنجليزي، وحرب 1973 مع إسرائيل، ووفاة طه حسين.

ولا نكران لأهمية الدور الذي لعبته لطيفة الزيات في الحياة العامة والجامعية والأدبية، فقد كانت روايتها «الباب المفتوح» (1960) من أهم نماذج أدب المرأة الجديدة الطامحة إلى المشاركة في الحياة العامة والنضال القومي، والخروج من نطاق الاهتمامات النسائية التقليدية. وكانت كتاباتها النقدية بالإنجليزية والعربية (ومنها كتاب جيد عن نجيب محفوظ) ومحاضراتها في الجامعة مؤثراً قوياً في عدد من الكتاب والكاتبات مثل الدكتورة رضوى عاشور الروائية والأستاذة الجامعية أبرز السائرات على دربها. ولكن من المبالغة الغليظة والإسراف أن نقول، كما يقول الدكتور صبري حافظ في الجزء الثاني من كتابه «سرادقات من ورق»، إن كتاب «أوراق شخصية»: «إضافة جديدة لا لعالم لطيفة الزيات وحده وإنما لجنس السيرة الذاتية في الأدب العربي كله لأنه كتاب يغير مفهوم هذا الجنس الأدبي ويبدل بنيته حتى تتواءم مع تاريخ المرأة وتجربتها في عالمنا العربي، وهي تجربة تعاني من التمزق والتفتت وغياب الاستمرارية السببية أو المنطقية».

رواية «حبات النفتالين» (1986) للروائية العراقية عالية ممدوح من الأعمال التي تفردها تحية عبد الناصر بالذكر، وقد ترجمت إلى لغات غربية عدة. وكانت الروائية قد غادرت العراق في 1982 وعاشت متنقلة بين المغرب ولبنان وإنجلترا قبل أن يستقر بها المقام في باريس، و«حبات النفتالين» رواية عن بغداد، بطلتها شابة تدعى هدى، أبوها مأمور سجن في كربلاء، وأمها سورية تعاني من ذات الصدر. وزمن الأحداث هو أربعينات القرن الماضي وخمسيناته في حي الأدهمية ببغداد. إنها رواية أوتوبيوغرافية من نوع روايات تكوين الشخصية وتتبع نموها، فهدى تسجل انطباعاتها عن أسرتها وعن الحياة في مدينتها في منتصف القرن العشرين. والرواية في الوقت ذاته، كما تقول الدكتورة فريال غزول، رواية عن حالة العراق عشية ثورة 1958 التي كانت ثورة على النظام الملكي وعلى سيطرة بريطانيا على مقدرات الوطن. والرواية من هذه الناحية تشبه رواية لطيفة الزيات «الباب المفتوح»، ورواية آسيا جبار «أبناء العالم الجديد»، إذ تشترك الروايات الثلاث في تصوير عالم المرأة في غمرة نضال قومي.

وتتحدث تحية عبد الناصر عن الروائي المصري صنع الله إبراهيم (1937- ) في روايتيه « تلك الرائحة» (1966) و«التلصص» (2007). و«تلك الرائحة» رواية قصيرة (نوفيلا) شبه أوتوبيوغرافية تستخدم تيار الشعور الذي أشاعه الروائي الآيرلندي جيمس جويس. أما «التلصص» فهي رواية عن طفولة المؤلف، تروي قصة صبي وأبيه المسمى خليل بك، وهو ضابط جيش متقاعد. وتستمد الرواية عنوانها من كون الصبي يتلصص على الكبار من حوله مسترقاً السمع أو مختلساً النظر إليهم. إنه يصحب أباه في زيارات للأقارب وإلى المقهى وإلى دكان البقالة. على أن عقل الصغير لا يستطيع أن يفهم كثيراً من الأمور: كيف كانت العلاقة بين أبويه، لماذا أصيبت الأم بانهيار عصبي... إلخ.

هذه إطلالة على عالم الكبار تذكرني (وهذا اجتهاد من جانبي) برواية الروائي أميركي المولد، بريطاني الجنسية هنري جيمس «ما كانت تعرفه ميزي». وبطلتها فتاة صغيرة تكتشف، مثل بطل «التلصص»، تعقيدات العلاقات بين الراشدين من رجال ونساء (لرواية جيمس ترجمة عربية للدكتور نظمي لوقا).

وتحت عنوان «أغنية فلسطين» تكتب تحية عبد الناصر عن الشاعر محمود درويش (1942 - 2008) والشاعر مريد البرغوثي (1944-2021) الأول في كتابه «ذاكرة للنسيان» (1986)، والثاني في كتابيه «رأيت رام الله» (1996) و«ولدت هناك، ولدت هنا» (2009). (أول وثاني هذه الأعمال مترجم إلى الإنجليزية).

أغلق درويش بابه على نفسه في شقته بمدينة باريس لمدة 3 أشهر كي يؤلف كتابه عن بيروت في أغسطس (آب) 1982 وهو تاريخ غزو إسرائيل للعاصمة اللبنانية. كتاب درويش يفتتح درباً جديداً للسيرة الذاتية العربية، إذ هو إطلالة على المشهد التاريخي والسياسي والثقافي، ومزج بين الشعر والسيرة الذاتية. وقد ظهر باللغة العربية تحت عنوان «الزمان: بيروت/ المكان: أغسطس». ويعالج آليات الذاكرة ومفارقات الحلم ولواعج الرغبة.

وفي إلماعة تعكس مقولة ت. س. إليوت «أبريل أقسى الشهور» يكتب درويش: «أغسطس أطول الشهور» كما يردد - إذ يواجه الموت - سؤال هملت «نكون أو لا نكون» وقد حول السؤال من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع.

وفي كتاب «رأيت رام الله» (نقلته الروائية الدكتورة أهداف سويف إلى الإنجليزية) يسجل مريد البرغوثي زيارته لقريته في فلسطين لمدة اثني عشر يوماً بعد غياب ثلاثين عاماً في المنفى. لقد بدأت غربته بعد حرب 1967 وها هو ذا الآن يعود إلى رام الله في 1996. وكتابه مزيج من المذكرات والشذرات الشعرية والحكايات وأدب الرحلات.

لقد شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحالي ازدهاراً لفن السيرة الذاتية والمذكرات والذكريات. وساهم في هذا الفن (إذا اقتصرنا على مصر وحدها) ساسة ورجال دولة، منهم الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة المصري في عهد جمال عبد الناصر، وعلماء منهم الدكتور رشدي سعيد أستاذ الجيولوجيا، وأساتذة جامعيون من مختلف التخصصات: «أوراق العمر» لأستاذ الأدب الإنجليزي لويس عوض، و«سيرة حياتي» لأستاذ الفلسفة عبد الرحمن بدوي، و«معي» لأستاذ الأدب العربي شوقي ضيف، و«الليالي» لطه وادي (أستاذ آخر للأدب العربي أصغر سناً من ضيف)، و«مشيناها خطى» لأستاذ التاريخ رءوف عباس، و«واحات العمر» (وما تلاها) لمحمد عناني (أستاذ آخر للأدب الإنجليزي أصغر سناً من عوض) والقائمة تطول. فلعل واحداً من شباب الباحثين الذين يعملون تحت إشراف المؤلفة في الحقل الجامعي يصرف همه إلى دراسة هؤلاء الكتاب سائراً على الدرب الذي شقته، بكفاءة واقتدار، تحية عبد الناصر في هذا الكتاب. شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحالي ازدهاراً لفن السيرة الذاتية والمذكرات والذكريات



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».