الإيزيديون «سلعة» يتقاذفها «داعش» والمهربون في أسواق {النخاسة}

ناجون لـ {الشرق الأوسط}: لم تسلم حتى العجائز من سياط المتطرفين

ناجية إيزيدية من «داعش» في أحد مخيمات النازحين أمس («الشرق الأوسط»)
ناجية إيزيدية من «داعش» في أحد مخيمات النازحين أمس («الشرق الأوسط»)
TT

الإيزيديون «سلعة» يتقاذفها «داعش» والمهربون في أسواق {النخاسة}

ناجية إيزيدية من «داعش» في أحد مخيمات النازحين أمس («الشرق الأوسط»)
ناجية إيزيدية من «داعش» في أحد مخيمات النازحين أمس («الشرق الأوسط»)

على بعد 15 كيلومترا (غرب مدينة دهوك) في إقليم كردستان، يقع مخيم خانكي الذي يضم الآلاف من الإيزيديين الذين نزحوا الصيف الماضي من مناطقهم الواقعة في سهل نينوى وسنجار غرب الموصل، هربا من جرائم تنظيم داعش، نحو مناطق إقليم كردستان، «الشرق الأوسط» تجولت في المخيم الذي لا تكاد تخلو خيمة فيه من ناجية إيزيدية أو ناجٍ تم إنقاذه خلال مدة عام ونصف العام من تنظيم داعش.
عملية إنقاذ المختطفين الإيزيديين لدى «داعش» ليست سهلة، خصوصا أنها تمر بعدة مراحل لحين إعادتهم إلى أهاليهم، لكن مكتب شؤون الإيزيديين الذي أسسه رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني لهذا الغرض يواصل عمله من أجل إنقاذ العشرات من الإيزيديين يوما، وتمكن هذا المكتب وبحسب إحصائية رسمية لحكومة الإقليم نشرت بداية سبتمبر الحالي، حتى الآن، من تحرير 2129 مواطنا إيزيديا من قبضة التنظيم، بينما تتواصل جهود مكثفة لتحرير الآخرين.
فريال، امرأة إيزيدية تبلغ من العمر 25 عاما، وقعت مع زوجها وأطفالها الثلاثة وأخواتها وعدد من أقاربها بيد تنظيم داعش في قرية قنه التابعة لسنجار، أثناء هجوم التنظيم على قضاء سنجار في بداية أغسطس (آب) من العام الماضي، تم إنقاذها مع أطفالها بعد أن بقيت 11 شهرا لدى التنظيم، بينما مصير زوجها ووالديها وإخوانها وأخواتها وأعمامها وعوائلهم ما زال مجهولا، وهي تعيش حاليا في خيمة مع أهل زوجها.
وتقول فريال وهي متألمة وملامح حزن عميق تظهر على وجهها ما واجهته من متاعب واعتداءات من قبل التنظيم: «بعد أن اختطفنا مسلحو تنظيم داعش، الصيف الماضي في سنجار، فصلوا الرجال عن النساء وتم نقلنا في بادئ الأمر إلى منزل في مدينة الموصل، حيث بقينا فيها لساعات، ومن ثم نُقلنا إلى قضاء تلعفر (غرب الموصل)، مع آلاف الإيزيديين الآخرين، حيث احتجزونا في مدرسة، وبعد بقائنا عدة أيام نقلونا مرة أخرى إلى الموصل وتم احتجازنا في سجن بادوش».
كان التنظيم يعمل على الضغط النفسي ضد الطائفة الإيزيدية ونقلهم كل فترة وأخرى ومن مكان لمكان حتى يتم تخبئتهم، وهنا تقول فريال: «بقينا في سجن بادوش 15 يوما، وتم نقلنا إلى تلعفر مرة ثانية، واحتجزنا في إحدى مدارسه 29 يوما، ثم نقلونا إلى قرية (كسرة المحراب) الواقعة بين سنجار وتلعفر، وبعدها نقلونا إلى قاعة غالاكسي في الموصل، بقينا فيها 20 يوما».
النساء كنّ صيدا ثمينا لرجال «داعش» فيتم بيعهن أو أخذهن للخدمة أو اغتصابهن وفق أجندتهم، أو يتم إهداؤهن لبعض قياديي التنظيم لكسب الولاءات، وتضيف فريال: «تم بيعنا لأحد قادة (داعش) العرب غير العراقيين وكان يدعى (أبو عبد العزيز) بالجملة، ونقلنا إلى مزرعة في محافظة الرقة في سوريا وكان عددنا 122 امرأة وفتاة، وتم تقسيمنا إلى مجموعات مكونة من ستة أفراد، حيث تم بيعي مع خمسة فتيات أُخريات لوالٍ من ولاة (داعش)، الذي أخذنا معه إلى حلب، وفي حلب تم احتجازنا في منزل، حيث أغلق علينا الوالي الباب».
رجال «داعش» يعملون على إهداء النساء لمزيد من كسب الولاءات بين قياديي التنظيم، وإغرائهم بالنساء حيث تم إهداء فريال لأحد قياديي «داعش»، وتقول: «وهبني أبو عبد العزيز أنا وإحدى الفتيات الإيزيديات لأحد أصدقائه الذي كان أيضًا من قادة داعش العرب غير العراقيين، ويدعى أبو سعيد الجزراوي - قُتل فيما بعد في دير الزور - حيث بقيت لديه نحو شهرين وأربعة أيام، ثم أعادني مرة أخرى إلى منزل أبو عبد العزيز وبقيت فيه 18 يوما، ومن ثم تم بيعي لداعشي آخر عراقي الجنسية يدعى أبو علي العراقي، الذي باعني إلى مهرب، بعد أن عُرضنا من التنظيم للبيع في أسواق النخاسة في الرقة مرات عدة».
ولم يسلم الأطفال أو كبار السن من هذا الجحيم، بل يتم بيع الأطفال بأسعار تصل إلى 130 دولارا لكل طفل، أما النساء المسنات فتم بيعهن بثلاثين دولارا لكل مسنة واللاتي لم يسلمن أيضًا من الإذلال وسياط قادة «داعش»، فيما تحتدم المنافسة وترتفع الأسعار كلما كان عمر الفتاة أصغر أو شابة، حيث بيعت الفتيات والنساء الصغيرات في العمر بنحو 100 إلى 120 دولارًا للواحدة منهن.
وتضيف فريال: «مارس تنظيم داعش أنواع الاعتداءات ضدنا، ولم يبق شيء لم يجربه معنا، كانوا يعطون الأطفال الرضع نوعا من الدواء من خلال الماء يمنعهم من شرب الحليب لعدم توفر الحليب».
وتابعت فريال: «باعني القيادي في داعش (أبو علي العراقي) بـ4500 دولار للمهرب الذي باعني لأهلي بعشرة آلاف وخمسمائة دولار، وكلفت عملية تحريري مع أطفالي الثلاثة عشرين ألف دولار، حيث نقلنا من حلب إلى الرقة ومن الرقة إلى دير الزور ومنها إلى تركيا مشيا على الأقدام ومن ثم دخلنا إقليم كردستان».
بدوره، قال والد زوجها إن مكتب شؤون الإيزيديين الذي يدعمه رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني شخصيا هو الذي تحمل جميع تكاليف إنقاذ فريال وأطفالها، مبينا في الوقت ذاته أن هذا المكتب يدفع تكاليف إنقاذ كل الإيزيديين الذين يتم تحريرهم من «داعش»، كاشفا في الوقت ذاته أنه يواصل تقصي الأنباء والمعلومات عن ما تبقى من عائلة لدى داعش ليتم إنقاذهم مستقبلا.
وأثناء تجوال «الشرق الأوسط» في المخيم، وجدنا صبيا إيزيديا عرف لنا اسمه بـ«سيروان» لم يبلغ بعد الثالثة عشرة من عمره، تم إنقاذه مع إخوته الثلاثة وأربعة أفراد آخرين من عائلته من «داعش»، لكنه فقد والديه، سيروان أصيب بتوتر نفسي وحالة خوف مزمنة جراء ما شاهده من أساليب لا إنسانية من قبل التنظيم، وأضاف سيروان بالقول: «احتجزونا في بادئ الأمر في سنجار، وبعد تعرض مقارهم في سنجار لقصف مكثف من قبل طيران التحالف الدولي، اضطروا إلى نقلنا إلى مجمع دوغري (أحد المجمعات التابعة لسنجار)، ومنها نقلونا إلى تلعفر».
ويضيف الطفل: «في تلعفر احتجزونا في قاعات المدارس، حيث بدأوا بأخذ الصبية بالقوة إلى معسكرات التدريب الخاصة بالأطفال التي فتحها التنظيم لتدريبهم على تنفيذ العمليات الإرهابية، إلا أنني استطعت أن أُخبئ نفسي لساعات طويل في إحدى دورات المياه لحين انتهاء حملة أخذ الصبيان، بعد ذلك تعرضت هذه المنطقة لقصف جوي، فاضطر التنظيم إلى أن ينقلنا إلى سجن بادوش في الموصل».
الطفل كان محظوظا بالهرب من رجال تنظيم داعش بعد أن خبأته إحدى النساء يقول: «خبأتني زوجة عمي مع الفتيات لكي لا يأخذني التنظيم لمعسكراته، وبعد ذلك نقلنا التنظيم مرة أخرى إلى تلعفر حيث كانوا يضربوننا ضربا مبرحا وكانوا يسحلون النساء والفتيات الواحد تلو الأخرى إلى الخارج ويمزقن ملابسهن».
ويضيف الطفل سيروان إن التنظيم نقلهم فيما بعد إلى الرقة وحلب في سوريا، حيث تم بيعه هناك واشتراه رجل سوري مع ثلاثة من إخوته وزوجة عمه وأطفالها، وباعهم إلى أحد المهربين الذي اتصل بعمه الموجود في دهوك وطلب مقابل إنقاذهم مبلغ 35 ألف دولار، وبالفعل تم الاتفاق على المبلغ فنقلهم المهرب من سوريا إلى تركيا ومنها إلى إقليم كردستان.
بدوره قال شرف خلف، الذي يعمل معاونا للطبيب في المركز الصحي داخل المخيم: «الحالات النفسية للناجين والناجيات صعبة جدا، البعض منها معقدة، بسبب ما تعرضوا له من انتهاكات واعتداءات من قبل التنظيم، لدينا طبيب مختص بالأمراض النفسية داخل المخيم، حيث يواصل معالجتهم ومساعدتهم للخروج مما يعانون منه، نحن نطالب من المجتمع الدولي دعم حكومة الإقليم في مجال مساعدة النازحين خاصة في معالجة الناجيات الإيزيديات والعمل على إعادتهن إلى المجتمع، فما حدث للإيزيديين على يد (داعش) إبادة جماعية، وهي تعتبر كارثة القرن».
وشن تنظيم داعش في بداية أغسطس من العام الماضي 2014 هجوما موسعا على قضاء سنجار والمناطق ذات الغالبية الإيزيدية (غرب الموصل) ومناطق سهل نينوى المعروفة بموطن الأقليات الدينية في العراق، وقتل التنظيم الآلاف من الرجال والشباب الإيزيديين وسبى نساءهم وفتياتهم وأطفالهم، وباعهم التنظيم فيما بعد في أسواق النخاسة التي فتحها لهذا الغرض في مدينتي الموصل وفلوجة العراقيتين والرقة في السورية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.