بات من شبه المؤكد أن الحرب في أوكرانيا تتجه للتحول إلى حرب استنزاف طويلة، بعد تضارب التوقعات عن الهجوم المضاد الذي عولت عليه أوكرانيا نفسها، وليس فقط حلفاؤها الغربيون. بيد أن هذه النتيجة تخاطر بإرهاق صبر الحلفاء في ظل رأي عام بات يتساءل عمّا إذا كان بالإمكان تحديد موعد حقيقي لإنهاء هذه الحرب، التي قلبت أوضاع القارة الأوروبية رأساً على عقب. كانت التوقعات بشأن هجوم أوكرانيا المضاد مرتفعة للغاية منذ البداية. لكن الحلفاء أنفسهم يتحملون أيضاً المسؤولية عن التقدم البطيء الذي حققته القوات الأوكرانية، منذ إطلاقها الهجوم الذي تأخر أصلاً عن موعده الأولي، من الربيع إلى بداية الصيف.

وبحسب تقرير أميركي في صحيفة «بوليتيكو»، فإن الهجوم المضاد الذي يقترب من إنهاء شهره الثالث، مع عدم وجود أي علامة على حدوث تقدم كبير في التغيير الديناميكي، يشير إلى أن الأمور عادت إلى الوراء. حرب استنزاف تخاطر بإرهاق صبر الحلفاء، وهو أمر لا شك في أن الكرملين يأمل في حصوله. يقول إدوارد لوتواك، الاستراتيجي العسكري الأميركي، إن الحرب الأوكرانية دخلت فترة «المشاهدة والتحمل»، بعدما حاولت قوة عظمى وفشلت في التغلب على دولة خلال أسبوع في فبراير (شباط) العام الماضي، وهي الآن تتموضع لحرب طويلة.
من يتحمل المسؤولية
وفيما يلقي المسؤولون الأوكرانيون باللوم على نظرائهم في الحكومات المتحالفة، في الكثير من التفاؤل المفرط المحيط بالهجوم المضاد، قال التقرير إن وسائل الإعلام الغربية تتحمل أيضاً مسؤولية موازية عن حماسها الخاطئ، على الرغم من المعطيات التي كانت واضحة للعيان. كان رأي المتفائلين هو أن الهجوم المضاد سيكرر ببساطة نجاح الخريف الماضي، عندما حققت أوكرانيا نجاحاً مذهلاً وسريعاً حول خاركيف، حيث انهارت الدفاعات الروسية. لكن الجنود الروس «المحبطين»، لم ينهاروا سريعاً أمام الهجوم المضاد، وبدا أنهم تعلموا سريعاً من أخطائهم. ورغم ذلك، تتحمل كييف نفسها بعض المسؤولية عن التكهن المتفائل بتحقيق اختراق سريع.
فقد أمضى المسؤولون الأوكرانيون، بينهم رئيس مديرية الاستخبارات الأوكرانية، معظم فصل الربيع قبل بدء الهجوم المضاد، بالحديث بثقة كبيرة عن «المعركة الحاسمة»، متجاهلين مناشدات وزارة الخارجية الأوكرانية تخفيق تلك التوقعات. ورغم بذل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جهوداً كبيرة لتحقيق توازن صعب في هذه المعادلة، مستبعداً توجيه ضربة حاسمة، لتعزيز ثقة الغرب والحفاظ على تدفق المعدات والأسلحة، مع تخفيف التوقعات، فإن الأوان كان قد فات.

كان هناك فهم خاطئ عن قدرة الجيش الروسي في التعلم بسرعة من أخطائه وتصحيح مساره، على الرغم من أن تحليلات عسكرية عدة أوضحت بشكل مفصل أدلةً على منحنى التعلم في روسيا، مشيرة إلى تغييرات أساسية في تكتيكات سلاح المشاة، وتحسين استهداف المدفعية، مما سمح بضرب الأهداف الأوكرانية في غضون دقائق من اكتشافها. وسلطت تلك التحليلات الضوء أيضاً على تغييرات أخرى، بما في ذلك، «السرعة التي يحفر بها المشاة الروس خنادقهم، والنطاق الذي يحسنون به مواقعهم القتالية». كانت تكتيكات الدروع الروسية تتغير أيضاً، حيث بدأوا في استخدام الدبابات لتقديم قوة نيران داعمة لوحدات المشاة من مسافات آمنة، بدلاً من حشدها لهجمات الصدمة والرعب الفاشلة، واستخدام التمويه الحراري لإخفائهم.

تكتيكات روسية جديدة
يقول، جاك واتلينغ ونيك رينولدز، وهما اثنان من كبار المحللين العسكريين، في معهد «رويال يونايتد»، هناك تكتيك آخر شائع؛ «ينسحب الروس من موقع يتعرض للهجوم ثم يشبعونه بالنار بمجرد محاولة القوات الأوكرانية احتلاله». هذا التكتيك، جنباً إلى جنب مع كتيبة من الخطوط الدفاعية الكثيفة، والقوات التي وضعتها روسيا في الجنوب، منطقة تركيز الهجوم المضاد، هو ما يعيق أوكرانيا الآن.
أمام هذا الواقع الميداني، بات على القوات الأوكرانية الآن أن تتعامل مع طبقات فوق طبقات، من الألغام المتنوعة المضادة للأفراد والمضادة للدروع في الجبهات الأساسية، في الجنوب والشرق، بما في ذلك المتفجرات شديدة الانفجار والقنابل العنقودية التي يمكن أن تتناثر بالآلاف بواسطة مدافع الهاون والمروحيات والطائرات، دون أن تنفجر رغم اصطدامها بالأرض. ويمكن أن يصل عمق حقول الألغام هذه إلى 16 كيلومتراً، ويمكن تجديدها بسهولة حتى عندما يقوم خبراء المتفجرات الأوكرانيون بتفكيكها. وبحسب بعض التقديرات، فإن الأراضي الأوكرانية التي احتلتها روسيا والتي تبلغ مساحتها ضعف مساحة البرتغال، قد تم تلغيمها بشدة، وأحياناً ما يصل إلى نصف دزينة من الألغام لكل متر مربع.
ومع تضاؤل الوقت أمام أوكرانيا لاختراق الخطوط الدفاعية الروسية، التي يبلغ عمقها في بعض الأماكن 30 كيلومتراً، والاستفادة بشكل كامل من أي اختراق كبير قبل تغير الطقس في غضون شهرين، بدا أن أسابيع من القتال لم تؤد إلّا إلى قطع بضع كيلومترات في أماكن رئيسية. وشهدت المرحلة الأولى من الهجوم المضاد خسائر كبيرة في الدروع الغربية، ولم تحقق المرحلة الثانية من استخدام المشاة لمحاولة إيجاد طرق للاختراق نجاحاً كبيراً أيضاً. وكل ما استطاعت أوكرانيا القيام به هو التقدم بضع سنتيمترات للأمام.

إلى الربيع المقبل
ومع استبعاد حصول أوكرانيا على الصواريخ بعيدة المدى، وطائرات «إف - 16» القتالية، والتي تتهم كييف الغرب بعرقلة وتأخير تسليمها، وعدم جهوزية الطيارين الأوكرانيين قبل الربيع المقبل، ومع عدم وجود علامات واضحة على حدوث تقدم، يبدو أن الوقت قد حان للاستعداد لموسم قتالي جديد في الربيع المقبل، في حال لم يتحقق النجاح قريباً.
ولكن إذا كانت الحسابات السياسية صعبة هذا العام، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، فسيكون الوضع أصعب عندما تدخل تلك الانتخابات مرحلتها المتقدمة العام المقبل، في ظل الضبابية المحيطة بحظوظ الجمهوريين والديمقراطيين، ما قد يصرف انتباه الإدارة، ويجعل من الصعب إقناع الكونغرس بمواصلة الموافقة على تقديم المساعدات الأمنية والاقتصادية التي تحتاج إليها أوكرانيا. ويعتقد البعض بأن الأمر لا يتعلق بقدرة أوكرانيا على المثابرة والصمود؛ لأنه ليس أمامها خيار آخر، بل بما إذا كان الغرب لديه القدرة على التحمل والإرادة للفوز.

