كيف تبدو حياة الجاسوس بعد كشفه؟

تقرير... التجسس يحمل مخاطر كبيرة لكن ليس جميع الجواسيس يقبعون في السجن

رجل يقف في الظلام مرتدياً قبعة فيدورا ومعطفاً... شخصية على غرار فيلم نوير من خمسينات القرن العشرين (شاترستوك)
رجل يقف في الظلام مرتدياً قبعة فيدورا ومعطفاً... شخصية على غرار فيلم نوير من خمسينات القرن العشرين (شاترستوك)
TT

كيف تبدو حياة الجاسوس بعد كشفه؟

رجل يقف في الظلام مرتدياً قبعة فيدورا ومعطفاً... شخصية على غرار فيلم نوير من خمسينات القرن العشرين (شاترستوك)
رجل يقف في الظلام مرتدياً قبعة فيدورا ومعطفاً... شخصية على غرار فيلم نوير من خمسينات القرن العشرين (شاترستوك)

مع عودة التجسس إلى عناوين الأخبار بعد توجيه تهمة لثلاثة مواطنين بلغاريين في المملكة المتحدة في إطار تحقيق في حلقة اشتباه في تجسس روسي، تلقي مجلة «بوليتيكو» نظرة على كيفية التعامل مع الجواسيس بمجرد كشفهم عن هوياتهم، وعن أهمية بعض الجواسيس لبلدانهم، حيث لا يتركون للتعفن في سجن أجنبي بعد القبض عليهم، البعض منهم يتم تبادلهم في صفقة تبادل للجواسيس. وأحياناً يتردد صائدو الجواسيس في التفكير في صفقة لأن الخيانة كانت كبيرة جداً، ويبدو أن عقوبة السجن الطويلة تستحق.

وهناك بعض الجواسيس الذين يُعرفون بالاستهلاكيين، الذين يحتلون مناصب منخفضة جداً لدرجة أن معالجيهم لا يهتمون بما يحدث لهم بمجرد أن يتم فضحهم، ويُعدون غير مهمين بما يكفي للنظر في صفقة تبادل جواسيس.

حياة ساحرة

المضيفة التلفزيونية آنا تشابمان في حفل افتتاح السجادة الحمراء لمهرجان موسكو السينمائي الدولي (شاترستوك)

بالنسبة لماريا بوتينا - المعروفة أيضاً باسم آنا تشابمان- العميلة الروسية السابقة، والتي لفتت ألوان شعرها اللامعة انتباه الصحف الأميركية والبريطانية، كانت الحياة بعد التجسس مربحة ومليئة بعروض الأزياء والتلفزيون وفرص الأعمال.

تم تبادل بوتينا، التي اتخذت لقبها من شخص بريطاني تزوجته لفترة قصيرة، وتم استقبالها بحفاوة عند عودتها إلى وطنها بعد أن تمت صفقة تبادلها قبل أكثر من عقد من الزمان، في أكبر صفقة تبادل جواسيس منذ نهاية الحرب الباردة. أفرجت فيها الولايات المتحدة عن 10 روس، بما في ذلك بوتينا، وسلمت الكرملين سيرغي سكريبال، ضابط المخابرات الروسي المدان بالتجسس لصالح بريطانيا، بالإضافة إلى 3 أشخاص آخرين.

التقت بوتينا وزملاؤها العملاء النائمون مع فلاديمير بوتين عند وصولهم، وغنوا معاً أغاني وطنية. وتم منح العديد منهم وظائف استشارية مدفوعة الأجر في الشركات الحكومية، ولكن حققت بوتينا نجاحاً كبيراً مع رغبة الكرملين في ترويجها كـ«فتاة جيمس بوند» للرئيس الروسي. وتم تعيينها في البداية مستشارةً للرئيس التنفيذي لمصرف روسي. ومنذ ذلك الحين، كانت عضواً في الدوما، وعارضة أزياء على منصة الأزياء، ومصممة أزياء، ومقدمة برامج تلفزيونية، ورائدة أعمال.

أما أندريه بيزروكوف، المعروف في الولايات المتحدة باسم دونالد هيثفيلد، الذي عاد أيضاً في الصفقة نفسها، فقد أعاد ابتكار نفسه أكاديمياً في جامعة الشؤون الدولية في موسكو.

الشوق للوطن

بحسب المجلة، تمكن 3 من الخمسة المشهورين بلقب «كامبريدج5»، كيم فيلبي وجاي برغس ودونالد ماكلين، من الهرب والفرار إلى موسكو. أدوارهم بوصفهم عملاء مزدوجين ما زالت تطارد المخابرات البريطانية، كان الثلاثة من الطبقة العليا في بريطانيا، وكان الرجال يُعدّون جديرين بالثقة تماماً.

لقد تسببوا في أضرار عميقة ودائمة لأجهزة المخابرات البريطانية، حيث سلموا الآلاف من الوثائق السرية إلى الروس، وحذروا من المنشقين الروس المحتملين، وخذلوا العاملين لصالح البريطانيين والأميركيين وراء الستار الحديدي.

لم يعش أي منهم حياة ساحرة في الاتحاد السوفياتي الباهت. شعر فيلبي بالإحباط لأن المخابرات السوفياتية «كي جي بي» لم تكن تثق به لسنوات عديدة ولم يتم تشغيله. وفي السنوات القليلة الأولى كان محتجزاً رهن الإقامة الجبرية. وكشف ميخائيل ليوبيموف، أقرب معارفه في المخابرات السوفياتية، الذي كان يدير محطات «كي جي بي» في بريطانيا والدنمارك خلال الحرب الباردة، عن أن الروس كانوا يخشون أن يفر فيلبي عائداً إلى بريطانيا، بسبب الملل والحنين إلى الوطن.

ربما لم يكن هذا الخوف خاطئاً، اشتاق فيلبي إلى لعبة الكريكيت، وزيارة متاجر لندن الفاخرة. لاحقاً، حصل على دور ثانوي في تدريب مجندي «كي جي بي» وسمح له بكتابة كتاب مذكرات مراقب. برغس وماكلين عانيا أيضاً في التكيف مع الحياة في الاتحاد السوفياتي. أصبحت حياة برغس المنهكة بالكحول أكثر فوضى. ماكلين كان أكثر انضباطاً واندمج في الاتحاد السوفياتي، حيث عمل خبيراً في السياسة الاقتصادية للغرب والشؤون الخارجية البريطانية. لكنه أيضاً انغمس في شرب الكحول بكثافة، وتركته زوجته ميليندا لفترة قصيرة من أجل فيلبي قبل أن تعود إلى الغرب.

المُهملون

يقضي حارس الأمن في السفارة البريطانية ديفيد بالانتاين سميث، من منطقة بيزلي في أسكوتلندا، حكماً بالسجن لمدة 13 عاماً بعد إدانته بالتجسس لصالح روسيا. قام بنسخ وثائق سرية وجدها في خزائن الملفات المفتوحة وعلى المكاتب في السفارة في برلين حيث كان يعمل.

 

ترك في السجن

تم اعتقال كل من ألدريتش آيمز من وكالة الاستخبارات المركزية، وروبرت هانسن، جاسوس مكتب التحقيقات الفيدرالي، في التسعينات من القرن الماضي.

تجسس هانسن لصالح خدمات المخابرات الروسية من عام 1979 حتى عام 2001، ووصف خيانته من قبل المدعين العامين بأنها ربما تعد أسوأ كارثة استخباراتية في تاريخ الولايات المتحدة. باع الآلاف من الوثائق السرية حول الاستراتيجيات النووية الأميركية، وتطورات التكنولوجيا العسكرية، وبرامج الاستخبارات الأميركية.

قدم آيمز أسماء وكلاء الـ«كي جي بي» الذين يعملون سراً لصالح واشنطن والذين تم إعدامهم عند كشفهم. وهناك بعض الأقاويل عن إمكانية تضمينهم في صفقة تبادل جواسيس، ولكن الروس لم يحتجزوا أي جواسيس من نفس الجودة لتبادلهم، بالإضافة إلى أن خيانتهم كانت بشكل مقيت بالنسبة لوكالات الاستخبارات الأميركية، ولم يستحقوا التبادل.

تم احتجاز هانسن في سجن أمني مشدد في كولورادو، حيث أمضى 23 ساعة في اليوم عزلاً، منذ عام 2002 وحتى وفاته في يونيو (حزيران) من هذا العام عن عمر يناهز 79 عاماً.

وآيمز، الذي يبلغ من العمر الآن 82 عاماً، يقضي حكم السجن مدى الحياة في سجن أمني متوسط في ولاية إنديانا.

إنه لغز

وفي ختام التقرير، تقول المجلة الأميركية إنه لا يتم القبض على الجواسيس، حيث ظهر الرجلان الروسيان في تنفيذ عمليات التسمم في سالزبري عام 2018 على التلفزيون الرسمي الروسي بعد تحديد هويتهما بوصفهما مشتبهاً بهما. وزعما أنهما كانا يزوران المدينة الإنجليزية سُياحاً لرؤية كاتدرائية. وقالت هيئة الإذاعة البريطانية في تقرير في عام 2021 إنهما لم يظهرا منذ ذلك الحين.

 

 


مقالات ذات صلة

لماذا غرينلاند ذات أهمية استراتيجية لأمن القطب الشمالي؟

العالم قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب) play-circle

لماذا غرينلاند ذات أهمية استراتيجية لأمن القطب الشمالي؟

يجعل موقع غرينلاند، فوق الدائرة القطبية الشمالية، أكبر جزيرة في العالم عنصراً أساسياً في الاستراتيجيات الأمنية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا نظام الدفاع الصاروخي الباليستي «آرو3» خلال سلسلة اختبارات اعتراض حية أميركية - إسرائيلية فوق ألاسكا بالولايات المتحدة (رويترز - أرشيفية) play-circle

الجيش الألماني يفشل في اعتراض مسيّرات حلقت فوق منظومة «آرو 3» الإسرائيلية

أبرزت وثيقة داخلية للجيش الألماني أنه أخفق في اعتراض طائرات مسيّرة عبر نظام الدفاع الجوي «آرو3».

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ روبيو يصل إلى الكونغرس لعقد إحاطة سرية مع المشرعين حول فنزويلا في 5 يناير 2026 (أ.ف.ب) play-circle

إدارة ترمب تطالب فنزويلا بطرد جواسيس روسيا والصين وكوبا وإيران

ضغطت إدارة الرئيس دونالد ترمب على فنزويلا لطرد جواسيس الصين وروسيا وكوبا وإيران وأرسلت روسيا والصين قطعاً حربية لحماية ناقلات نفط تعمل لمصلحتهما 

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية شهدت ⁠عمليات إعدام الإيرانيين المدانين بالتجسس لصالح إسرائيل ارتفاعا ملحوظا في الآونة الأخيرة (أرشيفية)

إيران تعدم متهما بالتجسس لصالح إسرائيل

ذكرت وكالة ميزان التابعة للسلطة القضائية في إيران، اليوم الأربعاء، أن طهران أعدمت رجلا متهما بالتجسس لصالح ‌إسرائيل، وقالت إن ‌المتهم ‌هو ⁠علي أردستاني.

«الشرق الأوسط» (طهران)
أوروبا الباحث الفرنسي لوران فيناتييه المسجون في روسيا (أ.ب)

موسكو تعلن تقديم «اقتراح» لباريس بشأن باحث فرنسي سجين

أعلنت موسكو أنها قدمت لباريس اقتراحاً بشأن الباحث الفرنسي لوران فيناتييه المسجون في روسيا منذ يونيو (حزيران) 2024 الذي يواجه احتمال المحاكمة بتهمة التجسس.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.