جان زيغلير: الجوع هو أحد أسلحة الدمار الشامل

الفيلسوف السويسري يهاجم الغرب والعولمة الرأسمالية

جان زيغلير
جان زيغلير
TT

جان زيغلير: الجوع هو أحد أسلحة الدمار الشامل

جان زيغلير
جان زيغلير

يعد جان زيغلير (المولود عام 1934) أحد المفكرين ذوي الضمائر الكبرى في عصرنا. وهو فيلسوف ومسؤول سياسي ونائب سويسري في آن معاً. كما أنه موظف عالمي كبير لأنه كان مقرر الأمم المتحدة لشؤون التغذية في العالم لمدة ثماني سنوات (2000-2008). وهو الآن نائب رئيس اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وكان قد نشر سابقاً عدة كتب لافتة للانتباه. نذكر من بينها: «الكتاب الأسود للرأسمالية»، «الجوع في العالم مشروحاً لابني»، «أسياد العالم الجدد وأولئك الذين يقاومونهم»، «إمبراطورية العار» (أي إمبراطورية الرأسمالية الغربية والشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات التي تجوع سكان الجنوب وترهق دولهم بالديون وتركعهم تركيعاً)، و«حق الإنسان في التغذية»، و«لماذا يكره الآخرون الغرب؟»، و«أسلحة الدمار الشامل: جغرافية الجوع في العالم»، ثم «الرأسمالية مشروحة لطفلتي الصغيرة»، إلخ... مجموعة كتب أساسية تفضح حقيقة الرأسمالية المتوحشة وتشرح خريطة الجوع المجرم الذي يفتك بالعالم حالياً.

يقول لنا المؤلف إن هناك نظريتين متعاكستين عن الرأسمالية: نظرية المؤرخ الهولندي الشهير روتجير بريغمان ونظريته هو. فالمؤرخ الهولندي يدافع عن الرأسمالية قائلاً ما معناه: طيلة 99 بالمائة من تاريخ العالم كان 99 بالمائة من البشر فقراء مدقعين، جائعين، وسخين، أغبياء، قبيحين، مريضين... ولكن كل شيء تغير خلال القرنين الماضيين مع صعود الرأسمالية. فقد أصبح عدة مليارات من البشر بفضلها أغنياء، مرفهين طعاماً وملبساً، نظيفين، آمنين، وأحياناً جميلين!.. بل وحتى أولئك الذين ندعوهم بالفقراء أصبحوا يأكلون ويشربون ما يسد الرمق وما عادوا يموتون جوعاً. وهذا يعني أن النظام الرأسمالي هو أفضل نظام اقتصادي عرفه تاريخ العالم. لم يؤمن للبشرية فقط رفاهية العيش وإنما أمن لها أيضاً الحرية والليبرالية.

غلاف «الرأسمالية مشروحة لطفلتي الصغيرة»

كم هو عدد الذين يموتون جوعاً في العالم حالياً؟

لكن جان زيغلير يرد عليه قائلاً: هذه النظرية خاطئة تماماً، وذلك لأن العكس هو الذي حصل في ظل الرأسمالية. وأنا أقول بأن النظام الرأسمالي مسؤول عن جرائم لا حصر لها ولا عد. ففي كل خمس ثوان يموت طفل ما قبل العاشرة من الجوع. قلت كل خمس ثوان وليس كل خمس دقائق أو خمس ساعات. كل عام يموت ثلاثة ملايين ونصف المليون طفل جوعاً، أي بمعدل عشرة آلاف كل يوم. وكل أربع دقائق يعمى شخص ما بسبب انعدام فيتامين أ. وكل عام يموت ثلاثون مليون شخص من الجوع. ومئات الملايين الآخرين يعيشون على حافة الجوع: أي يعانون من سوء التغذية وقلتها. وكل ذلك يحصل في وقت لم تكن فيه البشرية مكتظة بالثروات مثلما هي عليه اليوم. هنا تكمن جريمة الرأسمالية الغربية أو العولمة الرأسمالية سمها ما شئت. فالمنظمة العالمية للتغذية قالت لنا بالحرف الواحد: ثروات العالم تستطيع حالياً أن تطعم 12 مليار شخص بكل سهولة. وبما أن عدد سكان العالم حالياً أقل من 8 مليارات آدمي فنحن نطرح على قادة العولمة الرأسمالية والشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات السؤال التالي: لماذا تموت الملايين جوعاً، بخاصة في بلدان الجنوب؟ من المسؤول عن هذه الجريمة النكراء؟ لهذا السبب رفعنا الشعارات التالية: الجوع هو أكبر فضيحة في عصرنا. الجوع هو أحد أسلحة الدمار الشامل الكبرى التي لا يتحدث عنها أحد. الجوع جريمة ضد الإنسانية. والمسؤول عنها هو نظام العولمة الرأسمالية الذي يتحكم بالعالم حالياً. وقادة العالم حالياً هم رؤساء الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات. وهم أشخاص لا هم لهم إلا تراكم الأرباح والرساميل في جيوبهم. ولهم ممثلون مرتزقة يعششون في أوساط منظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. وأنا كشفتهم شخصياً وفضحتهم وأعرفهم بالاسم بحكم تجربتي وموقعي في الأمم المتحدة.

ثم يضيف الفيلسوف السويسري الشهير قائلاً: ينبغي أن يعلم الجميع الحقيقة التالية: هناك أكثر من 8 مليارات شخص على وجه الأرض حالياً: ثلثاهم يعيشون في بلدان الجنوب الفقيرة عموماً قياساً إلى بلدان الشمال الأوروبي – الأميركي المكتظة بالثروات الفاحشة. هناك حوالي الـ5 مليارات شخص يعيشون هناك في الجنوب. من بينهم يعيش مئات الملايين تحت خط الفقر المدقع. إنهم يعيشون في ظروف مرعبة لا تليق حتى بالبهائم. الأمهات خائفات يومياً من عدم القدرة على طبخ أي شيء لأطفالهن. إحدى الأمهات في دولة فقيرة كانت تطبخ البحص وتعلل أطفالها به ساعة بعد ساعة وهي تبكي! وهم ينتظرون الطعام ولا يعرفون أنها تطبخ البحص! وهي تراهن على أنهم سوف ينعسون وينامون في نهاية المطاف. ولكن كيف ينام من هو يتضور جوعاً؟ الجوع كافر. هذه أشياء ينبغي أن تقال حتى ولو كانت تمزقك من الداخل تمزيقاً. شكراً للبروفيسور جان زيغلير وألف شكر. إنه حفيد جان جاك روسو حتماً. وهو على أي حال سويسري مثله. وأما الرجال أو الآباء فلا يجدون عملاً. ولذلك يشعرون بالخجل أمام زوجاتهم وأطفالهم. يشعرون بالخجل والعار لأنهم في حالة بطالة دائمة. يشعرون بأنهم فقدوا كل قيمتهم كرجال... الخلاصة: لقد خلقت الرأسمالية نظاماً حيوانياً مفترساً آكلاً للحوم البشر. فالثروة من حظ سكان الشمال أو أغلبيتهم، وأما البؤس المدقع القاتل فمن حظ الأكثرية العائشة في بلدان الجنوب إلا من رحم ربك..

مدح الرأسمالية بعد ذمها!

على الرغم من كل هذه الحملة الشرسة على الرأسمالية إلا أن فيلسوفنا السويسري يعترف لها بميزة واحدة: وهي أن نظام الإنتاج الرأسمالي هو بدون أدنى شك النمط الأكثر ديناميكية، والأكثر إبداعاً وابتكاراً في تاريخ البشرية. لقد ولدت الرأسمالية طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين عدة ثورات رائعة متتالية كالثورة الصناعية والعلمية والتكنولوجية. وتوجت أخيراً بالثورة المعلوماتية الإلكترونية من إنترنت وسواه. وأمنت هذه الثورات رفاهية حقيقية لأغلبية سكان الشمال، ولكن فقط للطبقات القائدة والعليا في الجنوب. وكل المخترعات الطبية والصيدلية تحققت بفضل الرأسمالية. بل وحتى اكتشاف أجواز الفضاء وأعماق البحار... إلخ. لقد جيشت الرأسمالية المواهب الإبداعية في كل المجالات. كما لعبت على وتر المنافسات والمسابقات بين البشر لكي يعطوا أفضل ما عندهم. وخلق نظام الإنتاج الرأسمالي ثروات هائلة لم تكن تحلم بها البشرية من قبل مجرد حلم. كل هذا صحيح. ولكن المشكلة ليست هنا. المشكلة هي أن هذه الثروات محتكرة من قبل أوليغارشية مصرفية صغيرة (الأوليغارشية تعني حكم القلة أو الأقلية). يضرب الفيلسوف السويسري على ذلك المثل التالي: هناك 500 شركة عالمية عابرة للقارات. وقد سيطرت عام 2017 على أكثر من نصف الإنتاج الخام للبشرية كلها. إن أرباب هذه الشركات العملاقة يتمتعون بسلطة هائلة تفوق سلطة الأباطرة والملوك والبابوات سابقاً. وأمامهم ينحني رؤساء الدول وزعماء العالم. إنهم قادة العولمة الرأسمالية الظافرة والجائرة. لقد أسست هذه الأوليغارشية الرأسمالية المعولمة نظاماً جائراً آكلاً للحوم البشر. ولو كان فيهم ذرة أخلاق أو أدنى نزعة إنسانية لما قبلوا بأن يجوع ويهان ربع سكان العالم تقريباً. وكل ذلك يحصل تحت سمعهم وبصرهم ولكنهم لا يرون ولا يبالون بعد أن ماتت فيهم الأحاسيس والضمائر. إنها رأسمالية باردة صقيعية مفرغة من كل شعور أو حرارة إنسانية. ولا سميع لمن تنادي. وهنا يكمن أكبر نقص في الحضارة الغربية الحالية.

يقول لنا البروفيسور زيغلير: هناك ألف ملياردير في العالم حالياً أو أكثر قليلاً مقابل 25 مليارديراً فقط عام 1991. وهناك من بينهم 8 مليارديرات يمتلكون ثروة هائلة ذات أرقام فلكية. وهي تعادل ثروة 4 مليارات شخص تقريباً. تصوروا الوضع: ثمانية أشخاص مقابل أربعة مليارات شخص! أو بكلمة أخرى: أربعة مليارات آدمي مقابل ثمانية حرامين فقط! كيف يمكن لهذا العالم ألا ينفجر؟ ما حاجة هؤلاء «التماسيح» لكل هذه المليارات؟ هل سيحملونها معهم إلى قبورهم؟ أين هي الفلسفة الأخلاقية؟ أين هي القيم الروحية والمثالية العليا؟ كيف يمكن لحضارة كهذه أن تستمر؟ وأصلاً هل من المعقول والمقبول أن تُدعى حضارة؟ لا حضارة بدون نزعة إنسانية تضامنية تحترم آلام الشعوب وترفض تجويعها حتى الموت!



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً