فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية

تصدر عن «دار الجديد» وفي المكتبات بعد أيام

فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية
TT

فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية

فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية

نهاية الشهر، تظهر في المكتبات الترجمة العربية لرواية الأديب اللبناني الفرنسي سبيل غصوب «بيروت على ضفاف السين»، التي نالت «جائزة غونكور الطلاب»، وهي التي ينالها صاحبها بعد أن تخضع روايات عدة مرشحة للجائزة لتصويت الطلاب. وقد وقع اختيارهم على هذه الرواية التي تحكي قصة عائلة هاجرت إلى فرنسا بسبب الحرب الأهلية في لبنان، لتعيش حياة فرنسية بمذاق لبناني.

الطريف أن النسخة العربية التي صدرت في بيروت عن «دار الجديد» ترجمها عن الفرنسية والد المؤلف قيصر غصوب الذي هو أحد أبطالها. وهو شاعر، ومسرحي، وصحافي وأستاذ لغة عربية، لكنه وجد نفسه أمام مهمة مختلفة تماماً هذه المرة. إنه اختبار نقل نص ابنه الذي يروي قصة حياته شخصياً كمهاجر.

تفتتح الرواية على النحو التالي: سألني أبي: «هل تريد أن أرويَ لكَ قصَّةَ حياتي بالعربيّة أم بالفرنسيّة؟». ثمّ أضاف: «هل تفهمُ العربيّة؟». وقد كان هو معلِّمي مُدَّة ثلاثِ سنواتٍ طوالٍ، وكنتُ أعيشُ في كلِّ أمثولةٍ من أمثولاته جلجلةً لا نهاية لها.

وعلى إثرِ هذا الكلام علَّقتُ زِرَّ التّسجيلِ على قميص بيجامَتِهِ الّتي يرتديها منذ أن كنتُ في الخامسةِ من عمري. بيجامةٌ مرتَّقَةٌ مرّاتٍ عِدَّةً بأناملِ خيّاطين أكرادٍ وعراقيين وكوريِّين؛ بعضهم وضع أيضاً خِرقاً من جلدٍ لسدِّ الثّقوب.

ويعرف القارئ أن للوالد أكثر من دزينة بيجامات، من النسخة نفسها، لكن يأبى أن يلبس غير هذه التي حملها معه من لبنان.

الرواية مليئة بهذه الإشارات الإنسانية التي تتحرى نفسية أم وأب مهاجرين اضطرتهما الظروف مع اندلاع الحرب الأهلية للعيش مؤقتاً في باريس، لكنهما لن يعودا أبداً، وسيبقيان معلقين على خيط الأمل الواهي.

يختلط الخيال بالواقع، فعائلة الكاتب حاضرة بأسمائها الحقيقة، لكن هذا لا يمنع أنه ملأ فراغات الذاكرة، وفجوات الروايات التي قصها عليه الوالدان، بتفاصيل روائية. كما أن الراوي (الابن) تمكن بعد جمع حكايات والديه من الصور والرسائل ومقابلاته معهم، من المزج بين الخاص والعام، حيث تحضر تعقيدات الوضع اللبناني وانقساماته حتى داخل العائلة الواحدة، من خلال قريبين أحدهما يقاتل مع الكتائب اللبنانية ويمقت الفلسطينيين، وآخر يقاتل من أجل تحرير فلسطين.

وهنا مقطع من النص العربي الذي سيظهر في المكتبات بعد أيام.

أبي وأمّي في باريس | 1975

يتصيّد أبي الجرائد من المزابل العامّة بواسطة عصا صنعها من قطعة خشبيَّةٍ وخيطٍ وإبرة خياطة معقوفة. يسرق الكتب من مكتبة «جيلبير جون» «أكثر من 100 كتاب» هذا ما أكّده لي. يحكي لي دائماً الطّرفة نفسها، وهي أنّه تناول مرّة شقعة من الكتب من الرّفوف وخرج دون أن يدفع، فاقترب منه رجل أمن، وربَّتَ كتفه اليمنى: «إلى أين أنت ذاهب؟ اتبعني!».

كان الرّجل طويلًا، أكثر من مترين. مشى أبي خلفه إلى الطّابق الأرضي دون كلمة حيث وجد نفسه في مخفر.

- ماذا كنت تنوي أن تفعل بهذه الكتب؟

- بهذه الكتب؟

- نعم يا سيّد.

- كنت أنوي أن أُرِيَها لزوجتي الواقفة في الجهة الأخرى من الشّارع. هل تعرف أنّ «اختفائي» قد يصيبها بالجنون والحزن، وأنّها ستتصل على الأرجح بالشّرطة وأنتم هنا غبّ الطلب!

- هل تضحك عليّ؟

- لا أبدًا. لنصعد الآن معاً من فضلك.

أمّا أمّي الّتي أضاعت زوجها فطلبت من أحد البائعين أن يناديَ اسمه على المكبّر كأنّه ولد عمره أربع سنوات. كنّا نسمع في المكتبة ما يلي: «السّيّد قيصر غصوب مطلوب على الاستقبال، السّيّد قيصر غصوب!». وحين شاهدتْ أبي بدأت تولول: «أين كنت يا قيصر؟ أين كنت؟ أبحث عنك منذ ساعة!». عندها تمنّى رجل الأمن لو أنّ الأرض تنشقّ وتبلعه. حاول أبي أن يهدّئ من رَوْع أمّي: «اهدئي، أردت أن أُرِيَكِ هذه الكتب في الشّارع فظنّوا أنّني سأسرِقُها». بدأ صراخ أمّي يتعالى أكثر فأكثر إلى درجة أنّ الكتب صارت تتساقط عن الرّفوف: «لا، لا، هل أنتَ مخبول؟! زوجي يسرق؟! ألأنّه يحمل بين كتفيه رأساً عربياً، أو رأساً تركياً حسبما تفكّرون؟! يا عيب الشّوم عليكم! يا عيب الشّوم!». أخذت الكتب من يديْ أبي ورمتها على الأرض: «خذوا كتبكم، لا نريدها! على كلِّ حال نحن نختنِقُ داخل مكتبَتِكم، نختنق! لا يدخلها شعاع نورٍ. لا أفهم كيف يتحمل زوجي أن يبقى فيها ساعات عدّة».

إلى جانب الدّراسات الّتي يتابعها في السّوربون يعمل أبي كثيرًا؛ فهو صحافيٌّ ثقافي في بعض المجلّات العربيّة، كما أنّ جامعة القديس يوسف في بيروت عيّنته في إدارة مركز الأبحاث والدّراسات العربيّة «لو كريا» لتدريس العربيّة للرّاشدين.

ينتقل من شقة إلى شقة، يعلّم الأبجدية لرؤساء الشّركات الفرنسيّة الكبيرة. ألف، باء، تاء، ثاء... وتلاميذه يتعثّرون دائماً بالأحرف ذاتها، ولا يستطيعون أن يلفظوا حرف «الرّاء» دون لدغته الفرنسيّة، ولا أن يتنحنحوا بحرف «الحاء» الّذي يصدر من الحلق.

«بسرعة وجد أبوك عالَمَه، يتحرّك كثيراً، ويلتقي أُناساً كثيرين. أمّا أنا فكنت أشعر بأنّني وحيدة»... سُجّلت والدتي في السّوربون لدراسة الجغرافيا. ولكنّها ووالدي كانا بحاجة لمدخول لدفع إيجار الشّقة مثلاً، ورغم أنّ الأهل يرسلون لهما مبالغ بيد أنّها لا تكفي، لذا أخذت تبحث بحثَ المستميت عن عملٍ.

لم تكن لتفهم خرائط المترو: الخطوط والتّحويلات وقاطع التّذاكر؛ في لبنان تنقّلت دائماً بالسّيارة. أبوها يعيرها سيّارته. كان من أوائل اللّبنانيّين الّذين اشتروا سيارة. رقم لوحتها يثبت ذلك هو «3101». وقد وُضِعت هذه اللّوحة على سيارتي الأولى في لبنان. أذكر أنّني في محطة وقود قرب ضيعة أمّي، اقترب منّي رجل عجوز عند رؤيته رقم اللّوحة «3101» وقال لي: «أنتَ حفيد توفيق؟». ثمّ ضمّني إلى صدره قبل أن أجيبه. كانت موسيقى الستّينات المصرية تصدح من مذياع محطة الوقود. يكفي أن أغمضَ عينيَّ كي أتخيَّل أنّني أسير في مشهد فيلم من أفلام المخرج الألماني ـ التّركي فاتح أكين، حيث تكتنفُ عودة شابٍّ من أبطاله إلى قريته صُدَفٌ سحريّة.

الكلوشار أو صعاليك باريس هو ما شاهدته أمّي للمرّة الأولى في حياتها، ففي لبنان لم يكن جائزاً أن نترك أقرباءنا يتسوّلون. هناك دائماً ابن عمّ أو عمّ أو قريب ليتلقّفَ هذا المسكين ويساعده أو يلجِئَه أو يجدَ له عملاً. حين تخبرني أمّي بهذا اللّبنان، أتحقق كم أنّ البلد الّذي عرفَتْهُ قد تغيّر.

نصادف الآن شحاذين شباباً أو عجائز لبنانيّين أو سوريّين نساءً أو رجالًا في كلِّ ناصية من شوارع بيروت.

أمّي تشتاق إلى أمّها بشكل قاسٍ، اعتادتا الألفة وهذا البعادُ جُلجُلة. فقدَتْ أمّي نجيّتَها، صديقتَها الحميمة، شقيقةَ روحها. تكتب لها رسائل تستهلّها بـ«ماما حبيبتي»، وتستكملُها بعبارات حبٍّ وكلماتٍ بليغةٍ ومؤثّرة. تبكي أمّي يومياً؛ لأنّها تعيشُ بعيدةً عن أهلها وعن بلدها. آخر همّها حياتها الباريسيّة.

صديقاتها في لبنان يكتبن لها: «حظّك كبير لأنّك تعيشين في باريس». كانت تودّ أن تجيبهنّ: «اخرسن، إنكنّ لا تفهمن شيئاً». كلّ ما كانت تتمنّاه هو العودة إلى أحضان أبيها، وإلى دردشاتٍ وقهوةٍ مع أمّها، وأن تستعيد أرضَها وشمسَها وبحرَها. في خيالها، باريس رائعةٌ وجميلةٌ كالأفلام الفرنسيّة القديمة الّتي كانت تشاهدها في بيروت مع أبيها. تشبه باريس فيلماً عنوانه: «يحدث فقط للآخرين» للمخرجة نادين ترنتينيان الّذي شاهدته مرات عدّة في سينما «ألدورادو». كانت تتوقّع أن ترى نساءً ورجالًا أنيقين مثل مارسيللو ماستروياني وكاترين دونوف، وسيارات برّاقة وشوارع نظيفة، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك.

«باريس وسخة يا سبيل والدّليل المترو، منه تفوح رائحة كريهة» أردفت أمّي: «رائحة نتنة إضافة إلى عرق النّاس وهواء المجارير المقيت. هل تعرف ماذا فعلت كي لا تخنقني هذه الرّوائح؟ عطّرت شالي بالياسمين، وثبَّتُّه على أنفي طوال الرّحلة». فكّرتْ أمّي حينئذ بأزهار حقول قريتها بشجيرات الحامض والبرتقال والأفندي في بيتهم قرب بيروت.

تساءلت: من يتحمّل العيش في باريس؟ «هذه ليست بحياة»، سمعتها تردّد.

كانت تعبر المدينة من أقصاها إلى أقصاها لشراء السّمّاق وحبّ الهال والزّعتر. كل هذه التّوابل الّتي كانت تجدها في كلِّ مكان في لبنان، وجدَتها فقط في بقالة «إسرائيل» الواقعة في منطقة لو ماريه بباريس.

ساعة تسديد الفاتورة كانت تشتمهم بالعربيّة: «صهاينة» لا يفهمون ما تتفوّه به.



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».