رمال الصحراء تنافس البحر في ابتلاع المهاجرين الأفارقة

غالبيتهم يأتون إلى ليبيا عبر النيجر والسودان ومصر

مهاجران أنقذهما حرس السواحل الليبي في طرابلس أول من أمس (أ.ف.ب)
مهاجران أنقذهما حرس السواحل الليبي في طرابلس أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

رمال الصحراء تنافس البحر في ابتلاع المهاجرين الأفارقة

مهاجران أنقذهما حرس السواحل الليبي في طرابلس أول من أمس (أ.ف.ب)
مهاجران أنقذهما حرس السواحل الليبي في طرابلس أول من أمس (أ.ف.ب)

رجل أفريقي أسود اسمه جوناثان، منكفئ على وجهه، وقد أعطى ظهره للعالم، مثله مثل الطفل السوري إيلان الذي غرق على ساحل البحر المتوسط قبالة شواطئ تركيا قبل أسبوعين. الفرق بينهما أن جوناثان شاب في العشرينات من عمره، وغرق في بحر الرمال في الصحراء الكبرى داخل ليبيا، في نفس توقيت غرق إيلان أيضا.
كان جوناثان قادما، في رحلة بعضها بالسيارات وبعضها مشيا على الأقدام، من إريتريا إلى السودان، أملا في الوصول إلى أوروبا، ليجتمع شمله، عبر محطات المهاجرين، مع نحو ثلاثين من الأفارقة والعرب، لكن ضياع البوصلة والعطش والجوع، في البيداء القاحلة بين مدينتي طبرق وإمساعد في شرق ليبيا، عجل بسقوطه على الأرض، وانكفأ بوجهه في الرمال الصفراء وذراعاه مبسوطتان إلى جانبيه. ومات معه 11 من زملائه.
ويقول سليمان العبيدي وهو متطوع يعمل في دورية حرس الحدود الليبي، إنه، في البداية جرى العثور على جثث خمسة من الأفارقة. ثم وبتتبع المسار الذي يمكن أن يكونوا قد أتوا منه، إلى الجنوب الشرقي من طبرق في اتجاه بلدة إمساعد، عثرت الدورية على سبع جثث أخرى يبدو أنها تهاوت بأصحابها وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة. هنا، شاب قمحي اللون يرتدي سروال جينز أسود وقميصا أصفر، مشيرا إلى أن معظم غرقى الرمال لم يكن معهم أوراق تثبت هوياتهم.
وهناك اثنان من مجموعة جوناثان فرا إلى مكان مجهول وربما عادا إلى الصحراء خوفا من القبض عليهما. بينما احتجز رجال حرس الحدود 16 هم باقي المجموعة التي أوشكت على الهلاك. وقدم لهم الحرس الإسعافات الأولية، بعد أن عثر عليهم وقد تقطعت بهم السبل ما بين جغبوب وإمساعد، وهي منطقة محاذية للحدود المصرية الليبية من جهة الشمال، وتصل حتى سواحل البحر المتوسط، وهي الوجهة التي لم يتمكن أولئك المهاجرون من الوصول إليها. ومن بين المحتجزين شاب من دارفور يدعى عثمان ماريس.
ويقول ماريس الذي كان رفيقا لجوناثان وآخرين قادمين من مخيم سوداني قرب منطقة عوينات يديره مهربون: لم يكن من السهل الوصول إلى هذه النقطة. كان مجرد أمل. قبل شهر من الآن تجمعنا في مخيم في جبل عوينات اسمه مخيم الهجرة، على الحدود الليبية السودانية. من هناك بدأ مندوب سوداني الاتصالات على هاتف مهرب اسمه عبد العليم من قبيلة زوية يقيم في واحة الكفرة داخل ليبيا.
ويضيف وهو يمسح العرق عن جبينه بوشاحه الأحمر، أن جوناثان كان لديه شعور منذ البداية بأنه لن يتمكن من الوصول إلى البحر أبدا. و.. «كان كلما وصلنا إلى نقطة من نقاط الاستراحة وتبديل سيارات مندوبي التهريب، في الطريق من الجنوب إلى الشمال، ينظر حوله كأنه غير مصدق. كان عدد من تجمعوا في المخيم السوداني تسعة، في البداية، خمسة من إريتريا وثلاثة صوماليين، وأنا. مكثنا فيه ثلاثة أسابيع في انتظار وصول مزيد من الراغبين في الهجرة. وتوفي اثنان خلال ذلك بسبب الحمى. لم يكن المخيم مجهزا بأي شيء يساعد على الحياة. نادرا ما نرى الطعام.. مجرد خبز وماء له طعم مر».
وبعد عدة أيام زاد العدد إلى 17 رجلا بعد أن وصل ثمانية من جنوب السودان بسبب الحرب المستعرة هناك، كما يقول ماريس، حين كان يتلقى العلاج في مركز لتجميع المهاجرين في جنوب شرقي طبرق. ويضيف متحدثا عن بداية الرحلة: في الليل كان الاستعداد للسفر وسداد الأموال المتفق عليها، وهي 1500 دولار عن كل فرد. في الفجر جاءت سيارة دفع رباعي بيضاء اللون على صندوقها غطاء من القماش الكاكي.
كان السائق ومندوب التهريب في قمرة السيارة. وبدأت رحلة السير التي يصل طولها كاملا لأكثر من ألف كيلومتر.. «تخيل نفسك جالسا في الصندوق المعدني وهو يتأرجح بك وينفضك، والغطاء فوقنا تضربه الريح والرمال. على كل حال قطعنا الدروب إلى أن وصلنا، بعد نحو 300 كيلومتر، إلى واحة صغيرة اسمها الجوف. وهناك سلمنا المندوب إلى سيارة أخرى ومندوب آخر، حتى وصلنا إلى واحة الكفرة، وهي مدينة صغيرة فيها مطار جوي ضعيف الإمكانات، ولا يخضع للسلطة الشرعية في البلاد».
في السابق كانت وجهة المهاجرين الأفارقة خاصة من إريتريا ودارفور وجنوب السودان، هي إسرائيل عبر شبه جزيرة سيناء، لكن التشديد الأمني والحرب على المتطرفين في سيناء، قلص من ظاهرة الهجرة في هذه المنطقة، وجعل تكلفتها مرتفعة للغاية إذا تصل أحيانا إلى عشرة آلاف دولار للفرد الواحد، بينما سعر الرحلة حتى البحر المتوسط عبر ليبيا التي تعاني من ضعف السلطة والفراغ الأمني، لا يزيد في مجمله على خمسة آلاف دولار.
إلا أن المبالغ التي تطلب من المهاجرين وقيمة كل مبلغ تتفاوت حسب كل محطة. ففي مرسى مطروح تقول مصادر المهربين، إن تكلفة نقل الشخص الواحد من المدينة إلى الحدود الليبية تبلغ نحو خمسة آلاف جنيه (الدولار يساوي نحو 7.80 جنيه). ولا تشمل المصاريف باقي الرحلة داخل ليبيا، التي تصل أحيانا إلى 200 دولار إلى بلدة إمساعد و300 دولار إلى طبرق. أما ما يدفعه المهاجر لسماسرة مراكب الهجرة غير الشرعية للانتقال إلى أوروبا، فيتراوح بين 1500 و3000 دولار، حسب العدد. ويقول الضابط العبيدي إنه تلاحظ من التحقيقات أنه كلما زاد عدد المهاجرين على المركب قلت الأجرة، والعكس صحيح.
ووفقا لمصادر قبلية تنتشر تجارة التهريب عبر الحدود الليبية مع كل من مصر والسودان وغيرهما من دول الجوار، وتشمل هذه التجارة كل ما يخطر على البال. من تهريب البشر إلى تهريب الأسلحة وكراتين السجائر والمخدرات. لكن بعض خطوط التهريب تعرضت لضربات موجعة بعد أن ارتفعت الشكوى الإقليمية والدولية، خاصة من أوروبا، من جراء الهجرة غير الشرعية، ومن بلدان مثل مصر والجزائر بسبب تهريب السلاح والمتطرفين. وكلما زاد الحصار على التهريب وتغليظ العقوبات على المنخرطين فيه، زادت الخلافات بين أبناء القبائل التي تعمل في هذه التجارة.
على سبيل المثال، في أثناء تنفيذ عملية التهريب التي كان فيها جوناثان وماريس، من جبل عوينات جنوبا، إلى بلدة إمساعد شمالا، كانت هناك معارك طاحنة بين عدد من أبناء القبائل الحدودية التي تتنافس على جني ثمار التهريب، التي تصل في السنة إلى ملايين الدولارات، ما تسبب في تعطيل الكثير من الرحلات، حيث وصل الاقتتال في منطقة الكفرة إلى حد سقوط ما لا يقل عن عشرين قتيلا من أنصار المهربين خلال شهرين فقط.
أما فيما يخص الحدود مع مصر، فقد أدى التعاون بين القبائل المصرية وقوات حرس الحدود إلى تقليص الهجرة والتهريب إلى حد كبير، رغم بعض الخروقات، إذ كان هناك 13 رجلا قد تمكنوا من دخول ليبيا من نقطة حدودية تقع بين واحتي جغبوب الليبية وسيوة المصرية، بينهم سوريون وفلسطينيون.
ووفقا لمسؤولين ليبيين على الحدود فإنه جرى خلال الشهرين الماضيين فقط توقيف نحو 800 مهاجر غير شرعي قادمين من السودان ومصر، ضمن عمليات مطاردة المهربين. ويشير مسؤول حدودي ليبي إلى أن من يتم القبض عليهم لا يزيدون على 20 في المائة ممن يتمكنون من عبور الحدود بالفعل. أما من ينتهي بهم المطاف جثثا في الرمال، من الرجال والنساء والأطفال، فلا حصر لهم.. «دائما نتلقى بلاغات من المسافرين والصيادين والرعاة عن عثورهم على هياكل عظمية وجثث متعفنة على طريق سبها والكفرة والجفرة».
وطفت قضية المهاجرين غير الشرعيين الفارين من بلادهم إلى أوروبا، على سطح السياسة في الاتحاد الأوروبي بشكل يمكن أن يهدد بنية الاتحاد نفسها، خاصة بعد أن دعت بعض دول أوروبا لتقاسم حصص استقبال المهاجرين فيما بينها، وذلك عقب تفجر قضية غرق الطفل إيلان وصوره التي انتشرت حول العالم وشغلت الرأي العام الدولي.
وتأتي الهجرة من عدة شواطئ في منطقة الشرق الأوسط. فالطفل إيلان، قبل غرقه، كان متوجها مع أسرته من أحد الشواطئ التركية إلى اليونان، لكن دولة مثل إيطاليا التي تعد من أكبر المتضررين من المهاجرين، ترى أن نحو 90 في المائة من المهاجرين الذين يصلون إلى شواطئها يأتون من ليبيا.
ويوضح ضابط في حرس الحدود الليبي أن المصريين يجري تسليمهم إلى الجانب المصري من الحدود للتصرف معهم، وكذلك الأمر مع دول الجوار مع السودان وتشاد والجزائر، لكن المشكلة تكمن في الجنسيات التي تأتي من دول بعيدة عن ليبيا، مثل السوريين والإرتريين والصوماليين. وتستغرق عملية ترحيل الآلاف من هؤلاء إلى بلدانهم أو إلى بلد ثالث يقبل بهم وقتا طويلا ويكلف السلطات التي تعاني من ضعف الإيرادات المالية الكثير من الأموال.
أما رواية عدد من الناجين من الموت ممن كانوا مع جوناثان قرب بلدة إمساعد، فتقول إن المجموعة القادمة من السودان التقت لأول مرة في مخيم في جغبوب، مع المجموعة القادمة من مصر. «حتى في مخيم جغبوب كان جوناثان خائفا. لم نكن نعلم أنه سيموت قبل أن يرى البحر». يقول ماريس الذي تعرف على الرجل الإريتري وأمضى معه نحو شهر عبر ظروف قاسية.. «تقاسمنا رغيف الخبز وقارورة المياه».
ويضيف أن ظروفه أفضل من جوناثان، فعلى الأقل يمكنه بعد أن ترحله السلطات الليبية إلى دارفور، أن يعاود الكرة من جديد، لكن صديقه البالغ من العمر 28 عاما مات، وجرى دفنه هنا ووضع قطع من الحجارة حول كوم الرمال الذي يغطيه، بعيدا عن وطنه وأسرته. كان جوناثان يدير محلا للمأكولات في العاصمة أسمرة. لكنه باع كل ممتلكاته وقرر الهجرة إلى أوروبا بسبب الاضطرابات السياسية وتردي الأوضاع الاقتصادية.. «كان محله يخسر فباعه وسدد ديونه لكنه لم يتمكن من تحقيق أمله في حياة جديدة».



المتمردون في مالي يمددون سيطرتهم... و«القاعدة» يدعو إلى «جبهة مشتركة»

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)
رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)
TT

المتمردون في مالي يمددون سيطرتهم... و«القاعدة» يدعو إلى «جبهة مشتركة»

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)
رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

سيطر المتمردون الطوارق، الجمعة، على قاعدة عسكرية استراتيجية في أقصى شمال مالي، غير بعيد عن الحدود مع الجزائر، وذلك بعد انسحاب الجيش المالي وقوات «الفيلق الأفريقي» الروسية من القاعدة، في تطور جديد يكرّس هيمنة المتمردين على الشمال.

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصادر محلية وأمنية وأخرى في الحركة الانفصالية، أنَّ القاعدة العسكرية «باتت الآن تحت سيطرة الجماعات المسلحة»، وذلك بعد مرور أسبوع على هجمات عنيفة ومنسقة شنَّها المتمردون بالتحالف مع تنظيم «القاعدة»، ضد العاصمة باماكو ومدن عدة أخرى، أسفرت عن اغتيال وزير الدفاع المالي، الجنرال ساديو كامارا، وسقوط مدينة كيدال في قبضة المتمردين.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، ينحدرون من شمال مالي، مقاطع فيديو قصيرة وصوراً لدخول المتمردين القاعدة العسكرية، دون أي قتال أو مواجهة، رغم أنَّ القاعدة كان يوجد بها «الفيلق الأفريقي» الروسي، إلى جانب الجيش المالي.

متمردون طوارق تابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

وصرَّح مسؤول محلي بأنَّ الجيش المالي وحلفاءه الروس «تخلوا عن مواقعهم في تيساليت صباح اليوم (الجمعة)». ووفقاً لمصدر أمني، فقد قام هؤلاء بـ«إخلاء» المعسكر بالفعل قبل وصول الجماعات المسلحة، مؤكداً أنَّه «لم تقع أي اشتباكات».

من جانبه، ذكر مسؤول في الجماعات المتمردة أنَّ القوات المتمركزة هناك قامت بـ«الاستسلام» في تيساليت، بينما أشارت مصادر أخرى إلى أنَّ خروج القوات الروسية والمالية من القاعدة العسكرية يشبه في تفاصيله ما حدث في كيدال، حين فاوض الروس المتمردين من أجل انسحاب آمن ودون أي احتكاك.

وزير دفاع مالي الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو يوم 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

ويعدُّ خروج القوات المالية والروسية من قاعدة «تيساليت» خسارة كبيرة، حيث تحظى بأهمية استراتيجية كبيرة، نظراً لموقعها الجغرافي، بالإضافة إلى امتلاكها مدرج هبوط كبيراً وبحالة جيدة، قادراً على استقبال المروحيات وطائرات النقل العسكرية الضخمة.

وسبق أن كانت هذه القاعدة العسكرية محطةً مهمةً في التدخل العسكري الفرنسي عام 2013 وحتى 2021 لمواجهة الإرهاب في شمال مالي ومنطقة الساحل، بل إنَّ قوات أميركية كانت تستخدمه في إطار الإسناد اللوجستي.

هجوم مضاد

على صعيد آخر، وبينما كان المجلس العسكري الحاكم في مالي، الخميس، يُشيِّع وزير الدفاع الذي قُتل على يد تنظيم «القاعدة»، السبت الماضي، كانت طائراته تشنُّ غارات جوية مكثفة على مواقع تابعة للمتمردين في منطقة كيدال، أقصى شمال شرقي البلاد.

وجاء هذا القصف بالتعاون مع تحالف دول الساحل، الذي يضم إلى جانب مالي كلاً من النيجر وبوركينا فاسو، ويحظى بدعم كبير من روسيا، حيث شكَّل التحالف قوةً عسكريةً مشتركةً للحرب على الإرهاب قوامها 15 ألف جندي.

وزير خارجية روسيا في موسكو برفقة وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو... يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

وقالت حكومة النيجر، الخميس، إنَّ القوة العسكرية المشتركة نفَّذت «حملات جوية مكثفة» في شمال مالي، وذلك «رداً على الهجمات الإرهابية الغادرة»، مشيرة إلى أنَّ الغارات الجوية استهدفت مدن غاو وميناكا وكيدال.

وفي بيان، اتهمت حكومة النيجر قوى أجنبية، وفي مقدمتها فرنسا، برعاية هجمات السبت في مالي؛ وهي اتهامات تكرِّرها النيجر بانتظام تجاه باريس التي تنفي دائماً سعيها لزعزعة استقرار البلاد.

صورة غير مؤرخة نشرها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وسبق أن طلب المتمردون الطوارق من النيجر وبوركينا فاسو عدم التدخل في الأحداث الجارية في مالي. وقال المتحدث باسم المتمردين محمد مولود رمضان: «على النيجر وبوركينا فاسو النأي بنفسيهما عن الأحداث الجارية في مالي».

ولكن وزير الحرب والدفاع في بوركينا فاسو، الجنرال سيليستين سيمبوري، رفض هذا الطلب، وقال خلال حضور تشييع جثمان وزير الدفاع المالي الخميس في باماكو، إنَّ تحالف دول الساحل سيطارد المسؤولين عن اغتيال وزير الدفاع المالي حتى «آخر معاقلهم».

متمردون طوارق تابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

إسقاط النظام

إلى ذلك، يواصل مقاتلو «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، التابعة لتنظيم «القاعدة»، حصار العاصمة المالية باماكو، من خلال إغلاق عدد من الطرق الوطنية التي تربطها بدول موريتانيا والسنغال وكوت ديفوار المجاورة، بينما تقع مواجهات بين الفينة والأخرى مع الجيش الذي يحاول كسر الحصار.

وفي حين يشتد الخناق على باماكو، دعت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الخميس، إلى تشكيل «جبهة مشتركة» واسعة ضد المجلس العسكري الحاكم. وقالت إن هذه الجبهة مفتوحة أمام الأحزاب السياسية، والقوات المسلحة الوطنية، والسلطات الدينية، والزعماء التقليديين، ومكونات المجتمع المالي كافة.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي خلال أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

وأوضحت الجماعة، في بيان موجه إلى الشعب المالي ومكتوب باللغة الفرنسية، أن «المجلس العسكري أغرق مالي في الفوضى والإذلال». وأضاف: «لقد حانت لحظة الحقيقة: يجب إنقاذ مالي من الهاوية قبل فوات الأوان. إننا ندعو جميع الوطنيين الصادقين، دون أي تمييز، إلى الهبوب وتوحيد قوانا في جبهة مشتركة».

وشدَّدت الجماعة على أن «إسقاط المجلس العسكري وحده لا يكفي. يجب علينا معاً منع أي فراغ فوضوي قد يهوي بوطننا نحو انهيار شامل»، وأكدت على أنَّها تدعو إلى ما سمته «تحقيق انتقال سلمي، مسؤول وشامل، هدفه الأساسي بناء مالي جديدة، تكون من بين أولوياته الجوهرية إقامة الشريعة الإسلامية».

وتعد هذه المرة الأولى التي تكشف فيها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، انفتاحها على الأحزاب السياسية والجيش في مالي.


مقتل 3 مدنيين في هجوم لجماعة «بوكو حرام»

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
TT

مقتل 3 مدنيين في هجوم لجماعة «بوكو حرام»

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

اقتحم مسلحون من جماعة «بوكو حرام»، مساء الخميس، قرية كاوتيكاري التابعة لمنطقة شيبوك، في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي نيجيريا، وقتلوا 3 أشخاص على الأقل، فيما فر سكان القرية نحو الغابات للنجاة بأنفسهم. ونقلت تقارير إعلامية محلية عن بعض السكان الفارين قولهم إن المسلحين كانوا يطلقون النار بشكل عشوائي، ويضرمون النيران في المباني السكنية، بينما فر الأهالي إلى الأحراش بحثاً عن الأمان، في ظل غياب أي وجود للجيش أو الشرطة. وبعد ذلك أكد مصدر محلي أن قوات من الجيش ووحدات مكافحة الإرهاب تدخلت وأرغمت العناصر الإرهابية على الانسحاب من القرية.

وقال ضابط أمن ينحدر من قرية كاوتيكاري، ولكنه يقيم في مدينة مايدوغوري، عاصمة ولاية بورنو، إن «قرية كاوتيكاري تعرضت لهجوم من (بوكو حرام)»، وأضاف المصدر نفسه: «لقد تلقيت نداء استغاثة عند نحو الساعة 6:50 من مساء الخميس».

ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وحول حصيلة الهجوم، قال الضابط الذي فضّل حجب هويته لأنه غير مخول بالحديث للإعلام: «لا يمكننا تحديد عدد الضحايا الآن، حيث يقوم المهاجمون بنشر الدمار بينما يتدافع الناس للنجاة بأنفسهم»، قبل أن يضيف: «حتى الآن، قُتل ثلاثة أشخاص على الأقل»، ثم أكد الضابط أن الجيش تحرك وتدخل بسرعة.

ونقلت تقارير إعلامية محلية عن مصادر وصفتها بالموثوقة، أن قوات «فرقة العمل المشتركة» في الشمال الشرقي المنخرطة في (عملية هادين كاي) العسكرية لمحاربة الإرهاب، «استجابت بسرعة ونجحت في صد الهجوم».

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

تتعرض هذه المنطقة منذ فترة لهجمات متكررة من طرف «بوكو حرام»، حيث وقع هجوم مماثل يوم 30 مارس (آذار) الماضي، حين اقتحم مقاتلون القرية نفسها التي تقطنها غالبية مسيحية، وقتلوا قائد مجموعة «الصيادين» المحلية، مالام بومت، وهي مجموعة أهلية محلية مسلحة كثيراً ما تسند إليها مهام تأمين المجتمعات.

كما قتل في الهجوم السابق عشراتُ السكان، من أشهرهم جوهانا بيتر، وهي فتاة نيجيرية كانت تستعد لعقد قرانها في كنيسة القرية اليوم التالي، وهي قصة جرى تداولها على نطاق واسع، وأثارت تعاطفاً واسعاً في نيجيريا.

ونهب مقاتلو «بوكو حرام» كميات كبيرة من المواد الغذائية، مع قطعان من الماشية، فيما لم يعد سكان القرية إلى بيوتهم إلا منذ أيام قليلة، ولكن التنظيم الإرهابي عاد للهجوم مرة أخرى الخميس.

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وتعيد هذه الهجمات إلى أذهان سكان منطقة شيبوك، ذكريات مؤلمة تركها التنظيم الإرهابي محفورة في ذاكرتهم، وخاصة حادثة اختطاف 276 فتاة من مدرسة ثانوية يوم 14 أبريل (نيسان) 2014، في حادثة تحولت إلى قضية رأي عام عالمي.

وبعد مرور سنوات، أفرج التنظيم عن عدد من الفتيات وتمكنت أخريات من الفرار، ولكن بقيت 187 فتاة في قبضة التنظيم لفترة طويلة، وسط ترقب وقلق عالمي مستمر حول مصيرهن في غابات سامبيسا، حيث توجد معاقل التنظيم.

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقبل أسبوعين، استضافت الجامعة الأميركية في نيجيريا مجموعة من الناجيات اللاتي بدأن رحلة التعافي من خلال التعليم. واحتفلت الجامعة بتخرج 12 فتاة من هؤلاء الناجيات في تخصصات علمية متنوعة مثل الصحة العامة والمحاسبة والإعلام.


«مجلس الأمن» يصوت لصالح تقليص قوة حفظ السلام في جنوب السودان

جنود حفظ سلام يعملون مع بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان أثناء قيامهم بدورية خارج مكاتب الحكومة المحلية ببلدة أكوبو التي تسيطر عليها المعارضة (أ.ف.ب)
جنود حفظ سلام يعملون مع بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان أثناء قيامهم بدورية خارج مكاتب الحكومة المحلية ببلدة أكوبو التي تسيطر عليها المعارضة (أ.ف.ب)
TT

«مجلس الأمن» يصوت لصالح تقليص قوة حفظ السلام في جنوب السودان

جنود حفظ سلام يعملون مع بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان أثناء قيامهم بدورية خارج مكاتب الحكومة المحلية ببلدة أكوبو التي تسيطر عليها المعارضة (أ.ف.ب)
جنود حفظ سلام يعملون مع بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان أثناء قيامهم بدورية خارج مكاتب الحكومة المحلية ببلدة أكوبو التي تسيطر عليها المعارضة (أ.ف.ب)

صوت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الخميس، لصالح خفض الحد الأقصى لقوة حفظ السلام في جنوب السودان الذي يمزقه الصراع من 17 ألفا إلى 12 ألف جندي مع تفويض بمنع العودة إلى الحرب الأهلية في أحدث دولة في العالم.

وجاءت نتيجة التصويت على القرار الذي صاغته الولايات المتحدة بتأييد 13 صوتا ، مع امتناع روسيا والصين عن التصويت. ويمدد القرار تفويض القوة حتى 30 أبريل (نيسان) 2027.

وقال السفير الأميركي مايك والتز للمجلس إن القرار يسعى لإعادة القوة «إلى الأساسيات» المتمثلة في حفظ السلام وحماية المدنيين ودعم الوصول إلى المساعدات الإنسانية.

وكانت هناك آمال كبيرة عندما نال جنوب السودان الغني بالنفط استقلاله عن السودان في عام 2011 بعد صراع طويل. لكن البلاد انزلقت إلى حرب أهلية في ديسمبر (كانون الأول) 2013، قامت إلى حد كبير على انقسامات عرقية، عندما قاتلت القوات الموالية لسلفا كير، وهو من عرقية الدينكا، القوات الموالية لرياك مشار، وهو من عرقية النوير.

وقتل أكثر من 400 ألف شخص في الحرب التي انتهت باتفاق سلام في عام 2018 وحكومة وحدة وطنية تضم كير رئيسا ومشار نائبا للرئيس. لكن حكومة كير وضعت مشار تحت الإقامة الجبرية في مارس (آذار) 2025، واتهمته بالقيام بأنشطة تخريبية، وهو يواجه الآن تهما بالخيانة.

وتزامنت إزاحة مشار مع زيادة حادة في العنف وانهيار اتفاق السلام لعام 2018، رغم أن الانتخابات الرئاسية المؤجلة لفترة طويلة لا يزال من المقرر إجراؤها في ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وقال والتز إن الولايات المتحدة تشعر بالقلق من أن حكومة كير «تستغل االدعم الدولي وتعرقل أولئك الذين يحاولون المساعدة بصدق».