روبوتات بديلة لتفادي عملية القلب المفتوح

جرّاح أميركي يقود مجال «جراحة القلب الآلية» رغم المعارضة الشديدة

روبوتات بديلة لتفادي عملية القلب المفتوح
TT

روبوتات بديلة لتفادي عملية القلب المفتوح

روبوتات بديلة لتفادي عملية القلب المفتوح

في مركز «لانكينو» الطبي، يجلس فرنسيس سوتر، جرّاح القلب والصدر من فيلادلفيا، في زاوية مظلمة بغرفة العمليات، ورأسه غارقٌ في ما تشبه خوذة واقع افتراضي كبيرة... يداه بعيدتان عن صدر المريض الذي يخضع للعملية؛ لأنّه يستخدم عصيّ تحكّم لتحريك الروبوت الذي ينفذ شق الشقوق الدقيقة بالقرب من القلب النّابض.

عمليات روبوتية

صحيح أنّ الإعدادات أشبه بألعاب الفيديو، ولكن لا توجد أي لعبة إلكترونية تنطوي على هذا الكمّ من المخاطر. يقول سوتر: «خطوةٌ واحدة خاطئة بذراع الروبوت تُحدث ثقباً في القلب».

هنا نتحدّث عن استبدال شريان جديد بآخر مسدود؛ أي ما تُعرف بـ«جراحة فتح مجرى جانبي (مجاز) للشريان التاجي»؛ جراحة القلب الأكثر شيوعاً في الولايات المتحدة. ولكنّ الوسيلة التي يستخدمها سوتر ليست شائعة، حيث تشير بيانات «جمعية جرّاحي الصدر» إلى أنّ الروبوتات كانت مسؤولة عن واحد في المائة فقط من هذه الجراحات خلال السنوات الخمس الماضية.

وشهد عام 2021 إجراء نحو 1800 عملية جراحية روبوتية فقط؛ 200 منها في مركز «لانكينو» الطبي حيث يترأّس سوتر قسم الجراحة القلبية.

أصبح مشهد الروبوتات مألوفاً في بعض الإجراءات القلبية، إلّا إنّ كثيراً من الجرّاحين يشكّكون في عدّ المساعدة الروبوتية تحسّناً في هذه العملية.

ينقل سوتر هذا الأمر للمرضى المؤهلين لهذه الجراحة؛ لأنها تقيهم عملية قلب مفتوح تتضمّن كسر عظمة الصدر وإيقاف القلب عن النبض، بالإضافة إلى ندبة على الجلد تتراوح بين 6 و8 بوصات. ويضيف أنّ مرضاه يذهبون إلى منازلهم بشقوقٍ صغيرة لا يتعدّى أكبرها البوصتين (5 سم).

يقول منتقدو هذه المنطلقات الآلية، ومن بينهم بعض الجرّاحين البارزين في فيلادلفيا، إنّ كثيراً من المرضى المؤهلين لهذه الجراحة يحتاجون لفتح أكثر من مجرى، وهذا الأمر غالباً غير ممكن بتقنية سوتر، فضلاً عن أنّ الروبوت قد يرفع تكلفة الجراحة.

يسمع سوتر كثيراً من النقد، ولكنّه لا يزال يأمل أنّ تساعد أبحاثه في تشجيع مزيد من الجراحين على الاستفادة من الإجراء الآلي الذي يجريه منذ أكثر من عقدين.

مسار تعليمي وتجريبي

بدأ سوتر عام 1986 إجراء جراحة فتح مجرى جانبي للشريان التاجي باستخدام المقاربة المعيارية التي يعدّها عنيفة وخطرة. ولهذا السبب أبدى اهتماماً فورياً عندما سمع أنّ بعض الجراحين حول العالم بدأوا استخدام روبوت لهذا الإجراء في أواخر التسعينات.

وقد رأى أداةً سمحت بإجراء جراحة في قلبٍ نابض وجنّبت الأطباء تلك اللحظة المرعبة التي يصلّون فيها إلى عودة القلب إلى العمل من جديد. اعتقد سوتر أنّ الجراحة الروبوتية قد تساعد في تقليص وقت التعافي وتتيح له إجراء العملية لمرضى لا يحتملون العملية التقليدية.

بدأ الجرّاح أداء هذه العملية قبل 18 عاماً، ولا يزال حتّى اليوم يُذهَل عندما يرى مرضاه جالسين في السرير بعد بضع ساعات فقط.

إجراء متخصص

يستخدم سوتر روبوتاً لتصحيح الانسداد في الشريان الأكبر الذي يغذّي الدم في عضلة القلب في جراحة من جزأين تتطلّب نحو 4 ساعات.

أولاً: يستخدم الجرّاح الروبوت لـ«حصاد» الشريان الثديي الداخلي الشمالي؛ الخيار العملي لاستبدال الشريان المتضرّر في كثير من هذه الجراحات. يضع الروبوت قفازاً معقّماً ويخيط الشريان «البديل» في القلب، ليسمح لتدفّق الدمّ بتخطّي الانسداد. تحتاج هذه الخطوة الشقّ الأكبر خلال الجراحة الذي لا يتعدّى طوله البوصتين.

في الماضي، كان سوتر يستطيع إجراء العملية الكاملة باستخدام الروبوت، ولكنّ الشركة المصنّعة للأخير توقّفت عن صناعة أداة حيويّة للجراحة بسبب انخفاض الطلب.

وقال سوتر إنّه يصحّح جراحياً شرياناً واحداً لدى 80 في المائة من مرضاه. ولأنّ الناس يعانون غالباً من انسدادٍ في الأوعية أكثر؛ يتزوّد كثير من مرضاه بدعامات، وهي جهاز يشبه النابض يُزرع بواسطة قسطرة، في أوعية أخرى. يفضّل الجرّاح هذا الإجراء على فتح الصدر وأداء إجراءات عدّة لفتح جانبي في الحالات التي تسمح بذلك.

جدل طبي حول توظيف الروبوت الجراحي

تلاحق المستشفيات عادةً العلاجات الأكثر تطوّراً، حتّى عندما لا تحصل التكلفة على الدعم البحثي الكامل. ولكنّ جرّاحي القلب في فيلادلفيا لا يتّبعون وسيلة سوتر الآلية.

ويقول روهينتون موريس، رئيس قسم الجراحة القلبية في «مستشفى جيفرسون الجامعي»، إنّ «جرّاحي القلب المهرة كثُر، ويوجد سببٌ لعدم اعتمادهم هذه الوسيلة». ويضيف أنّ القلق من استخدام آلة القلب - الرئة عفى عليه الزمن، وأنّ نحو 90 في المائة من جراحات فتح مجرى جانبي للشريان التاجي في «جيفرسون» تُجرى على قلب متوقّف ومن دون استخدام روبوت.

لا يستخدم مستشفى «تيمبل» الجامعي بدوره الروبوت لإجراء هذه العملية، وفق يوشيا تويودا، رئيس قسم جراحة القلب والأوعية؛ لأنّ أكثر ما يخشاه هو محدودية التقنية الروبوتية لجهة عدد الشرايين التي يستطيع الجرّاح تصحيحها. ويصلح تويودا عادةً 4 شرايين في العملية الواحدة، ويصل العدد أحياناً إلى 8.

ويتساءل تويودا: «حزّ أفضل في الجلد أم إعادة تكوين كاملة للأوعية؛ أيّهما أفضل؟ أعتقد أنّ المريض سيستفيد من الثانية».

يستخدم المستشفى التّابع لجامعة بنسلفانيا و«مركز بريسبيتاريان الطبي» التابع للجامعة الروبوت في 10 في المائة من مجمل 550 جراحة فتح مجرى جانبي للشريان التاجي سنوياً في المنشأتين، وفق ما كشف عنه متحدّث باسم الجامعة.

يشعر الجرّاحون بالقلق أيضاً من التكلفة، حيث يصل سعر الروبوت وحده إلى مليوني دولار، فضلاً عن تكلفة تدريب الجرّاحين ليصبحوا بمهارة سوتر.

رأس تي سلون غاي فريق الجراحة الروبوتية في «جمعية جرّاحي الصدر» لسنوات، وهو مختصٌّ في إصلاح الصمام التاجي ويستخدم الطريقة الآلية في 98 في المائة من الحالات. ولكن عندما يجري جراحة فتح مجرى جانبي للشريان التاجي، يقوم بها بالطريقة التقليدية. وعدّ غاي أنّ الإجراء الذي يستخدمه سوتر «هو نوعٌ مخصص لنخبة النخبة الذين يكرّسون أنفسهم له».

ولكنّ غاي، الذي تدرّب وعمل في فيلادلفيا، متفائل جداً بمستقبل جراحات القلب الروبوتية، ويعتقد أنّ تحسّن هذه التقنية سيحوّلها إلى معيار بسبب ارتفاع طلب الناس عليها. ويلفت إلى أنّ «التعافي السريع والتدخّل الجراحي الطفيف مهمّان بالنسبة للمرضى».

بيانات واعدة

يدرك سوتر أنّ المسار الحالي ينعكس سلباً على عمليات فتح مجاري الشرايين الروبوتية. ولكنّه يعتقد أنّ الجراحة يجب أن تكون خيار المريض المستفيد.

في آخر مؤتمرات «جمعية جرّاحي الصدر»، قدّم أحد طلّاب سوتر، وهو الجرّاح ألكساندر دوكولاري، تحليلاً أولياً لنحو 2400 جراحة روبوتية لفتح مجرى شريان جانبي أجريت في مركز «لانكينو»، وتبيّن أنّ النتائج واعدة.

ووجدت دراسات أخرى أجريت خارج مركز «لانكينو» أيضاً أنّ الإجراء الآلي آمن ورجّحت نتائج إيجابية. ولكنّ لا توجد حتّى اليوم دراسة اعتمدت تجربة عشوائية منتظمة، التي تعدّ المعيار الذهبي في مجال البحث الطبي، لتقييم التقنية الروبوتية في مواجهة الجراحة التقليدية.

في الوقت الحالي، يبدو سوتر مقتنعاً بأنّه في المكان المناسب، في غرفة عملياته، ينظر إلى شاشة تستعرض القلب بالأبعاد الثلاثية وبمقاس أكبر بعشر مرّات، بينما تجري الذراع الروبوتية الجراحة على مسافة أمتار قليلة منه.

* «ذا فيلادلفيا إنكويرير»

- خدمات «تريبيون ميديا»



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.