المرأة المصرية تُكرس دورها القيادي في المؤسسات الإعلامية

علا الشافعي لـ«اليوم السابع» وريهام السهلي لـ«دي إم سي»

ريهام السهلي  (صفحتها الشخصية على "فيسبوك")
ريهام السهلي (صفحتها الشخصية على "فيسبوك")
TT

المرأة المصرية تُكرس دورها القيادي في المؤسسات الإعلامية

ريهام السهلي  (صفحتها الشخصية على "فيسبوك")
ريهام السهلي (صفحتها الشخصية على "فيسبوك")

في خطوة عُدّت تكريساً لدور المرأة المصرية القيادي في الإعلام، أعلنت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهي الشركة المالكة عدداً من وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية في مصر، تعيين الكاتبة الصحافية علا الشافعي في منصب رئيس تحرير موقع وصحيفة «اليوم السابع» اليومية، في حين اختيرت الإعلامية ريهام السهلي، رئيساً لشبكة تلفزيون «دي إم سي».

بهذا القرار تنضم الشافعي والسهلي إلى تاريخ ومسيرة حافلة للمرأة المصرية في قيادة الإعلام تمتد أكثر من قرن من الزمان، تربّعت خلاله على عرش القيادة الإعلامية لفترات، وتراجع دورها في أخرى، وإن ظلت حاضرة بقوة في كل المواقع الإعلامية كصحافية، ومقدمة برامج، ومعدة تلفزيونية، وغيرها من المواقع التحريرية والإدارية.

وفي حين رحّب إعلاميون وصحافيون بالقرار، وعدوه «خطوة مُبشرة» تُعيد للمرأة مكانتها على رأس الهرم الإعلامي في مصر، فإنهم أشاروا إلى أن «القرار يتوافق مع اتجاه عام في الدولة المصرية بالإعلاء من شأن المرأة في جميع المجالات».

علا الشافعي (صفحتها الشخصية على "فيسبوك")

تاريخ طويل

ينسجم اختيار السهلي لقيادة شبكة قنوات «دي إم سي» مع تاريخ طويل تصدّرت فيه الإعلاميات المصريات المشهد، وتربّعت على عرش قيادته، فكانت الإعلامية آمال فهمي أول سيدة تتولى منصب رئيسة «إذاعة الشرق الأوسط» عام 1964. وأصبحت تماضر توفيق، أول سيدة تتقلّد منصب رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون عام 1977، لتسيطر النساء من ثم على هـذا المنصب الذي تولّته في ما بعد سامية صادق، وسهير الإتربي، وصفاء حجازي، ودرية شرف الدين، وهذا قبل أن تصعد الأخيرة إلى قمة الهرم الإعلامي فتتولى منصب وزير الإعلام عام 2013. وحالياً تتولى نائلة فاروق، منصب رئيس التلفزيون المصري.

وبدافع إحساسها بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها، رفضت السهلي التعليق على منصبها الجديد، مكتفية بقولها لـ«الشرق الأوسط» إنها «تشعر بالمسؤولية، وتنتظر تسلم مهام عملها حتى تخطو لتنفيذ مهمتها الجديدة على النحو المأمول».

وتجدر الإشارة إلى أن السهلي تخرجت في كلية الإعلام بالجامعة الأميركية في القاهرة عام 1993، ثم حصلت على درجة الماجستير في مجال العلوم السياسية متخصصة في دراسات الشرق الأوسط عام 1997. وعرفها الجمهور من خلال العمل في قناة «النيل الدولية» كمقدمة لبرنامج أغانٍ، قبل أن تستكمل مسيرتها الإعلامية في عدد من القنوات الفضائية المصرية.

الصحافة المكتوبة

على صعيد الصحافة المطبوعة أيضاً كان للمرأة المصرية مسيرة حافلة. وطبعاً، قبل تقدّمها في التلفزيون، بزغ نجم المرأة في الصحافة المكتوبة. فقبل قرابة قرن وضعت صحافيات مصريات ركيزة القيادة النسوية، وكانت جميلة حافظ أول امرأة مصرية تؤسس مجلة نسائية هي «الريحانة» عام 1907، التي تحولت في ما بعد إلى جريدة عام 1908. وتلتها منيرة ثابت، التي كانت أول امرأة تصدر صحيفة سياسية، هي جريدة «الأمل»، وكذلك كانت أول رئيس تحرير لمجلة سياسية، وأول صحافية نقابية.

أيضاً، هناك الكاتبة الصحافية الراحلة فاطمة يوسف، والدة الأديب إحسان عبد القدّوس، التي أسّست وترأست مجلس تحرير مجلة «روزاليوسف» عام 1925. وبعد مؤسسة «روزاليوسف»، عرفت الصحافة أمينة السعيد، كأول امرأة تتولى منصب رئيس تحرير مجلة «المصوّر» عام 1973، وكانت السعيد أيضاً أول امرأة تترأس مؤسسة «دار الهلال» الصحافية الرسمية عام 1976.

غير أن هذا الدور القيادي على الصعيد الصحافي «تراجع نسبياً» في العقد الأخير، وفق الصحافي المصري عماد الدين حسين، رئيس تحرير صحيفة «الشروق» المصرية. ويقول حسين لـ«الشرق الأوسط»، في هذا الصدد، إن «واحدة من مفارقات مجال الإعلام، أن الكليات المتخصّصة تُسيطر عليها الفتيات، بينما يتصدر الرجال مشهد الحياة المهنية بتقلد المناصب القيادية سواء في الصحف أو القنوات». وأرجع حسين ذلك إلى «ما يتضمنه العمل الإعلامي من مشقة، واحتياجه لساعات تفرغ، ووجود في قلب الأحداث، إضافة إلى قيود مجتمعية يشوبها الفكر ذكوري والتمييز على أساس الجندر، لم تتمكن النساء من مجاراتها». واعتبر من ثم أن تمثيل المرأة في المناصب القيادية الإعلامية خلال السنوات الأخيرة «غير مُعبر عن حجم تأثيرها الحقيقي على الساحة».

في أي حال، ربما جاء قرار اختيار الشافعي لرئاسة تحرير صحيفة يومية عامة ليعيد الأمور إلى نصابها بعض الشيء، وهو ما تعبر عنه الشافعي بقولها إن اختيارها هذا المنصب «ليس فقط تكريساً لدور المرأة القيادي؛ بل أيضاً تأكيد لرسالة إعلامية متماسكة خالية من التصنيفات الجندرية».

الواقع أن الشافعي لم تكن تتوقع اختيارها هـذا المنصب، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط» قالت إنها لم تعتقد يوماً أن ثمة مَن يراها في هذه المنطقة من القيادة، بينما انصب اهتمامها منذ أن تخرّجت في كلية الإعلام في جامعة القاهرة عام 1993 على العمل الصحافي وتطوره، من دون متابعة للمناصب والمسميات. وتضيف أن «مفاجأة» تعيينها أصابتها بـ«التجمد، لا سيما مع احتفاء زملائها بها». وحقاً، الاحتفاء بالشافعي، كان له أسباب عدة من بينها، أنها أول امرأة تتولى رئاسة تحرير صحيفة يومية، بعد سنوات درجت فيها الصحافيات المصريات على رئاسة المجلات المتخصصة، والإصدارات الأسبوعية. وراهناً تتولى الصحافية سوسن مراد رئاسة تحرير مجلة «البيت» الصادرة عن مؤسسة الأهرام الصحافية، في حين تتولى الصحافية سمر الدسوقي رئاسة تحرير ثلاث مجلات هي «الكواكب» و«حواء» و«طبيبك الخاص» بمؤسسة «دار الهلال» الصحافية.

انتصار للكفاءة وليس المرأة

الصحافي المصري أحمد ناجي قمحة، رئيس تحرير مجلتي «السياسة الدولية» و«الديمقراطية» في مؤسسة الأهرام، لا يعد تعيين سيدات في مناصب قيادية في الصحافة والإعلام انتصاراً للمرأة؛ بل «تأكيداً على استراتيجية ترتكز على الكفاءة كمعيار للترقي الوظيفي». وصرح قمحة لـ«الشرق الأوسط» موضحاً أن «المرأة حاضرة على مدار تاريخ المهنة، ولا يُمكن وصف الحركة الأخيرة بالمناهضة للتمييز الجندري، لأنه غير حاضر في الصحافة والإعلام من الأساس». ويضيف أن «اختيار كل من الشافعي والسهلي لم يأتِ بغرض تمكين النساء، بل بفضل تاريخ كل منهن في مجالها، ومن ثم، فنحن أمام إعلاء لمفهوم الكفاءة والخبرات من دون أي اعتبارات للنوع».

وأشار قمحة إلى بُعد آخر يمثله اختيار الشافعي، تحديدًا، وهو «اختيار صحافية لها باع في مجال الفن والثقافة، ما يعكس أيضاً اهتمام الدولة بالمكوّن الفني والثقافي» على حد تعبيره. وللعلم، برز اسم الشافعي في مجالي الفن والثقافة، فإلى جانب دراستها الإعلامية حصلت على بكالوريوس المعهد العالي للسينما قسم سيناريو عام 1999، وبدأت مسيرتها المهنية من صحيفة «الأهرام» اليومية، قبل أن تنضم إلى «اليوم السابع» مع انطلاقها عام 2008.

ومن جانبه، اعتبر خالد البلشي، نقيب الصحافيين في مصر، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» أن القرارات الأخيرة «انتصار للمهنة، سواء كانت تمكيناً للمرأة أو للقيادات المستحقة». غير أنه وضع المهنية وقواعد العمل الصحافي كركيزة للاحتفاء أو المحاسبة. وقال إنه «لن يحتفي بتعيين صحافي في منصب فقط على أساس الجنس أو السن، بل ما يعنيه بوصفه نقيباً للصحافيين، حماية المهنة وحقوق العاملين بها، وليس جديدًا على الصحافة والإعلام أن يتزيّنا بالسيدات».

وبدورها، فسّرت الصحافية المصرية دعاء النجار، عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين، مقرر لجنة المرأة بالنقابة، الصعود الأخير للقيادات النسائية في الإعلام، بأنه «انعكاس لاهتمام الدولة المصرية الحديثة بالمرأة». ودلّلت على ذلك في حديثها لـ«الشرق الأوسط» بقولها إن «مصر وصلت إلى أكبر تمثيل نسائي في الحكومة والمجالس النيابية خلال العقد الأخير، إذ تمثل المرأة 25 في المائة من البرلمان المصري... وفي عام 2018 شغلت المرأة ربع مجلس الوزراء. كذلك وصلت نسبة السيدات في مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) إلى 14 في المائة، و31 في المائة من منصب نائب محافظ، و27 في المائة نائبات وزراء».

أيضاً، شدّدت النجار على مكتسبات المرأة في الصحافة والإعلام. وذكرت أنه «منذ 2017 كان هناك توسع في تمثيل المرأة في الهيئة الوطنية للصحافة، والمجلس الأعلى للإعلام، وفي رئاسة تحرير المجلات والإصدارات، وفي مجالس الإدارات والجمعيات العمومية سواء بالانتخاب أو بالتعيين». وأردفت: «لقد شهدت نقابة الصحافيين في الدورة التي بدأت في 2021، ولأول مرة في تاريخ النقابة، إقرار لجنة للمرأة، كما ضم مجلسا النقابة العامة والفرعية بالإسكندرية لأول مرة 4 عضوات».

النجار رأت أن «حركة التغيير الأخيرة لم تأتِ اعتباطاً، كما لن تمر مرور الكرام، فتشكيل المجتمعات يأتي تراكمياً بخطوات منسجمة بين المجتمع والقيادة السياسية. وفي جزء من هذا المسار يجري تكريس دور المرأة المصرية القيادي في الصحافة والإعلام».


مقالات ذات صلة

فقدان 18 مصرياً ووفاة 3 آخرين في غرق قارب هجرة غير شرعية

شمال افريقيا غرق 21 مهاجراً مصرياً في حادث جديد قرب اليونان (رويترز)

فقدان 18 مصرياً ووفاة 3 آخرين في غرق قارب هجرة غير شرعية

أعلنت وزارة الخارجية المصرية، الأربعاء، غرق 21 مهاجراً غير شرعي على متن قارب كان متجهاً إلى اليونان، مشيرة إلى أن 18 منهم ما زالوا في عداد المفقودين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي (د.ب.أ)

مصر تعلن دعم مبادرة حوض النيل ورفض الإجراءات الأحادية

أعلنت مصر، الأربعاء، دعمها مبادرة حوض النيل والعملية التشاورية القائمة فيها لاستعادة الشمولية، ورفضها الإجراءات الأحادية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

مشروع قانون مصري لزيادة تحويلات المغتربين رغم ارتفاعها القياسي

في حين سجلت تحويلات المصريين بالخارج ارتفاعاً قياسياً؛ قدم نائب في البرلمان مشروع قانون يستهدف وضع إطار تشريعي لدعم المغتربين وتعزيز مساهمتهم في الاقتصاد.

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا لجنة الاتصالات بمجلس النواب المصري تستمع إلى رؤى عدد من الوزراء قبل إصدار تشريع يحد من مخاطر الإنترنت على الأطفال (وزارة الشؤون النيابية)

مقترح مصري يستلهم التجربة الفرنسية في تقييد استخدام الأطفال للجوال

تعددت المقترحات المتداولة في مصر حول تقييد استخدام الأطفال «للهواتف الجوالة» منذ أن وجه الرئيس السيسي «بسن قوانين تحظر استخدام الجوال للفئات الصغيرة».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا  رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يطلق مبادرة أبواب الخير لدعم الفئات الأكثر احتياجاً (مجلس الوزراء المصري)

مصر: مبادرة حكومية ضخمة لدعم الفقراء خلال رمضان

أطلق رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي الثلاثاء مبادرة حكومية ضخمة تحمل اسم «أبواب الخير» لدعم الفقراء والأسر المستحقة و«الأولى بالرعاية» خلال شهر رمضان

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.