قراءة في مجلة أميركية مختلفة

فصلية «لافام» تختزل الأنواع الكتابية المعروفة كلها تقريباً

نور الدين فرح
نور الدين فرح
TT

قراءة في مجلة أميركية مختلفة

نور الدين فرح
نور الدين فرح

أتابع هذه الفصلية أو المجلة التي تصدر أربع مرات في العام منذ صدورها في نيويورك عام 2007. استرعت انتباهي لسبب رئيس هو معرفتي باسم لافام الذي تنسب إليه، فقد كنت وما زلت أحد المتابعين لمجلة «هاربرز» التي كان الكاتب والمؤرخ الأميركي لويس لافام يرأس تحريرها لعدة سنوات، قبل أن أعرفها. ولأن «هاربرز»، المجلة الثقافية الشهرية العريقة، في طليعة المجلات الثقافية التي تصدر بالإنجليزية في أي مكان (تصدر منذ مائة وسبعين عاماً دون توقف)، فكان من الطبيعي أن يسترعي انتباهي اعتلاء اسم رئيس تحريرها على مطبوعة أخرى بعد أن ترك رئاسة التحرير.

نوال السعداوي

فما الذي يختلف في «فصلية لافام»، «لافامز كوارترلي» (Quarterly Lapham’s)؟

إنها مجلة لا تقبل المساهمات المقالية، فهي ليست مفتوحة للنشر خارج هيئة تحريرها، وتختلف عن غيرها أيضاً، وهذا هو الأهم، في أن كل عدد من أعدادها يتمحور حول قضية أو ظاهرة أو موضوع كبير: الطبيعة، الحب، الحرب، المال، الشباب، الطب، الحرية، الشبق، إلخ. موضوعات شائعة وأحياناً غريبة، لكن المهم أيضاً ليس في الموضوعات أو القضايا بحد ذاتها وإنما في كيفية عرضها وما يقال حولها. «فصلية لافام» مجلة تعنى بالتاريخ تبعاً لتخصص صاحبها، ولكن التاريخ هنا حاضر بصورة غير معتادة: في كل عدد يختار محررو المجلة نصوصاً من عصور ولغات مختلفة تتمحور حول القضية المحورية. النصوص إما بالإنجليزية أساساً أو مترجمة إليها، ومع أن الثقافات الغربية، الأوروبية والأمريكية، تحظى بنصيب الأسد أو ما يتجاوزه بقليل، فإن في كل عدد نصوصاً من لغات غير غربية، مثل: الصينية واليابانية والفارسية والعربية وغيرها. هناك كتاب من العصر اليوناني ومن العصور الوسطى ومن القرن السادس قبل الميلاد ومن القرن الثامن عشر ومن الوقت الحاضر. كلها تتمحور حول قضية واحدة. «الفكرة» أو الهدف، كما صرح لافام لـ«نيويورك تايمز» في 2009، «هي الإتيان بأصوات الماضي لتتحدث في ميكرفون الحاضر»، ذلك أن التاريخ يعلم الحاضر ويضيئه، أو هكذا تفترض المجلة.

جورج أورويل

ربما يعرف البعض المجلة الأميركية الشهيرة «ريدرز دايجست» التي ترجمت عربياً إلى «المختار»، التي تأسست على فكرة اختيار بعض ما ينشر في المجلات الأخرى واختصاره وتقديمه للقارئ. لكن فصلية لافام تختلف كثيراً سواء في عمقها أو في طبيعة اختياراتها أو اتساع أفقها. الفرق كبير، لكن الفكرة ليست بعيدة: هي فكرة المختارات، أو المقابسات بتعبير أبي حيان التوحيدي، التي تختصر العالم في قشرة جوز، كما يقول الأميركيون. والاختصار بطبيعة الحال يأتي من زاوية يورو - أميركية ومن رؤية غربية، لأن كل اختيار متلون برؤية صاحبه، انتقاؤه مؤسس على قناعاته بالموضوع المحوري وبأهمية النص وأهمية اللغة وما إلى ذلك. وتظل «فصلية لافام» متميزة مع كل ذلك بشموليتها وسعة إحاطتها بتراث عالمي لا يكاد يدري عنه أو يأبه له. والجميل في نهاية المطاف هو الائتلاف، ائتلاف النصوص حول مركز موضوعي، لقاء كاتب صيني من القرن العاشر الميلادي بكاتب يوناني من العصر اليوناني القديم بكاتب عربي من القرن الثاني عشر بشاعرة أميركية سوداء من القرن الثامن عشر، بكاتب مكسيكي من القرن العشرين وهكذا. والكتاب، أو بالأحرى النصوص، ليست نثرية كلها بل إن منها المنظوم، وهي تكاد تختزل الأنواع الكتابية المعروفة كلها تقريباً: السرد والشعر والسيرة والتاريخ والوصف الجغرافي والنص العلمي الفيزيائي والتحليل النقدي والفني، إلى غير ذلك. عمل موسوعي ومن نوع خاص.

يضاف إلى ذلك كله أن الفصلية هذه تعنى بالفنون وتتزين أعدادها بلوحات وصور أغلفة ورسومات توضيحية وغيرها مما يتصل بموضوع العدد، ويتضح أنها حريصة على ذلك لأسباب موضوعية وفنية كما لجذب القراء، فالصور بطبيعتها مغرية بالمطالعة. والفصلية دقيقة جداً في نسبة كل ما تتضمنه إلى مصادره وذكر أذونات النشر التي حصلت عليها في نهاية كل عدد وبحرف بالغ الصغر لكثرتها. ولتتضح الصورة أكثر سآخذ عددين من أعداد هذه الفصلية الفريدة من نوعها بغرض التمثيل.

المثال الأول هو العدد الرابع من المجلد الرابع عشر الصادر عام 2022. محور العدد التعليم أو التربية (كلمة education تختصر المفردتين). تتصدر العدد عبارة لأرسطو هي «جذور التعليم مرة لكن ثماره حلوة» (330 قبل الميلاد). وتبلغ مواد العدد حوالي ثمانين مادة متنوعة ومختلفة الأحجام من الطويل الممتد لصفحتين وأكثر قليلاً إلى الفقرة القصيرة والعمود الصغير (سياسة المجلة لا تسمح بالنصوص الطويلة).

يتصدر قائمة المواد نص للفيلسوفة الأميركية المعاصرة أغنيس كالارد ويتلوه مباشرة نص لقس إنجليزي هو جون أوف سالزبري من القرن الثاني عشر بعد نص للألماني رودولف شتاينر يعود لعام 1924 ثم نص لكاتب فرنسي يعود لأواخر القرن الثامن عشر ثم نص ياباني يعود لعام 1936، وهكذا تسير القائمة. لكن سيهم القارئ العربي بصفة خاصة أن يعلم أن القائمة تتضمن نصاً لأبي حيان التوحيدي يعود للعام 985 ميلادي تقريباً. النص من كتاب «المقابسات»، ويتضمن كلاماً لأبي سليمان المنطقي حول التعليم والعلوم في مجلس حضره أبو حيان على طريقته المعتادة في كتب أخرى مثل «الإمتاع والمؤانسة». وفي منتصف الصفحة التي حملت نص التوحيدي اقتباس من المفكر والناشط الأميركي الأسود فريدرك دوغلاس حول جريمة حرمان أحد من التعليم (1894). وإلى جانب التوحيدي نجد نصاً قصيراً للشاعر الفارسي سعدي الشيرازي حول ملك عهد إلى معلم بتعليم ابنه.

العدد الآخر الذي أمثل به للفصلية هو العدد الأخير الذي صدر في ربيع 2023 والذي يتمحور حول الحرية. هنا نجد أيضاً عدداً كبيراً من النصوص الممتدة من العصر السومري في العراق وتنسب لشوروباك الملك السومري، حسب تعريف المجلة، الذي عاش حوالي 2400 قبل الميلاد ويشار إليه أحياناً بعصر ما قبل الطوفان. وفي قائمة المصادر تعريف بأن النص استقي من نص إلكتروني تم الوصول إليه من خلال جامعة أكسفورد. والنص حول نوع الخادم الذي ينصح الأب ابنه بالحصول عليه، والخادم من الرقيق. يقول احصل عليه من منطقة بعيدة تقع وراء الجبال لكي تأمن شره ويكون مطيعاً لك.

لكن القائمة تتضمن ما هو أحدث بكثير، فهناك نصوص للمكسيكي أوكتافيو باث والبريطاني سي. إس. لويس والجنوب إفريقية نادين غورديمير إلى جانب جورج أورويل وآخرين.

اللافت لنا في العالم العربي وجود نص لنوال السعداوي من كتابها «مذكراتي في سجن النساء» يعود لمطلع الثمانينات من القرن الماضي. كما أن في العدد نصوصاً للمناضل والمفكر المارتينيكي فرانتز فانون يعود لعام 1952 ولحنة أرنت (1960) ولنيتشه (1888) وللفيلسوف الإنجليزي هوبز من كتابه المعروف «ليفاياثان» (الوحش أو التنين) يعود لعام 1651، وهو كتاب تأسيسي في الفلسفية السياسية كتبه دفاعاً عن سلطة الملك تشارلز الأول ليقول إن القوة ضرورة لاستتباب الأمن. والنص تعريف لمعنى الحرية التي يستخدم لها المفردتين الأجنبيتين «ليبرتي» و«فريدوم» اللتين تعنيان الحرية في مناقشة لدلالات المفهومين.

وهناك نص للروائي الصومالي المعاصر نور الدين فرح الذي يكتب بالإنجليزية، وللروائي والشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا (القرن العشرين) إلى جانب الشاعرة الأميركية فيليس ويتلي التي تعد أول شاعرة أميركية سوداء نشرت أعمالها في القرن الثامن عشر. عدد غني دون شك ويوفر قراءة بالغة الإثراء لمن لديه الوقت والاستعداد. لكن كونه مختارات، مثل غيره من أعداد المجلة، يجعل القراءة ميسورة وأكثر إمتاعاً.

وأضيف وأنا أقترب من نهاية هذه المقالة أن فصلية لافام تصدر عن مؤسسة غير ربحية أسسها لافام، وهو نفسه ثري ومن أسرة يهودية ثرية، فجده مؤسس شركة تكساكو للنفط. وتجد المجلة التمويل في المبيعات (حوالي 60 بالمئة) وفي التبرعات (النسبة الباقية). توزيع المجلة محدود بطبيعة الحال لذا توفر التبرعات مصدراً لا غنى عنه وهو يأتي في الغالب من أصدقاء للافام نفسه، ومنهم مثلاً رئيس مجلس إدارة مكتبة «بارنز آند نوبل» وهي أكبر مكتبة لبيع الكتب في الولايات المتحدة، فالمجلة تتصدر واجهة قسم المطبوعات الدورية في جميع فروع المكتبة المنتشرة في كل الولايات والمدن الأميركية الكبيرة والمتوسطة وأحياناً الصغيرة. لنا أخيراً أن نتخيل ذلك الفريق من الباحثين في مؤسسة لافام الذين يحفرون في المصادر وينتقون ويحررون ويختصرون ويترجمون النصوص. عمل جبار دون شك كم تمنيت أن يتوفر ما يشبهه في اللغة العربية وكم حاولت أن أستنهض همم بعض المؤسسات لكني لم أجد أذناً تصغي لأهمية وقيمة مثل هذا العمل لو تحقق للثقافة العربية. نشرت الفصلية في عددها الأخير عدداً كبيراً من النصوص الممتدة من العصر السومري في العراق وتنسب للملك شوروباك



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».