الشعر والرسم في معرض بليز سيندرار ... دم مشبع بنور النجوم

أحد أكثر العروض إثارةً في نيويورك خلال هذا الصيف

جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
TT

الشعر والرسم في معرض بليز سيندرار ... دم مشبع بنور النجوم

جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)
جانب من معرض «بليز سيندرار... الشعر هو كل شيء» (متحف ومكتبة ذا مورغان)

تعد «التفاحة الكبيرة» (أي مدينة نيويورك الأميركية) مكاناً جيداً للابتكار، فقد كان لدى الشاعر السويسري فريديريك لويس ساوزر، سبب وجيه لإعادة بدء مسيرته المهنية من جديد هنا في ربيع عام 1912، ففي عمر 25 عاماً، وصل إلى ميناء نيويورك وهو خالي الوفاض، إذ كان حينها مفلساً تقريباً بعد تجربة حظه في روسيا والبرازيل، وكان بالكاد يستطيع إطعام نفسه.

وفي يوم الأحد 7 أبريل (نيسان) 1912، الذي كان يوافق عيد الفصح في ذلك الوقت، عندما تم منعه من دخول المكتبة العامة، ذهب الشاعر الشاب إلى الكنيسة المشيخية الأولى في قرية غرينتش، التي طرده كاهن مسؤول بها بعدما لم يتمكن ساوزر من دفع تبرع.

وفي ذلك اليوم ذهب إلى المنزل غاضباً، وتمكن من النوم بصعوبة، ولكن في ظل هذا المزيج من الغضب والإنهاك، بدأ الشاعر الشاب أخيراً في الكتابة وانتهى به الأمر بكتابة قصيدته الحداثية البارزة المعروفة باسم «عيد الفصح في نيويورك»، التي تعد عبارة عن مجموعة من الأبيات التي باتت بمثابة نشيد وطني على مستوى المدينة.

من المعروضات (متحف ومكتبة ذا مورغان)

لقد منحته مدينة نيويورك حياة جديدة، وأعطى ساوزر لنفسه اسماً جديداً هناك يشبه طائر الفينيق، فمن ذلك الوقت فصاعداً، أُطلق عليه اسم بليز سيندرار وهو اسم يعني شاعر النار والرماد.

ويعد معرض «بليز سيندرار: الشعر هو كل شيء» الذي يُقام في مكتبة ومتحف «ذا مورغان» في مانهاتن، نيويورك، أحد أكثر العروض جاذبية وإبهاراً هذا الصيف، فهو عبارة عن مجموعة مركزة من الأعمال الفنية من عصر الحداثة عبر المحيط الأطلسي، التي تظهر بألوان غنية مطبوعة.

وفي حال لم تكن قد سمعت عن سيندرار من قبل، فأنت لست وحدك، ولكن من المرجح أن تكون قد تعرفت على صديقه الحميم غيوم أبولينير في الفصل الدراسي التمهيدي للشعر الفرنسي، الذي يعد مثالاً أكثر شهرة لمدرسة الاغتراب الحديث.

بليز سيندرار (Succession Cendrars)

ولكن سيندرار كان له حضور طاغ في الفنون والآداب الفرنسية الحديثة، حيث تعاون مع الفنان فيرناند ليجير والمخرج آبيل غانس، والملحن داريوس ميلود، وتقريباً كل طليعي (مصطلح أدبي يشير إلى الأشخاص أو الأعمال التجريبية أو المجددة وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بالفن والثقافة والسياسة والفلسفة والأدب) في باريس قبل قرن من الزمان، كما كان لديه أيضاً شغف بالإعلانات والعروض التجارية التي كانت أمراً مستحدثاً في ذلك الوقت، حيث كان يراها مساوية في الأهمية للشعر.

ويستفيد معرض «ذا مورغان» من شغف سيندرار بالوسائط المتعددة، لا سيما في التحفة الفنية الموجودة في قلب هذا العرض: «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France»، وهي رحلة شعرية غير مقيدة ولا تحتوي على علامات ترقيم تقريباً تعود إلى عام 1913، التي نشرها سيندرار بنفسه على كتيب مطوي مثل الأكورديون طوله 6.5 أقدام، محاط بإطارات تجريدية ملونة بشكل جزئي للفنانة الفرنسية - الأوكرانية العظيمة سونيا ديلاوناي تيرك.

غلاف أحد أهم كتب سيندرار يحمل رسومات الفنانة الفرنسية - الأوكرانية سونيا ديلاوناي تيرك (مكتبة ذا مورغان -بليز ساندرر)

ووُلد سيندرار في عام 1887 لأب سويسري وأم أسكوتلندية، لكنه بالكاد كان في سن المراهقة عندما خرج للحياة، ففي كل من «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France»، وفي المقابلات التي أجراها لاحقاً، تحدث عن شبابه باعتباره مغامرة مثيرة، ويبدو أنه قد شهد الثورة الروسية عام 1905، على الرغم من أنه ليس مؤكداً ما إذا كان قد جرف الفحم بالفعل على القاطرات الصينية في ذلك الوقت، فلطالما تمت المبالغة أثناء كتابة السير الذاتية، فهذا الأمر يمثل حالة كلاسيكية لرغبة الحداثة في الدمج بين الفن والحياة.

ويبدو شعر سيندرار شبيهاً بمدرسة الشاعر الأميركي الشهير والتر ويتمان جونيور، الذي يعد من أكثر الشعراء تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة في اتساع نطاقه وبريقه، لكنه كان أكثر حدةً وشدةً، إذ إنه كان يتضمن تحرر كتابات الشاعر الفرنسي نيكولاس آرثر رامبو، الذي اشتهر في الحركة الرمزية وأثر بشكل ملحوظ على الشعر الحديث، وحبه للمغامرة والسفر، ثم يتجرد من كل هذه المشاعر تاركاً شيئاً غريباً وحديثاً بشكل كامل.

وبعد بضعة أشهر من تحقيقه اختراقاً في نيويورك، عاد سيندرار إلى أوروبا من جديد، لكن هذه المرة عاد باسم جديد وشعور جديد بالثقة، وقد قام بطباعة قصيدة «عيد الفصح في نيويورك» على نفقته الخاصة في باريس، ولكن لم يتم بيع أي نسخة منها، وفي بداية عام 1913، قرأ شعره في شقة صديقه الشعر الفرنسي أبولينير، وهناك التقى الفنان روبرت ديلوناي وزوجته الفنانة سونيا ديلوناي، وحينها فكرت الأخيرة في التعاون معه، وبالفعل تمكنا معاً في «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France» من إنتاج واحدة من أعظم منشورات الفن المعاصر، التي تمثلت في تجربة إيقاعية سريعة الحركة من الرسم والشعر الذي شكل، على حد قولهم، «أول كتاب متزامن».

وقد حصل متحف ومكتبة «ذا مورغان» على واحدة من بضع عشرات من النسخ الباقية في عام 2021، ويتاح للجمهور خدمة رقمية رائعة على الموقع الإلكتروني للمتحف يتم فيها تكبير جميع اللوحات لرؤيتها بوضوح، كما تتوفر ترجمة كاملة للقصيدة للإنجليزية قامت بها رون بادجيت.

يشمل المعرض 22 لوحة يظهر أسفل كل منها شعر سيندرار الحر الذي يظهر في 30 خطاً مختلفاً (laise Cendrars/Succession Cendrars

ويشمل هذا العمل الفني 22 لوحة، يظهر أسفل كل منها شعر سيندرار الحر الذي يظهر في 30 خطاً مختلفاً، وفي أعلى اليمين، فوق عنوان القصيدة، هناك نسخة طبق الأصل من خريطة ميشلان للسكك الحديدية الروسية، وتتحدث القصيدة عن شاعر سيئ للغاية اسمه بليز، وهو يعبر سيبيريا وشمال الصين مع جين التي التقى بها في أحد البارات ويصفها بأنها «زهرة بريئة».

وفي جميع أنحاء «The Prose of the Trans-Siberian and of Little Jeanne of France» سيجد الجمهور إشارات إلى الحرب، إذ إنه بعد مرور عام على نشرها، انضم الشاعر السويسري إلى الفيلق الأجنبي الفرنسي (فرع خدمة عسكرية تابعة للجيش الفرنسي)، حيث فقد سيندرار ذراعه اليمنى في معركة شامبين الثانية في عام 1915، وأثناء فترة نقاهته وتعليم نفسه الكتابة بيده اليسرى، أصبح صديقاً لليجير، وهو فنان زميل له متخصص في التجزئة الحضرية، الذي كان أيضاً من المحاربين القدامى، إذ إنه كاد يموت من هجوم بغاز الخردل في خنادق غابة أرغون.

رسم يبرز تعاون بليز سيندرار مع الفنان فيرناند ليجير (Artists Rights Society (ARS), New York.)

ويتضمن المعرض المقام في «ذا مورغان» العديد من أعمال سيندرار وليجير معاً، بما في ذلك كتاب نُشر في عام 1918 باسم «J'ai tué» (لقد قتلت)، الذي تم فيه الدمج بين التروس والأسطوانات التكعيبية المتعرجة الخاصة بليجير.

كما كان هناك تعاون قوي آخر في عشرينات القرن الماضي، عندما سافر سيندرار إلى البرازيل والتقى أكبر طالب لليجير هناك وهو تارسيلا دو أمارال، إذ انضم الشاعر السويسري إلى الأخير والشاعر أوزفالد دي أندرادي في رحلة من ساو باولو إلى المناطق الداخلية البرازيلية، حيث رسم أمارال التلال وبلدات التعدين الاستعمارية التي ظهرت فيما بعد في كتاب سيندرار الذي جاء بعنوان «Feuilles de Route»، وليس من المبالغة أن نقول إن هذه كانت الرحلة التي ولد من خلالها الفن البرازيلي الحديث، إذ كتب أندرادي بعد ذلك بفترة قصيرة بياناً تاريخياً لفن وطني متحرر من التصورات الأوروبية، فيما قام تارسيلا بالدمج بين تأثيرات الأفارقة والسكان الأصليين والأوروبيين في فن برازيلي جديد بالكامل.

رسم للفنان الروسي شاغال يصاحب مقطوعة شعرية سيندرار (متحف ومكتبة ذا مورغان -بليز ساندرر)

صحيح أن معرض «الشعر هو كل شيء» يعد أصغر العروض الأربعة للأعمال الفنية التي تعود للقرنين التاسع عشر والعشرين في «ذا مورغان» هذا الصيف، لكنه الأكثر إثارة من بينهم.

وقد كتب الروائي الأميركي الشهير هنري ميلر عن شعر سيندرار وقصصه قائلاً: «كل شيء عنده مكتوب بالدم، ولكنه دم مشبع بنور النجوم».

يُقام معرض بليز سيندرار (1887-1961): «الشعر هو كل شيء» حتى يوم 24 سبتمبر (أيلول) المقبل، في متحف ومكتبة «ذا مورغان»، 225 حي ماديسون في شارع رقم 36، مانهاتن، نيويورك.

* خدمة «نيويورك تايمز»

«كل شيء عنده مكتوب بالدم، ولكنه دم مشبع بنور النجوم».

الروائي الأميركي الشهير هنري ميلر عن سيندرار


مقالات ذات صلة

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

يوميات الشرق 
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يعتمد جوزيف أفرام في أعماله على الحبر الصيني مع تقنية الـ«جيسو» لبناء طبقات متراكمة تمنح اللوحة عمقاً وملمساً وتُظهر الفكرة تدريجياً للمشاهد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق معرض الكاريكاتير جذب ركاب مترو القاهرة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

مترو القاهرة يتحول إلى معرض فني... الكاريكاتير يقترب من الجمهور

الكاريكاتير قادر بلغة بسيطة وساخرة وذكية على التواصل مع كل فئات المجتمع والتعبير عن أحداث كبرى بروح إنسانية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)

«خارج الزمن» لمحمود أمهز: استمرارية اللغة التشكيلية عبر العقود

يتحرَّر اللون في هذه الأعمال من وظيفته التقليدية المُرتبطة بالتعبير المباشر أو بإحداث تأثير بصري فوري...

فاطمة عبد الله (بيروت)

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.


أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
TT

أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)

دفعت منصة تداول عملات رقمية كورية جنوبية بالخطأ ما قيمته أكثر من 40 مليار دولار من عملة البيتكوين لعملائها، مما جعلهم لفترة وجيزة من أصحاب الملايين.

ووفقاً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، فقد كانت المنصة تخطط لمنح العملاء مكافأة نقدية صغيرة قدرها 2000 وون (1.37 دولار أميركي)، لكنها منحتهم بدلاً من ذلك 2000 بيتكوين، يوم الجمعة.

واعتذرت المنصة، "بيثامب"، عن الخطأ، مؤكدةً أنها تداركت الأمر سريعاً واستعادت معظم العملات المفقودة، وأوضحت أنها قيّدت عمليات التداول والسحب لـ695 عميلاً متضرراً خلال 35 دقيقة من حدوث الخلل.

وأفادت بأنها استعادت 99.7 في المائة من الـ620 ألف بيتكوين التي أُرسلت بالخطأ.

وأكدت شركة "بيثومب"، في بيان لها، يوم الجمعة: «نريد أن نوضح أن هذه المسألة لا علاقة لها بأي اختراق خارجي أو خروقات أمنية، ولا توجد أي مشكلة في أمن النظام أو إدارة أصول العملاء».

شعار «البيتكوين» على الباب في صورة توضيحية تم التقاطها بباريس (رويترز)

وفي اجتماع طارئ، عُقد يوم السبت، أعلنت هيئة الرقابة المالية في كوريا الجنوبية أنها ستُجري تحقيقاً في الحادث، وأكدت أن أي مؤشر على نشاط غير قانوني سيستدعي إجراء تحقيقات رسمية.

وتعهَّدت «بيثومب» بالتعاون مع الجهات الرقابية، وقال رئيسها التنفيذي، لي جاي وون: «سنعدّ هذا الحادث درساً، وسنُعطي الأولوية لثقة عملائنا وراحة بالهم على حساب النمو الخارجي».

وتعتزم الشركة دفع تعويضات بقيمة 20.000 وون (13.66 دولار أميركي) لجميع العملاء الذين كانوا يستخدمون المنصة وقت وقوع الحادث، بالإضافة إلى إعفاء العملاء من رسوم التداول، ضمن إجراءات أخرى.

وأعلنت أنها ستُحسّن أنظمة التحقق وتُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف المعاملات غير الطبيعية.

ومن المرجَّح أن يُثير هذا الحادث نقاشاً حول تشديد الرقابة التنظيمية على القطاع المالي.

في 2024، قام بنك سيتي غروب الأميركي، عن طريق الخطأ، بإيداع 81 تريليون دولار في حساب أحد عملائه بدلاً من 280 تريليون دولار.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن اثنين من الموظفين لم يكتشفا الخطأ قبل تنفيذه، لكن البنك ألغى العملية في غضون ساعات، بعد أن اكتشفها موظف ثالث.


مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
TT

مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)

يتعرض المسلسل المصري «منّاعة»، بطولة الفنانة هند صبري، لأزمات عدة قبيل انطلاق ماراثون دراما رمضان؛ إذ شهد مشادات بين بطلاته في الكواليس، كما تداولت وسائل إعلام مصرية أخباراً تُفيد بانفصال مخرج العمل حسين المنباوي، عن زوجته الفنانة مها نصار إحدى بطلات المسلسل، بجانب أزمة «الملصق الدعائي»، الذي نشرته الشركة المنتجة وخلا من أي عنصر نسائي باستثناء هند صبري.

وأكد منشور منسوب لمها نصار على حسابها الشخصي عبر «فيسبوك» وجود أزمة بالعمل، حيث اتهمت بطلة العمل هند صبري بـ«التطاول عليها وشن حملات ضدها، هي وبطلة أخرى بالعمل»، إلا أنها قامت بحذف منشورها، وتجاهلت الدعاية لمسلسل «منّاعة»، بينما نشرت منشورات لمسلسل «على قد الحب»، الذي تشارك به مع نيللي كريم.

وفور انتشار أزمة «الملصق الدعائي» قامت الشركة المنتجة بإضافة الفنانتين مها نصار، وهدى الإتربي، ونشره على حساباتها مجدداً، إلا أن الأمر زادت حدته بعد دخول الفنانة ميمي جمال على خط الأزمة؛ إذ أكدت في تصريحات إعلامية استنكارها لعدم وجودها ضمن نجوم الملصق برغم مساحة دورها الكبيرة.

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» (الشركة المنتجة)

ولم تتوقف الأزمة على كواليس «منّاعة»، بل طالت هند صبري بشكل خاص كونها البطلة؛ حيث استعادت تعليقات ومشاركات «سوشيالية»، موقف هند الداعم لـ«قافلة الصمود»، والذي أعلنته في يونيو (حزيران) الماضي عبر «ستوري»، حسابها على موقع «إنستغرام»، إلا أنها قامت بحذفه بعد الهجوم عليها، الذي وصل حد «المطالبة بترحيلها، وسحب الجنسية المصرية منها».

وبجانب ذلك طالبت تعليقات أخرى بمقاطعة «منّاعة»، بسبب تصريحات إعلامية منسوبة لمؤلفه عباس أبو الحسن، اعتبرها البعض مسيئة، خصوصاً بعد مقارنته بشكل ساخر بين العامل المصري، وآخر من إحدى الجنسيات.

وعن رأيه في مدى تأثير الخلافات على العمل الفني، أكد الكاتب والناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الخلافات تقلل من شأن أي عمل بالتأكيد، وأن ما يدور ربما يفسد المشروع بكامله؛ لأن فريق العمل تربطهم علاقات مختلفة أمام الكاميرا، بينما تطغى خلافاتهم بالواقع، وهذا الفصل في عقلية المشاهد ليس في صالح العمل، ويقلل من مصداقيته، ويتسبب في المقارنة بين الشخصية التمثيلية والحقيقية.

الفنانة هند صبري (حسابها على موقع فيسبوك)

وصرّح سمير الجمل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأن دعوات المقاطعة التي تخص هند صبري وبعيداً عن كونها فنانة جيدة، موجودة بالمواقع، وليست بالواقع، موضحاً أن المشكلة الكبرى تكمن في قصة العمل، وحضور حي الباطنية مجدداً في دراما تلفزيونية، مستنكراً ذلك، ومتسائلاً: «هل نحن بحاجة لمثل هذه الموضوعات؟».

ويعيد «منّاعة» هند صبري للمنافسة ضمن سباق الدراما الرمضانية بعد غياب دام نحو 5 سنوات منذ مشاركاتها في مسلسل «هجمة مرتدة»، بطولة أحمد عز، برغم تقديمها أعمالاً فنية أخرى خارج الموسم، من بينها «البحث عن علا».

وعلى هامش حضورها لحفل «رمضان بريمير»، الذي أقامته «الشركة المتحدة» في مصر للإعلان عن أعمالها الفنية المشاركة في موسم رمضان 2026، وهو الحفل نفسه الذي شهد على حضور مخرج «مناعة» وزوجته حينها، أكدت هند صبري أن المسلسل تدور أحداثه في حقبة الثمانينيات بمنطقة الباطنية المجاورة للجامع الأزهر، وكيف انتهت تجارة المخدرات بها، والسيطرة على الوضع بها، مؤكدة في تصريحات أخرى «أن مقارناتها بالفنانة نادية الجندي بطلة فيلم (الباطنية) واردة»، لكنها أوضحت أن ما يجمع العملين هو حي «الباطنية» فقط.

وتجاهلت هند صبري أزمات «منّاعة»، بحساباتها على «السوشيال ميديا»، ولم تعلق على الأخبار المتداولة بأي شكل.

ويؤكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن هند صبري لا تحب الدخول في معارك جانبية خارج رقعة الفن.

وأوضح الشناوي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هند صبري فنانة مثقفة وتتعامل بإنسانية، ولا يمكن أن ترى أن نجاح من حولها يشكّل خطورة عليها، بعد تألقها الفني الطاغي على مدار سنوات، كما وصف الشناوي ما يحدث بأنه «دخول في معارك خارج النص»، وأن هند صبري لن تتورط بها.

وفنياً بدأت هند صبري مشوارها في منتصف التسعينات، عبر الفيلم التونسي «صمت القصور»، بينما بدأت رحلتها الفنية بمصر مطلع الألفية الجديدة، وشاركت بأفلام عدة من بينها: «مذكرات مراهقة»، و«عايز حقي»، و«حالة حب»، و«ويجا»، و«ملك وكتابة»، و«الجزيرة»، و«إبراهيم الأبيض»، وقدمت مسلسلات مثل «عايزة أتجوز»، و«إمبراطورية مين»، «حلاوة الدنيا».