زيادة أسعار الدواء تزيد معاناة السوريين

سيدة سورية تغادر صيدلية بعد شرائها دواءً في دمشق (أ.ب)
سيدة سورية تغادر صيدلية بعد شرائها دواءً في دمشق (أ.ب)
TT

زيادة أسعار الدواء تزيد معاناة السوريين

سيدة سورية تغادر صيدلية بعد شرائها دواءً في دمشق (أ.ب)
سيدة سورية تغادر صيدلية بعد شرائها دواءً في دمشق (أ.ب)

تحتاج أم جورج وزوجها إلى ما يقرب من 90 ألف ليرة سورية شهرياً لشراء أدوية السكري وارتفاع ضغط الدم فقط، وهو مبلغ يعادل الحد الأدنى للأجور في سوريا حيث يعجز كثيرون عن شراء الأدوية في ظل الارتفاع المستمر في أسعارها، في وقت يعانون فيه تدنياً في الأجور في بلد مزقته حرب أهلية أتت على الاقتصاد.

وتقول أم جورج، التي يبلغ عمرها 65 عاماً، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «رح يخلوا صحتنا متل الليرة»، في سخرية من مثل شعبي كان يُقال سابقاً للأصحاء، بينما بات هذه الأيام نعتاً للشخص الهزيل، في ظل انهيار الليرة السورية المتواصل التي تسجل حالياً 13400 ليرة مقابل الدولار في السوق الموازية.

تصف السيدة الستينية شعار المرحلة الحالية بقولها: «يُحفظ الدواء بعيداً عن متناول الفقراء»، وتشير إلى أن خبر ارتفاع سعر الأدوية نزل عليها كالصاعقة، وأنها منعت جارها الصيدلي من أن يكمل لها سرد الأسعار الجديدة، بعدما أخبرها بأن دواء مرض السكري ارتفع من 11500 ليرة إلى 17 ألف ليرة، لتقاطعه قائلة: «أرجوك الأمر ليس بمزحة. تلك الأرقام ستصيبني بمرض قلبي سعر علاجه سيقضي علي».

وقال زوجها الذي يبلغ من العمر 72 عاماً ويتقاضى راتب تقاعد يبلغ 60 ألف ليرة سورية شهرياً: «الأمر لا يتوقف على الدواء... أينما تنظر تجد أن قيمة أي سلعة ارتفعت بين عشية وضحاها، أما المواطن وراتبه (كما هو) ومؤشر قيمته يتجه بين الحين والآخر للأسفل».

وأضاف: «رفعوا سعر البنزين قلنا نقعد في بيوتنا، رفعوا أسعار السلع الغذائية قلنا بسيطة سنجد أي شيء نحشي معدتنا به، وعندما رفعوا سعر دقيقة الاتصال (من الهاتف المحمول)، قلنا بسيطة سنحكي مع حالنا متل المجانين. أما أن يستكثروا علينا حبة الدواء، هذا كثير. ومع ذلك ما فينا نقول غير اللهم عافِنا».

وكانت مديرية الشؤون الصيدلانية في وزارة الصحة السورية قد أعلنت يوم الثلاثاء إصدار نشرة جديدة لأسعار الأدوية عدلت بموجبها أسعار آلاف الأصناف الدوائية بنسب تجاوزت 50 في المائة في بعض الأدوية، وذلك بعد تعديل سعر الصرف وفق نشرة مصرف سوريا المركزي الصادرة في 24 يوليو (تموز).

ويؤكد صاحب أحد معامل الأدوية في حلب، اشترط عدم ذكر اسمه خلال حديثه إلى «وكالة أنباء العالم العربي»، أن عدة معامل للأدوية في سوريا، ومن بينها معمله، توقفت عن الإنتاج خلال الفترة الماضية بسبب عدم توفر المازوت والانقطاع الطويل للكهرباء، فضلاً عن فرض الحكومة تسعيرة لا تتناسب مع تكاليف المواد الأولية التي يتم شراؤها بالعملة الأجنبية.

وأوضح صاحب المعمل أن المطالبة برفع أسعار الأدوية جاءت بعد أن فرضت الحكومة على المعامل حساب سعر الدواء بسعر صرف 4500 ليرة للدولار الصادر من البنك المركزي في 17 يناير (كانون الثاني)، بينما تغير هذا السعر مرات عديدة ليصل إلى 8542 ليرة، وهو سعر الصرف الذي تم تعديل أسعار الأدوية على أساسه يوم الثلاثاء.

وأعرب رئيس فرع دمشق بنقابة الصيادلة حسن ديروان، في تصريحات لصحيفة الوطن السورية، عن أمله في توفر الأدوية بعد رفع أسعارها، مشيراً إلى أنه خلال الفترة الماضية أصبحت العديد من الأدوية غير متوفرة في المستودعات «وبالتالي كان لا بد من رفع الأسعار حتى لا يكون هناك فقدان لأصناف جديدة».

الموت قهراً

«يريدوننا أن نصرخ حتى نموت قهراً»... تروي لجين السعدي بهذه الكلمات معاناتها بعد أن ذهبت إلى عشر صيدليات لتسأل على دواء يعالج الصرع.

وأضافت: «حصلت على علبة واحدة... لا تكفي سوى أسبوع واحد فقط».

وتابعت قائلة: «أليس من الغريب ألا تجد وزارة الصحة حلاً لهذه المعضلة إلا بالنزول على رغبة معامل الأدوية ورفع الأسعار بحجة تأمين وتوفير الدواء؟ يبدو أنها شريكة أساسية في زيادة معاناة وحاجة المرضى في كل مرة يتم فيها فقدان الدواء (عدم توفره) إلى أن يعلنوا رفع السعر».

وقال رئيس المجلس العلمي للصناعات الدوائية رشيد الفيصل لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن رفع سعر الدواء لا يعني أن المعامل ستكون قادرة على توزيع الأدوية على الصيدليات في اليوم التالي، مشيراً إلى أن إجراءات توريد المواد الأولية التي تستورد من الخارج تحتاج إلى بضعة أسابيع.

ويرى الفيصل أن زيادة الأسعار التي تصل إلى 50 في المائة لمعظم الأدوية «أقل من المطلوب، ولكن الجهات المعنية أخذت في الاعتبار الوضع المادي الصعب للمواطنين».

حسن جابر ممرض يعمل في أحد المراكز الطبية الحكومية بدمشق، يقول إن أسعار الأدوية زادت خلال أقل من عام عدة مرات، وغالباً ما تكون حجة أصحاب المصانع والموافق عليها من الجهات الرقابية ارتفاع تكاليف الإنتاج «متجاهلين تماماً أن أجور اليد العاملة هي جزء أساسي من تلك التكاليف».

وتساءل قائلاً: «لماذا لم يلحظ من يوافق على رفع الأسعار أن يرفع رواتب وأجور العاملين في صناعة الأدوية وتوزيعها؟ ومن المستفيد من بقاء الأجور على حالها وهي أقل بكثير من نسبة أجور العاملين بنفس المهنة في معظم الدول المجاورة».

وأبلغ رافد محمد، مدير هيئة الإشراف على التأمين في سوريا، «وكالة أنباء العالم العربي» في أبريل (نيسان) بأن هناك مشروعاً مقترحاً لمنح كل أرباب المعاشات تأميناً صحياً، ووافق عليه مجلس الوزراء وبانتظار استكمال إجراءات إصداره.

لكن مدير هيئة الإشراف على التأمين يرى أن أرباب المعاشات ليسوا قادرين على دفع أقساط التأمين «فالراتب التقاعدي يبلغ وسطياً نحو 90 ألف ليرة سورية، مما يشكل للمتقاعد عبئاً لا يتناسب مع راتبه، وبالتالي لن يشترك بالتأمين إلا الشخص الذي يعرف أنه مهما دفع فالفائدة من التأمين أكبر من القسط المدفوع».

ولدى مها أيوب، الطالبة في كلية الطب بجامعة دمشق، وجهة نظر مختلفة. وترفض الطالبة لوم الصيدلي على رفع الأسعار بدعوى أن «ناقل الكفر ليس بكافر»، في إشارة إلى غلاء المعيشة وانهيار سعر صرف الليرة، وحثت السوريين على الاتجاه للطب البديل والعلاج بالأعشاب لحل مشاكلهم الصحية بدلاً من التفكير الذي يزيد الأوجاع، على حد قولها.


مقالات ذات صلة

مقتل أربعة أشخاص برصاص عنصر أمن في جنوب سوريا

المشرق العربي أرشيفية لنقطة تفتيش تابعة لقوى الأمن الداخلي السوري في السويداء (رويترز)

مقتل أربعة أشخاص برصاص عنصر أمن في جنوب سوريا

قتل أربعة أشخاص وأصيب الخامس بجروح خطيرة في محافظة السويداء جراء إطلاق أحد عناصر الأمن العام النار عليهم يوم السبت.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)

محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

وجه المحافظ الجديد للحسكة خطاباً إلى أهالي المحافظة قال فيه إنه سيكون لكل مكونات أبناء المحافظة، ولكل امرأة وطفل وعامل وفلاح على هذه الأرض.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح المبعوث الأميركي توماس برّاك (د.ب.أ)

المبعوث الأميركي لسوريا يشيد بالاتفاقات الاستثمارية بين الرياض ودمشق

أشاد المبعوث الأميركي لسوريا توماس برّاك، السبت، بالاتفاقات الاستثمارية التي أُعلن توقيعها بين السعودية وسوريا، وقال إنها ستسهم جدياً في جهود إعادة إعمار سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح خلال إعلانه عن توقيع اتفاقات استراتيجية مع سوريا في دمشق (إكس)

الرياض توقع «عقوداً استراتيجية» مع دمشق لدعم الاقتصاد السوري

​قال وزير الاستثمار السعودي ‌خالد الفالح، ‌السبت، ⁠إن ​المملكة ‌ستستثمر 7.5 مليار ريال (⁠ملياري دولار) لتطوير ‌مطارين في مدينة حلب السورية على مراحل عدة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ونائب رئيس الحكومة طارق متري ووزيرا العدل اللبناني عادل نصار والسوري مظهر اللويس إثر توقيع اتفاقية نقل السجناء من لبنان إلى سوريا (رئاسة الحكومة)

لبنان وسوريا يوقّعان اتفاقية لنقل أكثر من 300 سجين إلى دمشق

وقّع لبنان وسوريا، الجمعة، اتفاقية لنقل المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسية المحكوم، في خطوة قضائية تفتح الباب أمام تسليم أكثر من 300 سجين سوري.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مقتل أربعة أشخاص برصاص عنصر أمن في جنوب سوريا

أرشيفية لنقطة تفتيش تابعة لقوى الأمن الداخلي السوري في السويداء (رويترز)
أرشيفية لنقطة تفتيش تابعة لقوى الأمن الداخلي السوري في السويداء (رويترز)
TT

مقتل أربعة أشخاص برصاص عنصر أمن في جنوب سوريا

أرشيفية لنقطة تفتيش تابعة لقوى الأمن الداخلي السوري في السويداء (رويترز)
أرشيفية لنقطة تفتيش تابعة لقوى الأمن الداخلي السوري في السويداء (رويترز)

أوقفت السلطات السورية عنصرا في الأمن الداخلي للاشتباه به في إطلاق نار في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية أدى إلى مقتل أربعة مدنيين من المنطقة، وفق ما أفاد قائد الأمن الدخلي للمحافظة.

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن قائد الامن الداخلي في السويداء حسام الطحان قوله إن «جريمة نكراء وقعت في قرية المتونة في ريف السويداء، أدت إلى «مقتل أربعة مواطنين وإصابة الخامس بجروح خطيرة».

وأعلن الطحان أن «التحقيقات الأولية وبالتعاون مع أحد الناجين، بيّنت أن أحد المشتبه بهم هو عنصر تابع لمديرية الأمن الداخلي في المنطقة»، مضيفا أنه «تم توقيف العنصر على الفور وإحالته إلى التحقيق لاستكمال الاجراءات القانونية».

وشهدت محافظة السويداء، معقل الأقلية الدرزية في جنوب البلاد، بدءا من 13 يوليو (تموز) ولأسبوع اشتباكات بين مسلحين دروز ومقاتلين بدو، قبل أن تتحول الى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر إلى جانب البدو.

وتم التوصل الى وقف لإطلاق النار بدءا من 20 يوليو، لكن الوضع استمر متوترا والوصول الى السويداء صعبا.

ويتهم سكان الحكومة بفرض حصار على المحافظة التي نزح عشرات الآلاف من سكانها، الأمر الذي تنفيه دمشق. ودخلت قوافل مساعدات عدة منذ ذاك الحين.

وقدم قائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء «التعازي الحارة لذوي الضحايا» مؤكدا أن «أي تجاوز بحق المواطنين يعد أمرا مرفوضا بشكل قاطع، ولن يتم التساهل مع أي فعل يهدد أمن الأهالي وسلامتهم».


بارو يختتم زيارته بيروت بلقاء مع قائد الجيش

قائد الجيش العماد رودولف هيكل مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (قيادة الجيش)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (قيادة الجيش)
TT

بارو يختتم زيارته بيروت بلقاء مع قائد الجيش

قائد الجيش العماد رودولف هيكل مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (قيادة الجيش)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (قيادة الجيش)

اختتم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، السبت، زيارته إلى بيروت، بلقاء مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، حمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز طابعه البروتوكولي، في ظل تركيز فرنسي متزايد على دور المؤسسة العسكرية كمرتكز أساسي في مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار وحصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع تحضيرات متقدمة لمؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي تستضيفه باريس مطلع مارس (آذار) المقبل.

واستقبل قائد الجيش في مكتبه الوزير الفرنسي والوفد المرافق، بحضور السفير الفرنسي لدى لبنان، هيرفيه ماغرو، حيث تناول البحث الأوضاع العامة والتطورات في لبنان والمنطقة، إضافةً إلى المتطلبات اللازمة لتعزيز قدرات الجيش اللبناني، كما جرى التداول في التحضيرات الجارية لانعقاد مؤتمر دعم الجيش في فرنسا.

وكان بارو قد أكّد، خلال زيارته بيروت التي وصل إليها، الجمعة، التزام بلاده الكامل باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مشدّداً على أنّ دعم الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة يشكّلان ركيزتين أساسيتين في رؤية فرنسا للبنان بصفته دولة قوية وذات سيادة، وذلك في إطار سلسلة لقاءات رسمية عقدها في العاصمة اللبنانية.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال مؤتمر صحافي في دمشق (رويترز)

باريس تواكب وقف النار وحصر السلاح

وفي مؤتمر صحافي عقده في بيروت، الجمعة، شدّد الوزير الفرنسي على أنّ اتفاق وقف إطلاق النار هو «ثمرة جهود مشتركة أميركية - فرنسية»، مؤكّداً أنّ «باريس تتابع تطبيقه ميدانياً وسياسياً، وتقف إلى جانب لبنان في كل القرارات التي تتخذها سلطاته». وأشار إلى أنّ فرنسا تواكب مسار تثبيت وقف النار وملف حصر السلاح بيد الدولة، مشيداً بـ«التقدّم الذي أنجزته السلطات اللبنانية»، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة «البقاء واعين لحجم الأعمال التي لا تزال مطلوبة» في المرحلة المقبلة، لا سيما على المستوى الأمني والمؤسساتي.

دعم الجيش

وفي تصريحات سابقة نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» قُبيل توجهه إلى بيروت، الجمعة، قال بارو إنّ «تزويد الجيش اللبناني بالإمكانات اللازمة لمواصلة مهامه، بما في ذلك نزع سلاح (حزب الله)، يشكّل مدخلاً أساسياً لتحقيق رؤية فرنسا للبنان بوصفه دولة قوية وذات سيادة تمتلك احتكار السلاح»، في إشارة إلى الدور المحوري الذي توليه باريس للمؤسسة العسكرية في مقاربة الاستقرار اللبناني.

وكان الوزير الفرنسي قد جال على عدد من المسؤولين اللبنانيين، وشملت جولته لقاءات مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ووزير الخارجية يوسف رجّي، حيث نقل إليهم جميعاً موقفاً فرنسياً موحّداً يؤكد دعم لبنان في تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، بوصفه ركيزة الاستقرار في المرحلة المقبلة.


تغييرات بنيوية في هيكل «حزب الله» التنظيمي تعطي قاسم سيطرة إدارية

مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)
مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)
TT

تغييرات بنيوية في هيكل «حزب الله» التنظيمي تعطي قاسم سيطرة إدارية

مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)
مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)

تكشف استقالة رئيس «وحدة الارتباط والتنسيق في (حزب الله)»، وفيق صفا، التي أتت بنكهة الإقالة عن رأس قمة جبل الجليد في عملية إعادة هيكلة الجسم التنظيمي للحزب الذي تلقى ضربات غير مسبوقة في حربه الأخيرة مع إسرائيل التي أودت بأمينه العام التاريخيّ حسن نصر الله وخليفته الشيخ هاشم صفي الدين وخليفته الثالث المحتمل نبيل قاووق ومعظم قيادته العسكرية.

وتكشف مصادر لبنانية واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» عن ملامح هذه التغييرات في الجسم التنظيمي والسياسي للحزب، رغم التكتم الكبير، لتخلص إلى أن الأمين عام الجديد للحزب الشيخ نعيم قاسم يحاول أن يمسك بمفاصل الحزب بربط كل المؤسسات الحزبية بالأمانة العامة للحزب، بعد أن كان هذا الموقع سابقاً يتولى القيادة من دون الخوض في التفاصيل التي كانت من مسؤولية الهيئة التنفيذية التي تشبه «الحكومة» داخل الحزب.

أما العلامة الفارقة الثانية في هذه التغييرات فهي دخول العديد من السياسيين إلى مركز القرار بدلاً من رجال الدين الذين سيطروا في المرحلة السابقة على المشهد القيادي في الحزب، مع دخول شخصيات جديدة إلى مركز القرار من الذين رافقوا قاسم في حزب الدعوة واللجان الإسلامية قبل دخولهم الحزب بعد تأسيسه.

رعد... نائباً للأمين العام

وتتضح الصورة هذه مع دخول رئيس كتلة الحزب النيابية «الوفاء للمقاومة» إلى مركز القرار، مع الاتجاه الواضح لتعيينه نائباً للأمين العام، وهو من الذين رافقوا قاسم في حزب الدعوة. غير أن قرار التعيين لن يصدر على الأرجح قبل الانتخابات البرلمانية، ومن المقرر أن يتولى النائب حسن فضل الله رئاسة الكتلة بعد الانتخابات الأخيرة.

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)

فنيش...يقود «حكومة» الحزب

وتتكشف الصورة أكثر مع المعلومات التي توفرت لـ«الشرق الأوسط» عن تسلم الوزير والنائب السابق محمد فنيش مسؤولية الهيئة التنفيذية للحزب، حيث يخوض في مهمة إعادة تنظيم الجسم الإداري والمؤسساتي للحزب، فيما يتولى الشيخ علي دعموش مسؤوليات تنظيمية عملانية في الهيئة.

الوزير السابق محمد فنيش (الوكالة الوطنية للإعلام)

معطيات تنظيمية داخلية

وتفيد مصادر معارضة مطّلعة على الشؤون الداخلية في «حزب الله»، لـ«الشرق الأوسط»، بأنّ صفا «كان من أوائل المسؤولين الذين شملتهم قرارات تنظيمية داخلية قلّصت هامش تحرّكهم الإعلامي؛ إذ صدر قرار عن الأمانة العامة يقضي بمنعه من الإدلاء بأي تصريح من دون موافقة مسبقة من دائرة العلاقات الإعلامية في الحزب».

وتضيف المصادر نفسها أن هذه الإجراءات «لم تقتصر على الجانب الإعلامي، بل ترافقت مع تقلّص ملحوظ في الدور السياسي الذي كان يؤدّيه صفا في مراحل سابقة، سواء في التواصل مع القوى السياسية أو في ملفات الانتخابات والترشيحات». ووفق هذه الرواية، «لم يُسجَّل له خلال الفترة الماضية أي حضور علني بصفته موفداً سياسياً للحزب، لا إلى الحلفاء ولا إلى الخصوم».

إعادة توزيع المهام

ويشرح المصدر أن «هذه الوحدة، التي كانت تُعرف عملياً في مراحل سابقة بـ(اللجنة الأمنية)، تولّت إدارة الإشكالات الأمنية والميدانية داخل بيئة الحزب أو في حالات التوتر مع أطراف أخرى، عبر التدخل المباشر، ثم التنسيق مع القوى المعنية، ولاحقاً مع مؤسسات الدولة اللبنانية، بما يشمل الأجهزة الأمنية والقضائية، إضافة إلى متابعة ملفات موقوفين، وإنجاز مصالحات»، مضيفاً: «استفاد المسؤول عن هذه الوحدة من نفوذ متنامٍ داخل الحزب، خصوصاً في مراحل لاحقة، حين جرى دفعه إلى الواجهة في ملفات حساسة، أبرزها التفاوض غير المباشر وتبادل الأسرى، ما أتاح له بناء شبكة علاقات سياسية ودولية، شملت قنوات خارجية».

حصر الصلاحيات السياسية

وتشير مصادر متابعة للملف التنظيمي إلى «أن توسّع هذا الدور أدّى، في مرحلة معينة، إلى تجاوز الوحدة لوظيفتها الأمنية البحتة، بحيث بدأت، وفق توصيف هذه المصادر، بأداء أدوار سياسية لم تكن ضمن صلاحياتها الأصلية، عبر استقبال وفود وتمرير رسائل».

وبحسب هذه المصادر، «صدرت مع تولّي القيادة الحالية زمام القرار توجيهات واضحة بإعادة حصر دور )لجنة الارتباط والتنسيق( بالارتباط الأمني والتقني حصراً، ومنعها من أي دور سياسي أو تفاوضي أو إعلامي».

وتؤكد المصادر «أن أي قرار سياسي أو تواصل سياسي بات محصوراً بالقيادة السياسية للحزب، وتحديداً بالأمين العام نعيم قاسم، أو برئيس (كتلة الوفاء للمقاومة) النيابية، النائب محمد رعد، أو بالمعاون السياسي للأمين العام حسين خليل، فيما يقتصر دور الوحدة الأمنية على التنسيق التقني مع الأجهزة الأمنية اللبنانية».

تحوّلات بنيوية أوسع

تربط مصادر متابعة هذه التغييرات بتحوّلات أوسع داخل «حزب الله» منذ تولّي نعيم قاسم الأمانة العامة، مشيرةً إلى أن «المرحلة السابقة شهدت حضوراً وازناً لشخصيات دينية في الصفين الثاني والثالث، كهاشم صفي الدين ونبيل قاووق اللذين اغتالتهما إسرائيل في الحرب الأخيرة، فيما تبدّل المشهد راهناً مع تصدّر شخصيات سياسية غير دينية المشهد، أبرزها محمد رعد ومحمود قماطي وإبراهيم الموسوي، في مؤشر إلى تحوّل تدريجي نحو تعزيز الطابع السياسي للحزب».

وتكشف عن أن «الشق الإعلامي بات مُركّزاً ضمن إدارة مركزية واحدة، تخضع لإشراف النائب إبراهيم الموسوي، وبتكليف وتنسيق مباشر مع القيادة، في إطار سياسة تهدف إلى توحيد الخطاب وضبط الظهور الإعلامي وحصر التصريحات بالمراجع المخوّلة».

ترددات الحرب أطاحت بصفا

ويقول المحلل السياسي علي الأمين، لـ«الشرق الأوسط»، إن استبعاد صفا «يأتي في سياق تردّدات الحرب وتداعياتها المباشرة على (حزب الله)، إلى جانب تأثيرات الانكفاء الإيراني ومسار التفاوض القائم بين الولايات المتحدة وإيران»، معتبراً أن الحزب بات يدرك أن ما كان ممكناً في السابق لم يعد قابلاً للاستمرار».

وفيق صفا (أ.ب)

وأوضح الأمين أن القرار «يطال جهازاً يحمل بعدين، شخصياً وموضوعياً، ولا سيما أنه مدرج على لوائح العقوبات الأميركية، وهو بذلك رسالة واضحة مفادها أن الحزب لم يعد يمتلك السيطرة ذاتها على الأجهزة الأمنية في ظل مطلب أميركي وضغط من الدولة باتجاه تفكيك هذا الجهاز».

ورأى أن «الحزب يحاول التأقلم مع معطيات جديدة تفرض نفسها». وأشار إلى أن «قبول هذا المسار من عدمه يبقى مرتبطاً بكيفية تعاطي الحزب لاحقاً مع تنفيذ مبدأ حصرية السلاح».

واعتبر أن مواقف رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد عكست نبرة قد تبدو إيجابية حيال حصرية السلاح، لكنها لم تصل إلى مستوى الوضوح الكامل، معتبراً أن الخطوة الحالية «تشكّل إجراءً عملياً أولياً، على أن يُقاس صداها لاحقاً، سواء على المستوى الرسمي اللبناني أو على المستوى الأميركي المعني مباشرة بمتابعة الملف اللبناني».

ولفت أن الحزب سيواصل، كلما أُتيحت الفرصة، «السعي إلى الظهور بمظهر الحزب السياسي، ولو شكلياً، في إطار محاولة لإبراز طابعه السلمي والمدني وإظهار تناغمه مع مؤسسات الدولة». وأوضح أن أي تقدّم أو حتى اضطراب في مسار المفاوضات الإيرانية - الأميركية سيعكس ليونة أكبر في السلوك الداخلي للحزب»، مشيراً إلى أن «هذا المسار يبقى مرجّحاً ما لم يصدر قرار دولي حاسم بإنهاء وضع الحزب القائم».

وفي الإطار، يمكن أن يوضع ما تردد عن تكليف حسين العبد الله بمهام مسؤول «وحدة الارتباط والتنسيق» داخل الحزب، وهو الذي شغل سابقاً منصب المسؤول الأمني في جنوب لبنان، ويُعد من المقرّبين من الشيخ نعيم قاسم، فيما أُسندت مهمة التواصل مع الدولة والخارج إلى نائبه أحمد مهنا.

رواية مقرّبة من الحزب

في المقابل، ينقل مصدر مقرّب من «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» رواية مغايرة لما يُتداول، مؤكداً أن الإجراءات المتخذة بحق وفيق صفا «لا تتعدّى حدود إعادة الهيكلة التنظيمية التي انتهجها الحزب منذ نهاية الحرب وحتى اليوم، في إطار مراجعة داخلية شاملة طالت أكثر من موقع ومسؤول».

ويشدّد المصدر على أن صفا «لا يزال ضمن الجسم التنظيمي للحزب».

في المقابل، أفادت قناة «الجديد» بأن صفا قدّم استقالته من رئاسة «وحدة الارتباط والتنسيق» في «حزب الله» بموافقة داخلية، على خلفية خلافات عميقة مع الأمين العام للحزب نعيم قاسم وعضو مجلس الشورى ورئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» محمد رعد، إضافة إلى تقليص صلاحياته.