تمارا الجلبي تعيد الاعتبار لقصر الأيل

تسرد المؤلفة سيرتها لأسرتها وما تلازم منها مع سيرة عراق مختلف

تمارا الجلبي
تمارا الجلبي
TT

تمارا الجلبي تعيد الاعتبار لقصر الأيل

تمارا الجلبي
تمارا الجلبي

وأنا ألتقيها للمرة الأولى مع والدها الراحل أحمد الجلبي، لم أجد فيها سوى ما يميز الأب سليل الأرستقراطية البغدادية، المتعاونة مع الأسرة المالكة منذ تتويج الملك فيصل الأول، حتى اللحظة الأخيرة من المصير المفجع للملك الشاب فيصل الثاني، ونهاية أسطورة نوري السعيد صاحب المقولة المشهورة: «بيت السيد مأمونة» التي لم تؤكدها الحياة.

أثناء ما كنت أتبادل مع أحمد الجلبي أطراف حديث جاد، كانت تمارا الجلبي تدخل على خط الحوار بعربية اغترابية كما لو أنها تتهجى المعاني. مظهرها الأرستقراطي مزيج من الحداثة والمحافظة، فلم يكن في ملابسها ما يخدش الحشمة، وإن لم يقلل ذلك من انسيابها الجمالي على حضورها.

غلاف الكتاب

لم يكن موقفي منها غير امتدادٍ سلبيٍ لتقييمي للراحل أحمد الجلبي الذي لعب دوراً خطيراً لم يقيّم موضوعياً حتى الآن. إذا ما تركنا جانباً نواياه «الإيجابية» المرتبطة برؤيته وقناعته للوسائل والأدوات الكفيلة بإنقاذ العراق من سطوة الموت البعثي، فإن نجاح مسعاه المتواصل لاعتماد الإدارة الأميركية للقرار المخاتل المسمى «قانون تحرير العراق» الذي صوّت عليه وأقرّه الكونغرس الأميركي عام 1998 في عهد الرئيس بيل كلينتون كان سيئاً. كان لاعتماد القانون المذكور، مع التشوهات التي رافقت تطبيقه، أوخم العواقب على مصائر العراق التي ما زالت تتفاعل باتجاه المزيد من التحلل والرثاثة والانحدار السياسي والتفسخ القيمي. هذا القانون وضع البلاد ومصائرها تحت الهيمنة الأميركية ضد الإرادة العراقية.

إن هذا التقييم يتطلب وقفة موضوعية عند المرحلة الممتدة منذ وثوب الديكتاتور إلى المركز الأول والانفراد المطلق بإدارة البلاد، مروراً بانتقال جميع التيارات والقوى العراقية إلى مواقع المواجهة مع نظام البعث وهيمنة صدام حسين على مقدرات البلاد ومصادرة إرادة العراقيين.

أياً كان ما سيُكتب عن المرحلة فإن وجهة نظري عن أحمد لم تعد كما كانت يوم التقيته في دمشق مع إطلالاته السياسية الأولى كناشط في إعادة النظر بتركيبة الأطر الحزبية للمعارضة ولمستقبل العراق الجديد. لقد صرت أرى فيه وطنياً لا مجال لمقارنة قامته بالفضلات غير القابلة للتدوير التي تسلّطت على العراق. وهذا التقييم تلازم مع التغييرات العاصفة التي اجتاحت العالم وأطاحت بنظمٍ وإمبراطوريات، كما فككت آيديولوجيات صار النوع الإنساني في مجراها مثاراً للتساؤل والشك. ولم تعد المعايير التي سادت مع صعود الحركات الثورية الرائدة ونمو الآمال بجنّاتٍ على الأرض تتساوق مع انطفاء الأمل وتحلل تلك الحركات لتسود البدائل المحشوة بالخرافات والجهل.

*******

في حوارٍ ممتع مع تمارا، بعد أن تغيّرت في نظري مع تقادم المعرفة وتآلف اللقاءات وتعدد ما كان يتجدد في الحديث الذي تناول الملكية والثورات والآيديولوجيات وما يجثم على صدورنا من آثارها، توقفنا عند كتابٍ لها يسرد سيرتها لأسرتها وما تلازم منها مع سيرة عراق مختلف. لقد وجدت تمارا أنه سيكون تحدياً للمدى أن تنشره، فهو يحمل آراء ووجهات نظر وتقييمات للمراحل الأولى لنشوء الدولة العراقية، وصعود الملكية باستيراد الملك فيصل الأول من قبل الإدارة المدنية للاحتلال البريطاني، صنيعة لورنس العرب والمس بيل، ليصبح وريث السلطنة العثمانية.

بعد أن قُدمت لي مطالعة الخبير المعتمد عن الكتاب، لازمني الشك بشأن مدى مصداقية ما كُتب، لكنها في الوقت نفسه رجّحت أن المدى ستتردد في قبول مغامرة نشر كتاب يميل ويتعاطف مع النظام الملكي.

******

تبدأ تمارا حكايتها من بواكير انهيار الإمبراطورية العثمانية واندثار خلافتها. جاء السرد ملضوماً دون إقحاماتٍ مخلة، منذ محاولتها خلق مناخات ملائمة للتلازم بين مقدمات نشوء الدولة العراقية وتكوين أسرتها كظاهرة اجتماعية متصاعدة مع متكآت نفوذها وامتداداتها المتشابكة من حيث العرق والطائفة والانحدار. وابتداءً من لحظة التلازم تلك يظهر التناقض بوضوح بين انتماء الأسرة الجلبية للمذهب الاثني عشري، وميلها للاندماج الاختياري في مجتمع متعدد، وبين الميل الشيعي للعزلة والقاضي بعدم التعاون مع خيار تشكيل الدولة ومؤسساتها وفقاً لما قررته إدارة الاحتلال البريطاني، باعتماد الركائز المؤسساتية للسلطة الجديدة على القيادات والكوادر السنية المتأهلة في عاصمة الخلافة العثمانية، وبالترابط مع فتوى المرجعية الشيعية العليا في النجف الأشرف بتحريم التعامل مع إدارة الاحتلال والانخراط في تشكيلات الحكومة.

أحمد الجلبي

ولم يكن خيار عبد الحسين الجلبي عميد الأسرة أن يغرد خارج السرب السياسي، بانضمامه كطرف شيعي في دعم خيار إدارة الاحتلال وربط مصيره بالنظام الملكي هيّناً عليه شخصياً، ولا على أسرته ومصائرها عبر التغيّرات العاصفة التي شهدتها الملكية في أيامها الأولى، ثم في المراحل اللاحقة التي تسللت فيها الهشاشة في تركيبتها، لتنهار تحت وقع النضالات الشعبية وخاتمتها ثورة 14 يوليو (تموز).

استَلّتْ تمارا بذكاءٍ كشف موهبتها كحكّاءَة ذات نزعة روائية، قصر الأيّل رمزاً لمكانة الأسرة ليكون محور السيرة، محولة إياه إلى عراق مصغر تدور فيه وحوله حكاية الأسرة وهي تنمو وتتغير وتتمحور فيها التناقضات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مراحل تطور العراق وانتكاساته. كان تحدي الوجيه الشيعي أحد الأعمدة الاجتماعية لأهل مدينة الكاظمية مثيراً للالتباس وانقسام وجهاء الكاظمية من الموالين للمرجعية وغيرهم ممن لم يختلفوا رفضاً لمرجعية النجف، وإنما وجدوا في العزلة التي تؤدي إليها فتوى المرجع إضراراً بالطائفة وتكريساً لنمط من الانفراد بالحكم لطائفة يؤدي في نهاية المطاف إلى تشويه التركيبة السياسية للدولة، وتحويل ما رفضته المرجعية إلى واقع معيش، وهو ما جرى تكريسه بالفعل وأدى إلى تجاذبات وصراعات لم تنته حتى يومنا هذا.

تكتب تمارا باللغة الإنجليزية، وتفكر بها. لكن الترجمة الباذخة المنسابة لعلي بدر تعكس دون شك ثقافة الكاتبة وطاقتها الإبداعية وتنوع معرفتها بجماليات اللغة ومفرداتها المعبرة عما تريد دون إفاضة مخلة.

كان الكاتب المبدع بدر التقى تمارا وحاورها معرفياً، وبات بعد اللقاء أكثر قناعة بطاقة الكاتبة وسعة ثقافتها.

ربما هي المرة الأولى التي أتعرض فيه لعمل إبداعي عراقي يجمع بين الاجتماعي والثقافي على متكآت سياسية تناصر الملكية.

قرأت دون توقف حكاية عائلة لعبت دوراً سياسياً ممالئاً للنظام الملكي انتهت عند حفيدها أحمد الجلبي الذي دخل عالم السياسة بعد نكبة نشاطه المالي بانهيار بنك البترا في الأردن، ليقوم بدورٍ شديد الخطورة على مصائر العراق والمنطقة بأسرها، دون أن يسمح له توازن القوى من لعب دور مقرر على رأس السلطة بعد الاحتلال وإسقاط نظام صدام. والحال لم تكن عضويته في مجلس الحكم سوى واجهة شكلية تنفيذية بلا إرادة قرار وطني.

أهمية حكاية هذه الأسرة أنها تعكس سيرة نشوء الدولة العراقية بكل تناقضاتها وعثراتها وتمزقاتها وبنيتها المشوّهة، حتى وهي تولد بعملية قيصرية على يد دايتها الخاتون مس بيل، وبرعاية بريطانية غير منزهة كانت قد وضعت في قاعدتها قنبلة تتفجر متى ما تشاء هي أو من يتسيد على القرار الأممي عنوةً بعد أن تغيب الشمس عن سماء الإمبراطورية العجوز. كما أن أهمية الحكاية تتأتى من كونها تسرد تطور المجتمع العراقي وتبلور طبقاته وما يرتبط به من عادات وتقاليد، وبوجه خاص الطبقة الوسطى، إزاء تعقد المشهد السياسي ونمو الوعي الوطني والطبقي وتصاعد دور الأحزاب وتوسع الحراك الشعبي.

في قصر الأيّل وحواليه وفي جواره تدور حكاية العراق، وتنعكس في سيرة أفرادها بميولهم ونزعاتهم واهتماماتهم بما يدور في مجتمع يتطور، منتزعاً نفسه من رثاثة الإلحاق القسري بالخلافة العثمانية إلى إطار الدولة، محاوِلة الحفاظ على مخلفات نظام آفل متخلف ودمجها بتحديثٍ يقصي الطبقات والفئات الفقيرة لصالح الإقطاعيين والملاكين والكمبرادور.

قد لا تقصد الكاتبة ذلك، وهي تؤشر إلى مرحلة جديدة من تكريس نظام الحكم الملكي على قاعدة طائفية، حين كتبت عن إحساس عميد الأسرة الجديد هادي الجلبي بضرورة نقل قصر الأيّل من جوار الكاظمية إلى مدينة الأعظمية معقل الطائفة السنية وقياداتها الحاكمة وأبرز مثقفيها.

لم تكن تلك الانتقالة مجرد تغيير للمكان، كما أكد ضمنياً سيد الأسرة، إذ انتقل ثقل النشاط السياسي والاقتصادي إلى بغداد، وبات البقاء في زاوية ضيقة على أطراف الكاظمية يعني القبول بدور محدود، والتخلف عن متابعة التطورات في المشهد السياسي الحكومي والحراك النخبوي والشعبي، خاصة بعد أن صار عبد الهادي وآخرون من الأسرة مشاركين في الحكومة وجزءاً من النشاط الاجتماعي للأسرة المالكة والفريق الحاكم. كان الانتقال، بمعنى ما، رفض الاستسلام لطبيعة تركيب السلطة المتأطر بتمثيل مذهبي واحد، وإن لم يكن يمثل الأغلبية السكانية، بل يعكس تمييزاً طائفياً كرس انقساماً ظل بالغ التأثير على مصائر العراق حتى يومنا هذا. انطوى الانتقال بمعنى معين على السعي السياسي والاجتماعي لفرض واقع متغير يعزز دور الطائفة الشيعية في مفاصل الدولة والحكومة بالتفاعل المباشر.

تمارا الجلبي تحاول في سرديتها أحياناً تجاوز انحيازها الفطري لميولها العائلية السياسية، بتأكيد التزامها موضوعياً وهي تتقصى حقائق جوهرية في حركة التطور وما يتطلبه ذلك من توصيف وتسميات متجنبة التأثر بكتاباتٍ شعبوية تنطلق من الكراهية والعداء الآيديولوجي. هذا يُحسب لها ولجهدها الأكاديمي المتشبع بالقيم الموضوعية.

ويمكن ملاحظة ذلك في توصيف أحداث كبرى جرى تشويهها بعد ثورة 14 تموز 1958، كذلك اتخاذ موقف عدم رضا من ممارسات سياسية للنظام الملكي وإدانتها. وفي تصدّيها لأحداث ومراحل من التطور ينعكس هذا النهج بقدر متفاوت من الوضوح.

ولا بد من الانتباه عند قراءة الكتاب إلى أنه مكتوب باللغة الإنجليزية، ولغير القراء باللغة العربية، ما يتطلب الالتزام بمعايير لا تقبل التساهل والعبث باستخدام المفردات والمصطلحات في غير مواقعها وخارج سياقاتها.

قصر الأيّل عمارة سردية يمكن أن تكون رواية، وتصلح أن تكون أساساً لبناء سيناريو مُعزز لمسلسل يحكي سيرة عراق ينزف ويتطلع للمجهول!


مقالات ذات صلة

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».