ثلاث مدن وأربعة لقاءات

 الشاعر عبد المنعم رمضان
الشاعر عبد المنعم رمضان
TT

ثلاث مدن وأربعة لقاءات

 الشاعر عبد المنعم رمضان
الشاعر عبد المنعم رمضان

تعرضت لفتنة محمود درويش في زمن مبكر، كنت طالبا على حافة الجامعة، بعمر يدور حول الثمانية عشر عامًا مما جعلني رومانسيًا، وبعزلة جعلتني مفردًا بصيغة المفرد، ففى العام 1969، وفى سبيل الانتصار على آثار نكسة 1967، أصدر رجاء النقاش كتابه محمود درويش شاعر الأرض المحتلة، مازلت أذكر طبعته فى سلسلة كتاب الهلال، كنت قادمًا من شعر المدارس الذي ألزمونا بدراسته بدعوى أنه شعر كل العصور، وبسببه وبسبب عزلتي وبسبب عمري أصبحت أسيرًا لشعر الرومانسيين، لولا وقوعي على بعض شعر التالين عليهم والذين كانوا يحاولون البحث عن أرض جديدة، مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى، كلاهما كان يحاول إسدال الستائر على الباقي فيهما من الرومانسية، كلاهما كان يحاول أن ينتقل من عامه السادس عشر، إلى عامه التاسع عشر وما بعده، لذلك فوجئت مرتين، مرة ذكراها مشوشة في رأسي، وذلك عندما قرأت ديوان "آخر الليل" لمحمود درويش ضمن مواد أحد أعداد مجلة الهلال، كان عنوان الديوان مضخة تفاؤل مطلوب بعد نكسة 67، آخر الليل نهار، وفيه قرأت قصائد درويش عن ريتا، بين ريتا وعيوني بندقية، وريتا سوف تظل فى ذاكرتي إلى أن رأيت صورة لها منذ وقت قريب، فى إحدى الصحف، لكنني رغم حرصي على الاحتفاظ بالصورة فقدتها للأسف.

أعود إلى ما سبق أن قلته، فوجئت مرتين، فبعد ديوان آخر الليل، صدر كتاب رجاء النقاش عن محمود درويش شاعر الأرض المحتلة، في سلسلة كتاب الهلال، الحقيقة أننى لا أذكر أيهما سبق الآخر، سيغريني الشعر المضموم في كتاب رجاء بتكرار قراءته، وسيغرينى أكثر بمحاولة الخروج على ما أكتبه من شعر عمودي، مثلما أغراني شعر صلاح وحجازي وأدونيس، فيما بعد، وعندما دعاني غالى شكري إلى منزله في سهرة على شرف محمود درويش، الذي سبق أن التقيت به، سألته عن المدعوين، فذكر لى اسم رجاء النقاش وزوجته واكتفيت، فى بيت غالي أتى آخرون، سمير سرحان، والسيدة بروين حبيب، فيما أذكر، وأظنها كانت مذيعة تليفزيونية، وصديقي الشاعر محمد سليمان، طوال السهرة كان الأكثر أناقة بيننا جميعًا وربما الأكثر حيوية هو محمود درويش، ولما اقترح أحدهم أن نسمع شعرًا، وطولبت بالقراءة، لم أعتذر، لكننى اشترطت أن يقرأ محمود درويش أيضًا، الذي بلغة قاطعة، بدت وكأنها قاطعة دائمًا، قال لي: لا حقًّ لك في ذلك، لأنك كنت منذ يومين مدعوًا إلى منزل حسن طلب بمناسبة وجودي، لكنك لم تحضر، هناك أنا قرأت، وهنا عند غالي أنت ستقرأ، فانحنيت أمام بلاغته، وقرأت ما قرأت، وهكذا تواددنا، حتى أنه دعاني لحضور ندوته بعد أيام بالجامعة الأمريكية، أذكر أنني عندما أوشكت على دخول القاعة لمحته جالسًا على المنصة.

كان الجمهور غفيرًا، في صفه الأول يجلس محمد حسنين هيكل، بعدما جلست نظرت فى اتجاهه، أعني في اتجاه درويش، فوجئت به يومئ لي برأسه، فأحطت بمهارة جديدة من مهاراته، مهارة اللياقة الاجتماعية واليقظة، صحيح أنه كانت على رأس هذه المهارات قدرته على حشد المفردات الجميلة إلى حد أنني كنت أتمنى أحيانًا وأنا أقرأه أن ينخدش هذا الجمال ببذاءة ما، ذات زيارة تالية أخرى لمحمود درويش، وفى القاهرة، اصطحبتني صديقة صحافية إلى شقة السيدة منى أنيس بوسط البلد، حيث سيكون محمود درويش هناك، وفور دخولي أحسست بأنني غريب حقًا على العائلة، فأجبرت نفسى على الانصراف السريع بعد أن رأيت (محمود) منسجمًا وسط لفيف من يساريين ويساريات كانوا يدللونه، قلت لنفسي: لم يبق إلا الانصراف، وذلك خشية أن أفسد علاقتي بمحمود وبصاحبة المكان وبالصديقة التي اصطحبتني معها، الغريب أنني لا أذكر الآن اسمًا واحدًا ممن رأيتهم، كأن ذاكرتي أصرت على نسيان هذا اللقاء، عمومًا هذان اللقاءان في بيت غالي شكري الذي تبعته ندوة الجامعة الأمريكية، وبعده فى شقة منى أنيس، يجبراننى على أن أتذكر المرة الأولى التي التقيته فيها.

في سنة 1993، كانت وزارة الثقافة الفرنسية قد دعت وفدًا أدبيًا مصريًا مكونًا من تسعة روائيين وثلاثة شعراء، الروائيون هم لطيفة الزيات وإدوار الخراط وبهاء طاهر وإبراهيم أصلان ومحمد البساطى وجمال الغيطانى وإبراهيم عبد المجيد ونبيل نعوم وسلوى بكر، والشعراء أحمد عبد المعطى حجازى ومحمد عفيفى مطر وعبد المنعم رمضان، الشعراء دائمًا أقلية، وكانت التظاهرة هذه ذات اسم لافت، "المغتربات الجميلات"، والمقصود بالمغتربات آداب اللغات الأخرى غير الفرنسية، ولأن العام السابق على تظاهرتنا، أى عام 1992، كانت حفاوته معقودة للأدب الإسرائيلي، هكذا أبلغونا، لذا فإن فرنسا الحريصة دائمًا على إحكام توازناتها السياسية، اختارت الأدب المصري، أيامها كان محمود درويش يقيم في فرنسا، يقيم كشاعر نجم فوق العادة، لذا زارنا في فندق الإقامة ليرحب بنا، وبعفوية غالبًا مقصودة، أبلغنا اعتذاره عن عدم حضور حفل الافتتاح، لأنه فى الوقت ذاته، سيكون على منصة مركز اليونسكو، يقرأ بعضًا من شعره، بينما كانت احتفاليتنا في مكان بعيد عن قلب المدينة، كانت في مركز بومبيدو، المقام حديثا، عمومًا المنظمون الفرنسيون خصصوا لنا قاعة صغيرة متوقعين أن الحضور سيكون محدودًا، لكن حمّى "الإجيبتومانيا"هزمت توقعاتهم، فأتى الفرنسيون بأعداد أجبرت المسئولين على تأجيل الافتتاح لساعة أو أكثر، ربما ساعتين، حتى يتم تجهيز أكبر قاعة.

الحضور كلهم تقريبًا كانوا فرنسيين وفرنسيات، بعض شعراء الوفد المصري وبعض روائييه الذين يعرفون محمود درويش معرفة أوثق من معرفتي، غضبوا، بعضهم رأى ندوة درويش فعلا مقصودًا، أعترف أنني غضبت مثلهم، لكنني فيما بعد، سوف أراجع نفسي واضعًا في اعتباري أن السنة السابقة على سنتنا كانت "المغتربات الجميلات" تحتفل بالأدب الإسرائيلي، وأن لعبة التوازنات الفرنسية المعهودة، ألزمتهم باستضافة مصر في العام التالي مباشرة، عندها قلت لنفسي، لابد أن درويشًا رأى وجوب التزام اللعبة الفرنسية باستضافة الأدب الفلسطيني، فهو المعادل اللازم للأدب الإسرائيلي، كما يرى هو لا كما يرى الغرب، عند ذاك همست لنفسي، ثم جهرت لها ولبعض زملائي، وقلت: معه كل الحق، لو أنني مكانه لفعلت ما فعله، لو أنني مكانه لغضبت من مصر والمصريين، لو أنني مكانه لغضبت من الغرب، والغريب أنني تماديت وأكبرت فعل درويش، مما أثار إعجاب لطيفة الزيات كما أخبرتني فيما بعد. في برلين التقيت للمرة الثانية مع درويش، كانت الشاعرة العراقية أمل جبوري وراء تنظيم مهرجان للشعر العربي ببرلين، على أن ينقسم إلى أمسيتين في يومين متتاليين، الأولى ستضم محمود درويش وأمجد ناصر ووديع سعادة وأمل جبوري وفقرة غنائية من الطبيعي أن تكون من شعر درويش، والثانية ستضم أدونيس ولميعة عباس عمارة وعباس بيضون وعبد المنعم رمضان وفقرة غنائية من الطبيعى أيضًا أن تكون من شعر أدونيس، كنت سعيدًا جدًا بمصادفة رؤيتي للميعة عباس عمارة، واستعادة ذكرى أنها أولى محبوبات بدر شاكر السياب، وأنها من الصابئة، في الأمسية الأولى، كنت أجلس خلف درويش وأمجد، وذات لحظات مال أمجد على أذن درويش وأسرّ له بشيء، بعدها هب درويش واقفًا وغادر الأمسية، بالطبع لحقت به أمل جبوري بصفتها المنظمة، علمنا فيما بعد أن (درويش) كان ثائرًا بسبب ما بلغه فورًا عن أن الفقرة الغنائية ستكون من شعر أمل جبوري، وتمت تسوية الأمر وإعادته إلى صوابه، فالغناء لابد أن يقترن بنجم الأمسية، ودرويش نجم الأمسية وكل أمسية، في أثناء ذلك لم أستطع تحديد موقفى من درويش، هل أنا معه، أم أنه كان من الواجب أن يتعفف، هل فعله ينتسب إلى خفة الكائن التي لا تحتمل، أم هو فعل مشروع.

وفى هذه الرحلة الألمانية زارنا نصر حامد أبو زيد شبه المنفى في هولندا بسبب قضية تكفيره، وكانت حواراته مع أدونيس في الموضوع ذاته، في رؤية نصر ورؤياه هو، بينما كانت حواراته مع درويش فيما يحيط الموضوع من قضايا ومخاوف سياسية، وكمصريين، نصر وأنا، انشغلنا بمراجعة موقف جابر عصفور من قضية نصر بصفته صديقنا المشترك، وبصفته اتخذ موقفا يستحق المراجعة، رأيناه نحن الاثنين موقفا مائعًا، بقيت مناسبة أخرى جمعت بينى وبين ظلال محمود درويش، وذلك عندما قررت مجلة الكرمل التي كان يرأس تحريرها آنذاك محمود درويش أن تخصص عددها رقم 14 للأدب المصري، على أن يرأس تحرير هذا العدد إدوار الخراط، كان إدوار أيامذاك "عراب الحداثات المتتالية" وكاهنها، منذ الستينيات حتى التسعينيات، وكان كذلك صاحب" رامة والتنين" التي أحاطتها نميمة لطيفة حول رامة ومحمود، وكأن (محمود) هو الشاعر الذي غلب إدوار في علاقته برامة، عمومًا جاء العدد ممثلًا في الأغلب لحداثيي: 1- الستينيات التى يغلبها السرد الروائي والقصصي، 2- السبعينيات التي يغلبها الفعل الشعري بجناحيه "إضاءة وأصوات "، ولأن سليم بركات، كما أشيع، كان المسئول الفعلي عن المجلة، بينما درويش كان السيد الرئيس، فإن ثمة تدخلات من سليم أدت إلى إصدارنا بيانا يندد بخروج "الكرمل" على آداب النشر المعهودة عندنا كعرب، مثل تدخلات سليم بركات بالحذف والتعديل فى بعض النصوص دون حتى مراجعة أصحابها، لم يكن نصي ضمن هذه النصوص، أيامها شاركت في التوقيع على البيان غير أنني حافظت على إعجابي بما يكتبه سليم، مع العلم أن البيان صادف هوى الإذاعة في إسرائيل، فأذاعته أكثر من مرة مما أدى إلى غضب درويش وسليم، وغضب إدوار الخراط أيضًا، المهم أن موت درويش المبكر حرمنا من إكمال ما كانت كتاباته الأخيرة تدلنا عليه، فقد فطن متأخرًا إلى ضرورة أن تكون حركته الشعرية رأسية تجتهد في الحفر، بدلًا من كونها أفقية - في الغالب- تجتهد في الاتساع، كما فطن أيضًا إلى أن المسافات الشعرية بينه وبين الباقين آنذاك من رفاقه مثل سميح القاسم لابد أن تجعله في مكان بعيد وتبقيهم في أماكنهم، فالأخوة الإنسانية ليست الأخوة الشعرية، ورسائل محمود درويش وسميح القاسم عجزت عن تصويرهما كندين أو كأخوين، وحافظت على التفاوت الواسع مثلما حدث في حوار المشرق والمغرب، بين محمد عابد الجابري وحسن حنفي، حيث بدا التفاوت لصالح عابد الجابري. مات محمود درويش قبل أن يستمتع طويلًا بجحيمه الخاص وجنته الخاصة، وبخصومة محبيه، مات محمود درويش وهو على بُعد خطوات من فرادة حقة كان ينبغي أن تليق به، لولا أنه ظنها حياة وحشية، مع ضرورة الاعتراف بأن ما سيبقى من شعره كاف لدوام وجوده، كاف للسفر عبر الأزمنة.


مقالات ذات صلة

السيسي: لا مساس بالدستور المصري

شمال افريقيا الرئيس المصري خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية (الرئاسة المصرية)

السيسي: لا مساس بالدستور المصري

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «عدم المساس بدستور بلاده»، وقال إن «لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)

تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

قدّم نائب برلماني مصري طلب إحاطة عاجل إلى الحكومة، الأربعاء، لمساءلتها عن أسباب التراجع في مؤشر «مدركات الفساد» العالمي.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

«الخارجية المصرية» لـ«الشرق الأوسط»: العلاقات مع السودان عميقة وممتدة

أكدت مصر على متانة العلاقات مع السودان واستمرار التنسيق بالملفات الاستراتيجية بعد حادثين متتالين أحدهما يخص منقبين سودانيين والآخر بشأن سائقين مصريين

محمد الريس (القاهرة )
خاص صبي فلسطيني يجلس وسط ممتلكات أسرته بعد أن هدمت القوات الإسرائيلية غرفة كانوا يسكنونها في قرية «أم الخير» بالضفة الغربية المحتلة الأربعاء (أ.ف.ب)

خاص حوار فلسطيني مصغر في القاهرة تمهيداً لـ«اجتماع شامل»

حراك فلسطيني جديد تشهده العاصمة المصرية القاهرة، للمرة الثانية في أقل من أسبوع، بهدف الدفع إلى إقامة حوار شامل بعد تأجيل الانتخابات الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (غزة) محمد الريس (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

شددت محادثات مصرية - بريطانية على «ضرورة وقف الاعتداءات ضد المملكة العربية السعودية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.


وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر
رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر
TT

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر
رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن، يُعرف باسم قصير عمرة. تبيّن يومها أن هذه الجداريات تمتدّ على مدى ثلاثمائة وثمانين متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسّطي؛ مّا يجعلها مادة لدراسة تطور الرسم التصويري بتقاليده الراسخة في القرن الثامن، ونشوء الفن الأموي المنبثق من هذه التقاليد. تواصلت الاكتشافات خلال العقود التالية، وظهرت أبنية أموية أخرى حوى بعض منها جداريات مشابهة، بقيت منها شواهد معدودة، وقد عمدت البعثات الأثرية المختصة إلى جمعها وحفظها. تبرز في هذا الميدان مجموعة شواهد محفوظة في متحف دمشق الوطني، مصدرها قصر يقع جنوب غربي تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي.

تمّ اكتشاف هذه الشواهد خلال أعمال المسح والتنقيب التي أجرتها بعثة فرنسية في موقع قصر الحير الغربي بين عامَي 1936 و1938. وهي بدت أشبه بشذرات مبعثرة، تمّ جمعها وتوثيقها، قبل العمل على حفظها وتثبيت كلّ منها على لوح مستقل. هكذا تحوّلت هذه الشذرات عينات تشكيلية، منها ما جاء على شكل زخارف متعدّدة الأشكال والأنماط، ومنها ما جاء على شكل عناصر نباتية محوّرة، ومنها ما جاء على شكل تصاوير آدمية تتمثّل في وجوه وقامات فقدت الكثير من مكوّناتها. يعرض متحف دمشق الوطني وجهين من هذه الوجوه، حلّ كلّ منهما على لوح خاص به. يتشابه هذان اللوحان في الحجم بشكل عام، وهما مربّعان، وأكبرهما طوله 39 سنتيمتراً، وعرضه 41 سنتيمتراً، ويحوي بقايا وجه أنثوي صُوّر في وضعيّة نصف جانبية. في المقابل، يبلغ طول اللوح الآخر 37 سنتيمتراً، وعرضه 34 سنتيمتراً، ويحوي بقايا وجه رجولي صُوّر كذلك في وضعيّة نصف جانبية.

تحني المرأة وجهها انحناءة بسيطة، وتبدو شاخصة، محدّقة بعينين واسعتين. الرأس دائري ومكتنز، يعلوه منديل أبيض عريض يلتف من حوله بثناياه الموشّحة باللون الأحمر القاني، كاشفاً عن غرّة قصيرة تعلو الجبين، وخصلتين متعرجتين تتدليّان على الخدّين. العينان ضخمتان، وهما لوزيتّان، وهدباهما مكحّلان باللون الأسود. الجفنان ظاهران، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان سُطرا كذلك بالأسوَد الحالك. صلبة العين بيضاء، تتوسّطها قزحية سوداء أشبه ببؤبؤ ضخم. الأنف ناتئ وقصير، وتكوينه محدّد بخيط جليّ يخلو من التظليل والتجسيم. الثغر ضائع للأسف، وما بقي منه يقتصر على طرف شفة ترسم كما يبدو ابتسامة خجولة. تخرج الأذنان من خلف الخصلتين الطويلتين، ويزيّن كلّا منهما حلق تتدلّى منه حبّتان لؤلؤيتان. يظهر طرف الصدر الأعلى، ويكسوه رداء كحلي. يبين أعلى الكتفين، ويكشف عن قامة ترفع ذراعيها نحو الأعلى. تظهر اليد اليمنى، وهي تقبض بأصابعها على مروحة تتكون من قضيب تعلوه قماشة مستطيلة زُيّنت بشبكة زخرفية. وتظهر راحة اليد اليسرى التي تساقطت، وبات من الصعب تحديد حركتها. تحضر هذه القامة الأنثوية وسط فضاء تزيّنه سلسلة من الأوراق النباتية المسطّحة، صيغت باللون النبيذي، وتظهر في أعلى اللوح بقايا إطار يتكوّن من سلسلة من الحبات اللؤلؤية.

في اللوح الثاني، وجه رجل يعتمر خوذة مقبّبة، توحي بأنّه ينتمي إلى ما يُعرف بـ«مجتمع الجيش». الوجه بيضاوي، وعيناه واسعتان وشاخصتان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. ينسل خيط الأنف المستقيم من بين هذا الحاجبين، ويتصل بشارب كثيف ينسدل طرفاه حول الفم المطبق. يرفع هذا الجندي يده في اتجاه ذقنه، في حركة تعكس حالة تأمليّة. يطل هذا الوجه سط فضاء ملبّد، تزيّنه في الأصل كتل نباتية بقي منها طيفها. يحيط بهذا الفضاء إطار على شكل شريط عريض مجرّد، بقي منه الجزء الأعلى، في موازاة الخوذة المقبّبة. يعكس الأسلوب المتبع في صياغة هذا الوجه أثر التقليد الهلنستي الشرقي الذي ساد في بقاع من الشرق الأدنى. ويماثل في زيّه العسكري وجهين يحضران في جداريات قصير عمرة. من جهة أخرى، يعكس الأسلوب المتبع في صياغة الوجه الأنثوي أثر الطراز الساساني، ويكشف عن نموذج تشكيلي مبتكر، اتّضحت ملامحه في مرحلة لاحقة، في مطلع الحقبة العباسية.

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوح ثالث يحمل وجوهاً أشبه بمسوخ بشرية... والثابت أن هذه الوجوه تعود إلى لوحة جامعة

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوح ثالث يحمل وجوهاً أشبه بمسوخ بشرية، والثابت أن هذه الوجوه تعود إلى لوحة جامعة، احتار أهل الاختصاص في تحديد هويّة موضوعها. يبلغ طول هذا اللوح 35 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً، ويجمع بين وجهين متقابلين، يعلوهما وجه ثالث يحضر بشكل أفقي. يظهر في الطرف وجه رابع تميّز ببشرته الداكنة. ويكشف الرسم التوثيقي الخاص بهذه الجدارية عن وجه خامس، يحمل الملامح نفسها. في التقليد الروماني، برز طراز خاص يعمد إلى تصوير شعوب أقاصي الأرض كمسوخ، ويبدو أن هذه الجدارية الأموية تنتمي بشكل ما إلى هذا الطراز، غير أن هذه القراءة التأويلية تبقى افتراضية.

إلى جانب هذه الألواح، ألواح أخرى من الحجم الصغير، تمثّل عينات من قاموس الفن التشكيلي الأموي، ومنها على سبيل المثل لوح صغير، طوله 17 سنتيمتراً وعرضه 21 سنتيمتراً، يحوي شبكة زخرفية تتبنّى الطراز الذي ساد في صياغة الألواح المنقوشة التي حفلت بها المواقع الأموية. تأخذ الوحدات الهندسية المجدولة هنا طابعاً تشكيلياً، وتعكس نمطاً يندمج في قوالب مسبكة، تجمع بين العناصر الهندسية المجرّدة، والعناصر التصويرية المتعدّدة الأشكال والأنواع.