السودان: احتدام المعارك في منطقة أمدرمان القديمة

تدمير القصر الرئاسي واتساع دائرة الاشتباكات في الخرطوم

صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)
صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)
TT

السودان: احتدام المعارك في منطقة أمدرمان القديمة

صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)
صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)

نفذ الجيش السوداني قصفاً مدفعياً صباح يوم الاثنين من منطقة كرري العسكرية بشمال مدينة أمدرمان، مستهدفاً مواقع تمركز قوات «الدعم السريع» في جنوب وغرب المدينة.

وتفرض قوات «الدعم السريع» حصاراً على سلاح المدرعات في جنوب الخرطوم، وسلاح المهندسين في جنوب أمدرمان، ومقر القيادة العامة في شرق الخرطوم، بينما يقول الجيش إنه يمشط المناطق والأحياء المحيطة بتلك المناطق.

وقال سكان لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن الاشتباكات تجددت في أحياء وسط أمدرمان التي يربطها بمدينة بحري جسر «شمبات» الذي يُعد خط الإمداد الرئيسي لقوات «الدعم السريع» بين مدن العاصمة الثلاث. وذكرت لجان مقاومة منطقة ود نوباوي في أمدرمان أن معارك ضارية تدور بين الجيش وقوات «الدعم السريع» بمنطقة أمدرمان القديمة وأن القذائف تتساقط داخل الأحياء السكنية، مشيرة إلى إصابة 3 من أسرة واحدة إلى جانب طفل رضيع.

وأضافت اللجان أن القصف المستمر منذ يومين على منطقة أبوروف في أمدرمان أدى إلى انهيار غرفتين بأحد البيوت، وإصابة فتى عمره 15 سنة وطفلة عمرها 6 سنوات بكسور. وتسيطر قوات «الدعم السريع» على الجزء الأكبر من ولاية الخرطوم، بينما يسعى الجيش إلى قطع طرق الإمداد عبر الجسور التي تربط مدن العاصمة الثلاث؛ أمدرمان وبحري والخرطوم. وأفاد شهود بأن اشتباكات بين الطرفين دارت أيضاً في الجزء الغربي من محيط سلاح المهندسين.

الدخان يتصاعد وسط الاشتباكات في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)

نهب الأسواق

وقال شهود إن معظم الأسواق والمتاجر الصغيرة أغلقت أبوابها خشية النهب، لافتة إلى أن السوق الصغيرة التي يجلبون منها الخضراوات خالية الآن تماماً. وناشدت قوات «الدعم السريع» السماح للتجار والسكان بالتحرك والوصول إلى السوق المركزية وسوق الكلاكلة اللفة لشراء السلع الغذائية، وتغذية أسواق الأحياء بالخضراوات والطحين (الدقيق) لتشغيل المخابز «وإلا فسيموت الناس جوعاً». ومنذ اندلاع الصراع في منتصف أبريل (نيسان) تشهد العاصمة معارك يومية على نحو ينذر بحرب أهلية طويلة الأمد، خصوصاً مع اندلاع صراع آخر بدوافع عرقية في إقليم دارفور بغرب البلاد. وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن نحو 3 ملايين نزحوا داخل السودان بسبب الصراع. وقالت المنظمة إن ما يقرب من 930 ألف شخص فروا إلى بلدان مجاورة. وقالت الأمم المتحدة إن القتال الدائر في السودان رفع عدد المواطنين الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد لأكثر من 20 مليون شخص، مضيفة أن الصراع سيفاقم على الأرجح حالة انعدام الأمن الغذائي على المديين المتوسط والطويل.

الحرب مستمرة رغم المبادرات

توصل الطرفان المتحاربان لعدة اتفاقات لوقف إطلاق النار بوساطة من السعودية والولايات المتحدة، لكن المفاوضات التي جرت في جدة جرى تعليقها مطلع يونيو (حزيران) بعد أن تبادل الجيش و«الدعم السريع» الاتهامات بانتهاك الهدنة بينهما، وهو اتهام يكيله كل طرف للآخر بشكل متكرر. وعاد وفد الجيش السوداني من مدينة جدة إلى السودان يوم الأربعاء الماضي للتشاور، معلناً الاستعداد لمواصلة المباحثات «متى ما جرى استئنافها بعد تذليل المعوقات».

وقال مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، خلال لقائه عدداً من قيادات الكنائس السودانية مؤخراً إن تعدد المبادرات لم ينجح في إنهاء الحرب. وأضاف أنه جرى الاتفاق على «السعي لتحويل الحرب إلى أن تكون سبباً في توحيد الوجدان السوداني، ووقف صوت البندقية إلى الأبد، وتأسيس دولة جديدة يمكنها التقدم إلى الأمام ويفخر بها السودانيون». وأشار إلى أن اجتماعه مع قيادات الكنائس تطرق إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع الكنسي عبر «استقطاب الدعم الإنساني، وإيصال المساعدات الإنسانية من المنظمات الدولية، ومناقشة آليات توزيعها على السودانيين جميعاً دون تمييز».

تصاعد الدخان فوق أمدرمان جراء المعارك بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» (أ.ف.ب)

تدمير القصر الرئاسي

واتسعت دائرة الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في العاصمة الخرطوم، بالأسلحة الثقيلة والخفيفة والقصف المدفعي والجوي، ما أدى إلى تدمير منشآت استراتيجية، منها القصر الرئاسي وجامعة أفريقيا العالمية وعدد من المرافق الحيوية ومعالم المدينة الرئيسية.

ونشرت وسائل إعلام سودانية صوراً لتدمير شامل غيّر معالم القصر الرئاسي في وسط العاصمة، جراء الاشتباكات المتواصلة بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، لليوم 114 من بدء الصراع، بالإضافة إلى القصف العشوائي الجوي والمدفعي في محيط المنطقة.

وامتدت الاشتباكات المسلحة إلى جنوب العاصمة الخرطوم، خصوصاً في محيط «سلاح المدرعات» والأحياء المجاورة. وتحاول قوات «الدعم السريع»، منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل الماضي، السيطرة على «سلاح المدرعات» لأهميته الاستراتيجية في المنطقة.

وأسفرت الحرب المستمرة بين القوتين المتصارعتين، عن تدمير هائل للبنى التحتية في العاصمة الخرطوم، خصوصاً المنشآت الحكومية والبنوك ومحطات الكهرباء والمياه، و«السوق العربي»؛ أشهر وأكبر أسواق العاصمة المثلثة.

لقطة من فيديو تظهر جنوداً من القوات المسلحة السودانية يقودون مركبات عسكرية في أحد شوارع أمدرمان (أ.ف.ب)

إجبار المدنيين على المغادرة

وطبقاً للشهود، فإن أحياء «الشجرة» و«الصحافة» و«جبرة» و«الرميلة» و«الكلاكلة» و«غزة»، وغيرها من أحياء جنوب العاصمة الخرطوم، تأثرت بشكل مباشر بسبب العنف الدائر في المنطقة، وأن القوات المتصارعة أجبرت المواطنين على مغادرة منازلهم على أساس أن المنطقة أصبحت ساحة حرب وغير آمنة.

ووفق الشهود فإن مدينة بحري، إحدى مدن العاصمة الثلاث، شهدت أيضاً اشتباكات عنيفة بالأسلحة الثقيلة والخفيفة، ما أدى لتصاعد ألسنة اللهب والدخان بكثافة. وأفاد الشهود بأن قوات «الدعم السريع» نشرت قوات عسكرية وعربات قتالية في الطريق الدائري بمحلية شرق النيل.

كما تشهد مدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور، اشتباكات مستمرة بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، ما أدى إلى تدمير منازل للمواطنين في أحياء المدينة. ويتبادل الجيش السوداني بقيادة رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، و«الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، اتهامات بالمسؤولية عن بدء القتال وارتكاب انتهاكات خلال الهدنات المتتالية.


مقالات ذات صلة

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز). p-circle

عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

استدعت وزارة خارجية جنوب السودان سفير السودان لدى جوبا احتجاجاً على هجوم بطائرات مسيَّرة استهدف سوقاً بمنطقة أبيي المتنازعة بين البلدين ومقتل العشرات.

أحمد يونس (كمبالا)
العالم العربي نقل جريح أصيب في هجوم بطائرة مسيرة على منطقة أبيي المتنازع عليها على الحدود بين السودان وجنوب السودان (رويترز)

هجوم بمسيّرات يقتل العشرات في منطقة حدودية بين السودان وجنوب السودان

قال وزير الإعلام المكلف في منطقة أبيي على الحدود بين السودان وجنوب السودان، يوحنا أكول نجور، إن ​ما لا يقل عن 73 شخصاً لقوا حتفهم إثر استهداف طائرات مسيرة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة) p-circle

المسيّرات توسّع رقعة المواجهات في السودان

تتزايد التقارير عن استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف مواقع داخل مناطق سيطرة طرفي الحرب في السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

القضاء التونسي يدين ناشطين بيئيين

واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
TT

القضاء التونسي يدين ناشطين بيئيين

واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين
واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين

قضت محكمة تونسية، الأربعاء، بأحكام بالسجن تتراوح بين سنة واحدة نافذة وستة أشهر مع وقف التنفيذ بحق عشرة ناشطين بيئيين، شاركوا في اعتصام نُظم عام 2020 بالقرب من مجمع صناعي مثير للجدل في محافظة قابس بجنوب البلاد.

وأوضحت المحامية حميدة الشايب وخير الدين دبيّة، المسؤول في حراك «أوقفوا التلوث» وأحد المتهمين المحكوم عليهم بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن المحكمة الابتدائية في قابس أكدت ثبوت الضرر، الذي لحق بالمجمع الكيميائي التونسي في هذه القضية.

وكان المجمع الكيميائي بقابس (حكومي) قد تقدم بشكوى ضد عدد من الناشطين، بتهمة «عرقلة حرية العمل» خلال اعتصام نُظم في ديسمبر (كانون الأول) 2020 بالقرب من المجمع، وفقاً لما أفادت به حميدة الشايب. وأُوقف الناشطون حينها ثم أُفرج عنهم.

وقال خير الدين دبيّة: «قيل لنا إن القضية ستُحفظ». غير أنه تبين للناشطين في مارس (آذار) الماضي أنهم أُدينوا غيابياً منذ عام 2023 بالسجن لمدة سنة واحدة.

وأكدت المحكمة الابتدائية في قابس، الأربعاء، الحكم بالسجن النافذ لمدة عام بحق متهمين اثنين، مع خفض العقوبة بالنسبة للثمانية الآخرين إلى ستة أشهر مع وقف التنفيذ.

وندّدت جمعية «تقاطع من أجل الحقوق والحريات»، في بيان، الأربعاء، بهذه الأحكام، منتقدة «اللجوء إلى المقاربات الزجرية في التعاطي مع المطالب الاجتماعية والبيئية، لما يمثّله ذلك من خطر على حرية الاحتجاج السلمي والمشاركة المدنية».

وأُنشئ المجمع الكيميائي التونسي، وهو مؤسسة عامة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للاقتصاد الوطني، سنة 1972 على الساحل البحري لقابس. ويُتّهم هذا المجمع بانتظام من قبل المدافعين عن البيئة بالمساهمة في تلويث كبير للمنطقة، نظراً لتخصصه في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.

وفي أواخر فبراير (شباط) الماضي، رفض القضاء طلب الوقف المؤقت لإنتاجه. وتم رفع الدعوى على خلفية العديد من حالات التسمم، التي سجلت العام الماضي في محيط هذا المجمع.

وفي 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، تظاهر آلاف السكان للمطالبة بإغلاق هذا المصنع، كما شلّ إضراب عام هذه المدينة التي يقطنها نحو 400 ألف نسمة.


السيسي: الجهد العسكري مع السعودية دفاعي ولا يشمل هجوماً على اليمن

الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: الجهد العسكري مع السعودية دفاعي ولا يشمل هجوماً على اليمن

الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

أكّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «الجهد العسكري المصري هو للدفاع عن أراضي المملكة العربية السعودية، ولا يشمل هجوماً على اليمن». وقال، مساء الأربعاء، إن «المقصود هو الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها، وأراضي أي دولة عربية أخرى إذا طلب من مصر ذلك». وأشار إلى أن «الجهد العسكري المصري لا يمتد إلى خارج حدود مصر أو أي دولة شقيقة تكون مصر حريصة على أمنها واستقرارها».

كما لفت السيسي إلى أن «وقوف مصر مع دول الخليج يأتي امتداداً للأمن القومي العربي المشترك». وقال إن «الأمن القومي العربي لا يتجزأ»، وشدّد على أن «استقرار أشقائنا في الخليج أمر يخص مصر من منظور الأمن القومي، وعلى ضرورة استعادة الاستقرار في كل الدول العربية، بما في ذلك في السودان وليبيا والصومال».

ومن المقرر أن ينعقد مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين المقبل، بشأن تفويض الرئيس السيسي لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم السعودية.

وشارك الرئيس السيسي، الأربعاء، في جلسة «أمن الوطن والمواطن» ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء.

الرئيس المصري يشدد على ضرورة استعادة الاستقرار في كل الدول العربية (الرئاسة المصرية)

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي، فقد تحدث وزير الداخلية محمود توفيق عن الجهود المبذولة لتطوير منظومة الأمن، والتصدي للجريمة الجنائية، مشيراً إلى أن «الداخلية وضعت خطة متكاملة في إطار جهودها لإعادة صياغة العمل الأمني، خاصة مع تطور أساليب ارتكاب الجرائم، ارتكزت على محاور، من بينها تكوين كوادر في مجال الجريمة الإلكترونية والملكية الفكرية، والرصد المبكر لحركة التنظيمات الإرهابية، وتنمية وعي المواطن، كونه حائط الصد أمام مساعي النيل من استقرار الوطن، وتحديث السياسة العقابية بالنسبة للمحكوم عليهم».

وبدوره، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن «مصر محاطة بدول تشهد أزمات وصراعات، وهي أوضاع تتعلق بالأمن القومي المصري»، لافتاً إلى أن «بلاده لديها علاقات وشراكات استراتيجية مع مختلف القوى العالمية، وتدير تلك العلاقات والشراكات بحكمة وفقاً لعقيدة (الاتزان الاستراتيجي) التي أرساها الرئيس السيسي».

وحول ما يتعلق بأمن منطقة البحر الأحمر، أشار عبد العاطي إلى أن «مصر تعمل على تحقيق الأمن والاستقرار في تلك المنطقة، بالتعاون مع الدول المتشاطئة، من خلال التعاون وإقامة الشراكات مع تلك الدول في المجالات المختلفة لوجستياً واقتصادياً وفي مجال التنمية السياحية».

كما أكد أن «الأمن المائي قضية وجودية، ولا يمكن رهن حياة 110 ملايين مصري بإرادة أحادية لأي طرف»، مشدداً على أن «مصر تطلب تطبيق قواعد القانون الدولي فقط»، مشيراً إلى أن «هناك قواعد تحكم السياسة المصرية تجاه دول القرن الأفريقي، وأولاها عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول والتأكيد على وحدة الدول واستقلاليتها والرفض الكامل لانفصال وتقسيم وتفكيك الدول في القرن الأفريقي، ومسألة النفاذ البحري بالتنسيق والاتفاق مع الدول المجاورة».

الرئيس السيسي أكد أن وقوف مصر مع دول الخليج يأتي امتداداً للأمن القومي العربي المشترك (الرئاسة المصرية)

وأوضح عبد العاطي أن «مصر لن تسمح بتقسيم السودان، ولا السماح بسقوط مؤسسات الدولة السودانية، والجهد المصري متواصل مع الأطراف الإقليميّة الأخرى لإيجاد حل سياسي في السودان».

وعقب الرئيس السيسي خلال الجلسة، مساء الأربعاء، مؤكداً «ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة، لأن عدم الحفاظ على مؤسسات الدول هو الذي يؤدي إلى سقوطها، وسقوط الدول يتسبب في مشكلات كبيرة جداً»، منوهاً بأن «الواقع الموجود بالمنطقة يشير إلى ذلك».

وتحدث السيسي عن ثوابت السياسة الخارجية المصرية منذ عام 2014، وقال إنها «تقوم على مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم التآمر، والحفاظ على وحدة الدولة الوطنية ومؤسساتها، وعدم التعامل مع الميليشيات المسلحة، والتعاون من أجل البناء والتنمية والتعمير، والانخراط الإيجابي في علاقات متوازنة مع الجميع».


الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تتمسك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بضرورة تحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي، قبل حسم ملف الدستور الدائم، في وقت تتجدد فيه مطالب ليبيين بطرح مشروع الدستور المنجز عام 2017 للاستفتاء الشعبي، باعتباره مخرجاً من دوامة المراحل الانتقالية، التي تعاقبت على البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.

وبدا التباين واضحاً خلال لقاء عقدته نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، مع أكاديميين وأعيان وشيوخ قبائل في جامعة غريان (غرب)، حيث انصب حديث المشاركين على ضرورة الاحتكام إلى الشعب بشأن المسودة الدستورية، وفق بيان للبعثة الأممية، مساء أمس الثلاثاء.

في المقابل، ركزت المقاربة الأممية على الخيارات التي طرحتها اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، وما خلصا إليه من توصيات تربط استكمال الاستحقاق الدستوري بتهيئة ظروف سياسية أكثر استقراراً.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

ولا تزال ليبيا تُدار بموجب الإعلان الدستوري، الصادر عقب إسقاط النظام السابق، فيما بقي مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة التأسيسية المنتخبة في يوليو (تموز) 2017 معلقاً، من دون عرضه على استفتاء عام، وهو ما أبقى الخلاف بشأن الأساس الدستوري الدائم للدولة مفتوحاً طوال سنوات الانقسام السياسي.

وخلال لقاء غريان، عبّر المشاركون عن إحباطهم من استمرار الأزمة، وتكرار المراحل الانتقالية، معتبرين أن بقاء المؤسسات السياسية في مواقعها، وسط الخلاف على شرعيتها، يطيل أمد الأزمة ويؤجل الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.

ورأى أحد الأكاديميين المشاركين أن تكرار تجربة الحكومات الانتقالية يقود إلى إعادة إنتاج المحاولات الفاشلة، في ظل استمرار الهيئات السياسية في تمديد ولاياتها، من دون إتاحة الفرصة أمام المواطنين لتحديد مستقبل النظام السياسي. واعتبر أن الاستفتاء على الدستور «يمثل مدخلاً ضرورياً لتمكين الليبيين من التعبير عن إرادتهم بشأن شكل الدولة ونظام الحكم».

واستحضر أحد الأعيان المحليين مؤتمر غريان لعام 1920، بوصفه محطة في تاريخ الحركة الوطنية الليبية، مشدداً على أن بناء الدولة لا يمكن أن يكتمل من دون دستور دائم يحظى بقبول الشعب. واختصر مشارك آخر مطلب الحاضرين في عبارة «دولة دستور يعني دولة قانون»، في إشارة إلى ارتباط إنهاء المرحلة الانتقالية بإقامة إطار قانوني مستقر، ينظم السلطات والعلاقة بينها.

أعضاء بالهيئة الدستورية لصياغة الدستور الليبي خلال مؤتمر صحافي عام 2014 (الصفحة الرسمية للهيئة)

في المقابل، نقلت خوري إدراك البعثة بأهمية التوصل إلى دستور دائم، موضحة أنها دعمت وستواصل دعم الجهود الليبية لتحقيق هذا الهدف، مع التشديد على أن تقرير مستقبل البلاد الدستوري يظل قراراً سيادياً لليبيين. لكن مقاربة البعثة تستند إلى ما خلصت إليه مساراتها السياسية (اللجنة الاستشارية الليبية والحوار المهيكل) من ضرورة معالجة التحديات القائمة، وتهيئة ظروف أكثر استقراراً قبل حسم الخيارات الدستورية.

وكانت اللجنة الاستشارية، التي شكلتها البعثة، قد خلصت في مايو (أيار) 2025 إلى أربعة خيارات دستورية وانتخابية، شملت إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، أو انتخاب البرلمان أولاً، ثم اعتماد دستور دائم، أو إقرار الدستور قبل الانتخابات، أو تشكيل لجنة حوار سياسي تتولى استكمال القوانين الانتخابية، وتحديد السلطة التنفيذية ومسار الدستور.

أما الحوار المُهيكل، الذي اختتم أعماله في يونيو (حزيران) الماضي، فقد أوصى مسار الحوكمة فيه بوضع إطار دستوري انتقالي توافقي وملزم، مع تأجيل حسم الدستور الدائم إلى حين استقرار الأوضاع السياسية. وتضمنت التوصيات مراجعة خبراء وطنيين لمسودات الدستور السابقة، وإحالة نتائج المراجعة إلى مجلس الشيوخ بعد انتخابه.

وفي ظل استمرار هذا التباين، يرى نوح عبد السيد، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي، أن المشكلة لا تكمن في غياب مشروع دستوري جاهز، بل في عدم اتخاذ خطوات عملية لعرضه على المواطنين، رغم إنجازه من هيئة منتخبة.

واستغرب عبد السيد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، عدم تحرك الأمم المتحدة والدول المنخرطة في الأزمة الليبية لدفع الاستفتاء على مشروع 2017، معتبراً أن تجاهله يثير تساؤلات بشأن جدية المواقف الدولية إزاء إنهاء الخلاف الدستوري. وشدد على أن الإشادة بأهمية الدستور لا تكفي ما لم تقترن بإجراءات تتيح لليبيين إبداء رأيهم فيه.

وتساءل عبد السيد عما إذا كانت التصريحات الأممية بشأن دعم الدستور تستهدف احتواء المطالب المحلية، أم تعكس توجهاً عملياً نحو إنهاء حالة الجمود، مشيراً إلى أن الاختبار الحقيقي للمواقف الدولية يتمثل في مدى استعدادها لدعم الاستفتاء على مشروع أنجزته هيئة تأسيسية منتخبة.

وانتهى عضو الهيئة التأسيسية إلى الربط بين استمرار التعثر الدستوري وحسابات القوى الخارجية، معتبراً أن بعض الدول قد تفضل التعامل مع سلطة مركزية مستقرة، حتى وإن اتسمت بطابع سلطوي، على دعم نظام ديمقراطي يتيح تداول السلطة، وتغيير الحكومات عبر الانتخابات.