السودان: احتدام المعارك في منطقة أمدرمان القديمة

تدمير القصر الرئاسي واتساع دائرة الاشتباكات في الخرطوم

صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)
صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)
TT

السودان: احتدام المعارك في منطقة أمدرمان القديمة

صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)
صورة جوية لدخان أسود متصاعد في إحدى الأسواق بمدينة أمدرمان السودانية يوم 17 مايو 2023 (رويترز)

نفذ الجيش السوداني قصفاً مدفعياً صباح يوم الاثنين من منطقة كرري العسكرية بشمال مدينة أمدرمان، مستهدفاً مواقع تمركز قوات «الدعم السريع» في جنوب وغرب المدينة.

وتفرض قوات «الدعم السريع» حصاراً على سلاح المدرعات في جنوب الخرطوم، وسلاح المهندسين في جنوب أمدرمان، ومقر القيادة العامة في شرق الخرطوم، بينما يقول الجيش إنه يمشط المناطق والأحياء المحيطة بتلك المناطق.

وقال سكان لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن الاشتباكات تجددت في أحياء وسط أمدرمان التي يربطها بمدينة بحري جسر «شمبات» الذي يُعد خط الإمداد الرئيسي لقوات «الدعم السريع» بين مدن العاصمة الثلاث. وذكرت لجان مقاومة منطقة ود نوباوي في أمدرمان أن معارك ضارية تدور بين الجيش وقوات «الدعم السريع» بمنطقة أمدرمان القديمة وأن القذائف تتساقط داخل الأحياء السكنية، مشيرة إلى إصابة 3 من أسرة واحدة إلى جانب طفل رضيع.

وأضافت اللجان أن القصف المستمر منذ يومين على منطقة أبوروف في أمدرمان أدى إلى انهيار غرفتين بأحد البيوت، وإصابة فتى عمره 15 سنة وطفلة عمرها 6 سنوات بكسور. وتسيطر قوات «الدعم السريع» على الجزء الأكبر من ولاية الخرطوم، بينما يسعى الجيش إلى قطع طرق الإمداد عبر الجسور التي تربط مدن العاصمة الثلاث؛ أمدرمان وبحري والخرطوم. وأفاد شهود بأن اشتباكات بين الطرفين دارت أيضاً في الجزء الغربي من محيط سلاح المهندسين.

الدخان يتصاعد وسط الاشتباكات في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)

نهب الأسواق

وقال شهود إن معظم الأسواق والمتاجر الصغيرة أغلقت أبوابها خشية النهب، لافتة إلى أن السوق الصغيرة التي يجلبون منها الخضراوات خالية الآن تماماً. وناشدت قوات «الدعم السريع» السماح للتجار والسكان بالتحرك والوصول إلى السوق المركزية وسوق الكلاكلة اللفة لشراء السلع الغذائية، وتغذية أسواق الأحياء بالخضراوات والطحين (الدقيق) لتشغيل المخابز «وإلا فسيموت الناس جوعاً». ومنذ اندلاع الصراع في منتصف أبريل (نيسان) تشهد العاصمة معارك يومية على نحو ينذر بحرب أهلية طويلة الأمد، خصوصاً مع اندلاع صراع آخر بدوافع عرقية في إقليم دارفور بغرب البلاد. وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن نحو 3 ملايين نزحوا داخل السودان بسبب الصراع. وقالت المنظمة إن ما يقرب من 930 ألف شخص فروا إلى بلدان مجاورة. وقالت الأمم المتحدة إن القتال الدائر في السودان رفع عدد المواطنين الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد لأكثر من 20 مليون شخص، مضيفة أن الصراع سيفاقم على الأرجح حالة انعدام الأمن الغذائي على المديين المتوسط والطويل.

الحرب مستمرة رغم المبادرات

توصل الطرفان المتحاربان لعدة اتفاقات لوقف إطلاق النار بوساطة من السعودية والولايات المتحدة، لكن المفاوضات التي جرت في جدة جرى تعليقها مطلع يونيو (حزيران) بعد أن تبادل الجيش و«الدعم السريع» الاتهامات بانتهاك الهدنة بينهما، وهو اتهام يكيله كل طرف للآخر بشكل متكرر. وعاد وفد الجيش السوداني من مدينة جدة إلى السودان يوم الأربعاء الماضي للتشاور، معلناً الاستعداد لمواصلة المباحثات «متى ما جرى استئنافها بعد تذليل المعوقات».

وقال مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، خلال لقائه عدداً من قيادات الكنائس السودانية مؤخراً إن تعدد المبادرات لم ينجح في إنهاء الحرب. وأضاف أنه جرى الاتفاق على «السعي لتحويل الحرب إلى أن تكون سبباً في توحيد الوجدان السوداني، ووقف صوت البندقية إلى الأبد، وتأسيس دولة جديدة يمكنها التقدم إلى الأمام ويفخر بها السودانيون». وأشار إلى أن اجتماعه مع قيادات الكنائس تطرق إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع الكنسي عبر «استقطاب الدعم الإنساني، وإيصال المساعدات الإنسانية من المنظمات الدولية، ومناقشة آليات توزيعها على السودانيين جميعاً دون تمييز».

تصاعد الدخان فوق أمدرمان جراء المعارك بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» (أ.ف.ب)

تدمير القصر الرئاسي

واتسعت دائرة الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في العاصمة الخرطوم، بالأسلحة الثقيلة والخفيفة والقصف المدفعي والجوي، ما أدى إلى تدمير منشآت استراتيجية، منها القصر الرئاسي وجامعة أفريقيا العالمية وعدد من المرافق الحيوية ومعالم المدينة الرئيسية.

ونشرت وسائل إعلام سودانية صوراً لتدمير شامل غيّر معالم القصر الرئاسي في وسط العاصمة، جراء الاشتباكات المتواصلة بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، لليوم 114 من بدء الصراع، بالإضافة إلى القصف العشوائي الجوي والمدفعي في محيط المنطقة.

وامتدت الاشتباكات المسلحة إلى جنوب العاصمة الخرطوم، خصوصاً في محيط «سلاح المدرعات» والأحياء المجاورة. وتحاول قوات «الدعم السريع»، منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل الماضي، السيطرة على «سلاح المدرعات» لأهميته الاستراتيجية في المنطقة.

وأسفرت الحرب المستمرة بين القوتين المتصارعتين، عن تدمير هائل للبنى التحتية في العاصمة الخرطوم، خصوصاً المنشآت الحكومية والبنوك ومحطات الكهرباء والمياه، و«السوق العربي»؛ أشهر وأكبر أسواق العاصمة المثلثة.

لقطة من فيديو تظهر جنوداً من القوات المسلحة السودانية يقودون مركبات عسكرية في أحد شوارع أمدرمان (أ.ف.ب)

إجبار المدنيين على المغادرة

وطبقاً للشهود، فإن أحياء «الشجرة» و«الصحافة» و«جبرة» و«الرميلة» و«الكلاكلة» و«غزة»، وغيرها من أحياء جنوب العاصمة الخرطوم، تأثرت بشكل مباشر بسبب العنف الدائر في المنطقة، وأن القوات المتصارعة أجبرت المواطنين على مغادرة منازلهم على أساس أن المنطقة أصبحت ساحة حرب وغير آمنة.

ووفق الشهود فإن مدينة بحري، إحدى مدن العاصمة الثلاث، شهدت أيضاً اشتباكات عنيفة بالأسلحة الثقيلة والخفيفة، ما أدى لتصاعد ألسنة اللهب والدخان بكثافة. وأفاد الشهود بأن قوات «الدعم السريع» نشرت قوات عسكرية وعربات قتالية في الطريق الدائري بمحلية شرق النيل.

كما تشهد مدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور، اشتباكات مستمرة بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، ما أدى إلى تدمير منازل للمواطنين في أحياء المدينة. ويتبادل الجيش السوداني بقيادة رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، و«الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، اتهامات بالمسؤولية عن بدء القتال وارتكاب انتهاكات خلال الهدنات المتتالية.


مقالات ذات صلة

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شمال افريقيا شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز) p-circle

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

واصلت الطائرات المسيّرة القتالية استهداف مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان و«الرهد أبو دكنة» المدينة الثالثة بالولاية وذلك في أحدث الهجمات.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

خاص حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

في أرفف مغطاة بالتراب، يُحيط بها الركام والغبار من كل جانب، تقبع ملايين الوثائق المهمة التي تسجل أكثر من 500 عام من تاريخ السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

قال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة الأُبَيِّض، عاصمة إقليم شمال كردفان، وسط غربي السودان، عاشت ليلة مروعة جرّاء هجوم بالمسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الولايات المتحدة​ الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

أقرَّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مشروع قانون يرسم مساراً لفرض عقوبات على مسؤولين في «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني.

رنا أبتر (واشنطن)
شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

دفاعات الجيش السوداني تتصدى لمسيرات استهدفت الخرطوم

أفادت تقارير بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدت لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق في مدينة أم درمان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الجزائر: خلفيات ومسوغات استبعاد المئات من ترشيحات اقتراع 2 يوليو

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان (سلطة الانتخابات)
رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان (سلطة الانتخابات)
TT

الجزائر: خلفيات ومسوغات استبعاد المئات من ترشيحات اقتراع 2 يوليو

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان (سلطة الانتخابات)
رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان (سلطة الانتخابات)

في حين قدَّم مسؤول الهيئة المنظمة للانتخابات في الجزائر ردوداً على تساؤلات ضاغطة حول «شبهة الفساد» التي استندت إليها الهيئة لإقصاء مئات المترشحين عن الاقتراع التشريعي المقرر في الثاني من يوليو (تموز) المقبل، صعَّدت الأحزاب التي تخوض الحملة تحذيرها من عزوف محتمل عن صناديق الاقتراع، وسط عدم اهتمام لافت من المواطنين.

وأكد رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» بالنيابة، كريم خلفان، خلال عرض الحصيلة الإجمالية لعملية دراسة صحة ملفات الترشح لانتخاب أعضاء «المجلس الشعبي الوطني» والفصل فيها، بالعاصمة يوم السبت، أن «الصلات المشبوهة بأوساط المال والأعمال» تصدرت مبررات الاستبعاد؛ حيث جرى إقصاء 1762 مترشحاً لهذا السبب، استناداً إلى «المادة 200، الفقرة السابعة» من القانون العضوي للانتخابات.

كوادر سلطة الانتخابات خلال عرض نتائج دراسة الترشيحات (سلطة الانتخابات)

كما أشار خلفان إلى رفض ملفات 1141 مترشحاً بسبب «صدور أحكام قضائية سالبة للحرية في حقهم دون الاستفادة من رد الاعتبار». وأوضح أن 571 متقدماً للانتخابات لم يستوفوا الشروط القانونية للترشح، بينما طال الإقصاء 72 شخصاً بداعي «التجوال السياسي»، الذي يعني تغيير حزب بحزب آخر قبيل الانتخاب، وهو ما يمنعه القانون.

مخالفات وطعون

توزعت بقية مبررات الرفض الفردية، بحسب خلفان، بين عدم التسجيل في الدائرة الانتخابية المستهدفة لـ 62 مترشحاً، و«محاولة التأثير على الاختيار الحر للناخبين والسير الحسن للعملية الانتخابية» لـ60 آخرين، فضلاً عن عدم تسوية الوضعية تجاه الإدارة الضريبية لـ 30 متقدماً، ونقص الوثائق والمستندات المطلوبة في الملف لـ 18 حالة. كما تسبب «عدم الأهلية» لتولي منصب نيابي بموجب «المادة 199» من قانون نظام الانتخابات في إقصاء 18 مترشحاً. وفي الغالب، يتعلق الأمر بمحكوم عليهم بحكم قضائي نهائي على أساس جناية أو جنحة.

وكان عدم بلوغ سن الـ25 عاماً يوم الاقتراع حائلاً دون قبول 14 ملفاً، بالإضافة إلى إقصاء 10 مترشحين بسبب عدم تسوية وضعيتهم تجاه الخدمة العسكرية.

رجال أعمال في السجن بتهم فساد (الشرق الأوسط)

وبخصوص القوائم، أو الترشيحات الجماعية، أوضح رئيس سلطة الانتخابات أن أسباب الرفض شملت «عدم الالتزام بالعدد القانوني المطلوب للمترشحين» في 10 قوائم، و«الإخفاق في استيفاء شرط نصاب التوقيعات» في 16 قائمة، و«عدم احترام شرط تخصيص نصف القائمة للشباب» في 14 قائمة، و«عدم إيداع ترشيحات بديلة» في 18 قائمة، إلى جانب إسقاط قائمتين لعدم احترام شرط المناصفة وتمثيل المرأة، وقائمة واحدة لعدم الالتزام بشرط الكفاءة والتمثيل الجامعي.

وفيما يخص الطعون، استقبلت المحاكم الإدارية 2370 طعناً ضد قرارات الرفض الصادرة عن السلطة؛ قُبل منها 120 طعناً فقط يتعلق بالمترشحين والقوائم، بينما رُفض 2250 طعناً آخر. وإجمالاً، وافقت السلطة المستقلة على 793 قائمة تضم 9854 مترشحاً، مقابل رفض 49 قائمة كلياً بحصيلة بلغت 746 مترشحاً.

أما بالنسبة للدوائر الانتخابية للجالية الوطنية بالخارج، فقد تم قبول 54 قائمة تشتمل على 432 مترشحاً، ورفض 12 قائمة تضم 96 مترشحاً.

«مقصلة المادة 200»

وتشير الإحصائيات الختامية لعملية غربلة الترشيحات إلى أن النساء يمثلن 21 في المائة من إجمالي الترشيحات المقبولة بواقع 2032 امرأة، في حين يطغى الطابع الشبابي على القوائم بوجود 5304 مترشحاً دون سن الأربعين، وهو ما يعادل 54 في المائة من المجموع الكلي.

زعيمة حزب العمال احتجت بشدة على معايير فرز الترشيحات (إعلام حزبي)

كما يتمتع المشهد الانتخابي بمستوى علمي واضح، حيث يحوز 4673 مترشحاً على شهادات جامعية، بنسبة تمثل 47 في المائة من مجموع المتنافسين في هذا الاستحقاق.

وحرص خلفان في تصريحاته على تأكيد أن هيئة الانتخابات «لم تتعامل مع الترشيحات بمفهوم الغربال، ولم تُقصِ أي مترشح، إنما فعَّلت مواد قانون الانتخابات على الملفات»، في رد غير مباشر على وسائل الإعلام وقادة الأحزاب الذين انتقدوا بشدة «إفراط سلطة الانتخابات في استخدام مقصلة المادة 200 من الانتخابات كمصفاة لانتقاء المترشحين».

وعملياً، فرضت المعايير الأمنية منطقها كبوابة فرز أولى في المسار الانتخابي. فقبل أن تتدخل سلطة الانتخابات، تكفلت الأجهزة الأمنية بتحديد من يملك الحق في المنافسة؛ ما أدى تلقائياً إلى إقصاء واسع لخيارات سياسية ومترشحين يتبنون مشاريع إصلاح وتغيير.

وطالت «المصفاة الأمنية» كل الأحزاب، الإسلامية واليسارية وذات التوجه الوطني والمحافظ، وتشكيلات الموالاة والمعارضة وحتى المرشحين المستقلين، في مشهد سياسي لم تعرفه أي انتخابات من قبل.

ويعود هذا «الهوس» بـ«شبهة المال الفاسد وتغلغله في السياسة» إلى نهج متبع من طرف السلطة التي جاءت بعد انتخابات الرئاسة في 2019 إثر تنحي الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم، في سياق احتجاج الشارع على ترشحه لولاية خامسة.

ففي تقدير رجال السلطة الجدد، كان رجال الأعمال في العهد السابق أحد أسباب الانحرافات التي عاشتها البلاد، خصوصاً ما تعلق بتبديد المال العام وتحويل مبالغ كبيرة منه إلى الخارج، وهي من بين التهم التي اتخذتها المحاكم أساساً لسجن العشرات من المسؤولين السابقين ورجال المال، من بينهم 3 رؤساء حكومات وعدة وزراء.

ولا يزال القضاء إلى اليوم يعالج تداعيات هذه الفترة.


جهاز أمني بطرابلس الليبية ينفي توقيف «بلوغر» عراقية بتهمة القتل

عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
TT

جهاز أمني بطرابلس الليبية ينفي توقيف «بلوغر» عراقية بتهمة القتل

عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)

نفى جهاز أمني بالعاصمة الليبية ما تردد بشأن إلقاء القبض على «بلوغر» عراقية لضلوعها في مقتل صانعة المحتوى الليبية خنساء مجاهد في طرابلس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وكانت السلطات في طرابلس قد أعلنت عن مقتل «المدوّنة» خنساء مجاهد، زوجة معاذ المنفوخ، العضو السابق في «ملتقى الحوار السياسي»، إثر إطلاق النار عليها في منطقة السراج، دون توجيه اتهامات لأحد بالتورط في قتلها.

صورة متداولة لجثمان المدونة الليبية خنساء مجاهد بعد اغتيالها بطرابلس في 21 نوفمبر الماضي (وسائل إعلام محلية)

ووجّه عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في حينه، بتشكيل فريق تحقيق «عالي المستوى»، وألزمه برفع تقارير يومية مباشرة له، ورفع درجة الاستعداد الأمني في العاصمة والمناطق المجاورة، مع تعزيز الحواجز والدوريات.

وكانت صفحات على وسائل التواصل الليبية قد ذكرت، الأحد، أن «جهاز دعم المديريات بالمناطق» في غرب البلاد، ألقى القبض على «البلوغر» العراقية (د.ف) على خلفية الاشتباه بوجود صلة لها بقضية مقتل خنساء مجاهد، لكن الجهاز سارع ونفى هذا الأمر جملة وتفصيلاً.

وقال «جهاز دعم المديريات بالمناطق» - من دون الإشارة إلى اسم «البلوغر» العراقية - إن «ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن ضبط بعض المتهمات اليوم، وأنهنّ متورطات في جريمة قتل وقعت خلال الفترة الماضية، هو خبر عارٍ من الصحة تماماً».

وأضاف الجهاز: «أي تفاصيل حول حالات الضبط سيتم نشرها لاحقاً إذا لزم الأمر، فور استكمال الإجراءات القانونية اللازمة».

واستغرب مصدرٌ أمني بطرابلس تحدث لـ«الشرق الأوسط» الربط بين مقتل «المدونة» الليبية وبين «البلوغر» العراقية، وقال إن «التحقيقات لا تزال جارية في القضية لكشف الملابسات، والتأكد من صحة المعلومات المتداولة».

وعبّر نشطاء حقوقيون عن غضبهم مما سموه «صمت بعض الجهات المعنية بحقوق المرأة حيال الجريمة»، مطالبين بموقف واضح تجاه القضية.

وسبق أن أدان «منبر المرأة الليبية من أجل السلام» جريمة اغتيال خنساء. وقال إن مثل هذه الجرائم «تعكس ازدياد العنف ضد المرأة في أثناء النزاع وبعده، وتدهور الوضع العام، وانعدام توفر آليات الوقاية والإنذار المبكر وإجراءات الحماية. وهذا يعد إنذاراً شديداً لتدهور حالة العنف ضد النساء في بلادنا».

وكانت قبيلة «القمامدة» - التي تنتمي إليها خنساء مجاهد - قد أعربت عن غضبها إزاء مقتلها، وحمّلت النائب العام ووزير داخلية «الوحدة» مسؤولية الواقعة، وطالبت بتحقيق عاجل وشفاف، وكشف الفاعلين والمتورطين وإعلان النتائج للرأي العام.


حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، أكبر مدن إقليم كردفان، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في ولاية شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات التي ظلت تتعرض لها المنطقة منذ شهور، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير محطات وشاحنات وقود مما فاقم أزمة الوقود، وارتفاع أسعار النقل.

ورجحت مصادر محلية أن تكون المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» التي تقاتل الجيش منذ أكثر من ثلاث سنوات. وقال ثلاثة شهود لـ«الشرق الأوسط» إن الهجمات الأخيرة استهدفت منشآت وقوافل داخل مدينة الأُبيّض وفي الطريق الوحيد المؤدي إليها. وذكر سائق شاحنة أن المسيّرات تحلق بكثافة فوق الطريق، وأنه شاهد استهداف ثلاثة خزانات وقود متحركة قرب بلدة أم روابة، ما أدى إلى تدميرها، واندلاع حرائق كبيرة شوهدت من مسافات بعيدة.

وفي مدينة الأُبيّض ، الأكبر في إقليم كردفان وإحدى أهم المدن الاستراتيجية في البلاد، قال شاهد آخر لـ«الشرق الأوسط»، إن المسيّرات استهدفت، صباح يوم الأحد، أربع محطات وقود داخل المدينة، أثناء تفريغ شحنة وقود، ما أدى لمقتل عدد من المواطنين وإصابة آخرين، فيما ظلت أعمدة الدخان تتصاعد لساعات طويلة فوق أجزاء واسعة من المدينة.

وأفاد شاهد ثالث بأن مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان، تعرضت أيضاً لقصف بالمسيّرات، وأن قذيفة سقطت على منزل أحد المواطنين، وتسببت في أضرار مادية وحالة من الذعر وسط السكان.

المسيّرات مشهد يومي

أصبحت المسيّرات القتالية جزءاً من المشهد اليومي في الأُبيّض، حيث تواصل التحليق في سماء المدينة، وأجزاء واسعة من كردفان لساعات طويلة، فيما تتكرر الهجمات بصورة شبه منتظمة منذ أكثر من شهر. ويقول السكان إن الشعور السائد لم يعد الخوف وحده، بل الغضب أيضاً، مع ازدياد أعداد الضحايا المدنيين، واستمرار استهداف المرافق الخدمية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من المواطنين.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش أو «قوات الدعم السريع» بشأن الهجمات الأخيرة، وهما عادة ما يلتزمان الصمت حيال كثير من العمليات العسكرية أو يقدمان روايات متباينة حولها.

ورغم الصمت الرسمي، فقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة وصور وتعليقات حول القصف، بينما واصل أنصار كل طرف وصف الهجمات التي شنها بالإنجاز العسكري في تجاهل لمعاناة المدنيين الذين يتحملون تكلفة الحرب.

ولقي الأسبوع الماضي، أكثر من عشرة أشخاص مصرعهم، وأصيب آخرون جراء هجوم بطائرة مسيّرة يرجح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع».

وفاقمت الهجمات الأخيرة أزمة الوقود التي تعاني منها مدينة الأُبيّض، بعد استهداف محطات الوقود والخزانات. وقال أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إن الحصول على الوقود أصبح أكثر صعوبة خلال الأيام الأخيرة، مما أدى إلى قلة عدد المركبات العامة، وتراجعت حركة النقل بصورة كبيرة، فضلاً عن ارتفاع تكلفته.

التحولات الديمغرافية

صورة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «قوات الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (صورة متداولة - أرشيفية)

وتزداد خطورة هذه الأزمة بسبب التحولات الديمغرافية التي شهدتها مدينة الأُبيّض منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، إذ تحولت إلى ملاذ رئيسي لعشرات الآلاف من الأسر الفارة من المعارك في القرى والمدن المحيطة.

ويقدر سكان محليون أن عدد سكان المدينة تضاعف أكثر من ثلاثة مرات مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، ما أدى إلى ضغوط هائلة على الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بما في ذلك الأساسية مثل المياه والكهرباء والصحة والنقل.

وتعد الأُبيّض واحدة من أكثر المدن أهمية في السودان من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، فهي تمثل مركزاً رئيسياً للزراعة والتجارة والنقل، وتُشكل بوابة تربط وسط السودان بغربه، خصوصاً إقليم دارفور.

ومنذ عدة أشهر، تحاصر «قوات الدعم السريع» المدينة من ثلاث جهات، بينما يسيطر الجيش على المدينة والطريق البري الرابط بينها وبين مدينة كوستي في ولاية النيل الأُبيّض، ما جعلها إحدى أهم نقاط التماس في الحرب المستمرة بين الطرفين.

ويرى مراقبون أن السيطرة على الأُبيّض أو إضعاف قدراتها اللوجستية يمثل هدفاً استراتيجياً لـ«قوات الدعم السريع»؛ نظراً لدورها بوصفها مركزاً للإمدادات والتجارة، وارتباطها بشبكة الطرق التي تربط إقليمي كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد، إضافة إلى تمركز أعداد كبيرة من الجيش في تلك المنطقة.

منظومة دفاع جوي

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض

يُذكر أن «قوات الدعم السريع» أعلنت في وقت سابق، أنها دمرت منظومة دفاع جوي تركية الصنع مضادة للطائرات المسيّرة كانت تؤمن المدينة، دون تعليق من الجيش، وهو ما عدّه كثير من المراقبين تطوراً خطيراً في معركة السيطرة على الأجواء فوق كردفان.

وتعكس الهجمات المستمرة على الأُبيّض تحولات أوسع سادت الحرب السودانية خلال العامين الأخيرين، إذ بعد أشهر طويلة من المعارك البرية الواسعة التي اتسمت بالسيطرة على المدن والأحياء والتقدم الميداني المباشر، أخذت الحرب تتجه بصورة كبيرة نحو الاعتماد على الضربات بعيدة المدى، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة.

ويقول خبراء عسكريون إن طرفي الحرب يسعيان إلى استنزاف بعضهما بعضاً، عبر استهداف مراكز القيادة والإمداد والبنية التحتية الحيوية، بدلاً من الاعتماد فقط على العمليات البرية المكلفة بشرياً ولوجستياً.

وخلال السنتين الماضيتين من الحرب، برزت المسيّرات بوصفها سلاحاً رئيسياً في النزاع، سواء لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات، أو لتنفيذ هجمات دقيقة على أهداف ثابتة ومتحركة.

ويمتلك طرفا الحرب أنواعاً مختلفة من المسيّرات، بدءاً من المسيرات الاستطلاعية الصغيرة التي تقوم بتحديد الأهداف، إلى المسيّرات الهجومية القادرة على حمل ذخائر موجهة، وصواريخ أرض جو، وأيضاً المسيّرات الانتحارية التي تهاجم الهدف مباشرة وتنفجر عند الاصطدام به.

تغيير طبيعة الحرب

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض 12 يناير 2026 (رويترز)

وأدى استخدام هذه التقنيات إلى تغيير طبيعة الحرب بصورة جوهرية، إذ لم تعد المدن البعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة بمنأى عن العمليات العسكرية، كما أصبحت المنشآت المدنية والبنية التحتية عُرضة للاستهداف بصورة أكبر من أي وقت مضى.

وبينما يتنافس الطرفان على تحقيق مكاسب عسكرية وإعلامية، يجد المدنيون أنفسهم في قلب المواجهة. ويتحدث السكان عن الطائرات التي تحلق فوق رؤوسهم، وأعمدة الدخان التي ترتفع في السماء جراء القصف المتواصل، فضلاً عن أزمات الوقود والمواصلات والخدمات التي تتراجع، والخوف الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

ودعا ناشطون في منصات التواصل الاجتماعي الجيش لتعزيز دفاعات المدينة وعدم تركها مستباحة لهجمات المسيرات المتكررة، وطالبوا بإجراءات عاجلة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية وتأمين خطوط الإمداد.

وأبدوا خشيتهم من أن يؤدي استمرار القصف واستهداف الوقود والخدمات الأساسية إلى إضعاف قدرة مدينة الأُبيّض على الصمود، خصوصاً في ظل استضافتها أعداداً كبيرة من النازحين واعتماد مناطق واسعة من كردفان عليها بوصفها مركزاً رئيسياً للتجارة والخدمات.

وحذّر الناشطون من أن تلقى المدينة مصيراً مشابهاً لمصير مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» بعد حصار استمر نحو 18 شهراً.

ومع استمرار الهجمات وتراجع المؤشرات على قرب انتهاء الحرب، تزداد المخاوف من أن تتحول مدينة الأُبيّض إلى واحدة من أكثر المناطق تأثراً بتداعيات الصراع المستمر في السودان.