الإعلام الفرنسي: نزعة جديدة باتجاه تفلّت الخطاب العنصري

«هجمة» رجل الأعمال المحافظ فانسان بولوريه تعزّز هيمنة اليمين المتطرّف عليه

صورة لإضرار العاملين في "لوجورنال دو ديمانش" (جي دي دي)
صورة لإضرار العاملين في "لوجورنال دو ديمانش" (جي دي دي)
TT

الإعلام الفرنسي: نزعة جديدة باتجاه تفلّت الخطاب العنصري

صورة لإضرار العاملين في "لوجورنال دو ديمانش" (جي دي دي)
صورة لإضرار العاملين في "لوجورنال دو ديمانش" (جي دي دي)

منذ أيام قليلة، انتهى إضراب صحافيي أسبوعية «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية وعمالها بتأكيد مجموعة «لاغاردير» ثقتها في الإعلامي جوفروا لوجون على رأس إدارة الأسبوعية الشهيرة. ويأتي تنصيب صحافي معروف بمواقفه الموالية لليمين المتطرف على رأس صوت إعلامي بعد هجمة ملحوظة للملياردير فانسان بولوريه على معاقل الإعلام الفرنسي بغرض ضمّها إلى مجموعته الضخمة «فيفندي»، وكان رجل الأعمال الفرنسي المحافظ قد أثار في مناسبات كثيرة جدلاً واسعاً بسبب مواقفه الموالية لليمين المتطرف.

إيريك زمّور (إلى اليمين) على قناة "سي نيوز"

«لوجورنال دو ديمانش»

أكثر من شهر من الإضرابات، ودعم 650 شخصية من مختلف الأطياف السياسية والثقافية، وجدل على مستوى الصحافة والبرلمان حول حياد وسائل الإعلام لم تكن كافية للي ذراع إدارة مجموعة «لاغاردير» المالكة (مؤقتاً) لـ«لوجورنال دو ديمانش» (جي دي دي). وللعلم، كان الفريق العامل فيها قد عبّر بغالبية ساحقة (98 في المائة) عن رفضه تعيين جوفروا لوجون مديراً للتحرير بسبب مواقفه المتطرفة. وما يذكر أن مدير التحرير الجديد كان قد أُقيل قبلاً من مهامه على رأس صحيفة «فالور أكتووال» (التي يملكها رجل الأعمال الفرنسي - اللبناني إسكندر صفا) بعدما ساند علانية ترشّح زعيم اليمين المتطرف إيريك زمّور للرئاسة، ويعد زمّور من أصدقائه المقربين. كذلك فإن لوجون كان أيضاً وراء تأليف كتاب بعنوان «زمّور الرئيس» (دار نشر رينغ) الذي مدح فيه الطموح السياسي لزعيم كتلة «الاستعادة» (روكونكيت) وحظوظه المزعومة في الفوز بالرئاسيات ورسم للمرشح السابق ملامح شخصية مثالية.

أكثر من هذا، يُعدّ لوجون البالغ من العمر 35 سنة صديقاً مقرباً لماريون مارشال - لوبن، ابنة أخت زعيمة حزب «التجمع الوطني» المتطرف مارين لوبن وحفيدة جان ماري لوبن مؤسّس حزب «الجبهة الوطنية» المتطرف. وهو لم يكتفِ بالإجهار عن قناعاته السياسية فحسب، بل ذهب إلى غاية الإعلان عن نيته الدفاع عن نظريات اليمين المتطرف في وسائل الإعلام. وفي حوار نشر على موقع «أنسيب» لمدرسة العلوم السياسية التي أسهم في تأسيسها مع صديقته ماريون، صرّح لوجون قائلاً: «إنني أحاول تطوير أفكارنا في المناقشات العامة من أجل إقناع الناس، والدفاع عن مواقفنا. وأنا أفكّر خصوصاً بالقنوات الإخبارية التي تتيح لنا إمكانية القيام بذلك بصفة منتظمة».

جوفروا لوجون

من جهة ثانية، حين كان لوجون يدير مجلة «لي فالور أكتوروال» صدر بحقه حكم قضائي وغرامة مالية بتهمة «السبّ العلني بدوافع عنصرية» بعد تشبيه النائبة ذات الأصول الأفريقية دانيال أبونو بـ«العبدة السوداء». وحالياً تؤكد نسبة كبيرة من فريق تحرير الـ«جي دي دي» نيتها الاستقالة بعد وصول المدير الجديد. وفي مقال بعنوان «اليمين المتطرف يبتلع جي دي دي»، في جريدة «لامارسياز»، أعرب الناطقون باسم الصحافيين عن أسفهم لـ«الهزيمة التي أفضت إلى تولّي الصحافي المعروف بمواقفه المتطرفة إدارة الأسبوعية رغم احتجاجاتهم لكنه (أي المدير) - كما يقول البيان - سيدخل إلى مكاتب خالية من العمال... لأن الغالبية استقالت...».

وسائل الإعلام الفرنسية التي تناولت بإسهاب قضية الـ«جي دي دي» ربطت، في الواقع، بين صعود الخطاب المتطرف في بعض وسائل الإعلام واتساع نفوذ مجموعة «فيفندي» التابعة لفانسان بولوريه، وهذه ليست القضية الوحيدة، فكثرة من الانتقادات وُجهت في السابق، وما زالت تُوجه، إلى القناة الإخبارية «سي نيوز» بسبب نزعتها نحو نشر نظريات التيارات المحافظة.

«سي نيوز» الإخباريةمنبر لليمين المتطرف

في سياق موازٍ، وتحت عنوان «سي نيوز... قناة تعدّدية»، نشرت صحيفة «ليبيراسيون» اليسارية دراسة تختبر فيها مدى «تعدّدية» القناة - التابعة لـ«فيفندي» - وحجم انفتاحها على مختلف الأطياف السياسية. وجاء ذلك إثر الجدل الكبير الذي أعقب تصريح وزير التربية والتعليم السابق باب ندياي، الذي وصف القناة الإخبارية بأنها «بوق لليمين المتطرف بلا منازع». ولقد أكدت دراسة «ليبيراسيون»، كما يتوقع كثيرون، تصريحات وزير التربية السابق عندما كشفت أن القناة (التي تملكها «فيفندي» العملاقة عبر ذراعها «كانال بلوس») هي بمثابة «حاضنة للشخصيات اليمينية». وبالأرقام، مثلت الشخصيات السياسية المنتمية لليمين واليمين المتطرف التي شاركت بمقابلات القناة وتدخلاتها خلال الأسبوع الأول من شهر يوليو (تموز) الماضي لوحده نسبة 73 في المائة، أي الغالبية الساحقة. وأيضاً وصلت نسبة الشخصيات الإعلامية المشاركة التي تنتمي إلى التيار السياسي نفسه إلى 82 في المائة.

الدراسة أشارت كذلك إلى وجود شخصيات فرنسية مختلفة تظهر بانتظام في تغطيات هذه القناة الإخبارية، وكلها معروفة بمواقفها المعادية للهجرة والمهاجرين، وبالأخص المسلمين، وبين هؤلاء العضو في حزب «التجمع الوطني» سابقاً وحزب «الاستعادة» حالياً، جان مسيحة - واسمه الحقيقي باسم مسيحة ـ وهو مصري الأصل.

كذلك شملت الانتقادات أيضاً معالجة القناة للأحداث السياسية واختيار المواضيع، وإضافة إلى استضافتها برنامجاً أسبوعياً من تنشيط الصحافي السابق ورئيس حزب «الاستعادة» إيريك زمّور، فهي أيضاً القناة التي خصصت برنامجاً للكاتب رولان كامو، صاحب نظرية «الاستبدال العظيم»، نشر من خلالها، على مدار نصف ساعة، نظرياته المُتطرفة بكل حرية في برنامج أسهم فيه الإعلامي المخضرم إيفان روفيول، أحد أقطاب صحيفة «لوفيغارو». والأمر اللافت اليوم، أن هذه القناة في تقدم مستمر. وثمة تقارير عديدة كشفت عن أنها - بالرغم من كونها حديثة التأسيس - تحتل حالياً ريادة القنوات الإخبارية مناصفةً مع «بي إف إم تي في»، التي ظلت طويلاً الأولى من حيث نسب المشاهدة. والواضح، أن «سي نيوز» تُركز كثيراً في تغطياتها على إشكالات الهجرة والإسلام والأمن وأحداث الشغب بين الشرطة وشباب الضواحي، وتستفيد من ذلك. وعلى سبيل المثال، حققت القناة خلال الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة نسبة مشاهدة عالية جداً بالنسبة للقنوات الإخبارية.

بولوريه «برلوسكوني جديد»!

يُرجع المراقبون توجه بعض وسائل الإعلام، وبالأخص التابعة لمجموعة «فيفندي» نحو تبني خطاب اليمين المتطرف إلى تأثير مالكها ورئيسها اليميني الملياردير بولوريه الذي يوصف بأنه كاثوليكي ملتزم.

الرجل كوّن ثروة تُقدر بأكثر من 10 مليارات يورو معظمها من نشاطات استثمارية في أفريقيا، تشمل مجالي النقل البحري والمقاولات، مُعتمداً على علاقاته المتينة بقادة سياسيين في دول غرب أفريقيا مثل نيجيريا وكوت ديفوار وغانا والكاميرون. إلا أنه وجه في الفترة الأخيرة اهتمامه إلى الإعلام، بضمه قناة «سي نيوز»، و«قناة سي 8»، و«إذاعة أوروبا 1»، وباقة قنوات «كانال بلوس» إلى إمبراطوريته.

وتفيد أحدث بأن «فيفندي» هي الآن على وشك التحول إلى عملاق الإعلام في فرنسا، بعد موافقة بروكسل (الاتحاد الأوروبي) على العرض الذي تقدمت به لشراء مجموعة «لاغاردير» الإعلامية، مُستحوذة بذلك على صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» ومجلة «باري ماتش»، ومجلة «غالا»، ودار «هاشيت» العريقة للنشر، وشركة الدعاية والاتصال العالمية العريقة «هافاس». ولكن، بخلاف رئيس الوزراء الإيطالي السابق الراحل سيلفيو برلوسكوني، الذي استغل إمبراطوريته الإعلامية لخدمة طموحه السياسي، فإن بولوريه - وإن كان قريباً جداً من الأوساط اليمينية - بقي في ظل السياسيين تربطهم به علاقة قوية من دون أن يخوض المُعترك السياسي.

وهنا نشير إلى أنه قريب جداً من الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، وكان قد احتفل معه بفوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2007. والشيء المؤكد أن بولوريه يسعى بوضوح وإصرار إلى بناء استراتيجية مُحكمة لبسط آرائه اليمينية المحافظة على وسائل الإعلام التي يمتلكها عبر فتح منابرها لشخصيات يمينية محافظة. ولغايات رمزية أشارت وسائل الإعلام إلى إقدامه على تغيير اسم القناة بعد ضمّها عام 2016 من «أي تيلي» إلى «سي نيوز» على غرار نظيرتها الأميركية «فوكس نيوز»، مع الإشارة إلى مساندة القناة الصريحة لترشح إيريك زمور. وحقاً، كانت «سي نيوز» أشبه ما يكون بمنبر للمرشح المتطرف السابق، مخالفة بذلك قوانين المجلس الأعلى للسمعي البصري.

واليوم، فإن فانسان بولوريه هو من فرض جوفروا لوجون على رأس الـ«جي دي دي». ومع أنه لم يعترف بهذه الأجندة السياسية علانية. وهو كان قد قال أمام أعضاء مجلس الشيوخ خلال جلسة استماع بشأن تركيز ملكية وسائل الإعلام: «مصالحنا ليست سياسية وليست آيديولوجية... إنها اقتصادية فقط. أنا أجيبك عن أسئلتكم كفرد فقط وليس لدي أي قوة ضمن مجموعة فيفندي...».


مقالات ذات صلة

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

إعلام شعار "فيسبوك" (د ب أ)

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة.

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق «المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

«المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

اختتم «المنتدى السعودي للإعلام» أعمال نسخته الخامسة في الرياض، أمس، بعد عقد أكثر من 60 جلسة حوارية وورشة عمل، ناقش فيها 300 متحدث من مختلف دول العالم، محاور.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
رياضة سعودية علاء شاهين خلال حديثه عن المحتوى الرقمي في منتدى الإعلام (الشرق الأوسط)

منتدى الإعلام السعودي يناقش صناعة محتوى رياضي رقمي يستهدف «جيل زد»

ناقش المنتدى السعودي للإعلام، اليوم، التحولات المتسارعة التي يشهدها المحتوى الرياضي الرقمي في ظل تطور أدوات الإعلام وتغيّر أنماط التلقي.

شوق الغامدي (الرياض)

كندة إبراهيم: «تيك توك» تريد للمنطقة اقتصاداً إبداعياً

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)
كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)
TT

كندة إبراهيم: «تيك توك» تريد للمنطقة اقتصاداً إبداعياً

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)
كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.