النيجر... انقلاب نحو الجحيم

هل يخسرُ الغربُ آخر معارك النفوذ في الساحل الأفريقي؟

جنود انقلابيون في الشوارع (رويترز)
جنود انقلابيون في الشوارع (رويترز)
TT

النيجر... انقلاب نحو الجحيم

جنود انقلابيون في الشوارع (رويترز)
جنود انقلابيون في الشوارع (رويترز)

قبلَ أسبوعين وقف محمد بازوم، بصفته رئيساً للنيجر، وسط حشود كبيرة كانت تستقبله في إقليم طاوة، بوسط البلاد، وألقى خطاباً لم تكن تنقصه الكاريزما ولا قوة الشخصية، فالرجلُ خريج فلسفة وبدأ مساره السياسي من العمل النقابي، قبل أن يتدرجَ في المناصب السامية، وصولاً إلى رئاسة البلاد قبل سنتين.

تكلّم بازوم، وهو السياسي المدني المتحدر من الأقلية العربية في النيجر، بصراحة غير معهودة عن المؤسسة العسكرية. وقال إن على الجنرالات أن يخرجوا من مكاتبهم المكيّفة، ليقفوا في الصفوف الأمامية مع الجنود في مواجهة التحديات الأمنية التي تهدّد البلاد، وخاصة خطر الإرهاب.

ولكن، بعد أسبوعٍ احتجز جنرال غاضب الرئيس بازوم داخل القصر الرئاسي، وأعلن قلب نظام الحكم، ليدخل البلد الأفريقي الفقير في نفقٍ مظلم، سبقته إليه مالي وبوركينا فاسو المجاورتان. بيد أن الوضعَ في النيجر سيكون مختلفاً، ذلك أن هذا البلد يعد أحد آخر معاقل قوى الغرب في منطقة الصحراء الكبرى، ومن المرجّح أن تدور فيه «المعركة الأخيرة» في حرب النفوذ المستعرة - من دون إعلان - في أفريقيا ما بين الغرب وروسيا.

الانقلابات مألوفة في النيجر

على غرار غالبية بلدان غرب أفريقيا، الانقلابات العسكرية ليست أمراً غريباً في النيجر؛ إذ لا يكادُ يمر عقد من دون وقوع انقلاب أو اثنين، أو على الأقل محاولات تفشل في اللحظات الأخيرة. ويكفي أن نعرف أنه منذ انتخاب محمد بازوم رئيساً للنيجر عام 2021، وقعت محاولة انقلابية جدية قبل يومين من تنصيبه، ومحاولة أخرى جرى التعتيم عليها العام الماضي.

هذا ما يدفع إلى القول إن الانقلابات غدت جزءاً من تناقضات الديمقراطية الأفريقية، فحين تفشلُ يُعد ذلك دليلاً على صلابة التجربة الديمقراطية ونضجها، وحين تنجح تُصنَّف على أنها تصحيح للمسار الديمقراطي وتعزيز له... أي أنها في النهاية دوماً تُقدم على أنها جزء من العملية الديمقراطية، على الرغم مما يُقال عنها خلال لحظات الشك في أيام التأرجح ما بين الفشل والنجاح.

في هذا السياق، يقول عبد الصمد امبارك، رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية» في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن الانقلاب الذي وقع في النيجر «يدخل في مسلسل الانقلابات التي دأبت عليها القارة السمراء منذ حقبة ما بعد الاستقلال».

أما فيما يتعلقُ برؤية الانقلاب من السياق الداخلي للنيجر، فيعتقدُ امبارك أنه «من الطبيعي أن يكونَ إجهاضاً للشرعية الدستورية، وإجهاضاً لشرعية الحكم في النيجر، سيما وأنه عندما خرجت النيجر من انتخابات عام 2021 الرئاسية شكل ذلك نموذجاً للتناوب السلمي على السلطة، وكان يعتبر مصدر فخرٍ في غرب أفريقيا. لكن اليوم تنقلب الصورة في مسعى عسكري قديم متجدّد، هدفه الاستيلاء على السلطة إثر خلاف بين أقطاب المعادلة السياسية».

انعدام النضج والتخطيط

من جانبه، يذهب ياسين عبد القادر الزوي، وهو باحث في الشؤون الأفريقية، خلال حديث مع «الشرق الأوسط» إلى الغوص أكثر في أسباب الانقلاب، مشيراً إلى أن الأمور لم تكن بذلك «النضج والتخطيط». ثم يوضح فيقول: «إن المتابع لبداية الأحداث سيدركُ أنه لم يكن هناك تخطيط للانقلاب، بل بدا الأمر وكأنه نوع من الضغط على الرئيس كي يتراجع عن بعض القرارات».

قائد الانقلاب الجنرال عبد الرحمن تياني مع رفاقه (رويترز)

وأردف الباحث في الشأن الأفريقي أن المعلومات المتداولة تشير إلى أن بازوم «كان ينوي إجراء تغييرات ستصدر عن اجتماع لمجلس وزراء سينعقد الخميس، ولكن الانقلاب وقع الأربعاء... وكان ضمن هذه التغييرات إقالة قائد الحرس الرئاسي الجنرال عبد الرحمن تياني»، وهو الرجلُ الذي قاد الانقلاب، وهو يحاول جاهداً تثبيت أركان حكمه رغم كل الضغوط.

ومن ثم، يذكّر الزوي بمضمون كلام الرئيس بازوم في إقليم طاوة، حين قال صراحة إن «القادة العسكريين لا يجوز أن يبقوا في المكاتب وتحت المكيفات، وإنما مكانهم الحقيقي هو في صدارة الجنود، وفي الصفوف الأمامية لمواجهة التحديات الأمنية». وكان ذلك إشارة ضمنية إلى الجنرال الموجود في قيادة الحرس الرئاسي منذ قرابة 10 سنوات.

الرئيس الرهينة

حقاً، لطالما كانت الانقلابات العسكرية في النيجر، وفي غرب أفريقيا عموماً، تقوم على مخطط ونموذج ثابت لا يكاد يخرج عنه أي انقلاب؛ إذ تقف وراء الانقلاب مجموعة من الضباط في مختلف التشكيلات العسكرية، ولديهم جناح مدني صلب، وربما جهة خارجية توفر لهم الدعم الدبلوماسي المطلوب.

ولكن خلال السنوات الأخيرة ظهر نموذج جديد من الانقلابات العسكرية. هذا النموذج بدأ في مالي عام 2020، وتكرّر في بوركينا فاسو ثم في غينيا، وها هو يحدث في النيجر، بالتفاصيل نفسها حتى لكأن الجهة التي خططت له هي نفسها.

ويعتمدُ هذا النموذج المُـبسَّط جداً على أخذ الرئيس «رهينة»، وإرغامه على تقديم استقالته، ورفض الاستجابة لأي ضغوط إقليمية أو دولية، في استغلال واضح للوضع الدولي المضطرب، معززاً باستغلالٍ لحالة الغضب الشعبي من الأوضاع الاقتصادية المتأزمة، وربط كل تلك الأزمات بشخص الرئيس وسياساته «الفاشلة».

وهكذا تصبحُ استقالة الرئيس هي المخرج «الدستوري» الوحيد الذي يراهن عليه الانقلابيون، وسبيلهم الوحيد نحو فرض الأمر الواقع. هذا بالضبط ما حدث في دولة مالي قبل ثلاث سنوات، حين نجح الانقلابيون في إرغام الرئيس الراحل إبراهيم بابكر كيتا على تقديم استقالته في بث عبر التلفزيون، واعتبر ذلك إذلالاً لواحد من أعتى السياسيين في غرب أفريقيا، وضربة موجعة للديمقراطية.

ولكن مراقبي الوضع في النيجر، يتساءلون عمّا إذا كان النقابي العتيد محمد بازوم سيرضخ لرغبات الانقلابيين، ويقدم استقالته ليقطع بذلك الطريق على كل التحركات الإقليمية والدولية لإعادته إلى كرسي الحكم أم لا.

الرئيس محمد بازوم (أ.ف.ب)

هُنا يقول ياسين عبد القادر الزوي، الذي يدّعي معرفة شخصية بالرئيس بازوم: «حسب معرفتي به، فهو شخصية صلبة وشجاعة وعنيدة وعصامية، ما يعني أن مسألة تقديم الاستقالة والتنازل مستبعدة جداً. وفي تقديري أن أكبر تنازل يمكن أن يقدّمه هو أن يتفاوض معهم على حلٍّ يناسب الجميع، كأن يمنحهم مناصب دبلوماسية مع إبعادهم عن المواقع العسكرية الحسّاسة».

تداعيات الانقلاب

في المقابل، على الرغم من أن الزوي يبدو جازماً إزاء صمود بازوم، ما قد يساهم في فشل الانقلاب العسكري، فإن التجربة في أفريقيا - وحتى في النيجر ذاتها - تثبتُ أن أي محاولة انقلابية وصلت إلى هذه المرحلة، من الصعب أن تعود الأمور بعدها إلى ما كانت عليه. والسبب أن قادة الانقلاب، وإن كانوا ليسوا بالقوة الكافية للمضي قُدما، فإن الرئيس بدوره يكون قد فقد قوة الاستمرار في الحكم، وبالتالي قد يبرزُ طرف ثالث يُخرِج الطرفين من المعادلة.

وهُنا يقول الباحث في الشأن الأفريقي إن الانقلاب حتى وإن فشل «ستكون له تأثيرات كبيرة على المشهد السياسي في النيجر، خاصة على مستوى الحزب الحاكم... فبغض النظر عما ستؤول إليه الأمور، لا شك، ستتغير المواقع في الخارطة السياسية، وخاصة وضع الرئيس السابق محمدو يوسفو، الذي كان موقفه غير واضح من الانقلاب خلال الأيام الأولى، وهو الذي كان في السنوات الأخيرة صاحب الكلمة الأولى في الحزب الحاكم».

أما عبد الصمد امبارك، رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية»، فيقولُ إن الانقلاب بغض النظر عن نتيجته «يضع النيجر أمام مرحلة استثنائية من المفروض أنها قد تتطلب بعض الوقت... ولكن تداعياتها وخيمة على الأمن والتنمية في هذا البلد الذي يعاني أصلاً مضاعفات مؤثرة على الاستقرار، نتيجة تنامي مخاطر الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية، زيادة على تراجع معدلات التنمية مع انتشار الفقر والجهل والتخلف».

ويضعُ امبارك هذا الانقلاب في سياق ما قال إنه «دوامة اللا استقرار السياسي، التي شملت كلاً من مالي وبوركينا فاسو وتشاد، ما يولّد حلقة جديدة من التداعيات في شبه المنطقة قد تمتد نحو نطاق أوسع، وتنتشر العدوى إثر اشتعال النار في هذه البلدان الهشّة والمعروفة بضعف الولاء للدولة المركزية. وهذا، ناهيك عن هشاشة نظام الحكم في هذه الدول، وهو حكم حديث العهد بالتعددية السياسية وبالديمقراطية».

إطفاء الحريق

من جانب آخر، تعدّدت محاولة إطفاء حريق النيجر، وفي حين جاء الموقف الغربي صارماً ضد الانقلاب، ذهبت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) إلى فرض عقوبات مع التلويح بخيار التدخل العسكري ضد الانقلابيين، وهو ما دفع مالي وبوركينا فاسو وغينيا إلى اعتبار أي تدخل عسكري في النيجر اعتداءً وإعلان حرب عليها.

ووسط كل هذه الجلبة، برز موقف مختلف تبنّته تشاد المجاورة للنيجر، حين هرع رئيسها الجنرال الشاب محمد إدريس ديبي إلى عاصمة النيجر نيامي، والتقى بأطراف الأزمة بمن فيهم الرئيس المحتجز بازوم وقادة الانقلاب، فيما بدا أنه مبادرة للوساطة من أجل حلحلة الوضع والخروج بحل سلمي.

وفعلاً، ثمة مبررات كثيرة لتحرك تشاد دون غيرها، فهي ليست عضواً في مجموعة «إيكواس»، وبالتالي فهي غير ملزمة بالعقوبات المفروضة على النيجر، بل هي أقرب لموقف الحياد بين كل الأطراف. ثم إن شريطاً حدودياً طويلاً يربطها بالنيجر، وهو من أخطر المناطق، حيث تنشط جماعات مسلحة وشبكات تهريب.

وهنا يقول ياسين عبد القادر الزوي إنه بالإضافة إلى ما سبق «لدى تشاد وجود عسكري كبير في النيجر، وخصوصاً في إقليم ديفا المحاذي للأراضي التشادية، في إطار تعاون مهم جداً قائم منذ سنواتٍ بين البلدين لمكافحة الإرهاب ومحاربة الجماعات المسلحة. وأول زيارة خارجية للرئيس محمد إدريس ديبي عقب توليه السلطة مكان والده الراحل إدريس ديبي، كانت إلى النيجر، وهو يرتبط بعلاقة إنسانية جيدة مع الرئيس محمد بازوم الذي هو من إقليم ديفا».

أيضاً تجمع البلدين الجارين عدة أطر إقليمية، مثل «مجموعة دول الخمس في الساحل»، و«التحالف العسكري الإقليمي لمحاربة بوكو حرام» الذي يضم معهما نيجيريا والكاميرون. ووفق كلام الزوي، فإن «تشاد تحاول أن تستعيد مكانتها ودورها في المنطقة، بعد سنواتٍ من الانكفاء على النفس، ولا شك أن محمد إدريس ديبي يسعى إلى لعب دور محوري في هذه الأزمة، وتقديم نفسه كلاعب كبير في أزمات المنطقة، على غرار ما كان يفعلُ والده». ويضيف الزوي أن «الوساطة التشادية تبقى في النهاية مبادرة شجاعة، وتُحسب للجنرال ديبي، لكن الوضع لا يزالُ غير واضح المعالم، ومن غير الممكن التكهن بنتائجها، لكن الأكيد أنها تحظى بدعم من مجموعة (إيكواس) وفرنسا».

في أي حال، تشاد تحاولُ جاهدة أن تطفئ حريق النيجر؛ كي لا تجد نفسها محاصرة بالنيران، في ظل الحرب المستعرة في دولة السودان، جارتها الشرقية. وفي مقابل موقف تشاد الساعي للوساطة والتهدئة، يبرزُ موقف نيجيريا الحازم تجاه الانقلاب العسكري في النيجر. وهذا موقف له تأثيره الكبير على سير الأمور؛ لأن نيجيريا هي الدولة الأكبر والأهم في غرب أفريقيا، وصاحبة القرار المؤثر في مجموعة «إيكواس»، وهي ترى أن أي انزلاق في النيجر يشكل تهديداً جدياً لأمنها القومي، بسبب التداخل العرقي والاجتماعي والثقافي بين البلدين.

الحل العسكري

هنا، من الواضح أن رئيس نيجيريا الجديد بولا تينوبو، يدفعُ نحو تدخل عسكري تقوم به «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس)، وهي المنظمة الإقليمية التي تضم 15 بلداً من ضمنها النيجر، وقعت كلها على ميثاق يرفض الانقلابات ويسمح بعقوبات ضد مرتكبيها، قد تصل إلى التدخل العسكري.

وفيما يبدو أن الخيار العسكري سيكون «الحل الأخير» - إلا أنه يبقى مطروحاً - يعرب عبد الصمد امبارك عن اعتقاده بأن هذا الخيار «غير ممكن لبضعة أسباب منها: أولاً فقدان القدرة الميدانية على القيام به. وثانياً الموقف الموحّد الذي أعلن عنه التحالف القائم بين بوركينا فاسو ومالي (ومعهما غينيا) في مواجهة أي تدخل عسكري محتمل في النيجر. وثالثاً لأن التدخل العسكري من شأنه أن يُعقد الأمور ويدفع بها في اتجاه المجهول، وبالتالي، حدوث ما لا تُحمَد عقباه في منطقة الساحل عموماً».

وهنا يعود إلى أذهان صنّاع القرار في المنطقة، تدخل حلف شمال الأطلسي «ناتو» في ليبيا عام 2011، الذي عارضته مجموعة دول الساحل بحجة خطره على الأمن في المنطقة، ولكن لا أحد سمع صوتها آنذاك. هذه الدول لن تكون مستعدة لتكرار الخطأ نفسه، وفي هذا السياق يشير امبارك إلى أن الوضع بات أكثر تعقيداً في ظل ما قال إنه «صراع دولي على النفوذ في المنطقة... من جهة محاور باريس وواشنطن وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومحوَر روسيا الصاعد بقوة من جهة أخرى، خاصة بعد انتشار قوات (فاغنر) الخاصة الروسية (في جل بلدان الساحل الأفريقي)». ويضيف رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية» أن «هذه الأوضاع من شأنها تعقيد حسابات الخروج من الأزمة الدستورية في النيجر».

ولكن الزوي، في رأي مخالف، يعتقد أن الحل العسكري «غير مستبعد». ويشير في هذا السياق إلى أن «الوضع الإقليمي والدولي الملتهب يجعلُ الحل العسكري مسألة متوقعة جداً، ولو أنه يبقى الخيار الأخير». ويضيف: «كل المؤشرات تقول إنه في حالة رفض القادة العسكريين التراجع عما قاموا به، فلا مفر من الحل العسكري».

هل هي حقاً "صفعة" لنفوذ فرنسا الإقليمي؟

*لا يشك مراقبون للوضع الإقليمي أن فرنسا خسرت كثيراً من قوتها في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، لكنها رغم ذلك لطالما اعتبرت النيجر آخر معاقل ومراكز القوة الفرنسية، بسبب تمركز أكثر من 1500 جندي فرنسي فيها.

غير أنه، بعد الانقلاب الأخير، يرى هؤلاء أن الأمور تتجه نحو توجيه «صفعة» جديدة للنفوذ الفرنسي، خاصة في ظل التقارب الواضح بين الانقلابيين في النيجر وأقرانهم في مالي وبوركينا فاسو.

هنا يقول ياسين عبد القادر الزوي إن «الوجود العسكري الفرنسي في النيجر مهم جداً، وله رمزية معنوية لدى باريس. وبالتالي، فإن نجاح الانقلاب سيضعه أمام مخاطر كبيرة، رغم تطمينات قادة الانقلاب، وذلك أمر تدركه فرنسا... التي لن ترضى بأقل من عودة الرئيس المنتخب إلى منصبه، مع تقديم تنازلات سياسية محدودة».

ويضيف الباحث في الشأن الأفريقي أن الرسائل الداعمة للانقلاب التي جاءت من مالي وبوركينا فاسو لها دلالتها؛ إذ إنها «تنطلق من خلافات كانت قائمة مع السلطات السابقة في النيجر، التي ظلت تعارض الانقلاب في البلدين. وعليه، يشكل انقلاب النيجر فرصة أمام كل من مالي وبوركينا فاسو لـ(جرّ) النيجر نحو معسكرهما المناهض لفرنسا والموالي لروسيا».

في المقابل، الموقف الروسي من انقلاب النيجر، وإن كان رافضاً للانقلاب، فهو لم يكن بنفس مستوى الحدة التي جاءت بها مواقف المجموعة الدولية، بل إن رئيس «فاغنر» عبّر عن استعداده لدعم قادة النيجر الجدد.

أكثر من هذا، فإن النقيب إبراهيم تراوري، رئيس بوركينا فاسو، ظهر في اجتماع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أسبوع، وهو يتحدث عن ضرورة دعم الجيش في النيجر. وقال أيضاً إن ثمة اتهامات توجه إلى مالي وبوركينا فاسو بالتورط في انقلاب النيجر، الأمر ينطوي على اتهام مبطن لروسيا بالتورط في الانقلاب بطريقة غير مباشرة، ومع أنه لم ينف ذلك ولم يؤكده، فإن تراوري اعتبر أنه «يفرض اتخاذ موقف تجاه ما يجري».


مقالات ذات صلة

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) p-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) p-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) p-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.