شاشة الناقد: Joseph‪’‬s Son

مارغوت روبي ورايان غوزلينغ في «باربي» (وورنر)
مارغوت روبي ورايان غوزلينغ في «باربي» (وورنر)
TT

شاشة الناقد: Joseph‪’‬s Son

مارغوت روبي ورايان غوزلينغ في «باربي» (وورنر)
مارغوت روبي ورايان غوزلينغ في «باربي» (وورنر)

Joseph‪’‬s Son ****

إخراج: هاوبام بابان كومار | الهند | 2023

* فيلم أخاذ وجديد من نوعه إلى حد كبير وأول ما يدعو إليه هو البحث عن أفلام سابقة لهذا المخرج الذي سبق له أن حاز جائزة «فيبرسكي» سنة 2006 بفيلم عنوانه AFSPA‪,‬ 1958. بعده أنجز عدداً من الأفلام التسجيلية أو ذات الطابع التسجيلي. «ابن جوزف» هو أحد أفلامه الروائية التي تتخذ طابعاً تسجيلياً.

يبدأ بجوزف نفسه (روين ماشنغفا الذي كتب الموسيقى كذلك) وهو يتحدث لشقيق زوجته عن الموسيقى والغناء. تخرج زوجة جوزف، واسمها ماري (بليسي أوم) عن صمتها وتطلب من زوجها فعل شيء، فابنهما الشاب ديڤيد خرج من المنزل قبل يومين ولم يعد. من هنا تبدأ رحلة جوزف بحثاً عن ابنه. يركب دراجته النارية الصغيرة وينتقل بها على طرق ريفية فوق تلك الجبال العالية في شمال غرب الهند المتاخمة للتيبت. منطقة لم نر منها ما يُذكر من أفلام وتصوير جويديب بوز يمنحها حقها من الحضور.

المسافات طويلة والطرق كثيرة والأشخاص الذين يلتقي بهم جوزف في بحثه متعددون. بينهم ضابط الشرطة الذي يطلب منه المجيء معه إلى حيث تم الاحتفاظ بجثمان شاب يماثل عمر ابنه، لكن جوزف يغادر رافضاً ذلك. لاحقاً ما يبرر هذا بالقول إن الضابط أخبره أن وجه القتيل مشوّه بفعل الرصاصة التي أصيب بها. جوزف لم يجد سبباً لأن يخمّن ما إذا كان الجثمان لابنه أم لا.

يواصل جوزف البحث الطويل وطول هذا البحث يرتد إيجاباً على فيلم يخلع عن نفسه الحكاية ليتوغل في المفادات. المنطقة المسيحية التي يعيش جوزف فيها (الفيلم ناطق باللغة المايتية خاصة أهل المنطقة). رموز الأسماء. البحث الذي يتحوّل من الغير إلى الذات وعدم مشاهدتنا لديڤيد كما لو أنه غير موجود.

مشهد من فيلم «ابن جوزف» (أولي بيكتشرز)

غير الشرطة وأبناء القرية هناك الميليشيات المسلحة التي يذكرها المخرج لكنه لا يكترث للحديث عنها. في النهاية يعود جوزف إلى حيث ذلك الجثمان. يضعه المخرج في غرفة معتمة. ينظر جوزف ملياً إلى الجثة المغطاة بشرشف ثم يرفع ذلك الشرشف. لن نعرف ما إذا كان تعرّف على ابنه أم لا. لكن سيلي ذلك خروجه من المكان ووقوفه يرقب حفار قبور.

بعد ذلك هناك ذلك المشهد النهائي: جوزف يدخل مستشفى ويسير من رواق فيه إلى آخر. يستدير يساراً في رواق آخر ويمضي. الكاميرا تلحقه. لا أبواب في ذلك الممر الطويل الذي يبدو بلا نهاية. بعد قليل لا أشخاص سواه. يمشي فيه بخطى ثابتة لكنه، وبعد خمس دقائق مدّة المشهد، تبدأ خطواته في التباطؤ. إنه متعب الآن ويكاد يقع... ولن نعرف إلى أين هو سائر.

«ابن جوزف» خامة بديعة وخاصة من الأفلام. حكاية بسيطة على خلفية من الأدغال والجبال وقدر من التفاصيل. أحياناً ما يبدو الفيلم قد تلكأ في منطقة الوسط، لكنها حقيقة عابرة لفيلم متين الصنعة ومدروس الخطوات والتصميم جيداً.

عروض مهرجان شنغهاي

Barbie **

إخراج: غريتا غرويغ | الولايات المتحدة | 2023

* الفيلم الثاني للمخرجة الآتية من التمثيل كان «نساء صغيرات» المأخوذ عن رواية بالعنوان ذاته كتبتها لويسا ماي ألكوت. النجاح الذي حققته المخرجة في ذلك الاقتباس كان كبيراً على الصعيد النقدي ومحدوداً على الصعيد التجاري ولسبب واضح: كان يخلو من الترفيه. كان أجود من أن يلهو بحكاية كلاسيكية تناوبت على إنتاجها استوديوهات هوليوود منذ 1917. هذا على الرغم من أن بعض سلوكيات الممثلات إيما واتسن وسواريس رونان وفلورنس بوف، في نسخة 2019 تنتمي إلى هذه الأيام الحاضرة وليس إلى القرن التاسع عشر، الزمن الذي وضعت فيه الروائية حكايتها.

لا بأس. أمور كهذه قد تفلت من الإدارة تبعاً لاستسلام المخرج لبعض المتطلبات. لكن في «باربي»، بطولة مارغوت روبي ورايان غوزلينغ، المسألة ليست فقط أن التمثيل يشبه الظهور في سلسلة إعلانات التلفزيون، بل أيضاً في أن الفيلم، وقد انتقلت به مخرجته من الماضي العريق إلى الحاضر الخليط، يخلو من أي شخصية إيجابية أو غير عدائية. شخصيات تسري في أوصالها الأنانية والنرجسية وقدر لا بأس به من البلاهة.

باربي، هي الدمية الناطقة كشأن كل «الباربيات» في «باربي لاند» لكن هذه «الباربي» قررت أن تنتقل إلى العالم الحقيقي بعدما اكتشفت أنها مصابة بعارض صحي قد يقضي عليها إلا إذا تعرّفت على العائلة التي تنتمي إليها في العالم الحقيقي. هذا يتم -ومن دون عوائق- بسرعة مجتازة بسيارتها الحدود بين العالمين. ستعود إلى عالمها السابق محبطة لكنها ستنتهي وقد قررت التحوّل بالكامل إلى آدمية دفاعاً عن حقوق المرأة ضد السُّلطة الذكورية.

معها في هذه الرحلة بيتش كن (غوزلينغ) الذي كان وقع في غرامها كدمية ثم عارضها كتوجه ثم تصالح معها في النهاية. لمعظم وقته على الشاشة يبدو رايان غوزلينغ مناسباً لدور الأبله لكن هذا التلاؤم لا يعفي خلوّ شخصيّته من بطانة جاذبة. الاثنان معاً يعكسان منحى من السينما يخرج عن الفورمات المعتادة حتى مع إدراك المشاهد أن الفيلم هو تركيبة تجارية صافية ما بين مؤسسة «ماتل» للدمى (صاحبة الحقوق) والمنتجين (غرويغ ونوا بومباخ) وشركة «وورنر».

للفيلم حسنة حقيقية واحدة: حرية غرويغ في الإقدام على تفعيل أي أسلوب فني-بصري-صوتي ترغب فيه وتصميم الفيلم على أساس من المشاهد البديعة غير المتوقعة مزدانة باستعراضات موسيقية. هناك جرأة في عملها تبعاً لتصميم ممتاز على الورق وفي التنفيذ حسب الطريقة التي تجسد كل تلك الفانتازيا بألوانها وأشكالها وحركاتها. تنطلق هذه التركيبة من المشهد الأول مع صوت هيلين ميرين وهي تقول في مطلع الفيلم: «منذ بدء الزمن، كانت هناك دوماً دُمى». هذه العبارة ترد مصحوبة بالموسيقى التي ميّزت بداية فيلم ستانلي كوبريك في «2001: أوديسا فضائية». مهارة وحرية إقدام تؤسس لكل شيء بعد ذلك لكنها في الوقت ذاته إساءة ساخرة من إحدى روائع السينما.

«باربي»، في نهاية كل مطاف، فيه استجابة كاملة لدواعي السوق: توظيف متبادل بين دمي شركة «ماتل» والفيلم الذي يمثّلها. وحذق صانعي الفيلم في كيفية إنجاز فيلم كوميدي برسالة تؤيد المرأة وتستفيد من تلك الحركات التصحيحية التي سادت السنوات القليلة الماضية على نحو ترفيهي كامل يبدو بريئاً من كل غاية وهو ليس كذلك. الفيلم يسمح لمن فوق الثالثة عشرة من العمر مشاهدته، وفي عالم حاشد بالخلط الشديد بين الممكن والمستحيل والواقع والخيال والحقيقة والزيف آت عبر كل مرافق السوشال ميديا والتقنيات، لا يبدو هذا الفيلم مناسباً لجيل تختلط في باله كل هذه التوجّهات وتشده في كل اتجاه غير ما هو بحاجة إليه.

عروض عالمية

ضعيف* | وسط**| جيد ***| ممتاز**** | تحفة*****


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز